رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إسرائيل في الهاوية: «الحقونا»!

يبدو أن الأرض تنهار، بوتيرة أسرع مما يتخيل الكثير منا، تحت أرجل الغرب والصهاينة، لينطبق عليهم وعلينا قول ربنا... إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون. فها هي إسرائيل تقول «الحقونا». حتى ولو لم يُعلِنوا بها. حتى ولو لم يقُلها نتنياهو. فهناك من ينوبون عنه من مسؤولين وكتاب ومفكرين صهاينة في أماكن كثيرة، وقبلهم أقارب قتلاهم الذين يصرخون «كفى». وها هي الأخبار تترى كل يوم عن معاناة اليهود ومَنْ وراءهم، نتيجة عدوانهم الهمجي على غزة، بتصاعد مستمر يصل إلى حد تهديد إمبراطوريتهم المستمرة منذ قرون. فقد باتوا بالفعل يتسولون مخرجا مما أوقعوا أنفسهم فيه، ولكن يتمنعون! هذه أرقام من مصادر غربية وإسرائيلية تبيّن حجم الخسائر التي تكبدها الكيان للآن. منذ بدء العدوان غادر نحو ربع مليون شخص الكيان نصفهم قالوا «بلا رجعة». أكثر من نصف الشباب يفكرون بالمغادرة، وسط حملة واسعة بشعار «لنغادر الكيان معا». نصف مليون من الإسرائيليين نزحوا عن منازلهم. 40% من الجنود الصهاينة ينهون خدمتهم نتيجة أزمات نفسية، مع سقوط مئات القتلى والجرحى العسكريين، بينما بلغت نسبة التهرب من الخدمة العسكرية أكثر من 32%، علاوة على ارتفاع نسبة الانتحار بين أفراد الجيش مع وصول التكلفة اليومية للحرب إلى 250 مليون دولار، وتجاوز التكلفة الإجمالية 60 مليارا. هذا وسط خسائر فادحة في كل القطاعات الصناعية والتجارية والسياحية، إذ تم إغلاق ثلث الشركات الخاصة وأخرى أجنبية، وسط توقعات بخسائر اقتصادية تصل إلى 400 مليار دولار خلال السنوات المقبلة. والأهم انكشاف الصورة الحقيقية لبشاعة المشروع الصهيوني وإدراك الكثيرين حول العالم أنها دولة إجرام وإرهاب وليست ديمقراطية. هذه الأرقام عكستها تصريحات سياسية منها تصريح لغادي آيزنكوت الوزير بحكومة الحرب يكذب به ادعاءات نتنياهو عن تدمير 75% من قدرات ‎حماس، وأخرى لرئيس الحكومة السابق إيهود باراك يدعو فيها لمحاصرة الكنيست وإسقاط نتنياهو بالقوة. ويبلور ذلك مقال للكاتب زاك بيوكامب بموقع «VOX» يقول فيه إن إسرائيل ضلت طريقها في هذه الحرب. وينقل معلومات أكدها سبعة أعضاء حاليين وسابقين في الموساد، بأن القوات الإسرائيلية غيرت عقيدتها للسماح بقتل أعداد من الفلسطينيين أكبر بكثير مما كانت تسمح به في الحروب السابقة، وأن قيادة الجيش أقرت ضربة لأهداف مدنية وهم يعلمون أنها ستقتل المئات من سكان غزة الأبرياء، ما يُثبِّت على تل أبيب تهمة الإبادة الجماعية. ويورد كلاما يؤكد صحة ما ذكره آيزينكوت وكَذِب نتنياهو، وهذا الكلام لدان بايمان البروفيسور المتخصص في الإرهاب بجامعة جورجتاون ومفاده أن إسرائيل بعيدة كل البعد عن القضاء على حماس. ويضيف بيوكامب إن كثيرين توقعوا هذا الكابوس بينهم 10 خبراء التقاهم في أكتوبر الماضي وحذروا من أن تل أبيب لديها مفهوم غير محدد لأهدافها من الحرب، وهو ما يصفه ماثيو داس نائب رئيس مركز السياسة الدولية بأنه «كارثة العصر»، وأن «من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة هو نتنياهو الذي يحاكم بتهمة الفساد ويضع مصالحه فوق مصلحة الكيان حتى في وقت الحرب». ويرى بيوكامب أن نتنياهو لن يغير سياسته طواعية لكن الناخبين وواشنطن ربما يمكنهم تغيير سياسته، أو تغييره هو شخصيا، وإنقاذ إسرائيل من «الهاوية»، على حد تعبيره. يضيف بيوكامب أن مايكل والتزر صاحب كتاب «الحروب العادلة والحروب الظالمة» والذي يتبنى نظرية «أخلاق الحرب» كان مؤيدا لتل أبيب في البداية لكنه دعا قبل أيام إلى وقف القتال قائلا إن الفظاعات التي ارتكبتها إسرائيل جعلتها تخوض حربا لا أخلاقية. ويضيف أنه ليست الفظاعات فقط ما تجعل حرب إسرائيل غير أخلاقية ولكن لأن أهدافها لا يمكن تحقيقها. في غضون ذلك، تغيرت لهجة كثير من المتشددين، وازداد عدد الدول التي تدين وحشية الاحتلال وتتهمه بتنفيذ إبادة جماعية في غزة، ومن بينها دول مثل بلجيكا وهولندا مُطالبةً، ليس فقط بوقف الحرب، ولكن بإنهاء الاحتلال. هذا إضافة إلى انضمام شخصيات دولية إلى المطالبة بوقف الحرب وعلى رأسهم ولي العهد البريطاني الأمير ويليام الذي أثار جدلا كبيرا، قبل أيام، لم يهدأ بعد. هذا في وقت حذرت صحيفة «التايمز» البريطانية من أن الناتو ومعه دول الغرب جميعا وإسرائيل، سيواجهون «أياما سوداء» جراء هزيمة باتت وشيكة لأوكرانيا على يد روسيا، نتيجة انصباب الاهتمام الغربي على إنقاذ إسرائيل. وتشير الصحيفة إلى أن دول أوروبا تشعر بالذعر نتيجة تصريحات المرشح الرئاسي الأمريكي المحتمل دونالد ترمب من أنه سيتركها للدب الروسي ليفترسها «إذا لم تدفع أكثر». ويتزامن ذلك مع تقارير متتالية تؤكد ما أشرنا إليه سابقا من أن النظام الرأسمالي الغربي يحتضر وسط تزايد التحدي العلني من قبل روسيا والصين ودول أخرى أعلنت رسميا ضرب عصب الرأسمالية في مقتل بتوقفها عن اعتماد الدولار في تعاملاتها التجارية. من أبرز الذين أكدوا احتضار النظام الرأسمالي وزير خارجية اليونان الأسبق يانيس فاروفاكيس في كتابه الأحدث «الإقطاع التقني، ما الذي قتل الرأسمالية»، وقال قبل أيام إن هذا النظام برمته قد مات بالفعل، لنفس الأسباب التي ذكرها من قبل باترك بيوكانن في كتابه «موت الغرب»، 2001. إذ أكد أن الغرب سيموت على الحقيقة، وإن أمريكا ستفقد صفتها كدولة غربية بحلول عام 2050، بسبب التحلل الخلقي والفساد، والظلم. وهذا ما أكده أيضا البروفيسور إيمانويل تودد في كتاب جديد بعنوان «هزيمة الغرب». ويبقى الشاهد هنا أنه عندما تنهار الرأسمالية ستنهار إسرائيل وإذا انهارت إسرائيل سينهار النظام الغربي، لأن إسرائيل هي مسمار جحا الذي يُمسك به زمام الشرق الأوسط ومن ثم بقية العالم.

975

| 28 فبراير 2024

في حديث المقاطعة: أمريكا شركة وليست دولة... قاطعوها!

من نقاطع، إذا كان العالم كله قد أصبح ضدنا؟ من نقاطع إذا كان القاصي والداني قد أمعنوا في إذلالنا؟ نقاطع الصين التي تقتل إخواننا المسلمين وتستعبدهم في معسكرات الاعتقال وتمنعهم ليس فقط من ممارسة دينهم ولكن حتى من التفكير فيه؟ أم نقاطع الهند التي تضطهدهم وتهدم مساجدهم وتعمل على محو ذكرهم، ولا تكتفي بذلك بل تسلط عليهم وعلينا سفهاءها من سياسيين وإعلاميين ليسيئوا إلى ديننا ونبينا الكريمﷺ؟ أم نقاطع ميانمار التي تحرق المسلمين أحياء وتشردهم في كل مكان؟ أم نقاطع فرنسا، أم الدنمارك، أم السويد... إلخ، الذين يتجرأون على أغلى مقدساتنا؟ أم نقاطع شركات وهيئات ومؤسسات دولية، لا حصر لها، لا تفتأ تتآمر لتفرض علينا ما لا يرضي ربنا من شذوذ الفكر والجنس وغيره؟ وفي حديث الشركات يجدر أن نوضح ما لا يعرفه كثيرون من أن الولايات المتحدة (الدولة الأقوى في العالم) شركة وليست دولة في الحقيقة. وهذا ما أشار إليه كُتاب عرب منهم الراحل محمود السعدني في كتابه «أمريكا ياويكا» وكُتاب أجانب منهم شينالي وادوج سفيرة النوايا الحسنة السريلانكية التي أفاضت في توضيح الصفة «الكوربوراتية»، أي مواصفات الشركة، التي يحملها نظام الولايات المتحدة برغم محاولات يائسة، من وسائل إعلام النُّخب، لدحض هذه الحقيقة ونسبتها إلى نظرية المؤامرة. وليس صعبا على أي متابع أن يلحظ أن الحكومة الأمريكية تسمى إدارة مثل إدارة الشركات، كما أن رئيسها لا ينتخبه الشعب حقيقة بل ينتخبه كيان يسمى المجمع الانتخابي يتكون من شخصيات تختارها النُّخب على عينها. وتذكر الوثائق الرسمية الأمريكية أن الولايات المتحدة، أخذت تلك الصفة رسميا عام 1871 بصدور القانون رقم 28/ 3002 الذي أضفى صفة الشركة على العاصمة المسماة «ضاحية كولومبيا»، وهي بالإضافة إلى «مدينة لندن الصغرى» (تقع داخل لندن العاصمة) و»الفاتيكان»، شركات تدير الولايات المتحدة والعالم كله أو أغلبه، بحسب شينالي وادوج، التي تشير إلى أن عائلة روتشيلد هي الحاكم الفعلي وراء هذه الكيانات. وهنا نتساءل، هل نقاطع أمريكا (أُم الشركات)؟، التي تتسبب لنا في كل ذلك من خلال أنظمة حكم عالمية وإقليمية تتفرع عنها، تهين ديننا كل يوم وتحاربه بلا هوادة لسلخنا عن تراثنا وهويتنا. وفي ضوء ذلك كله نتساءل مجددا: من نقاطع؟،،، واقتصاد العالم كله تقريبا محكوم بعدد من الشركات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة بحسب أحد التقديرات ويقدر بالعشرات بحسب تقديرات أخرى. وفي الحالتين فكل هذه الشركات تعود ملكيتها إلى عدد من العائلات، يحدده بـ 13 عائلة، فريتز سبرينجماير، وهو أول من بحث في أسرار تلك العائلات. إذن فمن نقاطع، وتلك الشركات قد احتكرت كل شيء تقريبا وتحكمت في كل التعاملات التجارية من الشرق إلى الغرب. قبل نحو سنتين جاءتني فاتورة الغاز المستخدم في التدفئة بزيادة 100 دولار عن الشهر السابق. اتصلت بخدمة العملاء في الشركة الموزعة. جاءني صوت موظفة خدمة المشتركين على الطرف الآخر، هي: صباح الخير كيف يمكنني مساعدتك، أنا: أريد أن أعرف سبب الزيادة الكبيرة التي طرأت على فاتورتي وتعادل 30 بالمائة دفعة واحدة بين ديسمبر ويناير. هي: ألا تعلم أن هناك زيادة سنوية على الفواتير... أنا بغضب مكتوم: لمااااذا... هل هذا مكتوب في الإنجيل (كتابهم المقدس المفترض)؟ هي: لا أظن، ولكن هذا هو واقع الحال. أنا مستنكرا.. وهل هناك شركة توزيع بديلة؟ هي: لا... أنا.. إذن هذا هو الاحتكار بعينه وهذا ضد الديمقراطية، والمفترض أننا في بلد ديمقراطي (كندا)... الآن أتذكر هذه المحادثة وأدرك أنه بالتأكيد ليس في الإنجيل، ولا في أي كتاب سماوي، شيء يفرض هذا الاحتكار البغيض، ولكنه في كتاب آخر مقدس لدى الشركات هو كتاب الشيطان الذي يعبدونه من دون الله، والذي يبيح لهم إفقار البشر واستعبادهم عن طريق الاحتكار اللامحدود لأغلب التعاملات والخدمات. ويبدو أنه كما كُتب على غزة أن تحارب الأكثرية الكاثرة من جيوش وأنظمة العالم، فإنه كُتب علينا أن نقاطع معظم الدول والمؤسسات والشركات الكبرى التي تنطلق من تلك الدول، التي يجب تغيير صفاتها الاعتبارية من دول إلى شركات. بل يجب رسميا إعلان موت الدولة القومية التي تأسست بمعاهدة ويستفاليا 1648 كما أشرت سابقا، وإعلان قيام «الشركة الدولة». ولعل أحدا لم يبدع في شرح تغول حكم الشركات للعالم مثلما فعل ديفيد كورتِن، صاحب كتاب «عندما تحكم الشركات العالم»، وهو أبرز من كتب في هذا الموضوع، إذ تساءل في محاضرة أمام مؤتمر لخبراء اقتصاديين في سان دييجو عام 1998 «هل تحكم الشركات العالم؟ وهل هذا يهم؟ ورد بالإيجاب قائلا إن النظام القائم في العالم الآن يجعل السلطة (الحكومات) خاضعة لرأس المال وليس للبشر (الشعوب) وبالنتيجة فتلك الشركات تدمر البشر من أجل المال. وأخيرا، نجيب عن سؤال هل نقاطع ومن نقاطع،، نعم مهم بل وحتمي أن نقاطع كل من عادانا وعادى ديننا، لكن قبل ذلك،،، يجب أن نقاطع ضعفنا وقلة إيماننا وقلة صبرنا، يجب أن نقاطع عجزنا وفشلنا وهواننا، يجب أن نقاطع الظلم والقهر والذل، يجب أن نقاطع قلة إقبالنا على خالقنا واتكالنا على المخلوقين، ويجب أن ننتبه إلى أن نبوءة رسولنا الكريمﷺ قد تحققت: فقد تداعت علينا الأمم. فماذا نحن فاعلون؟

1908

| 21 فبراير 2024

«ثمن الكبرياء.. إسرائيل تدمر نفسها»!

«إسرائيل تدمر نفسها»، هذا ما يراه الصحفي الإسرائيلي بصحيفة «هآرتس» ألوف بِنْ في دراسة مطولة تنشرها مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في عددها المقبل مارس/‏أبريل. يعتمد بنْ في دراسته على فكرة أساس هي أن إسرائيل لم تتعلم الدرس و«ستدفع ثمن غفلتها،،، وكبريائها». هو يقصد هنا درس السلام والتعايش وليس درس الحرب. اما ان إسرائيل لم تتعلم الدرس في شقه العسكري فحديث تكرر ربما عشرات المرات في السنوات الأخيرة تذكيراً بأخطائها في حروبها منذ 1973 وما بعدها. واما انها لم تتعلم الدرس في شقه السياسي فمعنى حديث قديم، تناوله كثيرون، منهم إسرائيليون، وخصوصا بعد عدوان 2014 على غزة. وقتها أجمعت شخصيات مثل جدعون ليفي المعلق السياسي في «هآرتس»، وزهافا غالؤون، رئيسة حركة «ميرتس»، أن إسرائيل ما زالت تؤمن بنظريتي «القوة المفرطة»، و«جز العشب»، وتدير ظهرها تماما لفكرة التسوية والتعايش. واعتبروا أن نظرية «ما لا يتأتى بالقوة يتأتى بالمزيد منها»، المبنية على الكبرياء والإجحاف، التي طبقتها إسرائيل في العقود الماضية، لم تُجدِ نفعا في كسر إرادة الفلسطينيين. وإذا كان هذا قد قيل قبل نحو عشر سنوات فإن ألوف بنْ يكرره اليوم مستفيضا في شرح أن الغفلة الإسرائيلية عن تعلم الدرس السياسي أقدم من ذلك بكثير. ينطلق بنْ في ذلك من حكاية يرويها عن وزير دفاعهم الأسبق موشيه دايان، مفادها أن دايان ورغم كل ما ارتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين، كان ينصح بوجوب تفهم دوافع الفلسطينيين، ويحذر من أن سياسة البطش لن تردعهم أبدا عن الأخذ بالثأر، وأنه يجب التعامل بالحكمة السياسية المناسبة للوصول إلى تسوية يتحقق بها التعايش طويل الأمد. ويخلص الكاتب إلى أن عواقب تجاهل تحذيرات دايان تحققت كأقسى ما يكون يوم 7 أكتوبر. ويضيف أنه مع استخدام القوة المفرطة مجددا، فإن الحكومة الإسرائيلية أثبتت مرة أخرى، غفلتها عن نصحية دايان، ومازالت تترفع عن قبول متطلبات منع وقوع هجوم آخر. ويرى بنْ أن السبب وراء ذلك كله هو «رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الفاشل». ثم يشدد في أكثر من موضع على أنه حتى تعيش إسرائيل في سلام، فعليها أن تصحح أخطاء نتنياهو وتتصالح مع الفلسطينيين وألا تظل معصوبة العينين عن تلك الأخطاء. ويقول إنه إذا لم تدرك تل أبيب أهمية التوصل لسلام مشرف مع الفلسطينيين فإن 7 أكتوبر قد يكون بداية عصر مظلم في تاريخ إسرائيل وليس حدثا عابرا، وأنها بعدم تفاهمها مع الفلسطينيين ستكون سائرة على طريق تدمير نفسها بنفسها. ويؤكد حالة الفشل السياسي المزمن تلك، وثائقُ أفرجت عنها تل أبيب في أغسطس الماضي، كشفت أن رئيسة وزرائهم السابقة غولدا مائير فكرت عام 1970 في القبول بدولة فلسطينية. لكن الواضح أنها وفريقها غلبهم الكبرياء فضيعوا فرصة كان يمكن أن تغير مجرى التاريخ. وهذا تناقض يشابه تماما تناقضات غولدا التي صرحت قديما بأنها فلسطينية، وحملت جواز سفر فلسطينيا من 1921 وحتى 1948، ثم نكصت لاحقا وقالت: لا يوجد شيء اسمه «فلسطينيون». على نفس المنوال تحدثت شخصيات بارزة بينهم السياسي اليهودي الأمريكي بيرني ساندرز، وكتاب كثر في «الفورين أفيرز» و«النيويورك تايمز» و«الإيكونوميست»، في فترات متقاربة بعد بدء الحرب، عن فشل إسرائيل السياسي وضرورة اعترافها بحقوق للفلسطينيين والتوصل إلى تسوية تحقق التعايش السلمي. وكانت نصيحتهم الأساسية لتل أبيب هي أن تتعلم من أخطاء واشنطن في حروبها وأن تكون واقعية وأن لا تحلم بما لا يمكن تحقيقه (في إشارة إلى هدف تدمير حماس)، وألا تقضم أكثر مما تستطيع أن تبتلع. وفي «الإنترسبت» يضرب محمد بزي وهو مدير مركز هاكوب كيفوركيان لدراسات الشرق الأدنى، مثالا على عدم استعداد تل أبيب للتخلي عن كبريائها وغفلتها، بإصرارها على تقويض «الأونروا» لأن وجودها، وهي تابعة للأمم المتحدة، يمنح الفلسطينيين وضع اللاجئين وحق العودة إلى ديارهم. أما القضاء عليها فهو يقضي «إجرائيا» على كل ما تبقى من فلسطين، حسبما تظن تل أبيب. وحتى في أقصى شرق العالم نشرت صحيفة «جابان تايمز» اليابانية تقريرا تؤكد فيه أن إسرائيل لم تتعلم الدرس بعد، صدرته بالتالي: «إن الحمقى يتعلمون من التجربة، في حين أن الحكماء يتعلمون من التاريخ.. وهذا ما نشاهده الآن في عدم تعلم تل أبيب من دروس غزو العراق وعواقب العملية البرية في غزة، وستبوء بالهزيمة». لكن هنا يجب التساؤل: هل الغفلة والكبرياء فعلا ما يجعل إسرائيل عاجزة عن التعلم من الأخطاء؟ أم ربما السبب شيء آخر. مثلا، «التذاكي» أو الغباء السياسي والحسابات الخطأ؟ لماذا نستبعد ما قيل عن أن هجوم 7 أكتوبر كان يمكن إيقافه ولكن تل أبيب تركته يقع لتحقيق أجندات خاصة بها. أجندات تظن أن وقتها قد حان لتصفية القضية برمتها وتهجير الفلسطينيين بالكلية من أراضيهم. ولذلك ملأت الدنيا نباحا بأنها ستقضي على حماس نهائيا، مستغلة ذلك لتنفيذ إبادة جماعة في غزة. الواضح أن إسرائيل، وكما أجمعت المصادر السابقة وغيرها، غلبت عليها شِقْوتُها، وأخطأت مجددا في حساباتها، ولم تتوقع استعدادات المقاومة وقدراتها، وهنا كانت مفاجأتها الحقيقية، التي ستجعلها تغص بما قضمت وتدمر نفسها عاجلا أو آجلا. هنا يؤكد بنْ مختتما دراسته أن لا أحد في إسرائيل يفكر في السلام وأنه تجب العودة لعصر «ما قبل نتنياهو» والاعتراف بوجود الفلسطينيين وطموحاتهم. لكنه يرى أن لاشيء سيتغير وأن سياسة القوة المفرطة ستستمر بوجود نتنياهو أو بزواله، وأن إسرائيل، بذلك، لن تجني إلا المزيد من الكوارث والدمار.

1191

| 14 فبراير 2024

موسم الهجرة إلى الله

مواسم الهجرة كثرت، هجرة كانت من الجنوب إلى الشمال فانقلبت تدريجيا من الشمال إلى الجنوب وهجرة كانت من الشرق إلى الغرب فصارت من الغرب إلى الشرق، وكلها هجرات لم تغن عن المهاجرين شيئا. لكن هجرة واحدة باقية هي التي فيها النجاة. إنها الهجرة إلى اليقظة، إلى اليقين، إلى الأعلى، وإنه موسم الهجرة إلى الله. عندما شرعت أكتب هذا المقال خطر لي أن أعنونه بـ "موسم الهجرة إلى الجنوب"، لكن بعد بحث وجيز اكتشفت أن كثيرين سبقوني إليه وربما أولهم، مارتن فوبينكا، الأديب التشيكي برواية بذاك العنوان، عام 1963، أي قبل ثلاث سنوات من صدور رواية الأديب العربي السوداني الراحل الطيب صالح، "موسم الهجرة إلى الشمال"، والتي ربما استلهم الطيب عنوانها من رواية فوبينكا، التي تتنبأ بانهيار حضارة الغرب عام 2096، على يد ثلة من البشر ترفض فساد تلك الحضارة وتنتصر عليها. وإذا كان فوبينكا رأى أن "الآخر" سينتصر على حضارة الغرب لأسباب أخلاقية وبيئية، فإن الطيب عرض علينا نوعا من الانتصار على الغرب بطريقته الخاصة. كانت "موسم الهجرة إلى الشمال" من أكثر القصص التي أثارت النقاش والجدل أيام كان جيلي في مقتبل العمر، أواسط السبعينيات وما بعدها. تلك الرواية كانت بشكل أو بآخر تؤجج في شباب ذلك الوقت الرغبة في الهجرة إلى الغرب وربما المرور بكل تجارب بطلها (مصطفى سعيد) وخاصة غزو المستعمر والانتصار عليه من خلال دحر نسائه في "معارك السرير" والدُخون والأضواء الخافتة. كنت أنا من ضمن الحالمين بالهجرة، ليس بالضرورة لكل الأهداف التي طمح إليها الآخرون، ولكن بعد نحو ربع قرن هنا في الشمال أشدد على أنه قد حان الوقت للهجرة العكسية إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق. فقد انهزم المستعمر وانكشفت سوءاته. ولا أبالغ بالقول إن أكبر مجهر كشف تلك السوءات كان مجهر كأس العالم الأخير الذي استضافته قطر نهاية 2022، إذ كان أول احتكاك كبير مباشر بين حشود غربية ومجتمع مسلم ربما يكون الأقرب إلى النموذج الصحيح. لقد انهزم المستعمر أمام النموذج القطري، النموذج الأقرب إلى دولة مسلمة في القرن الـ 21، حيث "يعيش الناس في وئام وسلام ورغد، ملابسهم نظيفة وبيوتهم نظيفة وشوارعهم نظيفة وأخلاقهم نظيفة، حتى أن لديهم شطافات في الحمامات، تخيلوا"، هكذا قال أحد زوار المونديال وقتها. وهو لا يعلم مثل كثيرين أن المسلمين هم أول من أدخل نظام الحمامات إلى البيوت وأوصلوا إليها المياه والشطافات، باعتراف اليونيسكو. فقد كانت قطر بكل سكانها الذين يقل عددهم عن 3 ملايين في مواجهة أكثر من 3 مليارات مشاهد ومهتم بكأس العالم. والنتيجة أن قطر بمساحتها الصغيرة وعدد ساكنيها القليل انتصرت على تلك المليارات وحققت انتصارا على الغرب وأوصلت رسالة انقطع وصولها منذ قرون. ولأن نموذج الدولة المسلمة المشرف لم يكن قد نضج كفاية في وقته فقد حلق الطيب صالح بخياله لخلق نموذج أو حالة ينتصر فيها الشرق على الغرب أو الجنوب على الشمال، وذلك في تجسيده لشخصية مصطفى سعيد الذي يقهر نساء الإنجليز في السرير. ولم يكن ذلك من فراغ. فقد تردد كثيرا في بعض الأدبيات وحتى الأعمال الدرامية الأمريكية أن نساء البيض كان لهن دور كبير في تحرر العبيد، نتيجة بطولات حققها السود مشابهة لـ "بطولات" مصطفى سعيد. وذهب أحدهم إلى القول: جزى الله خيرا نساء البيض فلولاهن لما تحرر العبيد في أمريكا وأوروبا، فعندما كان السادة البيض ينتهكون أجساد الإماء السود قهرا واستعبادا كانت نساء البيض تؤسس لسيادة الرجل الأسود على الأبيض في السرير أيضا، وينخرطن في المطالبة بإلغاء العبودية وإعلان أهلية الرجل الأسود للحياة حتى أكثر من الأبيض. ولا أدل على ذلك من استطلاع حديث لمعهد جالوب أظهر أن 94% من الأمريكيين يرحبون بالزواج المختلط، وأغلبه بين النساء البيض والرجال السود، بعدما كانت النسبة 4% عام 1961. ومرة أخرى أقول إن المستعمر انهزم في أرضه وأمام شعبه وحتى أمام من هاجروا إلى الشمال، واتضح للجميع زيف حضارته وفساد قيمه. ولم يعد ذلك المستعمر ينتصر إلا في أرضنا نحن نتيجة عملية استعباد سياسي لأنظمة حُكم زرعها بين أظهرنا منذ عقود طويلة. لقد انهزم المستعمر منذ زمن ولم يبق إلا أن يسلط الله عليه دابة تأكل منسأته التي يتكئ عليها. لقد انهزم ولا ينقص تأكيد هزيمته إلا الإعلان والإشهار. لقد انهزم المستعمر خيالا في رواية الطيب صالح، وانهزم أكاديميا في فكر كثيرين من أمثال المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي كان أهم مفكر عربي يواجه زيف الاستشراق الغربي ويفند أفكار الاستعلاء العنصري الأبيض بل كان من مؤسسي "دراسات ما بعد الاستعمار". وانهزم الغرب حقيقة أمام صمود المقاومة الفلسطينية في غزة، التي أظهرت على أرض الواقع إمكانية هزيمته بأبسط عدة وأقل عتاد. لكن رغم هذا الانتصار الظاهر تأتينا، من غزة، صور حزن ودمار تجعلنا نشعر بأننا نحتاج إلى هجرة أخرى وأخيرة. هجرة إلى الله هذا هو موسمها، لأنه في زمن الخذلان والتفريط في كل القيم يتيقن الإنسان أنه لا ملجأ ولا مهجر له إلا إلى الله، وأن لا هجرة إلى الشمال أو الغرب عادت تنفع من ضر أو تغني من فقر أو حتى تحمي من خطر. لقد انقضت كل المواسم، واستنفدنا كل الوجهات، مثلما فعل الخليل إبراهيم عليه السلام. ولم يعد لنا إلا أن نوجه وجوهنا إلى الله. ففروا إلى الله، وهاجروا إليه.

1659

| 07 فبراير 2024

الحرب العالمية الأبدية!

أي حرب عالمية تحوم في سمائنا في ضوء ما يحدث في غزة؟ أو في ضوء حرب أوكرانيا؟ أو حتى في ضوء التحذير المتواصل من حرب كبرى قد تنتج عن غزو صيني لتايوان؟ وهل نحن فعلا بانتظار حرب عالمية جديدة؟ أم أننا ربما نعيش بالفعل حربا عالمية «أبدية»؟ في السنوات الأخيرة تزايد الحديث عن حرب عالمية قادمة اعتبر البعض أنها ستكون الثالثة، الرابعة، الخامسة، وربما السادسة. كل يحسب بحسب تقديره. منهم من يقول إن الحرب الثالثة كانت «الحرب الباردة»، وإن « الحرب على الإرهاب» هي الرابعة، وجائحة كورونا هي الخامسة وعليه تكون المنتظرة هي السادسة. ومنهم من يعتبر أن الضربات الاقتصادية التي أدت لتدمير «النمور الآسيوية» عام 1997 ثم تدمير جانب كبير من الاقتصاد العالمي في 2008 كانتا حربين عالميتين، وعليه تدخل الأزمات الاقتصادية السابقة في القرن المنصرم والحالي، في سياق الحروب العالمية التي يجب حسابها وعدها، بداية بالحرب الأولى 1914. وهنا سيختلف العدُّ بحسب وجهات النظر إزاء المعيار الذي يجعلها حروبا. وسيدخل في ذلك بالتأكيد ما سمي بالكساد الكبير عام 1929. لكن بما أن المقصود بالحديث الآن هو الحرب العسكرية فسيكون كلامنا عن «الحرب العالمية الثالثة» وعن إرهاصاتها التي هي أخطر كثيرا مما يظن كثيرون. ولعل البعض يندهش عندما يعرف أن الحديث عن الحرب «الثالثة» بدأ والحرب الثانية في منتصفها تقريبا، إذ جاء أول ذكر لها في تقرير لمجلة «تايم» الأمريكية أواخر عام 1941. وفي مارس 1943 نشرت المجلة ذاتها تصريحا لنائب الرئيس آنذاك هنري والاس يقول «نحن سنحدد هذا العام أو في 1944 ما إذا كنا سنبذر بذور حرب عالمية ثالثة»! ومنذئذ لم يتوقف الحديث عن تلك الحرب. وقبل أيام نقلت مجلة «بيلد» الألمانية عن تقرير لوزارة الدفاع في بلدها أن برلين تستعد لحرب مع روسيا خلال أسابيع، تتوقع انفجارها لتكون الحرب «الثالثة»، التي ستمتد إلى العام 2025 وما بعده. وينسجم ذلك مع معلومات أفادت بأن موسكو أعدت بالفعل ميزانية حرب حتى عام 2025، ومع تقرير للمجلة ذاتها نشرته السبت الماضي حول استعدادات لإنشاء مخابئ محصنة في ألمانيا تحسبا للحرب. وهنا نجد في موقع «دييجو.كوم» الأمريكي كلاما عن حرب عالمية ثالثة خلال 2025، تخسر فيها الولايات المتحدة 70 إلى 80 بالمائة من سكانها، مشيرا إلى أنها ستكون حربا نووية. وهذا موقع 1945 الأمريكي أيضا وقد تنبأ قبل أشهر بأن الحرب الثالثة قادمة بأسرع مما يتوقع كثيرون. على أي حال فإن استقراء التاريخ يجعلنا نستخلص أن الحرب «الثالثة» المرتقبة قادمة لا محالة أيا كان موعدها، حتى ولو تأخرت شهورا أو سنوات أخرى. وهي قادمة لأسباب عدة منها أن الليلة أشبه ما تكون بالبارحة. فقُبيل الحرب الثانية، مثلا، كانت وسائل الإعلام الغربية تتحدث عن قدومها بتفصيل لا يختلف كثيرا عما نحن بصدده الآن، ولم يكن الكثيرون يكترثون لذلك، تماما كما يحدث الآن. وسبب آخر هو أن هذه الحرب الثالثة ستكون جزءا مما أسميه «الحرب العالمية الأبدية» التي يشنها بالفعل «أعداء الإنسانية»، سدنة رأس المال، المتخفون وراء الماسونية العالمية في إطار ما اعتبره عملية مستمرة لـ «صناعة الكفر» كما أسميها في كتابي القادم «صناعة الكفر، تأملات في الدين والسياسة والتاريخ». وفي هذا تفصيل أرجو أن تتاح له الفرصة لاحقا. وهذه الحرب الأبدية الجارية بالفعل ليست حربا بين قوى متصارعة على النفوذ ولكنها حرب تشنها القوى الرأسمالية على عموم البشر، ومنها حرب غزة، لإبادة أعداد كبيرة منهم في إطار معتقدات يغلفونها بمسميات تبدو علمية من قَبيل، تحسين النسل، والتي يندرج تحتها كثير من النظريات الشيطانية مثل الداروينية وتفوق العرق الأبيض وما شابهها، في إطار سعي لا يتوقف لفرض الهيمنة الغربية والأمريكية تحديدا على العالم كما يقول الخبير الإستراتيجي الفرنسي باسكال بونيفاس في كتابه «نحو حرب عالمية رابعة؟» 2004، والذي حذر فيه من مخططات المحافظين الجدد، ولقي بسببه متاعب عدة واضطهادا من القوى الصهيونية. وللحرب العالمية «الأبدية» أبدية وجهٌ سماه الدكتور المسيري «الإمبريالية النفسية» وعرفها بأنها «عملية الهيمنة على المجتمعات الغربية»، وأحسب أنها تستهدف العالم كله. تلك الإمبريالية النفسية، تحول الإنسان إلى سلعة مستهدفة بالتعديل والتغيير والتلقين والتشفير من خلال الغذاء المهرمن والدواء المزيف الذي يضر أكثر مما يعالج وهو ما بات يطلق عليه بدوره «استعمار البدن»، بحسب المؤرخ ديفيد أرنولد صاحب كتاب استعمار البدن: طب الدولة والأمراض الوبائية في الهند في القرن 19، (1993). وتتضح ملامح تلك الحرب الأبدية أكثر إذا أضفنا إلى ما سبق عملية «الاستعمار الأكاديمي» و»الحرب الثقافية»، ومنها حرب التخريب الأخلاقي المتمثلة في محاولة فرض الشذوذ بكل أنواعه على العالم، وخلط الخيال بالواقع والكذب بالحقيقة. وهذه الأخيرة يتناولها كتاب حديث بعنوان «الذكاء الاصطناعي 2041: عشرون رؤية لمستقبلنا»، وضعه كاتبان، أحدهما الرئيس السابق لشركة جوجل (الصين)، كاي-فو لي، والذي يسير على نهج جورج أورويل ليؤكد من وجهة نظره أن «المجتمع الأورويلي» قادم وبتفاصيل أكثر قتامة مما تخيلها أورويل نفسه. يقول كاي-فو لي، إن الذكاء الاصطناعي سيقلب مجتمعاتنا رأسا على عقب، تماما كما حدث مع اختراع الكهرباء والموبايل. هذا بالطبع إن بقي العالم بتفاصيله الحالية أو قريبا منها عند هذا التاريخ. ويتحدث الكتاب عن زمن ستختفي فيه الخصوصية الشخصية بالكامل، والتي تعني عبودية أقسى من عبودية الجاهلية، وعندها سيعلن أعداء الإنسانية انتصارهم في حربهم العالمية الأبدية. وما بعدها يعلمه الخالق وحده.

1350

| 31 يناير 2024

غزة تهزم جاهلية العصر وتجيب عن السؤال الصعب

لم يجتمع على أي قوة عبر التاريخ المعروف، من الأعداء والمتربصين، ما اجتمع على غزة في محنتها المزمنة،،، المتفاقمة. بعد نحو 15 عاما من الحصار والخذلان والخيانة من القريب والبعيد، تأتي حرب الإبادة المستمرة منذ 3 أشهر. ورغم ذلك تبقى غزة صامدة. وهذا أمر لا تستطيع أن تفسره أي نظرية سياسة أو اجتماعية ولا أي فكر بشري. فلا شيء يفسر صمود شعب لحصار قاس مرير كل تلك السنين، تعرض خلالها لكل أنواع التدمير والمعاناة والقهر، وبعدها يزأر أسوده ليفاجِئوا العالم كله، القريب الخائن قبل العدو الفاجر، ويشنوا حرب تحرير ليس لها نظير. ووسط صدمة المجرمين من الأعداء والأقرباء لم يكتف العدو بنفسه فاستعان بكل قوى الشر العالمية تقريبا. ولم يكتف الأقرباء الخونة بالدهشة فخذلوا إخوتهم، ثم حيروا العالم بمساعدتهم لعدوهم (عبّرَ عن ذلك مسؤولون يابانيون قالوا إنهم كانوا على الحياد، لكن مؤازرة دول «عربية» لإسرائيل جعلتهم يؤيدونها). وتلك ظلمات بعضها فوق بعض، تؤكد أن ما يسمى حضارة اليوم جاهلية أسوأ كثيرا من جاهلية الأمس. وقد ورد في ذلك أقوال ينسبها البعض للرسول الكريم ﷺ، وهي تصدُق في معناها وإن لم تصح نسبتها، ومنها «بُعثت بين جاهليتين، لآخرهما شر من أولاهما». كيف؟ عندما تآمر الكفار لقتل النبي الكريم ﷺ، انتظروا خروجه للصلاة. لم يقتحموا عليه لأن «آداب» تلك الجاهلية لم تكن تبيح هتك ستر الحريم في بيوتهن. وعندما أشار أحدهم باقتحام البيت، نهره أبو جهل رأس الكفر مستنكرا: «أتريد أن تقول العرب أنّا تسورنا الحيطان وهتكنا ستر بنات محمد»؟ وبعد أن بدأ الرسول ﷺ هجرته نحو المدينة، وقف أبو جهل موقفا مشابها عندما ذهب يسأل عن أبي بكر فلطم ابنته أسماء، ثم ظل يرجوها ألا تخبر أحداً عن فعلته، قائلا: «أكتميها عليّ، خبئيها عني، لا يقول الناس إني ضربت امرأة». وعندما حاصر الكفار المسلمين في الشعب بادر لرفعه عنهم مشرك جاهلي هو زهير بن أمية قائلا «يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى،... والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة». وقصة أبي سفيان في ترفعه عن الكذب عندما سأله هرقل عن الرسول ﷺ معروفة. ومثلها قصة عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن من الرسول ﷺ ثم عاد يقول لقومه «إعصبوها برأسي وخلوا بين محمد ودعوته». وأيضا قصة الوليد ابن المغيرة الذي شهد بالحق لعظمة القرآن وقال قولته المشهورة، «إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه. وما هو بقول بشر». واليوم نجد أناسا من بني جلدتنا لا يفقهون في العربية كلمتين ولا يجيدون قراءة آيتين، ويشككون في الدين والقرآن الحكيم، ثم يبالغون في الغي والإغراض إلى درجة مساندة العدو. وهنا نلحظ أن جاهلية العصر أشرُ كثيرا من الأولى لأن حصار الكفار للمسلمين في الشعب لم يدم سوى 3 سنوات بينما حصار المسلمين في غزة تجاوز الـ 15 عاما. كما أن الكفار اكتفوا بحصار المسلمين ولم يحاربوهم فيه، بينما كفار اليوم وأتباعهم لا يتوقفون عن محاربة غزة لوأد أي نمو تحققه. وفي الحصار لم يخنهم قومهم ولم يخذلوهم، والآن أغلب الإخوة يخونون غزة ويخذلونها، بينما تساندها دول أجنبية مثل كولومبيا وفنزويلا. نلحظ أيضا أن الجاهلية القديمة أوجدت «حلف الفضول» وتعهدت ألا يُظلم أحد في مكة، بينما نرى اليوم في المنطقة حلفَ ظلم وفجور سمته القوى التي أعلنته عام 2019، زورا وبهتانا، «حلف الفضول الجديد»، مع أنها تشارك في حرب وحصار وخيانة وظُلم غزة. ولكي نستوعب الفارق بين الجاهليتين يجدر أن نلاحظ أنه في الجاهلية الأولى كان تأثير قوى الشر العالمية محدودا مقارنة بطغيانها الحالي. فالآن أحفاد عبد الله ابن سبأ من الصهاينة ومن والاهم هُم المتحكمين في كثير من مقدرات الشؤون الدولية بعدما علوا علوهم الكبير ولم يعودوا فقط محرضين بل أصبحوا الآمرين الناهين لأتباعهم في دول شتى. وهُم الذين اعتبرهم العبقري مالك بن نبي المحرك الحقيقي للغرب بقوله إنهم «عقل وروح الحضارة الأوروبية»، وأضيف هنا «الفاسدة». ويجدر أن نعرف أن «جاهليي العصر» لن يقف بهم الأمر عند مساندة العدو، بل إنهم سيعيدون عبادة الأصنام إلى جزيرة العرب، كما أشرنا من قبل، وفق حديث «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ». وَكَانَتْ ذُو الْخَلَصَةِ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ جنوب جزيرة العرب. كذلك حديث «لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى»، وهو ما نراه يتجسد بوقاحة هذه الأيام قريبا منّا. نعود هنا لِتَفرُد نموذج غزة لنقول إنه لا يفسره إلا قول الرسول الكريم ﷺ عن «الفئة التي تبقى على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم»، ونقول إن غزة أجابت وحدها عن السؤال الصعب الذي حير المفكرين والعلماء منذ قرون، وهو «كيف يتخلص المسلمون من عجزهم وتخلفهم»؟ لقد أخذت غزة بالأسباب، فجمعت ما تيسر من الإيمان الصادق والعلم والتكنولوجيا والقوة والحكمة والسياسة، وتصدت وحدها لجاهلية العصر ومن يقودونها، رغم كونها أصغر مساحة إسلامية على وجه الأرض. نجحت غزة لأنها تخلصت نسبيا من قبضة النظام الدولي المبني على فكرة المركز والأطراف التي لا يُسمح لها بالتقدم طالما دارت في فلك المركز. قدمت غزة النموذج المُنْقذ في أكثر صوره اختزالا، والعاقل من يستثمر فيه ولو طال انتظار قطف الثمار. فلك الله ياغزة.

828

| 10 يناير 2024

عن الاستبداد الإعلامي.. متى توضع «فيسبوك» وأخواتها تحت وصاية دولية؟

عندما بدأت دراسة الإعلام، قبل 40 سنة ونيّف، علمونا أن الصورة الثابتة بألف كلمة وأنها لا تكذب. ثم دارت الأيام وتطورت التكنولوجيا، وظهر «الفوتوشوب»، واتضح أنها يمكن أن تكذب وتفعل كل الخبائث. بعدها قيل إن الصور المتحركة (الفيديو) لا تكذب لأنك ترى الحدث بعينيك. لكن تطورت التكنولوجيا مجددا، وظهر «الفيديو إدتنج» و»الديب ويب»، واتضح أن صور الفيديو يمكن أن تكون أكثر كَذبا وتضليلا من الثابتة. ثم استمر التطور التكنولوجي وتحول الإعلام كله إلى صناعة يمكن، للبعض، أن يجعلوها قائمة على الكذب بالكلية، بما يجعل دعاية جوزيف جوبلز أمامها نقطة في بحر. وقديما قالوا لنا أيضا إن وسائل الإعلام في الدول «المتقدمة» حرة لا تكذب. ثم مرت الأيام واتضح أنها أكثر كذبا وتزويرا من مثيلاتها في ما يسمى الدول الاستبدادية، واتضح أيضا أنها هي التي صنعت كل تاريخ الكذب والأساطير المؤسِّسَة لأوهام ما يسمى حرية الرأي وحق المعرفة، بل وأنها كانت ومازالت حجر الأساس في شيء أكبر وأخطر هو «صناعة الاستبداد» أو بكلمة أدق «الطغيان». فقد قام الطغيان السياسي في أساسه على الاستبداد الإعلامي واحتكار تشكيل الفكر، منذ «أنا ربكم الأعلى»، و»ما أريكم إلا ما أرى»، إلى يومنا الحالي الذي يتم فيه تطبيق هاتين الحالتين حرفيا، تقريبا، في أغلب دول العالم، وأحيانا بالمفردات ذاتها أو قريبا منها. ويمكن القول، باختصار، إن صناعة الاستبداد الإعلامي تتم بأمور ثلاثة رئيسية، هي الاحتكار، والإغراق، والتشويه (بكل أشكاله من كذب وتزوير وتضليل وحجب،...إلخ». وقد تحدثنا سابقا عن خطورة الاحتكار الذي تُجسده العولمة في كل شيء، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا. وهنا تحتكر قوى معينة، على علاقة قوية بأباطرة رأس المال، وسائل الإعلام المؤثرة في العالم، «في عملية تزاوج حقيقي بين دهاقنة المال والسياسة والإعلام»، بحسب تعبير الكاتب الكندي بول نيسبت-لاركنج في كتابه، السياسة،المجتمع والإعلام. ولمقدم البرامج الأمريكي، ريك وايلز، المعروف بانتقاده للسياسة الأمريكية، مقولة كاشفة تشرح طبيعة الطغيان السياسي والاستبداد الإعلامي، معا، يقول فيها: إذا أردت أن تعرف من يحكمك كإعلامي فانظر من تخشى غضبه، فإذا لم تكن تخشى (بايدن) رئيس الدولة فهو ليس من يحكمك... وبما أنك لا تخشى إلا اللوبي الصهيوني فالمعنى أن ذاك اللوبي هو الحاكم الفعلي». وبما أنه لم يعد خافيا تحكم القوى الصهيونية في سياسة واقتصاد وإعلام العالم، بدرجة كبيرة، من خلال عدد محدود من الشركات العملاقة، فلا يُستغرب عزف وسائل الإعلام أو أغلبها على نغمة واحدة، هي نغمة الكذب والتضليل. وتاليا في أُسس صناعة الاستبداد، يأتي الإغراق. وبات الجميع يعرف سياسة وسائل الإعلام في التركيز على قضايا بعينها بكثافة لا تسمح لأي محتوى آخر بالظهور إلا نادرا. ولتوضيح الأمر سنأخذ مثالا من مكان يدّعي الديمقراطية والعدالة وهو أبعد ما يكون عنها. المثال أوردته الكاتبة اليزابيث دوسكين في مقال لها بالواشنطن بوست حول كيفية تلاعب الكيان بمشاعر الرأي العام هناك عن طريق إغراق منصات الإعلام الجديد بأخبار كاذبة عن هجمات مروعة وإنذارات بشُح خطير في الموارد دفعت الناس لتخزين المواد الأساسية وزرعت الخوف والكراهية تجاه الآخر (الفلسطينيين). الكاتبة نفسها ضربت مثالا آخر على صناعة التشويه والتضليل بتقرير (منتصف 2021) كشفت فيه عن أن فيسبوك تُسخر الذكاء الصناعي لحجب النشطاء المدافعين عن فلسطين مثلما تحجب المدافعين عن حقوق السود. أما عمليات التشويه الإعلامي فقد رصدها تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود»، الأحدث، للعام المنصرم، والذي فضح ضلوع فاعلين سياسيين في حملات تضليل واسعة النطاق في بلدانهم، بشكل مُنظم ومنهجي، حيث يجد الجمهور نفسه تائهاً بين المعلومات الصحيحة والخاطئة، وبين الحقيقة والأكاذيب. كما أكد التقرير أن التطور المذهل الذي شهده «الذكاء الصناعي التوليدي» أحدث اضطرابات كبيرة في الحقل الإعلامي، المنتهك أصلاً، بتأثيرات ثورة «ويب 2.0»، التي بدأت قبل نحو عقدين، وأوجدت استخدامات الانترنت الانحرافية الحالية. ومن أخطر ما أكده التقرير، بحسب تحقيق لمشروع «قصص مُحرمة» التابع للمنظمة، أن الذكاء الصناعي يتلاعب بالمحتوى ويعيد صياغته بطريقة تفتقر للدقة والموثوقية. وأشار التقرير إلى أنه على العكس، مما رُوِّج وصدقه كثيرون، فإن إلون ماسك الذي اشترى «تويتر» ومنحها اسما شيطانيا هو «X» ذهب أبعد ما يكون في تشديد الرقابة، ما يُحوَّل وسائل التواصل إلى «رمال متحركة» تبتلع الحقيقة. وإذا كانت وسائل التواصل الحديثة باتت تنتشر على نطاق لا تصل إليه حتى أعتى وأقوى المؤسسات الإعلامية والسياسية الدولية فقد وجب التوقف أمام هذه الظاهرة وتقنينها ووضع ضوابط لعملها بحيث لا يُسمح للشركات المُشغِّلة لها بالطغيان وتمرير ما يناسبها وحجب «الآخر». فالجميع تابع كيف حجبت منصات مثل فيسبوك وX حسابات أعداد لا تحصى من المؤيدين لفلسطين خلال حرب الإبادة الجارية وحرمتهم حقهم في إظهار بشاعة الكيان الصهيوني. وإذا كان الأمل في إنهاء الطغيان السياسي يبدو بعيد المنال فلا أقل من محاولة وقف الاستبداد الإعلامي والمطالبة بتقديم فيسبوك وأخواتها لمحاكمة حقيقة عادلة ووضعها تحت رقابة دولية محايدة، وربما تحت وصاية دولية، كونها باتت كيانات تتجاوز حدود الدول. فعلى قدر السهولة والانتشار اللذين وفرتهما وسائل الإعلام الجديد في التواصل ونقل الأخبار تأتي الخطورة من ترويج المعلومات الكاذبة والمضللة، التي لا تقل فتكا عن أسلحة الدمار. وقبل أكثر من نصف قرن قال مالكوم إكس، «إذا لم تنتبه ستجعلك الصحافة (الإعلام) تكره المظلوم وتحب الظالم»، وصدق كلامه لعقود. لكن أحسب أن الكثير من الناس قد انتبهوا الآن، وبقي أن تكون لانتباهتهم أيادٍ وأسنان.

1140

| 03 يناير 2024

.. ورأيت الناس يخرجون من العروبة أفواجاً؟!

إذا رأيت الناس يخرجون من العروبة أفواجا، فلا عجب، الخروج أفواجا ذكره ذلك الفتى الذي خاطب الحجاج، مردفا: «إنهم كانوا يدخلون على عهد الرسول الكريم... ولكنهم يخرجون الآن بظلمك». الآن لا شك أن من الناس من يخرجون من دين الله ومن العروبة، معا، وإن كان الخارجون من العروبة أكثر. فها هي دول حملت صفتي العروبة والإسلام لقرون عدة، تقود شعوبها نحو خروج تدريجي ومنظم من العروبة والإسلام بلا حياء، بأفعال كثيرة، منها إلغاء كل ما يشجع على الطاعات وحتى صلاة الجمعة، وتوجتها بإعلانات صريحة وأخرى مبطنة عن تخليها عن أهل غزة ووقوفها مع العدو. خذل العرب أهل غزة، ومقاومتها، وباستثناء قليل جدا خذل المسلمون، وقبلهم حكامُهم، هؤلاء المرابطين في أكناف بيت المقدس، وفي أماكن أخرى. استثناءات تطرح أسئلة صعبة ولكن جوهرية نحو تحديد من هو العربي ومن هو المسلم، في هذا الزمان، بل، نحو ضرورة معالجة أزمة هوية كانت تعتمل منذ عقود ولكنها ستستعر، عاجلا أم آجلا، بدرجة أكبر وستجتاح نفوس وعقول الشعوب التي كانت تسمى لقرون مضت شعوبا عربية إسلامية. ولا شك أنها ستضعنا أمام حقائق قاسية، وستأتي بتغييرات كبيرة، قد تتصل مباشرة، أو عبر مراحل يعلم الله عددها، بتأسيس دولة الخلافة التي بشر بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس. خاصة مع تحقق نبوءات أخرى، عن عودة الدين غريبا كما بدأ، يجسدها تزايد دخول «الأغراب» أفواجا في الدين شرقا وغربا. من العربي إذن؟ هل العربي بمعناه المستقر في الأذهان هو من يتكلم اللغة العربية؟ هل يكفي تحدث اللغة للانتماء؟. هل تحدث اللغة مع إيقاع الضرر بأهلها يُبقي الفرد ضمن نفس الجماعة؟ سؤال آخر سيجعل الإجابة أوضح وأسهل. من المسلم؟ هل المسلم هو كل من ادعى الإسلام بلسانه؟. هل يكفيه أنه ولد مسلما، أو أنه يصرح شفاهة بالشهادتين؟ ألم يخبرنا قرآننا بأن ذلك لا يكفي؛ «.. ولم تؤمن قلوبهم». ألم يرد الحديث النبوي، على ضعف روايته، بأن «من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم»!. إذا كانت الإجابة عن السؤال الثاني بالنفي القطعي فإن الإجابة عن الأول هي بالمثل. نحن، إذن، بصدد أجيال من العرب والمسلمين بالاسم فقط وقلوبهم مع الأعداء، والذين سمى الدكتور عبدالوهاب المسيري بعضهم، كما أشرنا من قبل، صهاينة العرب. ولولا بقية من جيوب صغيرة مثل غزة، ودولة هنا أو هناك، لكان من غير المبالغة القول إنه لم يعد هناك عرب ولا عروبة على هذه الأرض. ولولا بقية من مؤمنين، هنا وهناك أيضا، لما كان من الخطأ كذلك القول إنه لم يعد هناك إيمان على وجه هذه الأرض. ومع أن هذا يبقى مجرد رأي وليس فتوى، فيمكن أن ننعي عروبة وإسلام كثير من زعماء تلك الدول وكثير من علمائها. فها هي عملية طوفان الأقصى قد وضعت الشعوب أمام خيانة وعمالة كثير من الحكام وأتباعهم، وجها لوجه وبلا أي مواربة، وأظهرت عجز تلك الشعوب عن إحداث أي تغيير بينما حكوماتهم تساهم في قتل إخوتهم في غزة. والشعوب في هذه الأزمة ممزقة بين إيمانها بواجب النصرة الذي تحمله في عنقها، باعتبار أنهم جسد واحد، وبين خنوع وعمالة أولئك الحكام الذين لم يعد واضحا، هل كانوا في الأصل من العرب والمسلمين أم من انتماءات أخرى. ورغم الألم مما يحدث فيجب ألا نصاب بالجزع، فلم يكن صلاح الدين الأيوبي عربيا عندما حمل هم تحرير الأقصى. ولم يكن كثيرون قبله وبعده من القادة عرباً عندما حملوا همّ الدفاع عن مقدسات الإسلام والعروبة معا. ولم يكن أغلب العلماء الذين اشتهروا في دولة الإسلام في علوم الدنيا والدين عربا بالمولد. بل لم يكن سيبويه، إمام النحاة، عربيا في أصله، بل فارسيا، وقس على ذلك كثيرا لا يعد. والعروبة لم تفد الإسلام قدر ما أفادها الإسلام الذي هو أعلى وأبقى. وقد أجمع فلاسفة ومفكرون منهم البروفيسور هاملتون جب على أن «الصبغة العربية التي صبغت الإسلام، لم تأت من التأثير الاجتماعي المباشر للوسط العربي، أو العرب الذين اعتنقوا الإسلام، بقدر ما أتى بها القرآن» وأن القرآن هو الذي أفاد اللغة العربية وحفظها وليس العكس. كما قال البروفيسور ألدو مييلي في كتابه «العلم عند العرب» إنه لم يجد عند تحليله لعلوم العرب من القرن 8 إلى القرن 13، عالما واحدا عربي المولد. ولا شك أن الكثير من أبناء شعوب الدول التي تسمى عربية سيصابون بأمراض نفسية عدة أقلها الاسكتسوفرينيا، أو الفصام النفسي، إذا بقيت أوضاع بلادهم على ما هي عليه في حال طال أمد كارثة الإبادة الجماعية ضد أهل غزة أو حتى إذا انتهت نهاية ليس فيها انتصار واضح للمقاومة. فعندها ربما يغر أولئك «البين بين»، الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، شيطانهم ويفرحون بدعمهم للعدو، وتزداد الأمور تعقيدا. فالبعض يرجعون سيرتهم الأولى ليعودوا أعرابا كما كانوا وليس عربا، والفارق كبير. ولا غرابة في ذلك ونحن نتابع بألم منذ عقود من يشعرون بالدونية بسبب لغتهم العربية، ويحاولون تعليم أبنائهم لغات أخرى. ولا غرابة أيضا، ونحن نعلم من ديننا أنه لا تقوم الساعة حتى تعود الأصنام إلى جزيرة العرب، وهي قد بدأت بالفعل.

924

| 27 ديسمبر 2023

يا شعوب العالم اتحدوا

الذين لديهم القدرة على رؤية العاصفة أو الكارثة قبل قدومها أقلية نادرة بين البشر. والكارثة التي لا يراها معظم البشر قادمة الآن هي كارثة نموذجُها جريمة الإبادة الجماعية في غزة. لكن أكثر الناس لا يريدون أن يتقبلوا، نفسيا، ذلك السيناريو. بالطريقة نفسها، وبالسياسة ذاتها، وبالأوصاف عينها، التي أُطلقت على شعب غزة المظلوم سيتم التعامل مع الجميع مستقبلا، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن في كل مكان يستطيع الطغيان العالمي الوصول إليه. وسيكون القادم أسوأ من أفلام هوليود التي يصورون فيها البشر على أنهم هوام يتم رشهم بالمبيدات أو استئصالهم بالأسلحة الفتاكة استئصالا جماعيا، كما لو كانوا ذبابا أو حشرات. وهي بروفات للتنفيذ على نطاقات أوسع عندما تحين لهم الفرص. وما الأسلحة الفوسفورية الحارقة التي يستخدمونها في غزة إلا مثال بسيط. وإن ما تتعرض له غزة ودول العالم الثالث ظلمٌ يُراد تعميمه على الجميع ولكنها مسألة وقت. ولعل هوليود (نافذة المستقبل) تحضِّر فعليا لخراب كبير قادم يبدأ من الولايات المتحدة بفيلم بعنوان "حرب أهلية" سيعرض قريبا، ويتضمن دمارا كبيرا هناك. وإذا كان هذا يخطط لأمريكا فما بالكم ببقية العالم. فالنظام الرأسمالي ماضٍ بخطى تبدو وئيدة لكنها متواصلة نحو إخضاع الجميع بمن في ذلك شعوب الغرب. وقد حذر باحثون وخبراء سياسة غربيون، منهم خبير العلوم السياسية الأمريكي جيمس ليندسي، في مناسبات عدة من أن ما يسمى "نيوليبراليزم" أو الليبرالية الجديدة، التي تُسوَّق بوصفها "يوتوبيا سياسية" ما هي إلا عملية استغفال للشعوب، غربا وشرقا، لتطبيق الفكر الشيوعي، الذي يحرم الفرد من مكتسبات جهده لمصلحة "المجتمع" المقصود به الشركات الكبرى. كما حذر كريس هيدجز في كتابه "الفاشيون الأمريكيون، أيام الدمار وأيام الثورة" من الشيء نفسه، وقال إن النيوليبرالية قتلت الديمقراطية وإنه حان الوقت للثورة. مع التأكيد على أن النيوليبرالية تلك في أدق تعريفاتها هي حكم الشركات الكبرى. أيضا، والدِن بيللو في كتابه "أمريكا دولة عالم ثالث" وآلان تونليسون في دراسته "... كيف نمنع تحول أمريكا إلى دولة عالم ثالث"، كانا ضمن خبراء حذروا في أواخر التسعينات من أن النخب (الشركات الكبرى) في أمريكا وبريطانيا، ستُحول الغرب إلى مجتمع عالم ثالث يسوده الفقر والظلم والجوع والمرض والجريمة. وسيكون من نتائج ذلك، زيادة استبداد السلطة الحاكمة، (الشركات الكبرى)، التي حولت كل شيء تقريبا إلى ملكيتها الخاصة تحت خدعة "الخصخصة" بما في ذلك السجون وقوات الشرطة بشكل جزئي. كما تنبأوا بتلاشي الحريات المدنية وتزايد القمع واتساع الفوارق الاجتماعية وغياب محاسبة المسؤولين. وهذه الأيام تمتليء الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية بالحديث عن أن المجتمع الأمريكي تحول بالفعل إلى مجتمع عالم ثالث. لقد أصبحت الشركات الكبرى والتي يتخفى وراءها الصهاينة ومن معهم، الحاكم الفعلي في معظم المجتمعات الغربية وغير الغربية، وباتت القوة التي لا تضاهيها قوة في أي دولة؛ يضعون في السلطة من يشاؤون ويعزلون من يشاؤون، وهو ما يخلق، وبعيدا عن نظرية المؤامرة، سلطة حاكمة عابرة للقارات، فوق مستوى كل الدول، لا يهمها بأي قدر رفاهية ولا مصالح الشعوب. وهذا بدوره يخلق "قوة طغيان عالمية" ليس لها عنوان ولا يمكن محاسبتها. وهذا بدوره يعيد العبودية القديمة بأشكال حديثة؛ طبقة النبلاء عادت في صورة الأثرياء الجدد الممثلين في الشركات الكبرى. وعبيد الأمس صاروا هم معظم الشعوب بما في ذلك الشعوب الغربية. الكادحون من أجل لقمة العيش قديما هم أنفسهم الكادحون لتأمين لقمة العيش اليوم. ولا يكادون يوفرون ما يكفي لدفع فواتير الخدمات التي تقدمها شركات "الأثرياء الجدد" الاحتكارية. نظرية آدم سميث القديمة ما زالت تتحقق اليوم؛ أكبر ربح يمكن أن يحققه الإقطاعي هو بتقليل أجور العمال قدر الإمكان وتعظيم سعر المنتج. وهاهم يقدمون للناس أقل الأجور ويرفعون الأسعار بشكل شبه يومي، بينما تستمر ثرواتهم بالتضاعف بلا توقف. قديما كان الملوك فوق النبلاء والإقطاعيين ولكن بعد تأسيس النظام الرأسمالي تغير نظام الطبقات العالمي. ومع تلاشي الطبقة الوسطى صار الإقطاعيون أو"النبلاء الجدد" ومعظمهم من الصهاينة أصحاب البنوك والمال والأعمال فوق الملوك والنبلاء القدامى، وهو ما لخصه كارل ماركس في "المنفيستو" الشهير بأن الملوك والنبلاء ورؤساء الحكومات ماهم إلا أقنعة يتخفى وراءها رأس المال حتى تتم له السيطرة الكاملة على العالم. لقد تغولت قوى الرأسمالية العالمية لدرجة أنها باتت تُطبِق في معظم الدول، بما فيها الغرب، ما يشبه الأحكام العرفية، من عسكرة الشرطة وتحويلها إلى شبه مليشيات تابعة لها مباشرة وليس للحكومات المفترض أنها منتخبة "ديمقراطيا"، إلى قمع الحريات وفرض الرقابة الواضحة والخفية على وسائل الإعلام، إلى كبح حرية التعبير وتقويض حق التظاهر. هذه الإجراءات القمعية هي محاولة بل سياسة متعمدة لاستباق أي حركة احتجاج شعبي كبرى في الدول الغربية على غرار ما يحدث في العالم الثالث والتي يرى خبراء ومراقبون، مثل هيدجز، أنها قادمة لا محالة، مع تحول دول الغرب إلى دول عالم ثالث. وما مظاهرات التضامن مع غزة إلا مقدمة لها. وأحسب أن الكثير في الغرب قد فهموا الرسالة وبدأوا بالتحرك، وكأن لسان حالهم يقول"يا شعوب العالم اتحدوا". [email protected]

1482

| 20 ديسمبر 2023

غزة ستنتصر

تقول الحكاية، التي لا تُعرف حقيقتها من مجازها، ولكن يرجعها بعض المصادر إلى زمن الاجتياح التتري، تقول إن قرية في ذلكم الزمان تعرضت لهزيمة واحتلال مؤقت من قبل قوات التتار، ففر رجالها إلى الجبال، وبقي الاحتلال بها يوما أو بعض يوم. وقبل رحيلهم عنها، اغتصب المهاجمون كل نساء القرية إلا واحدة، أبت أن تستسلم للغاصب. ليس ذلك فحسب، بل قاومته وقتلته وقطعت رأسه، وخرجت تمشي بها مرفوعة الهامة في طرقات القرية. فلما رأت بقية النساء المغتصبات فِعْلها خِفن على أنفسهن من العار والفضيحة، فقررن أن يقتلنها، ويتخلصن منها، حتى لا يُعيرْن بها. وحتى لا يُقال: لماذا لم تصمدن مثلها، وتدافعن عن شرفكن؟ فصارت القصة، حقيقة كانت أو مجازا، مثلا يسري في التاريخ، يحقق قول الله تعالى في قوم لوط، (قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون). وكلما مر الزمان وتقدمت الأيام، صار انطباق المثل على حال الناس أشد وأوضح؛ يقتلون الشرف من أجل أن يحيا العار، أو هكذا يقولون. وفي مصر، قديما، سرى بين العوام مثل آخر، وما زال يتردد حتى يوم الناس هذا، في بعض المجتمعات العربية. لكن قصة هذا المثل معروفة وموثقة. يقول المثل «اللي استحوا ماتوا». وحكايته تَروي أيضا قصة نساء كن في حمام عام، بأحد أحياء القاهرة الفاطمية، في عام 1889 أيام الحكم العثماني، وكانت الحمامات الشعبية قد انتشرت بشكل كبير. ولسوء الحظ اشتعلت النار في الحمام، وشب حريق كبير، وتفاجأت النساء بالنيران وهن شبه عاريات، فبادرت معظمهن بالفرار على حالهن ذاك، بلا ملابس تقريبا، إلا القليل منهن، أبَيْنَ أن يخرجن على الناس بلا حجاب وبلا غطاء، فنجت الفارات وماتت الباقيات. وفي موسوعة «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» للمؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي، روايات تعضد موثوقية هذا المثل لكنها ترده إلى أوائل حكم محمد علي باشا، بتفاصيل مختلفة قليلا. لكن على كل حال فقد نجت العاريات، وماتت المُستحيات، ليصبحن مثلا آخر في التضحية والاستشهاد من أجل الثبات على الحق والمبدأ والحفاظ على الشرف ولو كان الثمن هو فقدان الحياة. وبين هاتين القصتين والمَثَلَيْن تقف غزة صامدة أمام محاولات عدوها، مدعوما بالكثير من إخوتها وأقرب الناس إليها، قتلها حتى لا تكون هي الوحيدة الشريفة بينهم، وحتى لا تكون هي الوحيدة التي تتمسك برفع راية الجهاد والمقاومة، وإعلاء كلمة الله. تقف غزة وحدها في مواجهة من يريدون إخراجها من عالمهم الملوث بالخنوع والاستسلام والتحلل، مثلما أراد قوم لوط إخراج الطاهرين من قريتهم. وتقف غزة وحدها صامدة وسط الجحيم مثل الطاهرات اللاتي رفضن الخروج عاريات وفضلن الموت شريفات عفيفات مهما كانت التضحيات. لكن الشعوب لا تموت ولا تزول ولا تختفي نتيجة المقاومة والصمود، نعم قد يستشهد البعض لكن مآل البقية إلى السعادة والنصر والحياة الكريمة. قد يتألم البعض لكن مصير الجميع أن يحيا حياة الكرامة والعزة. لا شك عندي في أن غزة ستنتصر بإذن الله، وستخرج غزة من محنتها هذه أقوى مما كانت من قبل. وليس بالضرورة أن يكون انتصار غزة بالقضاء الكامل على إسرائيل هذه المرة، ولكن للنصر وجوها كثيرة وأشكالا أخرى غير الظهور العسكري الكامل على العدو، فاندحار العدو دون أن يحقق أهدافه كلها أو الرئيسية منها، حتى ولو لم تتمكن المقاومة من تدميره بالكامل، هو انتصار لها بل وانتصار كبير، وإفشال المقاومة خطط الأعداء وإحباط أمانيِّهم في مشاريع سياسية واقتصادية كثيرة في المنطقة هو اندحار للعدو لا يقل قسوة عليه من الهزيمة العسكرية الكاملة. ستنتصر غزة لأنها أحيت إيمانا كاد أن ينمحي من القلوب وثبتت أركان عقيدة كادت أن تختفي من الأفهام والصدور ورسخت مبادئ وحققت وعودا ظن الكثيرون أنها كانت فقط من المعجزات، وعلى رأس تلك الوعود أن فئة مؤمنة قليلة يمكنها أن تهزم وتغلب فئة أكبر منها بكثير فقط بشرط تحقق الإيمان الصادق والإعداد قدر الاستطاعة، ستنتصر غزة وسيبوء أعداء غزة بالخزي والعار والهزيمة والصغار. وإن غدًا لناظره قريب.

993

| 13 ديسمبر 2023

«بارودتي صارت هي القضية»؟

رحم الله الشاعر العربي الراحل نزار قباني عندما قال (أصبحَ عندي الآن بندقية، أصبحتُ في قائمة الثوار... حتى.. ’قولوا لمن، يسأل عن، قضيتي، بارودتي صارت هي القضية‘). لقد لخص بهذه الجملة الأخيرة، فكرا وعقيدة وعملا، من أهم أسس الإسلام. ومهم هنا توضيح أن ليس كل شعر غواية وليس كل متبع لشاعر من الغاوين. فبعض الشعر إنشاد وإيقاظ وإحياء مبين. فكثيرون يفهمون آية «والشعراء يتبعهم الغاوون»، على طريقة «ولا تقربوا الصلاة..»، وينسون أن حسان بن ثابت كان شاعر الرسول الكريمﷺ. وبالطريقة نفسها يسيئون فهم معاني أخرى كثيرة. قباني بكلماته تلك لخص معاني جوهرية حُرفت وكادت تحذف تماما من قاموس لغتنا العربية، تحت وابل التشويه الفكري الذي تعرضت له الأمة ومازالت، كما أشرت سابقا، من قبل قوى الرأسمالية العالمية. من أهم تلك المعاني، الجهاد وحسن الاستعداد. وأحسب أن طوفان الأقصى أعاد إحياء هذه المعاني التي كادت تندثر لأنه أثبت، ليس فقط أن عندنا فعلا بندقية، ولكن أنها فاعلة وقادرة على ردع العدو حتى في أبسط صورها عندما تُوجهُ نحوه. قال قباني قولته تلك تخليدا للعمليات الفدائية الفلسطينية إثر حرب 1967. لكن عقب تلك الحقبة لم تكن البندقية موجهة، في معظم الأوقات، نحو عدونا بقدر ما كانت موجهة نحو رؤوسنا وصدورنا وقلوبنا نحن. كانت البندقية، للأسف، عندنا لكنها لم تكن لنا بل كانت علينا. كتب قباني قصيدته عام 1968 وكان مضى 20 عاما على إصابتنا بالكيان السرطاني فقال «عشرون عاما وأنا أبحث عن أرض وعن هوية»، لكن ال20 صارت 75، ضاعت فيها الأرض والهوية، أو كادت، وتلاشى الأمل تدريجيا حتى جاء طوفان الأقصى فأحياه. وتحت ضربات «طوفان» التشويه الفكري الذي مورس ضدنا نحن المسلمين خرجت أصوات عميلة كثيرة، على مدى عقود، تشوش على الناس وتخلط بين معنى الجهاد الحقيقي والإرهاب بمعناه الذي صكه الغرب. ذلك الخلط الذي جعل الجهاد إرهابا وجعل إجرامهم وحروبهم العدوانية حضارة وديمقراطية، حتى بات أكثر الناس في حيرة من أمرهم، وانفصمت هويتهم، وتخلوا في قرارة أنفسهم عن الجهاد، الذي كان سبب عزتنا في عصور أمتنا المجيدة، بينما يتمسك عدونا الآن بنفس هذا الأمر الذي كان تركُهم له من أسباب غضب الله عليهم، زمن نبي الله موسى. فهم يقاتلوننا الآن كافة بينما نحن مصابون بالهزيمة النفسية؛ مفككون ومشتتون، ليس لنا قيادة واحدة، ولا عقل واحد، ولا قلب واحد. وكما دخلوا هم في التيه قديما لرفضهم الدخول على عدوهم، دخلنا نحن في تيه المفاهيم المشوهة والتخاذل واللامبالاة، بتوقفنا حتى عن التفكير في الجهاد رغم أنه في بيئة مسلمة طبيعية سيكون الجهاد أمرا مسلما به تماما مثل الصلاة والصيام. ففي ظل ذلك التشويه وتغلغُل العدو من خلال ما يُسمى التطبيع، وإعادة صياغة الفكر الإسلامي بما يُرضيه ويَحميه، أصبحت البندقية في يد منظمات ودول تسمى عربية وإسلامية، لكنها فقدت إيمانها برسالتها فتحولت كل بنادقهم علينا نحن الشعوب، وتنكروا جميعا لمعانى الجهاد، الذي يقع من الإسلام موقع الدرع الواقي الذي لا تقوم للأمة قائمة بدونه، وتتقدم أهميته أو تتأخر بقدر تقدم الخطر أو تأخره منها. والغريب أن يعرف أهمية الجهاد في ميزان الإسلام من هم ليسوا مسلمين أكثر من أكثريتنا نحن. فهذا هو المستشرق الفرنسي جاك ريسلر، في كتابه «الحضارة العربية»، برغم بعض أخطاء تأريخية فيه، يقدم لنا فقها أحسب أنه يتفوق على فقه كثير من علماء عصورنا السابقة والحالية، إذ هو يعُد الجهاد الركن السادس في الإسلام (ص42)، بتقرير واضح لا لبس فيه، بينما أغلب من أدلى بدلوه من الفقهاء المعتبرين في الأمر، إما حبذ جعله ركنا سادسا، وإما قدمه في مراتب الفرائض وليس الأركان، وإما جعله في مرتبة التطوع بدرجات متفاوتة. أما الفقهاء الذين أعلوا منزلة الجهاد منذ ابن تيمية إلى أبي الأعلى المودودي ومن بعده فقد تم تشويههم، أي تشويه، ونعتهم بالإرهاب. على أن الأمر أهون كثيرا من أن يبقى محصورا بين المؤيدين للجهاد في صورته الهجومية (الطلب) وبين المؤيدين له في صورته الدفاعية (الدفع)، فهناك صورة ثالثة يمكن تسميتها «جهاد الردع». وأحسب أن هذا المعنى هو الأقرب إلى معنى الآية «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ترهبون به عدو الله وعدوكم». وهذا أيضا ينسجم مع ما تبناه علماء ومفكرون مسلمون منهم الشاعر الكبير محمد إقبال بقوله «الإسلام بلا قوة تحميه يصبح مجرد فلسفة»، وهو ذات المعنى الذي يتبناه الفكر الغربي بتعبيرٍ ترجمتهُ «الحق هو القوة والقوة هي الحق». و»جهاد الردع» لا يعني الهجوم أو العدوان على أحد ولكن يعني، الإعداد والاستعداد، ونصرة الحق ولو بالكلمة، وأن ينخرط كل من يستطيع في قائمة الثوار المرابطين وليس المهاجمين بالضرورة، حتى «نعيش كالرجال أو نموت كالرجال». لقد أثبت وقوف قطر الفاعل، سياسيا وإعلاميا، إلى جانب المقاومة في هذه الحرب المقدسة أن روح الأمة لم تمت وأن «جهاد الردع» ممكن التحقق. فمتى يصبح العرب والمسلمون جميعا في قائمة الثوار؟ ونقول في صوت واحد، «إلى فلسطين خذوني معكم».

1200

| 06 ديسمبر 2023

الولايات المتحدة.. الدولة المارقة!

الدولة المارقة أو المنحرفة وصف لطالما أطلقه علماء السياسة الغربيون وساستهم على الدول التي تخرج عن الإطار العام للمجتمع الدولي. وذهب كثير من الباحثين منذ سنوات بعيدة إلى تأكيد هذا المعنى. من هؤلاء إدوارد سجارين وروبرت كيلي في كتابهما « الانحراف السياسي ومفهوم المسؤولية، (1986). عالم آخر في العلوم السياسية هو ميروسلاف نينيتش قدم وصفا إضافيا للدولة المنحرفة بأنها تلك التي تشكل تهديدا للمجتمع الدولي، وذلك في كتابه «النظم المارقة، مواجهة السلوك المنحرف في السياسة العالمية» 2007. أما معجم ويبستر فيقدم وصفا أكثر مباشرة وشمولا هو: الدولة المارقة أو المنحرفة هي التي تنحرف عن الأعراف المقبولة ولا تحترم الدول الأخرى في تصرفاتها الدولية. وبنظرة سريعة على الساحة العالمية، نجد أن أكثر دولة يمكن أن ينطبق عليها هذا الوصف هي الولايات المتحدة التي تتزعم إطلاق هذا الوصف على كل ما يخالفها من الدول. ويمكن القول إن سلوك الولايات المتحدة كدولة مارقة يعود، فعليا، إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما بدأت تحل محل الامبراطورية البريطانية كدولة استعمارية، وأسست ما يسمى «سي آي إيه» أو جهاز الاستخبارات القومي الذي عاث في الأرض فسادا بكل معنى الكلمة. وقد بدأ سلوك الولايات المتحدة كدولة منحرفة عن المجتمع الدولي ينكشف، بدرجة أوضح، خلال رئاسة ترامب وما بعدها. فمثلا خلال عهد ترامب نقضت واشنطن تقريبا كل ما أبرمته إدارة سلفه باراك أوباما من اتفاقات ومعاهدات، كان منها اتفاق المناخ والاتفاق النووي مع إيران ثم إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، مما جعلها تخرج عن الإطار الدولي العام ومصلحة الجانب الأكبر من المجموعة الدولية وتظهر عدم احترامها لبقية دول العالم. كما أن انحراف الولايات المتحدة «الترامبية» وممارستها لما يسمى بالبلطجة السياسية لم يتوقف بنهاية عهده، إذ أنه استمر في عهد الرئيس «الشبح» جو بادين بدعم إدارته لأوكرانيا في حرب يزعم كثيرون إن إدارته هي من أثارتها لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية و»شخصية». ثم ها هي تخلع القناع عن إجرامها ومروقها بالكامل في دعمها المطلق بالمال والسلاح للكيان الصهيوني في إبادته الجماعية لسكان غزة. فخلال العقدين الماضيين أو أكثر قليلا مارست واشنطن السياسة الدولية بانفلات تام تجلى بوضوح في مقولة بوش الابن «من ليس معنا فهو ضدنا» والتي بلورت استهانتها بالإجماع الدولي وتجاهلها عدم موافقة الأمم المتحدة على غزو العراق مثلا. ثم توالت سياسة البلطجة الدولية بتنفيذ ما سُميت «الحرب على الإرهاب» وهي الفكرة التي أسس لها صمويل هنتنغتون لتخطي كل قواعد القانون، فالحرب على الإرهاب وفق هذه العقيدة هي حرب الخير ضد الشر وفيها يفعلون أي شيء بلا قواعد ولا قوانين. وهنا نتساءل، هل في العالم دولة أكثر عنفا ودموية وخروجا على النظام الدولي من الولايات المتحدة؟ وهل في العالم دولة أكثر تحريضا وتنفيذا للانقلابات العسكرية من الولايات المتحدة. القائمة تطول ولكن من أراد أن يعرف إجابات موثقة فإن الكتب المعترف بها في هذا الصدد أكثر من أن تعد ومنها ما كتبه أمريكيون من الساسة أو ممن شاركوا بأنفسهم في مؤامرات لقلب أنظمة حكم ديمقراطي وتثبيت أخرى غير ديمقراطية، بطريقة قطاع الطرق ورجال العصابات. من هؤلاء مايلز كوبلاند، المسؤول السابق في السي آي إيه وكتابه التاريخي «لعبة الأمم» الصادر عام 1969ويتناول الكيفية التي تدير بها الولايات المتحدة العالم. وجون بيركنز العميل الأمريكي وكتابه الشهير «اعترافات قاتل اقتصادي» الصادر عام 2004 ويشرح بأحداث واقعية كفاعل وشاهد على التاريخ الكيفية الاقتصادية والعسكرية التي يتبعها الأمريكيون للسيطرة على العالم، وللاحتفاظ بهذه السيطرة إلى ما لا نهاية. ومن الكتب الكثيرة المهمة التي كشفت الكثير من الأسرار في هذا الصدد، كتاب « نزع القناع عن العولمة.. الإمبريالية في القرن 21، 2001، والذي يقدم تفاصيل عدد من الانقلابات التي نفذتها واشنطن في أمريكا اللاتينية، كدليل على أن العولمة اسُتخدمت كستار لعودة الاستعمار العسكري العالمي، وترسيخ الهيمنة الأمريكية، تحت شعار حماية المصالح القومية الزائف. لكن في مقابل تلك الأساليب والسياسات التي مارستها الولايات المتحدة للسيطرة على السياسة العالمية بتحديها لكل الأعراف المتفق عليها ومروقها من النظام الذي شكلت معظم قواعده على عينها، هناك قوانين وسنن كونية، تنبيء بزوال الدولة المارقة الظالمة، وهي لا تخطيء وإن طال انتظار حدوثها. منها ما يسمى «الحتمية التاريخية» وترى أن كل أمة تحمل في طياتها بذور فنائها وهي الفكرة التي قدمها الرسول الكريم للبشرية في حديثه عن الوهن، وغيره، ثم دار حولها المفكرون من أمثال ابن خلدون في التراث العربي الإسلامي، وكارل ماركس في التراث الغربي. وقد صدرت في شرح فرص سقوط الإمبراطورية الأمريكية مؤلفات لا حصر لها، منها نبوءة لعميل الكي جي بي إيجور بانارين الذي قال عام 1994 إن أمريكا ستتفتت إلى ست دول بحدود عام 2010. وهناك الفرنسي إيمانويل طود الذي توقع عام 2001 تفكك الولايات المتحدة وسقوطها كقوة عظمى وحيدة قريبا. وكان طود قد تنبأ في 1976 بسقوط الاتحاد السوفيتي. وبزوال الولايات المتحدة ستزول كيانات كثيرة ربما تسبقها أو تلحقها، منها إسرائيل.

1917

| 29 نوفمبر 2023

نريد إعلاماً بحجم الرياضة الخليجية
نريد إعلاماً بحجم الرياضة الخليجية

لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام...

3417

| 02 أكتوبر 2026

ميري وكومار
ميري وكومار

كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...

3132

| 06 أكتوبر 2026

التوظيف.. بين الوزارات وشركات الوساطة
التوظيف.. بين الوزارات وشركات الوساطة

التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم...

1218

| 01 أكتوبر 2026

كل شيء سيمر
كل شيء سيمر

كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...

1014

| 30 سبتمبر 2026

أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟
أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟

في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...

969

| 04 أكتوبر 2026

حين يتغير الريش
حين يتغير الريش

في الفترة الأخيرة، لا أعرف لماذا، بدأت أنجذب...

912

| 30 سبتمبر 2026

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...

762

| 06 أكتوبر 2026

العزاء واحتساء الشاي!
العزاء واحتساء الشاي!

•لكل مجتمع عاداته في مناسبات الفرح والحزن، لكن...

567

| 01 أكتوبر 2026

حين تضيق الطرق نصنع طريقًا
حين تضيق الطرق نصنع طريقًا

أحيانًا نرى مشهدًا بسيطًا، لكنه يبقى معنا طويلًا،...

483

| 02 أكتوبر 2026

وللطب مكانة
وللطب مكانة

أتدرون يا سادة يا كرام عند من مكانته...

480

| 01 أكتوبر 2026

جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!
جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!

في مشهد يحبس الأنفاس، أقرب إلى جنون أفلام...

456

| 04 أكتوبر 2026

الوكرة تكبر.. والخدمات أين؟
الوكرة تكبر.. والخدمات أين؟

إذا كانت الوكرة تكبر وتتوسع وسكانها في ازدياد،...

438

| 02 أكتوبر 2026

أخبار محلية