رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاشك أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن يواجه خيارات صعبة في المرحلة الراهنة بعد جولات من التفاوض المباشر مع الجانب الصهيوني برعاية وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ستنتهي وفق السقف الزمني المحدد لها بتسعة أشهر في التاسع والعشرين من شهر أبريل الحالي ولم تفض إلى نتائج محددة وواضحة حسبما كان مأمولا منها بل اتسعت مساحات التعقيد فيها لاسيَّما في ضوء الشروط التي تصر عليها حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية التي تجيد العزف على وتر إهدار الوقت للمحافظة على الوضع القائم والذي يتقاطع مع الأهداف الفلسطينية والعربية في بناء سلام عادل وشامل يستعيد الحقوق ويلغي آثار الاحتلال الصهيوني التي تزيد على 65 عاما.
والخيارات الصعبة التي يجب أن يواجهها أبو مازن لا تخرج عن مسارين إما الاستمرار في المفاوضات وتمديد سقفها الزمني دون الحصول على تعهدات جادة من قبل الراعي الأمريكي الذي يساوي للأسف بين الضحية والجلاد بعدما ألقى كيري مؤخرا باللوم على ما اعتبره خطوات أحادية من الجانبين الفلسطيني والصهيوني دون أن يدرك - أو هو يدرك ويتعامى عن الحقائق- أن ثمة شعبا محتلة أرضه ومغتصبة حقوقه الطبيعية ومنتهكة حرماته هو الشعب الفلسطيني يتطلع تحت قيادة يمكن وصفها بالمعتدلة وترفض عسكرة المقاومة للوصول إلى اتفاق سلام ينهي النزاع ويبني دولته مثله مثل أي شعب آخر في المعمورة .
هذا أولا أما المسار الثاني فيتمثل في تبني منهجية التشدد التي قد يضطر إلى الموافقة في إطاره على العسكرة التي يخشاها أبو مازن في مواجهة قوة احتلال غاشمة تستمرئ استخدام القوة المفرطة وترفض كل الطروحات الصهيونية المدعومة أمريكيا وهو ما يدخله في نفس الخانة التي دخلها الزعيم الراحل ياسر عرفات عندما رفض في آخر لحظة في العام 2000 الشروط الصهيونية والأمريكية في مفاوضات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون والتي كانت تتعلق أساسا بتقديم تنازلات عن السيادة الفلسطينية على المسجد الأقصى.
قد يرى البعض وكاتب هذه السطور منهم أن هناك أوراق قوة بوسع أبو مازن أن يستخدمها بعيدا عن منهج تقديم تنازلات أو التشدد . وقد بدأ بالفعل في توظيفها عندما أعلن قبل أيام قراره بالتوجه إلى الانضمام إلى 15 منظمة واتفاقية دولية ردا على خطوة الكيان الصهيوني بالتنصل من إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين ولاشك أنه – أي أبو مازن – يحتاج إلى الإسناد العربي لتعزيز إستراتيجيته في التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة ومن هنا طلب يوم الأربعاء الماضي من الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية الدعوة إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية والذي سيلتئم بعد غد الأربعاء.
وفي هذا السياق فقد سألت السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة عن أهمية هذا الاجتماع فقال لي إن (أبو مازن) أمام وزراء الخارجية العرب كل الحقائق المتعلق بمجريات المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وبالذات على فيما يتعلق بالضغوط التي تمارس على الجانب الفلسطيني والتي تهدف إلى إجباره على تقديم تنازلات والقبول بالتصورات الإسرائيلية لقضايا الحل النهائي فضلا عن التهديدات التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون ردا على خطوته بالتوجه إلى 15 منظمة واتفاقية دولية ردا على رفض تل أبيب إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين وفقا للاتفاق الموقع في هذا الشأن.
كما سيطلع أبو مازن على الجهود التي بذلها خلال الفترة الماضية منذ بدء المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي والذي قابلها بفرض شروط متعسفة من قبيل ضرورة اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل والاستمرار في بناء الوحدات الاستيطانية وكان آخرها الموافقة على بناء 708 وحدات في القدس المحتلة.
وقلت للسفير صبيح: لكن الدعوة لهذا الاجتماع الوزاري الطارئ تأتي في أعقاب فترة قصيرة من انعقاد القمة العربية الخامسة والعشرين بالكويت يومي 25 و26 مارس الماضي فلفت نظري إلى أن التعنت الإسرائيلي بلغ مداه وهو ما يستوجب موقفا عربيا قويا إلى جانب القيادة الفلسطينية لاسيَّما بعد أن أعلنت تل أبيب تنصلها من إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين بعد أن أطلقت من قبل سراح ثلاث دفعات رغم أن هذه الخطوة ليست مرتبطة بمسار المفاوضات التي تجري برعاية أمريكية أو بمسألة الاستيطان مشيراً إلى أن إطلاق سراح هؤلاء الأسرى والذين يبلغ عددهم 104 أسرى قابعين في سجون إسرائيل في فترة ما قبل التوصل إلى اتفاق أوسلو في عام 1993 مقابل امتناع القيادة الفلسطينية عن التوجه إلى انضمام دولة فلسطين إلى المنظمات والاتفاقيات التابعة للأمم المتحدة والتي يبلغ عددها 63 منظمة واتفاقية.
ولاشك – الكلام للسفير صبيح - أن الجميع فوجئ بما في ذلك جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الذي يرعى المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي برفض تل أبيب الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وهو ما دعا الرئيس أبو مازن إلى إعلان قرار القيادة الفلسطينية الأسبوع الماضي بالانضمام إلى 15 منظمة واتفاقية دولية وذلك تفنيدا لوعد التزم به أمام الشعب الفلسطيني والقيادات العربية والتي أعلنت تأييدها لهذه الخطوة.
ومن ثم فإن طلب أبو مازن عقد الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب يأتي في أعقاب وقوع الكثير من الانتهاكات الإسرائيلية والتي تمثلت في زيادة وتيرة الاستيطان في الأراضي المحتلة خاصة في القدس المحتلة بشكل شديد الخطورة وعلى نحو لا يمكن السكوت عنه فضلا عن استمرارها في أعمال القتل بدم بارد للشباب الفلسطيني بدم بارد سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة وهو ما أدى إلى استشهاد نحو 20 شابا فلسطينيا قتلوا عمدا بدم بارد فضلا عن احتجاز المئات كرهائن والقيام باعتقالات عشوائية تحت مزاعم عديدة وهو ما يعني أنها لم توفر أي إمكانية لأجواء مواتية ومناسبة لإطلاق عملية سلام حقيقية.
ويقول الأمين العام المساعد للجامعة العربية إن أبو مازن سيحيط وزراء الخارجية العربية بكل هذه الحقائق ليحصل على مواقف عربية قوية تساند توجهاته وتعزز قراراته بما يسهم في الوصول إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.
وسألته عما إذا كانت الدول العربية جاهزة لتقديم هذه الدعم والإسناد خاصة في ظل انشغال بعضها بمشكلاتها الداخلية فعبر صبيح لي عن قناعته بأنه عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الأراضي الفلسطينية المحتلة فإن الدول العربية لن تتردد في تقديم كل ما يلزم للمحافظة على الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني مشيراً في هذا السياق إلى قرار القمة العربية الأخيرة الذي أكد الرفض القاطع للاعتراف بيهودية دولة إسرائيل وهو ما شكل أرضية مهمة يستند إليه الرئيس أبو مازن في المفاوضات مع تل أبيب.
لكنه شدد في الوقت نفسه- وهو ما اتفق معه بشأنه تماما -على أهمية مسارعة الدول العربية بتقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية حتى يكون بمقدورها مواجهة التهديدات الإسرائيلية الأخيرة والتي تمثلت في القيام بضم أراض من الضفة الغربية ورفض تسليم السلطة أموال الضرائب التي تستحقها وغيرها من التهديدات التي تلقتها السلطة في الآونة الأخيرة ولكن أبو مازن مطالب –الكلام لكاتب هذه السطور – إلى جانب حرصه على توفير ظهير عربي بأن يسعى بقوة خلال الفترة المقبلة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وفي مقدمة ذلك إنجاز المصالحة الفلسطينية على قاعدة تقود إلى تبني إستراتيجية وطنية لإنهاء النزاع مع الكيان الصهيوني بمشاركة مختلف الفصائل الوطنية والإسلامية وفي مقدمتها حماس التي تدير قطاع غزة على نحو يحشد له كل المقومات الوطنية -من بينها المقاومة السلمية - التي تؤهله لامتلاك أوراق قوية في التعاطي مع أسوأ أشكال الاحتلال في التاريخ.
الصمت كنز
تَأَمَّلْ صاحِ هل لاحظتَ شيئًا أحَقَّ بِطُولِ سَجنٍ من لسانِ؟! وكم ضاقت صدورٌ من حروفٍ تعجَّلَت المُضِيَّ بلا... اقرأ المزيد
57
| 01 يونيو 2026
وداعا عبدالله بن حمد العطية
رحم الله الوالد سعادة عبدالله بن حمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة الأسبق الذي توفي في... اقرأ المزيد
99
| 01 يونيو 2026
قطر.. موقف ثابت دعما لسيادة واستقرار لبنان
يشكل التصعيد العسكري الخطير للكيان الاسرائيلي في جنوب لبنان، الذي تجاوز كل الخطوط رغم اتفاق وقف اطلاق النار،... اقرأ المزيد
78
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2517
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2493
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1605
| 29 مايو 2026