رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الضرورة بمكان التذكير بأهمية الفعل الثقافي في المشهد العربي العام والذين بات محكوما بمحددات سياسية تكاد تفرغه من مضمونه خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي فجرت طاقات الشعوب باتجاه إحداث تغيير حقيقي وجوهري على نحو يعيد رسم خارطة الحياة ويكرس الديمقراطية والتعددية والمواطنة والكرامة والعدالة الاجتماعية والمعضلة في هذا السياق تكمن في غياب هذا الفعل من فرط هيمنة الحدث السياسي والذي بلغ مداه في اجتذاب المواطن العربي لاسيَّما مع تركيز كافة وسائط الإعلام عليه بينما لا تشغل الحركة الثقافية الا بمساحات محدودة
ورغم أن ثلاث عواصم عربية اختيرت خلال الأعوام الثلاث المنصرمة كعواصم للثقافة العربية بدء من الدوحة مرورا بالمنامة وصولا إلى بغداد التي أكتب منها هذا المقال مشاركا مع غيرى من الإعلاميين والصحافيين العرب في متابعة اختتام فعالياتها كعاصمة للثقافة العربية مساء أمس الأول -السبت - فإنه يمكن القول بتجرد وموضوعية أن هذه الفعاليات لم تفض إلى تقليص مساحة ما هو سياسي لصالح ما هو ثقافي وإن نجحت في محاولة تقديم بعض من أنماط الثقافة والفنون من بلدان عربية مختلفة للمواطن العربى في الدولة التي تحتضن هذه الفعاليات وشكلت في الوقت نفسه نافذة لمناقشة التحديات الثقافية الوطنية والقومية إلى حد ما وهو ما يجعلني أطالب بتعديل صيغة هذه الفعاليات لتكون أقرب إلى المواطن بدلا من تركيزها على النخب والتي هي على دراية بمضمون الفعل الثقافي أما المواطن فتركيزه هو دوما على البحث عن لقمة الخبز وتلبية احتياجات الأسرة اليومية وبالكاد يفكر في تلبية احتياجاتها الثقافية وعلى وجه التحديد شراء الكتب والمجلات المتخصصة وهو أمر بات من مستبعدا من ميزانية أي أسرة التي تخضع لابتزاز دائم من التضخم وارتفاع الأسعار في متوالية مرعبة.
وفي ضوء ما تابعته في بغداد أود الإشارة إلى جملة من الملاحظات والمشاهدات على النحو التالي:
أولا: لقد ركزت وزارة الثقافة أغلب الفعاليات على العاصمة – بغداد- وذلك ناتج بكل تأكيد عن الأوضاع الأمنية المضطربة ولكن رغم ذلك فإن ثمة مردودا إيجابيا لهذه الفعاليات تمثل في أنه حشد العراقيين بمختلف مكوناتهم في متابعتها والذوبان فيها وتجاسروا على مواجه ما يسمونه في العراق الإرهاب والذي لايكاد يفارق العاصمة وغيرها من مدن بلاد الرافدين وهو ما يجعلني أقول أن بغداد هزمت الموت بالثقافة وتلك في تقديري نتيجة بالغة الأهمية بصرف النظر عن سلبية هنا أو هناك.
ثانيا: إن فعاليات بغداد عاصمة للثقافة العربية حظيت باهتمام بالغ على المستوى الرسمي متجليا ذلك في تخصيص حوالي نصف مليار دولار لإنفاقها عليها وإن كان البعض- منهم الفنان التشكيلي العراقي فاضل عبد الحكيم يرى أنه تم صرف هذه الأموال الطائلة دون تخطيط مسبق لمشاريع ومبادرات ثقافية.
ثانيا: لم تتمكن هذه الفعاليات من إنقاذ الوضع الثقافي في العراق من الركود الذي يعيشه وذلك وفقا لرؤية الروائي العراقي حميد الربيعي، بل كرست ابتعاد الثقافة الرسمية عن المثقفين وعن الشارع والحراك الثقافي مشيراً إلى أن طبيعتها تقوم بالأساس على إيصال المنجز الثقافي العربي إلى بغداد ونشر الإبداعات الثقافية العراقية عربيا، ولكن الذي حدث أن لا أحد من المثقفين العرب ازداد اطلاعا على الثقافة العراقية بالإضافة إلى أن المثقف العراقي الحقيقي ظل مغيبا عن الفعاليات لكن المخرج المسرحي عماد محمد يختلف مع هذا الطرح ملفتا إلى أن هذه الفعاليات أفضت إلى حراك واضح في الثقافة العراقية خاصة فيما يتعلق بالمسرح والموسيقى، وأتاحت بلاشك فرصة مهمة للفنانين لاستثماره بإنتاج أعمال جيدة مشيراً بشكل خاص إلى أن مهرجان بغداد للمسرح العربي الأول كان الأهم ضمن هذه الفعاليات وحقق نجاحا متميزا من خلال مشاركة الفنانين العرب البارزين في بغداد في ظل الأوضاع التي يعيشها البلد مبينا أن بغداد كانت تستحق أكثر بكثير من الذي قدم خاصة أنها موطن الثقافة العربية ومع ذلك أنتقد ما وصفه بغياب الاستراتيجيات والتخطيط العلمي والفني مما جعل العشوائية والفوضى تتحكم بما قدم خلال هذه المناسبة، كما وجه انتقاداته لبعض الفنانين والمثقفين العراقيين الذين راحوا يهرولون وراء المنافع الشخصية على حد قوله وهو ما اعتبره المعضلة الأهم.
ثالثا: وفي المقابل فإن المنظور الرسمي للفعاليات يرى أنها كانت إيجابية وفق ما أعلنه مهند الدليمي وكيل وزارة الثقافة العراقية والذي تحمل مسؤولية الإشراف على ختامها بسبب انشغال الدكتور سعد الدليمي وزير الثقافة والذي يحمل في الوقت ذاته حقيبة الدفاع بمتابعة الأوضاع العسكرية في منطقة الأنبار المشتعلة فقد تحدث عن احتضان بغداد لعام كامل من الفعاليات الثقافية التي أحيتها فرق فنية من جميع الدول العربية، وأسعدت العراق وشعبه معتبرا أن المشاركة العربية الفعالة من خلال إحياء أسابيع ثقافية مميزة أعادت العراق إلى حضن أشقائه العرب بعد سنوات من البعد فرضتها ظروف الحرب، مضيفا: لقد تحدينا - عبر فعاليات بغداد عاصمة للثقافة العربية خلال العام 2013 - الإرهاب بالفن والثقافة والأدب.
وفيما يتعلق بالانتقادات للإنفاق المالي يبين مهند الدليمي أن مجلس الوزراء العراقي خصص ميزانية مالية للفعاليات بلغت 500 مليون دولار، واستفادت منها كافة الفروع الأدبية والفنية وأحدثت حراكا مهما، والذي ولد بدوره جدية في الاستمرار في دعم قطاع الثقافة، مبينا أن وزارة الثقافة تجري الآن تطوير البنى التحتية للثقافة العراقية من خلال بناء دار أوبرا ومسارح مشيراً إلى أن وزارة الثقافة أقامت خلال فعاليات المهرجان أكثر من 114 معرضا تشكيليا، مما انعكس بشكل إيجابي على الحركة الثقافية وبالخصوص التشكيلية وأدى إلى تناقل الأفكار بين جيلي الرواد والشباب ; كما قامت الوزارة بطباعة أكثر من 600 كتاب خلال عام 2013 بواقع ألفي نسخة للعنوان الواحد، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العراق كما تم استضافة الآلاف من الشخصيات الثقافية والإبداعية والفنية العربية والعالمية خلال هذا العام وتحركت الوزارة بفعالية لتوفير أفضل الظروف والمقومات لإنجاح الفعاليات ولكن كل شياطين الأرض تحالفت – الكلام لمهند – ضد بغداد لعزلها عن محيطها العربي لكنهم عجزوا عن ذلك بجدارة فبغداد لم ولن ينتهي بريقها وبهاؤها الحضاري والثقافي والإبداعي ورغم أن قدر العراقيين أن ينزفوا ويقاسوا الا أنهم في النهاية ينتصرون وسيهزمون الإرهاب الذي هو في نزعه الأخير.
ويرى مهند أن حجم الخراب الثقافي الذي شهده العراق بعد عام 2003 كان كبيرا، ومن ثَمَّ فإن أي جهد للتخلص منه لا تظهر نتائجه بسرعة، مؤكداً أن الخلافات السياسية التي شهدتها بلاد الرافدين خلال الأربع سنوات الماضية انعكست دون شك على المنجز الثقافي وعلى أداء على وزارة الثقافة
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
443
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
313
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1242
| 28 سبتمبر 2026