رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم التئام جولتي تفاوض بين وفدي النظام السوري والمعارضة ضمن مؤتمر جنيف 2 الذي انطلق في الثاني والعشرين من يناير الماضي فإن ما أفضتا إليه هو خيبة الأمل ليس للمشاركين فيه وإنما للشعب السوري الذي يدفع كلفة ثورته التي انبثقت قبل ثلاث سنوات تقريبا ضد استبداد نظام يتسم بالقدرة على توليد القهر وإعادة إنتاج أساليب الحكم التي تقوم على الديكتاتورية الفظة ورفض تفتيح ورود حدائق الحرية والهيمنة على كل مفاصل الوطن ومكامن السلطة والثروة فيه ومنحها للمرتبطين به من أفراد أسرة الرئيس وعناصره الأمنية سواء في المؤسسة العسكرية أو مؤسسة الأمن والاستخبارات فضلا عن رموز الحزب الحاكم الأوحد وطبقة رجال الأعمال التي ترتبط مصالحها باستمرار النظام بآلياته
ولعل الأخضر الإبراهيمي المبعوث الخاص للأمم المتحدة والجامعة العربية لسوريا قد التقط هذه الحقيقة فسارع في مؤتمره الصحفي بنهاية الجولة الثانية ظهر يوم السبت الماضي إلى تقديم الاعتذار والأسف للشعب السوري عما وصفه بعدم قدرة "جنيف 2" على إحراز تقدم يصب باتجاه الآمال الضخمة والخروج من الكابوس الرهيب الذي يعيشه وفق تعبير الإبراهيمي نفسه والسؤال المحوري هو من يتحمل مسؤولية إخفاق هاتين الجولتين؟
من خلال قراءة ما ورد في تصريحات الإبراهيمي في المؤتمر الصحفي نفسه يمكن تلمس الطرف المسؤول والذي يتمثل أساسا في وفد النظام الذي أبدى قدرا كبيرا من التعنت في رفضه لكل الطروحات التي تقود إلى منطقة وسط بين مواقفه من ناحية ومواقف المعارضة فهو يقول إن التعثر الذي شهدته مفاوضات جنيف نتج عن تمسك الوفد الحكومة بمناقشة مكافحة الإرهاب قبل الانتقال إلى مناقشة أى قضية أخرى رغم أن هذا البند لم يرد ذكره في بيان "جنيف 1" الذي صدر عن اجتماعات القوى الكبرى والقوى الإقليمية المعنية بالأزمة في الثلاثين من يونيو 2012 ويشكل الإطار الحاكم لـ"جنيف 2".
كما رفض الوفد الحكومي مناقشة تشكيل البند الخاص بتشكيل هيئة الحكم الانتقالية والتي نص عليها "جنيف 1" والتي قدم وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وثيقة مفصلة حول تشكيلها وصلاحيتها والخطوات التفصيلية التي ستتبعها لإعادة الأمن للشعب السوري وبناء مؤسسات الدولة وإصلاح الجيش والمدهش أن الوفد نفسه رفض مقترحا من الإبراهيمي بتخصيص يوم لمناقشة وقف العنف ومكافحة الإرهاب وآخر لمناقشة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي وهو اقتراح يتسم بالعملية والتوازن وفق قواعد التفاوض المعروفة في القانون الدولي لكن النظام يرفضه لأنه سيدفعه دفعا للبحث في محاولة تغيير بنية النظام السياسي من خلال مناقشة آليات تشكيل هيئة الحكم الانتقالية بصلاحيات كاملة سينجم عنها إعادة ترتيب وضع السلطة، والتحضير لكتابة دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية بعد أن يكون قد جرى وقف الصراع المسلح وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين والبدء بإعادة الإعمار وهى كلها عناصر تخصم من رصيد بقاء الأسد الذي ما زال يتطلع إلى الاستمرار في السلطة على جماجم الشعب عبر إعلانه الاستعداد للترشح للانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تنظم هذا العام وهو ما يتقاطع مع رفض شعبي واسع.
وحتى أكون منصفا فإن بعض دوائر المعارضة التي أخرجت من اللعبة لن تقبل بهذه العناصر التي تجردها من مقومات قوة تمتلكها على الأرض خاصة الأصولية والتي كشف النقاب عن ارتباط بعضها بنظام الأسد وفق ما ذكره الجيش السوري الحر وتحديدا ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام والمعروف بـ"داعش" والذي قاتلته تنظيمات إسلامية وعسكرية أخرى لكنه يتسم بنوع من التماسك وهو ما يفسر هذا الارتباط المريب بالنظام.
ولا يخرج تفسير هذه المواقف المتعنتة للوفد الحكومي في جنيف 2 عن أنه كان معبأ بتعليمات بشار الأسد وأركان حكمه خاصة على المستوى الأمني والاستخباراتي والتي لا يمكنه تجاوزها أو القفز عليها. وتهدف بلا شك إلى إجهاض المؤتمر وهو ما تحقق بالفعل بعد جولتين شهدتا تناقضات وتباينات واضحة بين طرفي الأزمة على نحو ينبئ بأن سير الأمور خلال الجولة الثالثة وربما الرابعة والخامسة والسادسة حتى العاشرة لن تفضي إلا إلى المزيد من الإخفاق مادام النظام متمسكا بمنهجية إهدار الزمن والتي يجيدها مثل غيره من النظم الاستبدادية متكئا في ذلك على دعم لوجستي سياسىي وعسكري واقتصادي من روسيا الاتحادية وإيران وحزب الله وميليشيا شيعية عراقية الأمر الذي مكنه في الأشهر الثلاث الأخيرة من تحقيق بعض الاختراقات العسكرية في جبهات القتال مع كتائب الثوار مستغلا في الوقت نفسه الصراعات بين الفئات المقاتلة خاصة تلك التي تنتمي إلى فصائل إسلاموية تمتد جذورها إلى تنظيمات إقليمية ودولية تتسم بالتطرف وتوصف بالإرهاب.
والمؤسف أن النظام لم يكف خلال أيام التفاوض عن توجيه آلته الحربية خاصة الطائرات المحملة بالبراميل المتفجرة إلى المناطق والمدن الخاضعة لسيطرة الثوار فيتلقاها المدنيون بأجسادهم ومنازلهم فتباد وقد قتل أكثر من خمسة آلاف شخص منذ انطلاق جنيف 2 مما رفع أعداد القتلى ضحايا استخدام النظام للقوة المفرطة إلى 140 ألف شخص مع تزايد في أعداد اللاجئين بالخارج والنازحين في الداخل والذين يبلغ إجمالي أعدادهم أكثر من سبعة ملايين وفق إحصاءات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية كما أن النظام لم يستجب إلا بصورة طفيفة لإدخال المساعدات الإنسانية وفك الحصار عن المناطق المحاصرة خاصة في حمص ووصلت به القسوة المفرطة إلى حد استجواب النازحين الذين كانوا يخرجون تحت رعاية الأمم المتحدة وهو أمر يتناقض مع القانون الدولي الإنساني الذي ربما لم يقرأه الأسد أو الدوائر المحيطة به.
وبالطبع فإن المطلوب وبالذات من القوى الدولية صاحبة التأثير المباشر في الأزمة وتحديدا الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية أن تجريا تقييما موضوعيا ومنصفا لما جرى من وقائع جنيف 2 حتى الآن ويتجاوزا المصالح الضيقة التي تحيط بمواقفهما حتى الآن وينظرا إلى مكابدات شعب ومعاناة وطن وذلك يستوجب تحركا فاعلا من قبل الجامعة العربية وأمينها العام الدكتور نبيل العربي الذي يولى الأزمة اهتماما خاصا منذ توليه منصبه في يوليو2011 وفي هذا السياق أعلن عقب اتصال الإبراهيمي به هاتفيا – بعد ظهر أمس الأول - والذي أبلغه فيه بتعثر الجولة الثانية أنه سيتم اللجوء إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لبحث الاتخاذ الخطوات التي من شأنها أن تدفع بالأمور إلى مقاربة الحل السياسي وفق محددات جنيف 1 حتى لا تخرج الأزمة السورية عن السيطرة ومن ثم تدخل المنطقة كلها في جحيم سيكون من الصعب كبح جماحه في ظل اختلاط الأوراق وتداخل المصالح الإقليمية والدولية المتصارعة والتي تسعى كل منها إلى الحصول على قطعة من الكعكة السورية التي تبدت مفاصلها واضحة للعيان ولم يتبق سوى تفتيتها.
السطر الأخير:
أغزلك حقلا من قمح
نسيجا من فرح
براءة تسكن أشواقي
رحلة لقوس قزح
أسافر اليك مدفوعا من نبض لا يتوقف
ففيك العصافير ترسم إشعاعها
وتطل عليك النوارس من سواحل الأفق
كوني لقلبي متكئا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1137
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1101
| 27 سبتمبر 2026