رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مشتعلا قلبي أكتب، لا تكف نبضاته عن إرسال دويها إلى باقي أنحاء الجسد، تكاد البحار تفقد نوارسها والجبال تتيبس ثم تتفتت، والرؤوس متجهة إلى لا شيء، هل هي المحروسة التي أعشق؟
أم وطن تسيل الدماء منه وفيه ويرسل عشرات الأرواح كل يوم إلى دار البقاء؟
من يوقظ الفتنة؟ أليس ثمة رشيد يبعث بعين العقل كي تميز السلوك والأقوال والأفعال.
دماء من تراق في الصباحات الأولى من اليوم ثم تتمدد حتى المساءات؟ ثمة حب مفقود ومودة مسافرة ورحمة غائبة أو مغيبة قسرا، ثم أبواب للحلم أغلقت.
لم تعد مدن المحروسة قادرة على استيعاب الخلاف، فسرعان ما تفرز الدماء عنوانا يتجه إليه الفرقاء، فيتوقفون بمحطته، تتوزع الدماء على القبائل، لا تعرف من القاتل ومن المقتول، كلاهما من الوطن نفسه ومن رائحة التاريخ نفسها.
أصرخ في الطرقات والشوارع والميادين المغلقة والمفتوحة: أين أهل المحروسة التي أعشق؟ أين الصباحات التي يتبادلون فيها مفردات المحبة التي تشي بالرغبة القوية في معانقة الحياة والقدرة على تجاوز مكابداتها اليومية؟.
غابت الابتسامات الطالعة من أعماق الأفئدة ومن غيابات جب الروح ومن أصلاب الرجال ومن أرحام النسوة، مرسومة على قسمات وجوه الصبايا والورود التي تعلن عن اشتهائها لشروق الشمس وحثها على إرسال الدفء وغسيل ما تبقى من عتمة الليل وإنهاك الوجع الذي فرض سطوته في الظلام.
انتابت القسمات التي اعتادت الاستقواء على الألم ملامح غريبة تخاصم الفجر وانبثاق الندى على أوراق النباتات والأشجار.
بات النهر حزينا، أطالع وجهه كل صباح فأشعر أنه فقد بهاءه القديم، موجه ساكن، ألوان قوس قزح التي كانت تنام على صفحته تحولت إلى لا شيء، إلى لا لون، دهستها حالة السكون، أغرقتها في أعماق النهر، لم يعد يكشف عن أسراره أو يعزف ألحان الصباح والمساء المدهشة التي كان يرقص على تنويعاتها أهل المحروسة. باتوا أسرى للأنغام الراكدة التي تخرج بين الحين والآخر تصيب البشر بالصمت والبقاء خارج دوائر البهجة التي كان يرسمها النهر على مدى التاريخ، النيل حزين لأن الدماء صارت أكثر تدفقا وأكثر حضورا من مياهه التي هي عنوان الحياة في المحروسة، سألته ذات مرة فأجابني النيل والوجع مرسوم بشواطئه: كنت أسهم في ارتواء الحقول والحدائق فتفرغ الناس لسكب الدماء فيها لم يعد لمائي وزن ولا لسواحلي قيمة ولا لموجي حضور.
تركت النيل، سألت الحقول فأجابتني: إنها لعنة الدم حلت على أوراق النباتات التي أحرص على اخضرارها، وسألت الحدائق فجاءت إجابتها لتستقر في قلبي وجعا وفي وجهي ألما: لم تعد ورودي مطلوبة للعشاق أو المحبين أو منفذا للهدايا، لكنها أضحت مطلوبة لهدرها من قبل حاملي السلاح والمولوتوف والمتفجرات والسيارات المفخخة وراكبي الدراجات البخارية، يطلقون قنابلهم وعبواتهم الناسفة فتقتل البشر وتدمر الأماكن والمنشآت.
سألت الوجوه، فلم يجبني أصحابها، فقد غدت دونما ملامح والألسنة سكنت خانة الصمت والأفواه مغلقة والآذان غير قادرة على أن تنصت للحق وللحقيقة ولأصوات الوطن والعيون أصابها رزاز الغازات المسيلة للدموع ودخان القنابل ورائحة الرصاص.
بكيت في صمت، الوطن ليس هو الوطن والنيل استباحته العناكب، والأشجار التهمتها الوحوش المدمرة، والحدائق اندثرت والكواكب انتثرت والمحروسة يكاد أهلها يئدونها بأيديهم تصرخ فيهم لكنهم فقدوا القدرة على الاستجابة السريعة، الغسق هو الجدار العازل بين الحقيقة والوهم.
صم بكم عمي، من يغتالون المحروسة، من يصبون الزيت على نيرانها المشتعلة لكي لا تتوقف، غلت أيدي من يقذف بالدماء في وجوه البشر، فتسرق أرواح الأبرياء وتصيب الحنايا بالوجع الأبدي الذي لا ينتهي.
أتساءل: أي قلب يحمله ذلك الذي يتوجه بقنابله وعبواته الناسفة ورصاصه ليدمر قطعة من الوطن أو يقتل بشرا، هل ثمة جهاد هنا؟ الجهاد الحقيقي هناك خلف الحدود الشرقية، حيث الكيان العدواني الاستيطاني.
من يبرر ألوان القتل؟ أي دين يبيحها؟
أتساءل مرة أخرى: تاريخ المحروسة مضت عليه سبعة آلاف عام، فهل شهدت خلالها مثلما تشهده الآن.
تزاحمني الدماء وآخرها التي سكبت فوق الكوبري العلوي القريب من منزلي بالجيزة، بناتي أصابهن الرعب عندما استيقظن صباح الجمعة الفائتة على صوت دوي انفجار هائل وقبلها بأسبوعين استمعنا لدوي أكثر ضخامة وكان على بعد منا ربما بعشرة كيلو مترات والذي أصاب مديرية أمن العاصمة، فمزق واجهتها وبعضا من أجزاء مبناها، كما أوشك على تدمير متحف الفن الإسلامي.
هي أشياء لا تشترى على حد تعبير شاعرنا الجنوبي أمل دنقل، لكنها تنبع من الروح وعندما تغادر روح الوطن الجسد فما الذي بوسعه أن يفعله جسد مهشم، مجهض الأحلام التي يغتالها الدم الذي يتدفق في أرضها.
هل تستحق المحروسة رائحة الدم ورائحة الموت التي تفرض حضورها في أيامها ومواسمها وحاراتها وطرقاتها وجسورها ومنازل ساكنيها؟
لا بالتأكيد، فهي وطن ليس مثل الأوطان الأخرى، هي مختلقة مغايرة روحها وجوهرها وعبق تاريخها وعمقها الحضاري استثناء في المعمورة، اسألوا القرآن عنها وكذلك الإنجيل وكذلك التوراة، هي قدس أقداس الأوطان وسر بهجة التاريخ عندما يتعانق مع الجغرافيا، هي حبلى دوما بالحكايات والانتصارات والانكسارات، بيد أنها قادرة على تغيير مسارها إلى الوجهة الأخرى، وجهة الفوز كانت وما زالت وستبقى ومن يسعى إلى الإضرار بها تصيبه اللعنة الأبدية فيسقط في براثن النسيان وغيابات جب التاريخ.
أمتطي عشق المحروسة رغم أنها تؤلمني من فرط الفوضى التي يئن جسدها منها وهي فوضى مقصودة حتى يتوارى جوهرها. كما تؤلمني بعنت طرقاتها التي باتت مصدرا لعبث مروري غير مسبوق ودونما مثيل.
هي في حاجة - المحروسة - إلى استعادة فعل المحبة بين ساكنيها من دون إقصاء على أرضية ترفض سكب الدماء، هي في حاجة إلى أن يحبها بنوها، يعشقوها يرسموها، ليس على قسمات الوجوه فحسب وإنما يحولونها إلى نبض لأفئدتهم ونسائم لصدورهم وحدائق تنسمته بها عيونهم، فمتى يا رب يفعلون؟ أنقذهم قبل أن تتفاقم لغة الدم.
السطر الأخير:
قلبي ليس من ذهب
هو فيض مشاعر
متكئا على حدائق العشق
ترى لو أنني مسافر إليك
أين ستكون إقامتي؟
في المسافة بين العينين
أم في مساحات الشهد
عند النهر النائي
أو لدى نوارس البحر
صحفي عربي من مصر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2514
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2283
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1185
| 11 أكتوبر 2026