رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يجتمع على أي قوة عبر التاريخ المعروف، من الأعداء والمتربصين، ما اجتمع على غزة في محنتها المزمنة،،، المتفاقمة. بعد نحو 15 عاما من الحصار والخذلان والخيانة من القريب والبعيد، تأتي حرب الإبادة المستمرة منذ 3 أشهر. ورغم ذلك تبقى غزة صامدة. وهذا أمر لا تستطيع أن تفسره أي نظرية سياسة أو اجتماعية ولا أي فكر بشري. فلا شيء يفسر صمود شعب لحصار قاس مرير كل تلك السنين، تعرض خلالها لكل أنواع التدمير والمعاناة والقهر، وبعدها يزأر أسوده ليفاجِئوا العالم كله، القريب الخائن قبل العدو الفاجر، ويشنوا حرب تحرير ليس لها نظير. ووسط صدمة المجرمين من الأعداء والأقرباء لم يكتف العدو بنفسه فاستعان بكل قوى الشر العالمية تقريبا. ولم يكتف الأقرباء الخونة بالدهشة فخذلوا إخوتهم، ثم حيروا العالم بمساعدتهم لعدوهم (عبّرَ عن ذلك مسؤولون يابانيون قالوا إنهم كانوا على الحياد، لكن مؤازرة دول «عربية» لإسرائيل جعلتهم يؤيدونها). وتلك ظلمات بعضها فوق بعض، تؤكد أن ما يسمى حضارة اليوم جاهلية أسوأ كثيرا من جاهلية الأمس. وقد ورد في ذلك أقوال ينسبها البعض للرسول الكريم ﷺ، وهي تصدُق في معناها وإن لم تصح نسبتها، ومنها «بُعثت بين جاهليتين، لآخرهما شر من أولاهما». كيف؟ عندما تآمر الكفار لقتل النبي الكريم ﷺ، انتظروا خروجه للصلاة. لم يقتحموا عليه لأن «آداب» تلك الجاهلية لم تكن تبيح هتك ستر الحريم في بيوتهن. وعندما أشار أحدهم باقتحام البيت، نهره أبو جهل رأس الكفر مستنكرا: «أتريد أن تقول العرب أنّا تسورنا الحيطان وهتكنا ستر بنات محمد»؟ وبعد أن بدأ الرسول ﷺ هجرته نحو المدينة، وقف أبو جهل موقفا مشابها عندما ذهب يسأل عن أبي بكر فلطم ابنته أسماء، ثم ظل يرجوها ألا تخبر أحداً عن فعلته، قائلا: «أكتميها عليّ، خبئيها عني، لا يقول الناس إني ضربت امرأة». وعندما حاصر الكفار المسلمين في الشعب بادر لرفعه عنهم مشرك جاهلي هو زهير بن أمية قائلا «يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى،... والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة». وقصة أبي سفيان في ترفعه عن الكذب عندما سأله هرقل عن الرسول ﷺ معروفة. ومثلها قصة عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن من الرسول ﷺ ثم عاد يقول لقومه «إعصبوها برأسي وخلوا بين محمد ودعوته». وأيضا قصة الوليد ابن المغيرة الذي شهد بالحق لعظمة القرآن وقال قولته المشهورة، «إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه. وما هو بقول بشر». واليوم نجد أناسا من بني جلدتنا لا يفقهون في العربية كلمتين ولا يجيدون قراءة آيتين، ويشككون في الدين والقرآن الحكيم، ثم يبالغون في الغي والإغراض إلى درجة مساندة العدو. وهنا نلحظ أن جاهلية العصر أشرُ كثيرا من الأولى لأن حصار الكفار للمسلمين في الشعب لم يدم سوى 3 سنوات بينما حصار المسلمين في غزة تجاوز الـ 15 عاما. كما أن الكفار اكتفوا بحصار المسلمين ولم يحاربوهم فيه، بينما كفار اليوم وأتباعهم لا يتوقفون عن محاربة غزة لوأد أي نمو تحققه. وفي الحصار لم يخنهم قومهم ولم يخذلوهم، والآن أغلب الإخوة يخونون غزة ويخذلونها، بينما تساندها دول أجنبية مثل كولومبيا وفنزويلا. نلحظ أيضا أن الجاهلية القديمة أوجدت «حلف الفضول» وتعهدت ألا يُظلم أحد في مكة، بينما نرى اليوم في المنطقة حلفَ ظلم وفجور سمته القوى التي أعلنته عام 2019، زورا وبهتانا، «حلف الفضول الجديد»، مع أنها تشارك في حرب وحصار وخيانة وظُلم غزة. ولكي نستوعب الفارق بين الجاهليتين يجدر أن نلاحظ أنه في الجاهلية الأولى كان تأثير قوى الشر العالمية محدودا مقارنة بطغيانها الحالي. فالآن أحفاد عبد الله ابن سبأ من الصهاينة ومن والاهم هُم المتحكمين في كثير من مقدرات الشؤون الدولية بعدما علوا علوهم الكبير ولم يعودوا فقط محرضين بل أصبحوا الآمرين الناهين لأتباعهم في دول شتى. وهُم الذين اعتبرهم العبقري مالك بن نبي المحرك الحقيقي للغرب بقوله إنهم «عقل وروح الحضارة الأوروبية»، وأضيف هنا «الفاسدة». ويجدر أن نعرف أن «جاهليي العصر» لن يقف بهم الأمر عند مساندة العدو، بل إنهم سيعيدون عبادة الأصنام إلى جزيرة العرب، كما أشرنا من قبل، وفق حديث «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ». وَكَانَتْ ذُو الْخَلَصَةِ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ جنوب جزيرة العرب. كذلك حديث «لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى»، وهو ما نراه يتجسد بوقاحة هذه الأيام قريبا منّا. نعود هنا لِتَفرُد نموذج غزة لنقول إنه لا يفسره إلا قول الرسول الكريم ﷺ عن «الفئة التي تبقى على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم»، ونقول إن غزة أجابت وحدها عن السؤال الصعب الذي حير المفكرين والعلماء منذ قرون، وهو «كيف يتخلص المسلمون من عجزهم وتخلفهم»؟ لقد أخذت غزة بالأسباب، فجمعت ما تيسر من الإيمان الصادق والعلم والتكنولوجيا والقوة والحكمة والسياسة، وتصدت وحدها لجاهلية العصر ومن يقودونها، رغم كونها أصغر مساحة إسلامية على وجه الأرض. نجحت غزة لأنها تخلصت نسبيا من قبضة النظام الدولي المبني على فكرة المركز والأطراف التي لا يُسمح لها بالتقدم طالما دارت في فلك المركز. قدمت غزة النموذج المُنْقذ في أكثر صوره اختزالا، والعاقل من يستثمر فيه ولو طال انتظار قطف الثمار. فلك الله ياغزة.
801
| 10 يناير 2024
عندما بدأت دراسة الإعلام، قبل 40 سنة ونيّف، علمونا أن الصورة الثابتة بألف كلمة وأنها لا تكذب. ثم دارت الأيام وتطورت التكنولوجيا، وظهر «الفوتوشوب»، واتضح أنها يمكن أن تكذب وتفعل كل الخبائث. بعدها قيل إن الصور المتحركة (الفيديو) لا تكذب لأنك ترى الحدث بعينيك. لكن تطورت التكنولوجيا مجددا، وظهر «الفيديو إدتنج» و»الديب ويب»، واتضح أن صور الفيديو يمكن أن تكون أكثر كَذبا وتضليلا من الثابتة. ثم استمر التطور التكنولوجي وتحول الإعلام كله إلى صناعة يمكن، للبعض، أن يجعلوها قائمة على الكذب بالكلية، بما يجعل دعاية جوزيف جوبلز أمامها نقطة في بحر. وقديما قالوا لنا أيضا إن وسائل الإعلام في الدول «المتقدمة» حرة لا تكذب. ثم مرت الأيام واتضح أنها أكثر كذبا وتزويرا من مثيلاتها في ما يسمى الدول الاستبدادية، واتضح أيضا أنها هي التي صنعت كل تاريخ الكذب والأساطير المؤسِّسَة لأوهام ما يسمى حرية الرأي وحق المعرفة، بل وأنها كانت ومازالت حجر الأساس في شيء أكبر وأخطر هو «صناعة الاستبداد» أو بكلمة أدق «الطغيان». فقد قام الطغيان السياسي في أساسه على الاستبداد الإعلامي واحتكار تشكيل الفكر، منذ «أنا ربكم الأعلى»، و»ما أريكم إلا ما أرى»، إلى يومنا الحالي الذي يتم فيه تطبيق هاتين الحالتين حرفيا، تقريبا، في أغلب دول العالم، وأحيانا بالمفردات ذاتها أو قريبا منها. ويمكن القول، باختصار، إن صناعة الاستبداد الإعلامي تتم بأمور ثلاثة رئيسية، هي الاحتكار، والإغراق، والتشويه (بكل أشكاله من كذب وتزوير وتضليل وحجب،...إلخ». وقد تحدثنا سابقا عن خطورة الاحتكار الذي تُجسده العولمة في كل شيء، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا. وهنا تحتكر قوى معينة، على علاقة قوية بأباطرة رأس المال، وسائل الإعلام المؤثرة في العالم، «في عملية تزاوج حقيقي بين دهاقنة المال والسياسة والإعلام»، بحسب تعبير الكاتب الكندي بول نيسبت-لاركنج في كتابه، السياسة،المجتمع والإعلام. ولمقدم البرامج الأمريكي، ريك وايلز، المعروف بانتقاده للسياسة الأمريكية، مقولة كاشفة تشرح طبيعة الطغيان السياسي والاستبداد الإعلامي، معا، يقول فيها: إذا أردت أن تعرف من يحكمك كإعلامي فانظر من تخشى غضبه، فإذا لم تكن تخشى (بايدن) رئيس الدولة فهو ليس من يحكمك... وبما أنك لا تخشى إلا اللوبي الصهيوني فالمعنى أن ذاك اللوبي هو الحاكم الفعلي». وبما أنه لم يعد خافيا تحكم القوى الصهيونية في سياسة واقتصاد وإعلام العالم، بدرجة كبيرة، من خلال عدد محدود من الشركات العملاقة، فلا يُستغرب عزف وسائل الإعلام أو أغلبها على نغمة واحدة، هي نغمة الكذب والتضليل. وتاليا في أُسس صناعة الاستبداد، يأتي الإغراق. وبات الجميع يعرف سياسة وسائل الإعلام في التركيز على قضايا بعينها بكثافة لا تسمح لأي محتوى آخر بالظهور إلا نادرا. ولتوضيح الأمر سنأخذ مثالا من مكان يدّعي الديمقراطية والعدالة وهو أبعد ما يكون عنها. المثال أوردته الكاتبة اليزابيث دوسكين في مقال لها بالواشنطن بوست حول كيفية تلاعب الكيان بمشاعر الرأي العام هناك عن طريق إغراق منصات الإعلام الجديد بأخبار كاذبة عن هجمات مروعة وإنذارات بشُح خطير في الموارد دفعت الناس لتخزين المواد الأساسية وزرعت الخوف والكراهية تجاه الآخر (الفلسطينيين). الكاتبة نفسها ضربت مثالا آخر على صناعة التشويه والتضليل بتقرير (منتصف 2021) كشفت فيه عن أن فيسبوك تُسخر الذكاء الصناعي لحجب النشطاء المدافعين عن فلسطين مثلما تحجب المدافعين عن حقوق السود. أما عمليات التشويه الإعلامي فقد رصدها تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود»، الأحدث، للعام المنصرم، والذي فضح ضلوع فاعلين سياسيين في حملات تضليل واسعة النطاق في بلدانهم، بشكل مُنظم ومنهجي، حيث يجد الجمهور نفسه تائهاً بين المعلومات الصحيحة والخاطئة، وبين الحقيقة والأكاذيب. كما أكد التقرير أن التطور المذهل الذي شهده «الذكاء الصناعي التوليدي» أحدث اضطرابات كبيرة في الحقل الإعلامي، المنتهك أصلاً، بتأثيرات ثورة «ويب 2.0»، التي بدأت قبل نحو عقدين، وأوجدت استخدامات الانترنت الانحرافية الحالية. ومن أخطر ما أكده التقرير، بحسب تحقيق لمشروع «قصص مُحرمة» التابع للمنظمة، أن الذكاء الصناعي يتلاعب بالمحتوى ويعيد صياغته بطريقة تفتقر للدقة والموثوقية. وأشار التقرير إلى أنه على العكس، مما رُوِّج وصدقه كثيرون، فإن إلون ماسك الذي اشترى «تويتر» ومنحها اسما شيطانيا هو «X» ذهب أبعد ما يكون في تشديد الرقابة، ما يُحوَّل وسائل التواصل إلى «رمال متحركة» تبتلع الحقيقة. وإذا كانت وسائل التواصل الحديثة باتت تنتشر على نطاق لا تصل إليه حتى أعتى وأقوى المؤسسات الإعلامية والسياسية الدولية فقد وجب التوقف أمام هذه الظاهرة وتقنينها ووضع ضوابط لعملها بحيث لا يُسمح للشركات المُشغِّلة لها بالطغيان وتمرير ما يناسبها وحجب «الآخر». فالجميع تابع كيف حجبت منصات مثل فيسبوك وX حسابات أعداد لا تحصى من المؤيدين لفلسطين خلال حرب الإبادة الجارية وحرمتهم حقهم في إظهار بشاعة الكيان الصهيوني. وإذا كان الأمل في إنهاء الطغيان السياسي يبدو بعيد المنال فلا أقل من محاولة وقف الاستبداد الإعلامي والمطالبة بتقديم فيسبوك وأخواتها لمحاكمة حقيقة عادلة ووضعها تحت رقابة دولية محايدة، وربما تحت وصاية دولية، كونها باتت كيانات تتجاوز حدود الدول. فعلى قدر السهولة والانتشار اللذين وفرتهما وسائل الإعلام الجديد في التواصل ونقل الأخبار تأتي الخطورة من ترويج المعلومات الكاذبة والمضللة، التي لا تقل فتكا عن أسلحة الدمار. وقبل أكثر من نصف قرن قال مالكوم إكس، «إذا لم تنتبه ستجعلك الصحافة (الإعلام) تكره المظلوم وتحب الظالم»، وصدق كلامه لعقود. لكن أحسب أن الكثير من الناس قد انتبهوا الآن، وبقي أن تكون لانتباهتهم أيادٍ وأسنان.
1011
| 03 يناير 2024
إذا رأيت الناس يخرجون من العروبة أفواجا، فلا عجب، الخروج أفواجا ذكره ذلك الفتى الذي خاطب الحجاج، مردفا: «إنهم كانوا يدخلون على عهد الرسول الكريم... ولكنهم يخرجون الآن بظلمك». الآن لا شك أن من الناس من يخرجون من دين الله ومن العروبة، معا، وإن كان الخارجون من العروبة أكثر. فها هي دول حملت صفتي العروبة والإسلام لقرون عدة، تقود شعوبها نحو خروج تدريجي ومنظم من العروبة والإسلام بلا حياء، بأفعال كثيرة، منها إلغاء كل ما يشجع على الطاعات وحتى صلاة الجمعة، وتوجتها بإعلانات صريحة وأخرى مبطنة عن تخليها عن أهل غزة ووقوفها مع العدو. خذل العرب أهل غزة، ومقاومتها، وباستثناء قليل جدا خذل المسلمون، وقبلهم حكامُهم، هؤلاء المرابطين في أكناف بيت المقدس، وفي أماكن أخرى. استثناءات تطرح أسئلة صعبة ولكن جوهرية نحو تحديد من هو العربي ومن هو المسلم، في هذا الزمان، بل، نحو ضرورة معالجة أزمة هوية كانت تعتمل منذ عقود ولكنها ستستعر، عاجلا أم آجلا، بدرجة أكبر وستجتاح نفوس وعقول الشعوب التي كانت تسمى لقرون مضت شعوبا عربية إسلامية. ولا شك أنها ستضعنا أمام حقائق قاسية، وستأتي بتغييرات كبيرة، قد تتصل مباشرة، أو عبر مراحل يعلم الله عددها، بتأسيس دولة الخلافة التي بشر بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس. خاصة مع تحقق نبوءات أخرى، عن عودة الدين غريبا كما بدأ، يجسدها تزايد دخول «الأغراب» أفواجا في الدين شرقا وغربا. من العربي إذن؟ هل العربي بمعناه المستقر في الأذهان هو من يتكلم اللغة العربية؟ هل يكفي تحدث اللغة للانتماء؟. هل تحدث اللغة مع إيقاع الضرر بأهلها يُبقي الفرد ضمن نفس الجماعة؟ سؤال آخر سيجعل الإجابة أوضح وأسهل. من المسلم؟ هل المسلم هو كل من ادعى الإسلام بلسانه؟. هل يكفيه أنه ولد مسلما، أو أنه يصرح شفاهة بالشهادتين؟ ألم يخبرنا قرآننا بأن ذلك لا يكفي؛ «.. ولم تؤمن قلوبهم». ألم يرد الحديث النبوي، على ضعف روايته، بأن «من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم»!. إذا كانت الإجابة عن السؤال الثاني بالنفي القطعي فإن الإجابة عن الأول هي بالمثل. نحن، إذن، بصدد أجيال من العرب والمسلمين بالاسم فقط وقلوبهم مع الأعداء، والذين سمى الدكتور عبدالوهاب المسيري بعضهم، كما أشرنا من قبل، صهاينة العرب. ولولا بقية من جيوب صغيرة مثل غزة، ودولة هنا أو هناك، لكان من غير المبالغة القول إنه لم يعد هناك عرب ولا عروبة على هذه الأرض. ولولا بقية من مؤمنين، هنا وهناك أيضا، لما كان من الخطأ كذلك القول إنه لم يعد هناك إيمان على وجه هذه الأرض. ومع أن هذا يبقى مجرد رأي وليس فتوى، فيمكن أن ننعي عروبة وإسلام كثير من زعماء تلك الدول وكثير من علمائها. فها هي عملية طوفان الأقصى قد وضعت الشعوب أمام خيانة وعمالة كثير من الحكام وأتباعهم، وجها لوجه وبلا أي مواربة، وأظهرت عجز تلك الشعوب عن إحداث أي تغيير بينما حكوماتهم تساهم في قتل إخوتهم في غزة. والشعوب في هذه الأزمة ممزقة بين إيمانها بواجب النصرة الذي تحمله في عنقها، باعتبار أنهم جسد واحد، وبين خنوع وعمالة أولئك الحكام الذين لم يعد واضحا، هل كانوا في الأصل من العرب والمسلمين أم من انتماءات أخرى. ورغم الألم مما يحدث فيجب ألا نصاب بالجزع، فلم يكن صلاح الدين الأيوبي عربيا عندما حمل هم تحرير الأقصى. ولم يكن كثيرون قبله وبعده من القادة عرباً عندما حملوا همّ الدفاع عن مقدسات الإسلام والعروبة معا. ولم يكن أغلب العلماء الذين اشتهروا في دولة الإسلام في علوم الدنيا والدين عربا بالمولد. بل لم يكن سيبويه، إمام النحاة، عربيا في أصله، بل فارسيا، وقس على ذلك كثيرا لا يعد. والعروبة لم تفد الإسلام قدر ما أفادها الإسلام الذي هو أعلى وأبقى. وقد أجمع فلاسفة ومفكرون منهم البروفيسور هاملتون جب على أن «الصبغة العربية التي صبغت الإسلام، لم تأت من التأثير الاجتماعي المباشر للوسط العربي، أو العرب الذين اعتنقوا الإسلام، بقدر ما أتى بها القرآن» وأن القرآن هو الذي أفاد اللغة العربية وحفظها وليس العكس. كما قال البروفيسور ألدو مييلي في كتابه «العلم عند العرب» إنه لم يجد عند تحليله لعلوم العرب من القرن 8 إلى القرن 13، عالما واحدا عربي المولد. ولا شك أن الكثير من أبناء شعوب الدول التي تسمى عربية سيصابون بأمراض نفسية عدة أقلها الاسكتسوفرينيا، أو الفصام النفسي، إذا بقيت أوضاع بلادهم على ما هي عليه في حال طال أمد كارثة الإبادة الجماعية ضد أهل غزة أو حتى إذا انتهت نهاية ليس فيها انتصار واضح للمقاومة. فعندها ربما يغر أولئك «البين بين»، الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، شيطانهم ويفرحون بدعمهم للعدو، وتزداد الأمور تعقيدا. فالبعض يرجعون سيرتهم الأولى ليعودوا أعرابا كما كانوا وليس عربا، والفارق كبير. ولا غرابة في ذلك ونحن نتابع بألم منذ عقود من يشعرون بالدونية بسبب لغتهم العربية، ويحاولون تعليم أبنائهم لغات أخرى. ولا غرابة أيضا، ونحن نعلم من ديننا أنه لا تقوم الساعة حتى تعود الأصنام إلى جزيرة العرب، وهي قد بدأت بالفعل.
804
| 27 ديسمبر 2023
الذين لديهم القدرة على رؤية العاصفة أو الكارثة قبل قدومها أقلية نادرة بين البشر. والكارثة التي لا يراها معظم البشر قادمة الآن هي كارثة نموذجُها جريمة الإبادة الجماعية في غزة. لكن أكثر الناس لا يريدون أن يتقبلوا، نفسيا، ذلك السيناريو. بالطريقة نفسها، وبالسياسة ذاتها، وبالأوصاف عينها، التي أُطلقت على شعب غزة المظلوم سيتم التعامل مع الجميع مستقبلا، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن في كل مكان يستطيع الطغيان العالمي الوصول إليه. وسيكون القادم أسوأ من أفلام هوليود التي يصورون فيها البشر على أنهم هوام يتم رشهم بالمبيدات أو استئصالهم بالأسلحة الفتاكة استئصالا جماعيا، كما لو كانوا ذبابا أو حشرات. وهي بروفات للتنفيذ على نطاقات أوسع عندما تحين لهم الفرص. وما الأسلحة الفوسفورية الحارقة التي يستخدمونها في غزة إلا مثال بسيط. وإن ما تتعرض له غزة ودول العالم الثالث ظلمٌ يُراد تعميمه على الجميع ولكنها مسألة وقت. ولعل هوليود (نافذة المستقبل) تحضِّر فعليا لخراب كبير قادم يبدأ من الولايات المتحدة بفيلم بعنوان "حرب أهلية" سيعرض قريبا، ويتضمن دمارا كبيرا هناك. وإذا كان هذا يخطط لأمريكا فما بالكم ببقية العالم. فالنظام الرأسمالي ماضٍ بخطى تبدو وئيدة لكنها متواصلة نحو إخضاع الجميع بمن في ذلك شعوب الغرب. وقد حذر باحثون وخبراء سياسة غربيون، منهم خبير العلوم السياسية الأمريكي جيمس ليندسي، في مناسبات عدة من أن ما يسمى "نيوليبراليزم" أو الليبرالية الجديدة، التي تُسوَّق بوصفها "يوتوبيا سياسية" ما هي إلا عملية استغفال للشعوب، غربا وشرقا، لتطبيق الفكر الشيوعي، الذي يحرم الفرد من مكتسبات جهده لمصلحة "المجتمع" المقصود به الشركات الكبرى. كما حذر كريس هيدجز في كتابه "الفاشيون الأمريكيون، أيام الدمار وأيام الثورة" من الشيء نفسه، وقال إن النيوليبرالية قتلت الديمقراطية وإنه حان الوقت للثورة. مع التأكيد على أن النيوليبرالية تلك في أدق تعريفاتها هي حكم الشركات الكبرى. أيضا، والدِن بيللو في كتابه "أمريكا دولة عالم ثالث" وآلان تونليسون في دراسته "... كيف نمنع تحول أمريكا إلى دولة عالم ثالث"، كانا ضمن خبراء حذروا في أواخر التسعينات من أن النخب (الشركات الكبرى) في أمريكا وبريطانيا، ستُحول الغرب إلى مجتمع عالم ثالث يسوده الفقر والظلم والجوع والمرض والجريمة. وسيكون من نتائج ذلك، زيادة استبداد السلطة الحاكمة، (الشركات الكبرى)، التي حولت كل شيء تقريبا إلى ملكيتها الخاصة تحت خدعة "الخصخصة" بما في ذلك السجون وقوات الشرطة بشكل جزئي. كما تنبأوا بتلاشي الحريات المدنية وتزايد القمع واتساع الفوارق الاجتماعية وغياب محاسبة المسؤولين. وهذه الأيام تمتليء الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية بالحديث عن أن المجتمع الأمريكي تحول بالفعل إلى مجتمع عالم ثالث. لقد أصبحت الشركات الكبرى والتي يتخفى وراءها الصهاينة ومن معهم، الحاكم الفعلي في معظم المجتمعات الغربية وغير الغربية، وباتت القوة التي لا تضاهيها قوة في أي دولة؛ يضعون في السلطة من يشاؤون ويعزلون من يشاؤون، وهو ما يخلق، وبعيدا عن نظرية المؤامرة، سلطة حاكمة عابرة للقارات، فوق مستوى كل الدول، لا يهمها بأي قدر رفاهية ولا مصالح الشعوب. وهذا بدوره يخلق "قوة طغيان عالمية" ليس لها عنوان ولا يمكن محاسبتها. وهذا بدوره يعيد العبودية القديمة بأشكال حديثة؛ طبقة النبلاء عادت في صورة الأثرياء الجدد الممثلين في الشركات الكبرى. وعبيد الأمس صاروا هم معظم الشعوب بما في ذلك الشعوب الغربية. الكادحون من أجل لقمة العيش قديما هم أنفسهم الكادحون لتأمين لقمة العيش اليوم. ولا يكادون يوفرون ما يكفي لدفع فواتير الخدمات التي تقدمها شركات "الأثرياء الجدد" الاحتكارية. نظرية آدم سميث القديمة ما زالت تتحقق اليوم؛ أكبر ربح يمكن أن يحققه الإقطاعي هو بتقليل أجور العمال قدر الإمكان وتعظيم سعر المنتج. وهاهم يقدمون للناس أقل الأجور ويرفعون الأسعار بشكل شبه يومي، بينما تستمر ثرواتهم بالتضاعف بلا توقف. قديما كان الملوك فوق النبلاء والإقطاعيين ولكن بعد تأسيس النظام الرأسمالي تغير نظام الطبقات العالمي. ومع تلاشي الطبقة الوسطى صار الإقطاعيون أو"النبلاء الجدد" ومعظمهم من الصهاينة أصحاب البنوك والمال والأعمال فوق الملوك والنبلاء القدامى، وهو ما لخصه كارل ماركس في "المنفيستو" الشهير بأن الملوك والنبلاء ورؤساء الحكومات ماهم إلا أقنعة يتخفى وراءها رأس المال حتى تتم له السيطرة الكاملة على العالم. لقد تغولت قوى الرأسمالية العالمية لدرجة أنها باتت تُطبِق في معظم الدول، بما فيها الغرب، ما يشبه الأحكام العرفية، من عسكرة الشرطة وتحويلها إلى شبه مليشيات تابعة لها مباشرة وليس للحكومات المفترض أنها منتخبة "ديمقراطيا"، إلى قمع الحريات وفرض الرقابة الواضحة والخفية على وسائل الإعلام، إلى كبح حرية التعبير وتقويض حق التظاهر. هذه الإجراءات القمعية هي محاولة بل سياسة متعمدة لاستباق أي حركة احتجاج شعبي كبرى في الدول الغربية على غرار ما يحدث في العالم الثالث والتي يرى خبراء ومراقبون، مثل هيدجز، أنها قادمة لا محالة، مع تحول دول الغرب إلى دول عالم ثالث. وما مظاهرات التضامن مع غزة إلا مقدمة لها. وأحسب أن الكثير في الغرب قد فهموا الرسالة وبدأوا بالتحرك، وكأن لسان حالهم يقول"يا شعوب العالم اتحدوا". [email protected]
1173
| 20 ديسمبر 2023
تقول الحكاية، التي لا تُعرف حقيقتها من مجازها، ولكن يرجعها بعض المصادر إلى زمن الاجتياح التتري، تقول إن قرية في ذلكم الزمان تعرضت لهزيمة واحتلال مؤقت من قبل قوات التتار، ففر رجالها إلى الجبال، وبقي الاحتلال بها يوما أو بعض يوم. وقبل رحيلهم عنها، اغتصب المهاجمون كل نساء القرية إلا واحدة، أبت أن تستسلم للغاصب. ليس ذلك فحسب، بل قاومته وقتلته وقطعت رأسه، وخرجت تمشي بها مرفوعة الهامة في طرقات القرية. فلما رأت بقية النساء المغتصبات فِعْلها خِفن على أنفسهن من العار والفضيحة، فقررن أن يقتلنها، ويتخلصن منها، حتى لا يُعيرْن بها. وحتى لا يُقال: لماذا لم تصمدن مثلها، وتدافعن عن شرفكن؟ فصارت القصة، حقيقة كانت أو مجازا، مثلا يسري في التاريخ، يحقق قول الله تعالى في قوم لوط، (قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون). وكلما مر الزمان وتقدمت الأيام، صار انطباق المثل على حال الناس أشد وأوضح؛ يقتلون الشرف من أجل أن يحيا العار، أو هكذا يقولون. وفي مصر، قديما، سرى بين العوام مثل آخر، وما زال يتردد حتى يوم الناس هذا، في بعض المجتمعات العربية. لكن قصة هذا المثل معروفة وموثقة. يقول المثل «اللي استحوا ماتوا». وحكايته تَروي أيضا قصة نساء كن في حمام عام، بأحد أحياء القاهرة الفاطمية، في عام 1889 أيام الحكم العثماني، وكانت الحمامات الشعبية قد انتشرت بشكل كبير. ولسوء الحظ اشتعلت النار في الحمام، وشب حريق كبير، وتفاجأت النساء بالنيران وهن شبه عاريات، فبادرت معظمهن بالفرار على حالهن ذاك، بلا ملابس تقريبا، إلا القليل منهن، أبَيْنَ أن يخرجن على الناس بلا حجاب وبلا غطاء، فنجت الفارات وماتت الباقيات. وفي موسوعة «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» للمؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي، روايات تعضد موثوقية هذا المثل لكنها ترده إلى أوائل حكم محمد علي باشا، بتفاصيل مختلفة قليلا. لكن على كل حال فقد نجت العاريات، وماتت المُستحيات، ليصبحن مثلا آخر في التضحية والاستشهاد من أجل الثبات على الحق والمبدأ والحفاظ على الشرف ولو كان الثمن هو فقدان الحياة. وبين هاتين القصتين والمَثَلَيْن تقف غزة صامدة أمام محاولات عدوها، مدعوما بالكثير من إخوتها وأقرب الناس إليها، قتلها حتى لا تكون هي الوحيدة الشريفة بينهم، وحتى لا تكون هي الوحيدة التي تتمسك برفع راية الجهاد والمقاومة، وإعلاء كلمة الله. تقف غزة وحدها في مواجهة من يريدون إخراجها من عالمهم الملوث بالخنوع والاستسلام والتحلل، مثلما أراد قوم لوط إخراج الطاهرين من قريتهم. وتقف غزة وحدها صامدة وسط الجحيم مثل الطاهرات اللاتي رفضن الخروج عاريات وفضلن الموت شريفات عفيفات مهما كانت التضحيات. لكن الشعوب لا تموت ولا تزول ولا تختفي نتيجة المقاومة والصمود، نعم قد يستشهد البعض لكن مآل البقية إلى السعادة والنصر والحياة الكريمة. قد يتألم البعض لكن مصير الجميع أن يحيا حياة الكرامة والعزة. لا شك عندي في أن غزة ستنتصر بإذن الله، وستخرج غزة من محنتها هذه أقوى مما كانت من قبل. وليس بالضرورة أن يكون انتصار غزة بالقضاء الكامل على إسرائيل هذه المرة، ولكن للنصر وجوها كثيرة وأشكالا أخرى غير الظهور العسكري الكامل على العدو، فاندحار العدو دون أن يحقق أهدافه كلها أو الرئيسية منها، حتى ولو لم تتمكن المقاومة من تدميره بالكامل، هو انتصار لها بل وانتصار كبير، وإفشال المقاومة خطط الأعداء وإحباط أمانيِّهم في مشاريع سياسية واقتصادية كثيرة في المنطقة هو اندحار للعدو لا يقل قسوة عليه من الهزيمة العسكرية الكاملة. ستنتصر غزة لأنها أحيت إيمانا كاد أن ينمحي من القلوب وثبتت أركان عقيدة كادت أن تختفي من الأفهام والصدور ورسخت مبادئ وحققت وعودا ظن الكثيرون أنها كانت فقط من المعجزات، وعلى رأس تلك الوعود أن فئة مؤمنة قليلة يمكنها أن تهزم وتغلب فئة أكبر منها بكثير فقط بشرط تحقق الإيمان الصادق والإعداد قدر الاستطاعة، ستنتصر غزة وسيبوء أعداء غزة بالخزي والعار والهزيمة والصغار. وإن غدًا لناظره قريب.
822
| 13 ديسمبر 2023
رحم الله الشاعر العربي الراحل نزار قباني عندما قال (أصبحَ عندي الآن بندقية، أصبحتُ في قائمة الثوار... حتى.. ’قولوا لمن، يسأل عن، قضيتي، بارودتي صارت هي القضية‘). لقد لخص بهذه الجملة الأخيرة، فكرا وعقيدة وعملا، من أهم أسس الإسلام. ومهم هنا توضيح أن ليس كل شعر غواية وليس كل متبع لشاعر من الغاوين. فبعض الشعر إنشاد وإيقاظ وإحياء مبين. فكثيرون يفهمون آية «والشعراء يتبعهم الغاوون»، على طريقة «ولا تقربوا الصلاة..»، وينسون أن حسان بن ثابت كان شاعر الرسول الكريمﷺ. وبالطريقة نفسها يسيئون فهم معاني أخرى كثيرة. قباني بكلماته تلك لخص معاني جوهرية حُرفت وكادت تحذف تماما من قاموس لغتنا العربية، تحت وابل التشويه الفكري الذي تعرضت له الأمة ومازالت، كما أشرت سابقا، من قبل قوى الرأسمالية العالمية. من أهم تلك المعاني، الجهاد وحسن الاستعداد. وأحسب أن طوفان الأقصى أعاد إحياء هذه المعاني التي كادت تندثر لأنه أثبت، ليس فقط أن عندنا فعلا بندقية، ولكن أنها فاعلة وقادرة على ردع العدو حتى في أبسط صورها عندما تُوجهُ نحوه. قال قباني قولته تلك تخليدا للعمليات الفدائية الفلسطينية إثر حرب 1967. لكن عقب تلك الحقبة لم تكن البندقية موجهة، في معظم الأوقات، نحو عدونا بقدر ما كانت موجهة نحو رؤوسنا وصدورنا وقلوبنا نحن. كانت البندقية، للأسف، عندنا لكنها لم تكن لنا بل كانت علينا. كتب قباني قصيدته عام 1968 وكان مضى 20 عاما على إصابتنا بالكيان السرطاني فقال «عشرون عاما وأنا أبحث عن أرض وعن هوية»، لكن ال20 صارت 75، ضاعت فيها الأرض والهوية، أو كادت، وتلاشى الأمل تدريجيا حتى جاء طوفان الأقصى فأحياه. وتحت ضربات «طوفان» التشويه الفكري الذي مورس ضدنا نحن المسلمين خرجت أصوات عميلة كثيرة، على مدى عقود، تشوش على الناس وتخلط بين معنى الجهاد الحقيقي والإرهاب بمعناه الذي صكه الغرب. ذلك الخلط الذي جعل الجهاد إرهابا وجعل إجرامهم وحروبهم العدوانية حضارة وديمقراطية، حتى بات أكثر الناس في حيرة من أمرهم، وانفصمت هويتهم، وتخلوا في قرارة أنفسهم عن الجهاد، الذي كان سبب عزتنا في عصور أمتنا المجيدة، بينما يتمسك عدونا الآن بنفس هذا الأمر الذي كان تركُهم له من أسباب غضب الله عليهم، زمن نبي الله موسى. فهم يقاتلوننا الآن كافة بينما نحن مصابون بالهزيمة النفسية؛ مفككون ومشتتون، ليس لنا قيادة واحدة، ولا عقل واحد، ولا قلب واحد. وكما دخلوا هم في التيه قديما لرفضهم الدخول على عدوهم، دخلنا نحن في تيه المفاهيم المشوهة والتخاذل واللامبالاة، بتوقفنا حتى عن التفكير في الجهاد رغم أنه في بيئة مسلمة طبيعية سيكون الجهاد أمرا مسلما به تماما مثل الصلاة والصيام. ففي ظل ذلك التشويه وتغلغُل العدو من خلال ما يُسمى التطبيع، وإعادة صياغة الفكر الإسلامي بما يُرضيه ويَحميه، أصبحت البندقية في يد منظمات ودول تسمى عربية وإسلامية، لكنها فقدت إيمانها برسالتها فتحولت كل بنادقهم علينا نحن الشعوب، وتنكروا جميعا لمعانى الجهاد، الذي يقع من الإسلام موقع الدرع الواقي الذي لا تقوم للأمة قائمة بدونه، وتتقدم أهميته أو تتأخر بقدر تقدم الخطر أو تأخره منها. والغريب أن يعرف أهمية الجهاد في ميزان الإسلام من هم ليسوا مسلمين أكثر من أكثريتنا نحن. فهذا هو المستشرق الفرنسي جاك ريسلر، في كتابه «الحضارة العربية»، برغم بعض أخطاء تأريخية فيه، يقدم لنا فقها أحسب أنه يتفوق على فقه كثير من علماء عصورنا السابقة والحالية، إذ هو يعُد الجهاد الركن السادس في الإسلام (ص42)، بتقرير واضح لا لبس فيه، بينما أغلب من أدلى بدلوه من الفقهاء المعتبرين في الأمر، إما حبذ جعله ركنا سادسا، وإما قدمه في مراتب الفرائض وليس الأركان، وإما جعله في مرتبة التطوع بدرجات متفاوتة. أما الفقهاء الذين أعلوا منزلة الجهاد منذ ابن تيمية إلى أبي الأعلى المودودي ومن بعده فقد تم تشويههم، أي تشويه، ونعتهم بالإرهاب. على أن الأمر أهون كثيرا من أن يبقى محصورا بين المؤيدين للجهاد في صورته الهجومية (الطلب) وبين المؤيدين له في صورته الدفاعية (الدفع)، فهناك صورة ثالثة يمكن تسميتها «جهاد الردع». وأحسب أن هذا المعنى هو الأقرب إلى معنى الآية «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ترهبون به عدو الله وعدوكم». وهذا أيضا ينسجم مع ما تبناه علماء ومفكرون مسلمون منهم الشاعر الكبير محمد إقبال بقوله «الإسلام بلا قوة تحميه يصبح مجرد فلسفة»، وهو ذات المعنى الذي يتبناه الفكر الغربي بتعبيرٍ ترجمتهُ «الحق هو القوة والقوة هي الحق». و»جهاد الردع» لا يعني الهجوم أو العدوان على أحد ولكن يعني، الإعداد والاستعداد، ونصرة الحق ولو بالكلمة، وأن ينخرط كل من يستطيع في قائمة الثوار المرابطين وليس المهاجمين بالضرورة، حتى «نعيش كالرجال أو نموت كالرجال». لقد أثبت وقوف قطر الفاعل، سياسيا وإعلاميا، إلى جانب المقاومة في هذه الحرب المقدسة أن روح الأمة لم تمت وأن «جهاد الردع» ممكن التحقق. فمتى يصبح العرب والمسلمون جميعا في قائمة الثوار؟ ونقول في صوت واحد، «إلى فلسطين خذوني معكم».
969
| 06 ديسمبر 2023
الدولة المارقة أو المنحرفة وصف لطالما أطلقه علماء السياسة الغربيون وساستهم على الدول التي تخرج عن الإطار العام للمجتمع الدولي. وذهب كثير من الباحثين منذ سنوات بعيدة إلى تأكيد هذا المعنى. من هؤلاء إدوارد سجارين وروبرت كيلي في كتابهما « الانحراف السياسي ومفهوم المسؤولية، (1986). عالم آخر في العلوم السياسية هو ميروسلاف نينيتش قدم وصفا إضافيا للدولة المنحرفة بأنها تلك التي تشكل تهديدا للمجتمع الدولي، وذلك في كتابه «النظم المارقة، مواجهة السلوك المنحرف في السياسة العالمية» 2007. أما معجم ويبستر فيقدم وصفا أكثر مباشرة وشمولا هو: الدولة المارقة أو المنحرفة هي التي تنحرف عن الأعراف المقبولة ولا تحترم الدول الأخرى في تصرفاتها الدولية. وبنظرة سريعة على الساحة العالمية، نجد أن أكثر دولة يمكن أن ينطبق عليها هذا الوصف هي الولايات المتحدة التي تتزعم إطلاق هذا الوصف على كل ما يخالفها من الدول. ويمكن القول إن سلوك الولايات المتحدة كدولة مارقة يعود، فعليا، إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما بدأت تحل محل الامبراطورية البريطانية كدولة استعمارية، وأسست ما يسمى «سي آي إيه» أو جهاز الاستخبارات القومي الذي عاث في الأرض فسادا بكل معنى الكلمة. وقد بدأ سلوك الولايات المتحدة كدولة منحرفة عن المجتمع الدولي ينكشف، بدرجة أوضح، خلال رئاسة ترامب وما بعدها. فمثلا خلال عهد ترامب نقضت واشنطن تقريبا كل ما أبرمته إدارة سلفه باراك أوباما من اتفاقات ومعاهدات، كان منها اتفاق المناخ والاتفاق النووي مع إيران ثم إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، مما جعلها تخرج عن الإطار الدولي العام ومصلحة الجانب الأكبر من المجموعة الدولية وتظهر عدم احترامها لبقية دول العالم. كما أن انحراف الولايات المتحدة «الترامبية» وممارستها لما يسمى بالبلطجة السياسية لم يتوقف بنهاية عهده، إذ أنه استمر في عهد الرئيس «الشبح» جو بادين بدعم إدارته لأوكرانيا في حرب يزعم كثيرون إن إدارته هي من أثارتها لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية و»شخصية». ثم ها هي تخلع القناع عن إجرامها ومروقها بالكامل في دعمها المطلق بالمال والسلاح للكيان الصهيوني في إبادته الجماعية لسكان غزة. فخلال العقدين الماضيين أو أكثر قليلا مارست واشنطن السياسة الدولية بانفلات تام تجلى بوضوح في مقولة بوش الابن «من ليس معنا فهو ضدنا» والتي بلورت استهانتها بالإجماع الدولي وتجاهلها عدم موافقة الأمم المتحدة على غزو العراق مثلا. ثم توالت سياسة البلطجة الدولية بتنفيذ ما سُميت «الحرب على الإرهاب» وهي الفكرة التي أسس لها صمويل هنتنغتون لتخطي كل قواعد القانون، فالحرب على الإرهاب وفق هذه العقيدة هي حرب الخير ضد الشر وفيها يفعلون أي شيء بلا قواعد ولا قوانين. وهنا نتساءل، هل في العالم دولة أكثر عنفا ودموية وخروجا على النظام الدولي من الولايات المتحدة؟ وهل في العالم دولة أكثر تحريضا وتنفيذا للانقلابات العسكرية من الولايات المتحدة. القائمة تطول ولكن من أراد أن يعرف إجابات موثقة فإن الكتب المعترف بها في هذا الصدد أكثر من أن تعد ومنها ما كتبه أمريكيون من الساسة أو ممن شاركوا بأنفسهم في مؤامرات لقلب أنظمة حكم ديمقراطي وتثبيت أخرى غير ديمقراطية، بطريقة قطاع الطرق ورجال العصابات. من هؤلاء مايلز كوبلاند، المسؤول السابق في السي آي إيه وكتابه التاريخي «لعبة الأمم» الصادر عام 1969ويتناول الكيفية التي تدير بها الولايات المتحدة العالم. وجون بيركنز العميل الأمريكي وكتابه الشهير «اعترافات قاتل اقتصادي» الصادر عام 2004 ويشرح بأحداث واقعية كفاعل وشاهد على التاريخ الكيفية الاقتصادية والعسكرية التي يتبعها الأمريكيون للسيطرة على العالم، وللاحتفاظ بهذه السيطرة إلى ما لا نهاية. ومن الكتب الكثيرة المهمة التي كشفت الكثير من الأسرار في هذا الصدد، كتاب « نزع القناع عن العولمة.. الإمبريالية في القرن 21، 2001، والذي يقدم تفاصيل عدد من الانقلابات التي نفذتها واشنطن في أمريكا اللاتينية، كدليل على أن العولمة اسُتخدمت كستار لعودة الاستعمار العسكري العالمي، وترسيخ الهيمنة الأمريكية، تحت شعار حماية المصالح القومية الزائف. لكن في مقابل تلك الأساليب والسياسات التي مارستها الولايات المتحدة للسيطرة على السياسة العالمية بتحديها لكل الأعراف المتفق عليها ومروقها من النظام الذي شكلت معظم قواعده على عينها، هناك قوانين وسنن كونية، تنبيء بزوال الدولة المارقة الظالمة، وهي لا تخطيء وإن طال انتظار حدوثها. منها ما يسمى «الحتمية التاريخية» وترى أن كل أمة تحمل في طياتها بذور فنائها وهي الفكرة التي قدمها الرسول الكريم للبشرية في حديثه عن الوهن، وغيره، ثم دار حولها المفكرون من أمثال ابن خلدون في التراث العربي الإسلامي، وكارل ماركس في التراث الغربي. وقد صدرت في شرح فرص سقوط الإمبراطورية الأمريكية مؤلفات لا حصر لها، منها نبوءة لعميل الكي جي بي إيجور بانارين الذي قال عام 1994 إن أمريكا ستتفتت إلى ست دول بحدود عام 2010. وهناك الفرنسي إيمانويل طود الذي توقع عام 2001 تفكك الولايات المتحدة وسقوطها كقوة عظمى وحيدة قريبا. وكان طود قد تنبأ في 1976 بسقوط الاتحاد السوفيتي. وبزوال الولايات المتحدة ستزول كيانات كثيرة ربما تسبقها أو تلحقها، منها إسرائيل.
1692
| 29 نوفمبر 2023
كان من اللافت للانتباه أن وسائل الإعلام الغربية، أكثرها عن عَمْد، ومعها وسائط عربية، ابتلعت المكيدة الصهيونية، وكما أشار أبوعبيدة، التي استهدفت إغراق الناس شرقا وغربا في الحديث عن «ماذا بعد حماس» للإيحاء بأنها مسألة محسومة وستقع لا محالة عاجلا أو آجلا. والحق أن السؤال الأولى بالطرح هو «ماذا بعد زوال إسرائيل؟». لماذا؟ منذ سنوات طويلة تزيد على العشرين والحديث لا يتوقف عن حتمية زوال إسرائيل. ولكن في السنوات القليلة الماضية أصبح هذا الحديث كالسيل المنهمر في كل المنتديات التي تعنى بالقضية الفلسطينية. والأهم أنه في الفترة الماضية لم يعد الحديث حديث خبراء أو أكاديميين أو حتى حديث عوام. ولم يعد أيضا حديث شيوخ أو محللين أو متنبئين عرب، مثل الشهيد أحمد ياسين أو الشيخ بسام جرار أو المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري. الحديث عن زوال إسرائيل بات «تسبيحا» لا ينقطع على ألسنة الإسرائيليين أنفسهم، من أقل مسؤوليهم إلى أكبر مسؤوليهم، لدرجة أنه بات يُنعت بالهاجس الذي أطلقه «أنبياء زوال إسرائيل»، وأُلفت فيه كتب منها «10 نبؤات بزوال إسرائيل». وإذا ما وضعنا في الاعتبار موقف جماعة «ناطوري كارتا» اليهودية المعارضة للكيان، معتبرة أن وجوده يخالف تعاليم التوراة، فإنه يسهل فهم حديث أشخاص على مستوى رئاسة الوزراء، منذ بن جوريون وناحوم جولدمان إلى نتنياهو وباراك وبينيت ولبيد عن حتمية زوال كيانهم بسبب ما يعرف ب»لعنة العقد الثامن»، وعن أنهم يحاولون ألا يزول هذا الكيان بنهايته أي في عام 2028. فقد حذر باراك مرارا بأن سياسة نتنياهو تدمر إسرائيل وتبشر بزوالها المرتقب، وقال لبيد إن نتنياهو هو أكبر خطر يهدد إسرائيل بالزوال. ولم يخرج عن الخط نفسه رئيس الكنيست السابق إبراهام بورغ الذي قال إن إسرائيل مجرد غيتو صهيوني يحمل بذور فنائه في ذاته. أما مدير الموساد السابق تامير باردو، فقال إن الكيان على وشك الانهيار. ولرئيس جهاز الشاباك السابق/ يوفال دسكن/ أيضا كلام مشابه. وللمؤرخ اليهودي بيني موريس كلام موثق عن حتمية زوال إسرائيل وفرار اليهود إلى حيثما جاءوا. كما أن للأكاديمي الصهيوني إسرائيل شاحاك تصريحات حديثة عن حتمية هزيمة الصهيونية. وهذا ديفيد غروسمان (كاتب إسرائيلي شهير) يقول إن هناك شعورا قويا لدى سكان الكيان باقتراب وقوع كارثة كبيرة، ويضيف:»..في مكان ما من أعماق قلوبنا، عرفنا أننا لسنا إخوة حقًا. كنا نعلم أن هناك فجوات واسعة، ورغبات متباينة في القلب، حيث يريد المتدينون دولة (دينية)، بينما بالنسبة لي، من الانحراف التفكير في أن غير اليهودي لديه قيمة أقل»، (وهذا ما نبه إليه القرآن الكريم من أن قلوبهم شتى وإن ظهروا يدا واحدة). وسبقه الكاتب الإسرائيلي أيضا آري شبيت بمقال بصحيفة هاآرتس في سبتمبر 2016 قال فيه إن إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة وإن زوالها تجاوز مرحلة اللاعودة. وأتبع ذلك بكتاب بعنوان «بيت ثالث» عام 2021، واصل فيه التحذير من زوال الكيان. كل هذا تزامنا مع حديث لا ينقطع، منذ اغتيال رابين عام 1995، بيد متطرف يهودي، عن مخاوف من حرب أهلية تدمر الكيان، تتجلى مؤشراتها في حالة التشرذم المجتمعي والسياسي التي تعتري الكيان، متمثلة في إجراء انتخابات عامة 4 مرات في غضون فترة ولاية انتخابية واحدة تقريبا، لغياب الحد الأدنى من الإجماع. وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية، حتى قبل «طوفان الأقصى»، عن إقبال كبير من الإسرائيليين لاستخراج جوازات سفر للمغادرة لشعورهم بالقلق ولأنها لم تعد مكانا آمنا للعيش. وهذا أيضا ما توصلت إليه الاستخبارات الأمريكية «سي أي إيه» في تقرير تم تسريبه في عام 2010. أما الأحدث في هذا كله هو مقال نشرته مجلة فورين أفيرز ذات الشأن، أخيرا، لأربعة خبراء سياسيين نادوا فيه بزوال الكيان بصورته الحالية. على كل حال، فلسنا نحن الذين رأينا أن هجوم «السبت الفاصل» السابع من أكتوبر 2023 هو بداية العد التنازلي لزوال الكيان بل هم «أنبياء زوال إسرائيل» وتوراتهم التي ذكرت، رغم تحريفها، أن عمر الكيان لا يتجاوز الثمانين عاما، وحددت أن آخر زعماء الدولة الحالية هو عطاء الله أي نتنياهو. إنهم يعيشون الآن بنفسية المتيقن من زواله وهلاكه. وهم يعدون معنا متى تزول دولتهم ربما هم يعدون «كم من الوقت ستبقى» ونحن نعد «بعد كم من الوقت ستزول». الآن الأولى أن نتساءل ويتساءل الجميع، وماذا بعد زوال إسرائيل. لكن لأن لا أحد لغزة لا يتم طرح هذا التساؤل، ولا أحد يناقش سيناريوهات ما بعد إسرائيل. ربما لأن تلك السيناريوهات تخيف البعض بل الكثيرين في المنطقة، لأن العالم بعدها لن يكون كما كان قبلها، وقد يعني ذلك زوال أنظمة وممالك أخرى سارت في ركابها، من بينها الإمبراطورية الأمريكية بشكلها الحالي.
5922
| 22 نوفمبر 2023
منذ شريعة حمورابي وربما ما قبلها وبعدها من شرائع، وقوانين وضعية، اتفق الجميع على مبدأ العين بالعين والسن بالسن، (مع قدر من الغموض والخلاف في الوعي المسيحي، اللاهوتي والتطبيقي، بهذا الشأن). لم يختلف أي مُشرِّع عبر التاريخ على أن هناك حدودا للانتقام، يجب عدم تجاوزها وإلا صار المظلوم ظالما والمغدور غادرا، والضحية معتديا. لذلك فإن ما يحدث من إبادة جماعية لسكان غزة يتجاوز كل حدود الانتقام وكل حدود المنطق وكل معاني الإنسانية. ولا يفسره إلا أن تلك المجموعة، التي تنفذ هذه المذبحة التاريخية، هي جماعة خارجة عن كل الحدود، وتنفذ مخططات شيطانية لا علاقة لها بالأديان ولا بالتاريخ ولا حتى السياسة، ناهيك عن أن الطرف المتجاوز لحدود الانتقام هنا هو نفسه الطرف المعتدي في الأصل. على مر القرون اعتبر فلاسفة الغرب، رغم عدم اعتدادنا بهم إلا للشهادة على أنفسهم، ومعهم علماء السياسة المهتمون بالاخلاق «الأخلاقيون» أن اللجوء إلى الانتقام يُلحق بصاحبه هزيمة ذاتية. وذهب الأخلاقيون أبعد من ذلك بالقول إن تخلي أمة ما عن الأخلاق يحكم عليها بالهلاك. وحتى في الأعمال الدرامية الكبرى التي تناولت هذه الفكرة، حاقت الهزيمة بالشخصية التي تسعى للانتقام أكثر مما حاقت بعدوها، اللهم إلا في أعمال هوليود المحدثة التي كانت تمهيدا أكيدا وشريكا كاملا في المجازر السابقة والحالية،،، والمرتقبة. نستشهد هنا بآراء بعض الأكاديميين والمحللين حول نزعة الانتقام لدى اليهود عامة وبالطبع لدى الصهاينة الذين يستغلون نصوص التوراة المحرفة أصلا لتنفيذ جرائمهم. يقول جويل بادن الخبير بالعهد القديم بكلية «ديفينيتي» بجامعة «ييل» الأمريكية إن نصوص التوراة تكرس في تشريعاتها الغريزة الثأرية. كان هذا رأيه في أسباب العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014 وسجله في مقال بموقع «سي ان ان». ويضيف أن تلك الغريزة الثأرية تتفاقم مع تعطيل نصوص في التوراة تدعو لإبطال مبدأ العين بالعين والتعويض عن الضرر ماديا. أما المؤرخ الإسرائيلي البريطاني آفي شلايم فيرفض هذا الانتقام مستنكرا ”منح الغرب إسرائيل تفويضًا بالإبادة الجماعية في غزة، ودعما وصل إلى إنكار تاريخ فلسطين والإنسانية الفلسطينية». وفي ملف خاص رأت صحيفة «لامانيت» الفرنسية أن نتنياهو جر الكيان إلى حرب انتقام من شعب بأكمله وأن استراتيجية الانتقام هذه لن تجلب الأمان للإسرائيليين. ونقلت عن هاري لوران المؤرخ المختص في شؤون الشرق الأوسط إنه لا يمكن للاحتلال أن يكون سلميا وديمقراطيا، مشيرا إلى فشل المشروع الصهيوني القائم على الانتقام. نعود للقول إنه من وسط الغموض والخلاف، الذي يكتنف اليهودية والمسيحية المحرفتين، والمختطفتين من قبل الصهيونية العالمية بشأن القصاص، خرج الشيطان علينا بكل جرائمه التي يرتكبها أعوانه الآن. فهم لم يقفوا عند العين بالعين ولم يلتزموا بمقولة المسيح «أدر له خدك الأيسر» ولكنهم فاقوا خطوط الشيطان وتجاوزوا كل حدود الدم وبالغوا في الانتقام ليس رغبة فيه فقط ولكن لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بالدين ولا بالحياة. فالكيان الذي لم يضع حدودا للانتقام لم يضع، أيضا، حدودا لأراضيه ولم يضع كذلك حدودا لأطماعه وإجرامه، وهنا تلتقي عدة نقاط. فعلى ذكر حدود الدم، فإن هذه المبالغة في رد الفعل الصهيوني لا يفسرها إلا أننا بصدد تنفيذ خطط أكبر وأبعد كثيرا، منها خطة المستشرق اليهودي الماسوني بيرنارد لويس، والتي فصّلَ صمويل هنتنجتون جزءا منها بكتابه «صراع الحضارات» عام 1996، بينما فصل جزءا آخر الجنرال الأمريكي رالف بيترز، بدراسة نشرها عام 2006 بمجلة الجيش الأمريكي بعنوان «حدود الدم»، وتحدث فيها عن إحداث تغييرات كبيرة في حدود دول الشرق الأوسط على أسس عرقية وطائفية، وقال إن تنفيذها سيتطلب حتما إراقة دماء مئات الآلاف. مع الأخذ في الاعتبار أن كل تغيير في الحدود فيما سبق كانت تسبقه حرب أو حروب. كما أن خطة لويس /هنتنجتون /بيترز تلك هي فقط جزء من مخطط صهيوماسوني أكبر للسيطرة على العالم بأسره يتم تمريرها كنبوءات توراتية مثلما يسمى كذبا «نبوءة سفر أشعياء»، حتى يظن الناس أن ما يجري يحدث بإرادة إلهية وأنه لا مفر من تحققه. والحقيقة أن كل هذه خرافات ومؤامرات كتبوها بأيديهم كما أخبرنا القرآن الكريم وكما أثبتت دراسات لاهوتية معتبرة، بعضها إسرائيلية، شككت في وجود نبي اسمه أشعياء من الأصل وأن ما تسمى بنبوءاته كتبها أحبار يهود. الموضوع إذن أكبر بكثير من مجرد حرب غزة، وإمعانهم في الانتقام بهذه الوحشية مبني على أفكار شيطانية مسبقة، خاصة وأن غزة الصغيرة هذه تقف وحدها حجر عثرة أمام أحلام الشياطين الكبار، وأنها بصمودها تفشل كل مؤامراتهم «العولمية» التي تعني لهم السيطرة على البشرية، التي يضعون أنفسهم فوقها جميعا باعتبارهم أن البشر كلهم حيوانات إلاّ هُم.
945
| 15 نوفمبر 2023
شاء «الغرب» أم أبى، سينقلب سحره عليه، وسلاح الإعلام الذي احتكره لعقود طويلة سيرتد حده الآخر في نحره. لقد تغير العالم ولم يعد باستطاعة أي قوة مهما بلغت من الجبروت أن تكمم كل الأفواه وأن تخفي كل الحقائق وأن تقنع 8 مليارات إنسان على ظهر هذه الأرض أن ما يفعله الكيان الصهيوني في غزة ليس جريمة إبادة جماعية. وستبقى الحكمة التقليدية «أنت لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت» أبقى وأمضى من كل نظرياتهم في الخداع الإعلامي. يعلم الجميع القوة الجبارة لسلاح الإعلام والتي تجعله من أهم عناصر تحقيق النصر والسيطرة في أوقات السلم والحرب. والكل شاهد كيف كان التمهيد الإعلامي، (مع تجاهل كل الاحتجاجات المعارضة) لغزو أفغانستان ثم العراق، هو العامل الرئيس في تحقيق أهداف الغرب. وهم مازالوا للآن يعتمدون نفس الخطة، فهم يتجاهلون الغضب العالمي غير المسبوق، ويسارعون في قتل أكبر عدد يمكنهم من النساء والأطفال والشيوخ، ويظنون أنهم سيفلتون بفعلتهم هذه المرة أيضا. لكن هيهات، فقد تغير العالم بنفس السلاح الذي استحدثوه. فقبل 20 عاما لم يكن سلاح الإعلام الجديد قد أخذ عنفوانه الحالي. عشرون عاما كانت كفيلة بجعل «الإعلام الجديد» سلاحا ذا حدين بشكل فعلي، برغم محاولات شركاتهم المحتكرة له لحجب المحتوى المعارض. وإذا كانت كل قوى الطغيان عبر التاريخ قد اندحرت فالمؤكد أن قوى الشر الحالية ستندحر أيضا وسيرتد عليها سهمها وسينقلب عليها سحرها. فالإعلام الذي يمتلكون معظم وسائله التقليدية والحديثة، ويتحكمون في أكثر من 90 بالمائة من نوافذه المؤثرة بدأ ينقلب شرا عليهم، بنقله بشاعاتهم التي يرتكبونها في غزة، ويعيد قراءة تاريخ المأساة من أولها، ويعرض الظلم الذي تعرض له الفلسطينيون على مدى أكثر من 75 عاما، والأهم أنه ينقل انتقادات وإدانات أصوات بالآلاف وربما بالملايين (كثير منها أصوات مسؤولين رسميين ومشاهير ومؤثرين) للجرائم الصهوينية. من بين وسائل إعلامية مهمة تحدثت عن الكذب والتخبط الإسرائيلي والأمريكي، اتهمت صحيفة الإنترسبت الأمريكية الرئيس الأمريكي ومسؤولين في إدارته باللجوء إلى نظرية المؤامرة التي ظلوا يرهبون بها مخالفيهم لعقود طويلة. وضربت مثلا على ذلك بتشكيك البيت الأبيض في أعداد ضحايا الإبادة الجماعية الجارية في غزة، وتخبط تصريحاته، رغم توثيق تلك الأعداد من قبل مؤسسات دولية معتبرة. الآن ينقلب السحر على الساحر أيضا بتصاعد استنكار جرائم الصهيونية النازية في أنحاء العالم ورفض تسميتها، تزييفا وتزويرا، معاداة السامية من قبل «الإعلام الغربي». وينعكس ذلك في تزايد عمليات ما يسمى «معاداة السامية» إلى درجة وصفها مسؤول أوروبي بأنها «تهديد وجودي» لليهود في عموم أوروبا، وأنهم يكتشفون الآن أن كراهية اليهود متجذرة في المجتمع الأوروبي. ففي بريطانيا، وبحسب «الإيكونوميست» زادت كراهية اليهود بنسبة 13% خلال الأسابيع الماضية مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وفي ألمانيا تم الإبلاغ عن زيادة بنسبة 240 % خلال 3 أسابيع فقط. وفي فرنسا تم الإبلاغ عن 819 عملية مماثلة منذ 7 أكتوبر مقارنة ب 436 فقط طيلة العام الماضي، مما اضطر كثيرا من اليهود هناك إلى التخفي، بتغيير أسمائهم في التعاملات المحلية، والتوقف عن ارتداء القلنسوة اليهودية وما شابهها. وفي هولندا أُبلغ عن عمليات مشابهة، أقلها المجاهرة بأن «حماس» على حق وأنه كان عليها أن تفعل ما فعلت منذ زمن. وكشفت دراسة حديثة ل «رابطة مكافحة التشهير» ومقرها واشنطن أن العبارات المعادية لليهود راسخة في ما لايقل عن عشر دول أوروبية وأن ربع الأوروبيين مازالوا يحملون معتقدات تاريخية معادية لليهود. وذكرت أنه في إسبانيا وجد أن 26% من الإسبان يحملون مشاعر عداء قوية لليهود. وجاءت بعدها بلجيكا بنسبة 24 %، وبعدها فرنسا بنسبة 17%، وبعدها ألمانيا بنسبة 12%. كما أنه في وسط وشرق أوروبا كان العداء لليهود أكبر كثيرا حيث بلغت نسبته في المجر 37% وفي بولندا 35%. ينقلب السحر على الساحر الآن، لأن الإعلام الذي سخروه لخدمة أهوائهم زمنا طويلا غيّر العالم رغما عن أنوفهم، وقدم للبشرية نموذجا غير مألوف في التضحية والصمود من أجل الحرية، أسفر طوفانا من الغضب العالمي، لا يتوقف ولن يتوقف. نموذج من الزمن القديم تُلخص رِسالَته مقولةَ مالكوم إكس «إن الحرية ثمنها هو الموت». لقد رأى العالم غزة وهي تدفع ثمن الحرية فخرجوا، في كل بقعة، كما لم يخرجوا من قبل، ومازالوا، ليعلنوا أن غزة لا تُحرر فلسطين فقط بل تحرر العالم بأسره، وعلى العالم أن يعلم أنه يدافع عن نفسه بدفاعه عن غزة، وإلا، فسيدفع الثمن بنفسه غاليا فيما بعد.
888
| 08 نوفمبر 2023
الإبادة الجماعية الجارية في غزة هي أحقر دركات الإرهاب، أو هكذا يجب أن تصنف. لكن من يتفق معنا في هذا الوصف، ربما ليس الكثير. ولا عجب في ذلك، فحتى وقت قريب كانت مدارس العلوم السياسية في ما يسمى الغرب لم تتوصل إلى تعريف محدد للإرهاب، بصفة عامة وإرهاب الدولة بصفة خاصة. وحتى وقت قريب كانت الأمم المتحدة ماتزال عاجزة عن وضع تعريف للإرهاب ولا إرهاب الدولة. ولأن كل التعريفات المتاحة قاصرة ومسيسة يمكننا القول إن الإرهاب لا يقتصر على القتل بأي نوع من الأسلحة، وإنما يجب أن يشمل «التخويف والترهيب والاعتداء بأي شكل من دون وجه حق». هنا ستدخل أشياء كثيرة تحت هذا التوصيف، منها، التحكم في الإعلام. فنظرية التدفق الإعلامي من الغرب إلى الشرق، لم تتغير. مازال مصير كلب أو قط في أحد شوارع أمريكا أو أوروبا أهم من مصير ملايين البشر الأبرياء في غزة أو مثيلاتها. أيضا من الإرهاب حرمان الناس من إبداء الرأي على وسائل التواصل الاجتماعي، وترهيبهم بعقوبات تتراوح بين وقف حساباتهم إلى التغريم وربما الاعتقال والسجن. ومن الإرهاب كل أشكال الترهيب الفكري وإجبار البشر على اتباع أفكار معينة أو العكس، فهذه سلطة لم يمنحها الخالق حتى للأنبياء. وعندما تكذب مراسلة قناة كبيرة (سي ان ان) ومراسلة صحيفة كبيرة (الاندبندنت)، وتقدم معلومات مفبركة يكون ذلك هو الإرهاب. وليس ذلك فحسب فعندما تكون وراء ذلك دولة بل دول، حينها يختلط الإرهاب الفردي مع إرهاب الدولة لتكوين هذا المشهد العبثي ويصبح الإرهاب إرهابا عالميا. كما سيتحتم أن يكون عدم احترام القوانين والقرارات الدولية، إرهابا بل قمة الإرهاب، لأن الإرهابي هنا هو دولة وليس مجرد فرد أو أفراد. كما أن الكيل بمعيارين يجب أيضا أن يكون نوعا من الإرهاب. فوسط «طوفان الكذب والتضليل وإخفاء الحقائق» بلغ من عهر النظام الدولي الأعور، الذي لا يكيل إلا بمكيالين، أن يعتبر المقاومة الفلسطينية إرهابا، أما إجرام المستوطنين الغاصبين المسلحين فهو دفاع عن النفس. وإذا علمنا أن القانون الدولي لم يُحرّم الهجمات على المدنيين والمناطق الحضرية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، (لإدانة قصف ألماني على قرية غورينكا الإسبانية)، سندرك أن المشكلة، جزئيا، هي أن مصطلح الإرهاب من المصطلحات التي احتكر الغرب تعريفها مثلما احتكر كل شيء تقريبا في إطار العولمة. والسبب الأساسي بكل بساطة هو أن من يرعون الإرهاب في العالم هم المسؤولون عن تعريفه. وبكلمات أخرى، «حاميها حراميها». على أن فضيحة هذا النظام العالمي تتضح أكثر بتصريحات سياسيين أمريكيين وصهاينة بينهم يوسي ليبيد وزير (خارجية سابق للكيان) طالبوا فيها الإعلام بلا خجل بعدم قول الحقيقة ولا حتى عرض وجهتي النظر والاقتصار على الرواية الصهيونية فقط. فهم يحمون أنفسهم بمن فيهم ذلك الكيان لأن جميعهم يشتركون في جريمة واحدة مستمرة منذ بداية هذا النظام العالمي الذي سميته سابقا «نظام ويستفاليا». فكلهم لصوص أوطان وكلهم لصوص أرض ليست لهم، وكلهم لصوص أقوات شعوب مقهورة، وكلهم لصوص الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا الكيان المحتل لفلسطين يمثل واسطة عقد السرقة التي سرقوها قديما، ولكن لأن أهل الحق لم يتركوه فقضيتهم لم تمت مثل قضية الهنود الحمر في أمريكا الشمالية أو استراليا أو نيوزيلندا وغيرها. وهم عندما يدافعون عن الكيان فإنهم يدافعون عن أنفسهم، لأنهم جميعا لصوص ومجرمون وكلهم أحفاد ابن سبأ وقبيله. رغم كل ذلك فإن ما يزيد الجراح ألما هو أن غياب تعريف واضح للإرهاب أو إرهاب الدولة يهون أمام ما يطلق عليه «البلطجة الدولية»، التي تمنع التوصل لذلك التعريف. تلك البلطجة التي كانت تتقاسمها مجموعة الدول التي شكلت «نظام ويستفاليا»، ثم انفردت بها أمريكا منذ زوال الاتحاد السوفيتي وتحاول التمسك بها الآن بكل شراسة مهما كان حجم الإجرام الذي تمارسه بتأييدها الأعمى للكيان. ويوضح ذلك الكاتب الصحفي الفرنسي فرانسوا لانغلي، معلقا على كتابه الأخير «كم من الوقت سيستغرق الأمر؟» بقوله إن وقوف الولايات المتحدة القوي مع الكيان سببه تراجع النفوذ الغربي عالميا بعد خمسة قرون من التوسع والهيمنة، وأن سقوط إسرائيل قد يعني سقوط الهيمنة الأمريكية تماما بعدما صفعتها الحرب الأوكرانية صفعة كبيرة، بإظهارها نهاية التفوق الغربي. الآن نفهم لماذا لا تسمى الإبادة الجماعية الجارية في غزة بالإرهاب ولا يوصف ما تفعله إسرائيل بإرهاب الدولة، لأنهم يريدون «عولمة الإرهاب».
1290
| 01 نوفمبر 2023
ذكرت في مقالي السابق أن العملاء لا يتعظون ولا يتعلمون. واليوم أقول إن المجرمين أيضا لا يتعلمون ولا يتعظون. وفي الحالتين هؤلاء وهؤلاء ينطبق عليهم قول الحق سبحانه وتعالى «ويمدهم في طغيانهم يعمهون». لذلك فهم يكررون الأخطاء والجرائم ويزيدون عليها حينا بعد حين. فهؤلاء الذين يقتلون الأبرياء في فلسطين وفي غزة تحديدا بلا عدٍ ولا حساب، يكررون جرائمهم رغم عقاب الله لهم على مر العصور. والآن يطبقون حرفيا كل ما يقولون إنهم تعرضوا له على يد النازيين، وكذلك يفعلون كل ما قيل إنهم استحقوا لأجله العقاب، بل ويزيدون. فمثلا، النازي كان يصفهم بالفئران، وهم يصفون الآن شعبنا الفلسطيني في غزة بالحيوانات. ولا عجب في ذلك، فهم يرون العرب جميعا هكذا وأسوأ، إذ يقولون إن «العربي الوحيد الطيب هو العربي الميت». وإذا كان النازي قد كذب ووضع قواعد للكذب فهم طبقوا كل تلك القواعد وزادوا عليها نظريات يسمونها «نظريات إعلامية»، تقوم كلها على الكذب وتكرار الكذب وتغيير الكذبة من وقت لآخر. وهكذا، وصولا إلى محاكاة النازي في تنفيذ إبادة جماعية لشعب أعزل أبشع كثيرا مما يقولون إنهم تعرضوا لها. ولتوضيح تاريخهم في ذلك، ننظر في كتاب بالغ الأهمية للمفكر المصري «القبطي» الراحل رمسيس عوض، بعنوان «شكسبير واليهود»، يشرح فيه، شرحا مفصلا ومثيرا، كيف أنهم من خلال عمليات كذب وتزييف منظمة وتحريف متواصل للنص على فترات طويلة من الزمن تمكنوا من تغيير الصورة النمطية لليهودي الجشع «شايلوك» في رواية تاجر البندقية لشكسبير إلى شخصية طيبة مقبولة في المجتمع الغربي. هذه الفكرة، أي الكذب والتحريف، تناولتها دراسات أخرى كثيرة، أحدثها كتاب البروفيسور الإسرائيلي شلومو ساند «اختراع الشعب اليهودي» الذي ينتقد بناء الرواية الصهيونية واليهودية عامة للتاريخ، ودراسة مهمة بعنوان «أدب ما قبل الصهيونية» تشرح كيف غيروا أسس دينهم وفق المصلحة. وقد رأينا نحن في حياتنا ومن خلال متابعتنا اليومية على مدى العقود الماضية كيف غيروا صورة اليهودي المكروه في كل مكان، وخصوصا في الغرب، إلى المُفضل والمثالي، من خلال سيطرتهم الاحتكارية على وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، ومعها هوليود بالطبع. ومن خلال هذا الاحتكار الإعلامي أقنعوا جُل الشعوب الغربية بأن لهم قضية وحقا في فلسطين وبأنهم يدافعون عن أنفسهم وليسوا معتدين. ومن الزيادة التي فعلوها هنا «الاحتكار». فمنذ يوم «السبت الفاصل» والإعلام الغربي، الذي يحتكرونه، لا يبدأ أي مداخلة مع أي طرف إلا هكذا: «دعنا نبدأ بسؤالك، هل تدين ما حدث يوم السبت 7 أكتوبر؟». وبغض النظر عن الإجابات التي تراوحت بين محاباة المعتدين والامتناع عن التعليق ورفض الإدانة، فإن السؤال في حد ذاته الذي كان كاستفتاح صلوات دينية يشير إلى أن «التوجيه بتلفون السامسونغ» ليس فقط حالة خاصة ببعض الدول المصنفة غير ديمقراطية في محيطنا الشرق أوسطي بل هو أمر ينتظم دولا كثيرة، ومنذ أمد بعيد، في ظل احتكارهم كل شيء تقريبا في العالم تحت عباءة ما يسمى العولمة. غير أن «توجيه السامسونغ» وصل أخيرا إلى أعلى المستويات بما في ذلك رؤساء دول ووزراء خارجية. في الإطار ذاته، حتى الآن يشار إلى ما يحدث في غزة في وسائل الإعلام الغربية خاصة وكثير غيرها في أحسن التوصيفات بأنها «حرب حماس وإسرائيل» والصحيح هو أنها عملية إبادة جماعية تنفذها اسرائيل ضد ملايين الفلسطينيين على الهواء مباشرة، في عملية احتكار للحقيقة تجعل من وسائل الإعلام تلك مجرد وسائل إعدام. هذا يجعل ما نحن بصدده معركة وعي بنفس درجة المعركة على الأرض، لأن أغلبية من شاركوا في مداخلات إعلامية حتى ورغم وقوف بعضهم في الصف الفلسطيني وقعوا ضحية ذاك السؤال الاحتكاري، الذي يطرحه عملاء الكيان، ونسوا أن القصة ليست قصة ما حدث يوم 7 أكتوبر، ولكنها قصة 75 عاما من الاغتصاب والاحتلال والإجرام والقتل والتشريد والتهجير، ثم الكذب والتزوير، وكل ما يتصل بهذه الحالة الإجرامية من مفردات، لن تتمكن آلة الكذب الاحتكارية و»إعلام السامسونغ» من محوها مهما حاولوا. لكنهم لا يفهمون لأنهم لا يتعلمون.
1212
| 25 أكتوبر 2023
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية،...
3843
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن...
1422
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات...
1017
| 29 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...
753
| 03 مايو 2026
على ضوء التطور المتسارع الذي تشهده مؤسساتنا الوطنية،...
675
| 30 أبريل 2026
ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم،...
648
| 28 أبريل 2026
يتصل المواطن بالوزارة فيُحال إلى جهة أخرى، يتصل...
642
| 28 أبريل 2026
جميع السياسات القطرية تنطلق من مبدأ أساسي يؤمن...
618
| 30 أبريل 2026
في خطوة غير مسبوقة في عالم التعليم العالي،...
618
| 30 أبريل 2026
لكل منظومة هيكل تنظيمي يحدد الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات...
525
| 29 أبريل 2026
يقول الأكاديمي الكويتي الدكتور فيصل أبو صليب على...
477
| 28 أبريل 2026
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش...
426
| 01 مايو 2026
مساحة إعلانية