رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مشتعلا قلبي أكتب، لا تكف نبضاته عن إرسال دويها إلى باقي أنحاء الجسد، تكاد البحار تفقد نوارسها والجبال تتيبس ثم تتفتت، والرؤوس متجهة إلى لا شيء، هل هي المحروسة التي أعشق؟
أم وطن تسيل الدماء منه وفيه ويرسل عشرات الأرواح كل يوم إلى دار البقاء؟
من يوقظ الفتنة؟ أليس ثمة رشيد يبعث بعين العقل كي تميز السلوك والأقوال والأفعال.
دماء من تراق في الصباحات الأولى من اليوم ثم تتمدد حتى المساءات؟ ثمة حب مفقود ومودة مسافرة ورحمة غائبة أو مغيبة قسرا، ثم أبواب للحلم أغلقت.
لم تعد مدن المحروسة قادرة على استيعاب الخلاف، فسرعان ما تفرز الدماء عنوانا يتجه إليه الفرقاء، فيتوقفون بمحطته، تتوزع الدماء على القبائل، لا تعرف من القاتل ومن المقتول، كلاهما من الوطن نفسه ومن رائحة التاريخ نفسها.
أصرخ في الطرقات والشوارع والميادين المغلقة والمفتوحة: أين أهل المحروسة التي أعشق؟ أين الصباحات التي يتبادلون فيها مفردات المحبة التي تشي بالرغبة القوية في معانقة الحياة والقدرة على تجاوز مكابداتها اليومية؟.
غابت الابتسامات الطالعة من أعماق الأفئدة ومن غيابات جب الروح ومن أصلاب الرجال ومن أرحام النسوة، مرسومة على قسمات وجوه الصبايا والورود التي تعلن عن اشتهائها لشروق الشمس وحثها على إرسال الدفء وغسيل ما تبقى من عتمة الليل وإنهاك الوجع الذي فرض سطوته في الظلام.
انتابت القسمات التي اعتادت الاستقواء على الألم ملامح غريبة تخاصم الفجر وانبثاق الندى على أوراق النباتات والأشجار.
بات النهر حزينا، أطالع وجهه كل صباح فأشعر أنه فقد بهاءه القديم، موجه ساكن، ألوان قوس قزح التي كانت تنام على صفحته تحولت إلى لا شيء، إلى لا لون، دهستها حالة السكون، أغرقتها في أعماق النهر، لم يعد يكشف عن أسراره أو يعزف ألحان الصباح والمساء المدهشة التي كان يرقص على تنويعاتها أهل المحروسة. باتوا أسرى للأنغام الراكدة التي تخرج بين الحين والآخر تصيب البشر بالصمت والبقاء خارج دوائر البهجة التي كان يرسمها النهر على مدى التاريخ، النيل حزين لأن الدماء صارت أكثر تدفقا وأكثر حضورا من مياهه التي هي عنوان الحياة في المحروسة، سألته ذات مرة فأجابني النيل والوجع مرسوم بشواطئه: كنت أسهم في ارتواء الحقول والحدائق فتفرغ الناس لسكب الدماء فيها لم يعد لمائي وزن ولا لسواحلي قيمة ولا لموجي حضور.
تركت النيل، سألت الحقول فأجابتني: إنها لعنة الدم حلت على أوراق النباتات التي أحرص على اخضرارها، وسألت الحدائق فجاءت إجابتها لتستقر في قلبي وجعا وفي وجهي ألما: لم تعد ورودي مطلوبة للعشاق أو المحبين أو منفذا للهدايا، لكنها أضحت مطلوبة لهدرها من قبل حاملي السلاح والمولوتوف والمتفجرات والسيارات المفخخة وراكبي الدراجات البخارية، يطلقون قنابلهم وعبواتهم الناسفة فتقتل البشر وتدمر الأماكن والمنشآت.
سألت الوجوه، فلم يجبني أصحابها، فقد غدت دونما ملامح والألسنة سكنت خانة الصمت والأفواه مغلقة والآذان غير قادرة على أن تنصت للحق وللحقيقة ولأصوات الوطن والعيون أصابها رزاز الغازات المسيلة للدموع ودخان القنابل ورائحة الرصاص.
بكيت في صمت، الوطن ليس هو الوطن والنيل استباحته العناكب، والأشجار التهمتها الوحوش المدمرة، والحدائق اندثرت والكواكب انتثرت والمحروسة يكاد أهلها يئدونها بأيديهم تصرخ فيهم لكنهم فقدوا القدرة على الاستجابة السريعة، الغسق هو الجدار العازل بين الحقيقة والوهم.
صم بكم عمي، من يغتالون المحروسة، من يصبون الزيت على نيرانها المشتعلة لكي لا تتوقف، غلت أيدي من يقذف بالدماء في وجوه البشر، فتسرق أرواح الأبرياء وتصيب الحنايا بالوجع الأبدي الذي لا ينتهي.
أتساءل: أي قلب يحمله ذلك الذي يتوجه بقنابله وعبواته الناسفة ورصاصه ليدمر قطعة من الوطن أو يقتل بشرا، هل ثمة جهاد هنا؟ الجهاد الحقيقي هناك خلف الحدود الشرقية، حيث الكيان العدواني الاستيطاني.
من يبرر ألوان القتل؟ أي دين يبيحها؟
أتساءل مرة أخرى: تاريخ المحروسة مضت عليه سبعة آلاف عام، فهل شهدت خلالها مثلما تشهده الآن.
تزاحمني الدماء وآخرها التي سكبت فوق الكوبري العلوي القريب من منزلي بالجيزة، بناتي أصابهن الرعب عندما استيقظن صباح الجمعة الفائتة على صوت دوي انفجار هائل وقبلها بأسبوعين استمعنا لدوي أكثر ضخامة وكان على بعد منا ربما بعشرة كيلو مترات والذي أصاب مديرية أمن العاصمة، فمزق واجهتها وبعضا من أجزاء مبناها، كما أوشك على تدمير متحف الفن الإسلامي.
هي أشياء لا تشترى على حد تعبير شاعرنا الجنوبي أمل دنقل، لكنها تنبع من الروح وعندما تغادر روح الوطن الجسد فما الذي بوسعه أن يفعله جسد مهشم، مجهض الأحلام التي يغتالها الدم الذي يتدفق في أرضها.
هل تستحق المحروسة رائحة الدم ورائحة الموت التي تفرض حضورها في أيامها ومواسمها وحاراتها وطرقاتها وجسورها ومنازل ساكنيها؟
لا بالتأكيد، فهي وطن ليس مثل الأوطان الأخرى، هي مختلقة مغايرة روحها وجوهرها وعبق تاريخها وعمقها الحضاري استثناء في المعمورة، اسألوا القرآن عنها وكذلك الإنجيل وكذلك التوراة، هي قدس أقداس الأوطان وسر بهجة التاريخ عندما يتعانق مع الجغرافيا، هي حبلى دوما بالحكايات والانتصارات والانكسارات، بيد أنها قادرة على تغيير مسارها إلى الوجهة الأخرى، وجهة الفوز كانت وما زالت وستبقى ومن يسعى إلى الإضرار بها تصيبه اللعنة الأبدية فيسقط في براثن النسيان وغيابات جب التاريخ.
أمتطي عشق المحروسة رغم أنها تؤلمني من فرط الفوضى التي يئن جسدها منها وهي فوضى مقصودة حتى يتوارى جوهرها. كما تؤلمني بعنت طرقاتها التي باتت مصدرا لعبث مروري غير مسبوق ودونما مثيل.
هي في حاجة - المحروسة - إلى استعادة فعل المحبة بين ساكنيها من دون إقصاء على أرضية ترفض سكب الدماء، هي في حاجة إلى أن يحبها بنوها، يعشقوها يرسموها، ليس على قسمات الوجوه فحسب وإنما يحولونها إلى نبض لأفئدتهم ونسائم لصدورهم وحدائق تنسمته بها عيونهم، فمتى يا رب يفعلون؟ أنقذهم قبل أن تتفاقم لغة الدم.
السطر الأخير:
قلبي ليس من ذهب
هو فيض مشاعر
متكئا على حدائق العشق
ترى لو أنني مسافر إليك
أين ستكون إقامتي؟
في المسافة بين العينين
أم في مساحات الشهد
عند النهر النائي
أو لدى نوارس البحر
صحفي عربي من مصر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2811
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2538
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1608
| 29 مايو 2026