رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهينا سابقا إلى أن الفلسفة الوضعية كانت الباب الذي دخلت علينا منه كل الشرور. وبتعريف الفلسفة من منظور إسلامي، بأنها شكل من أشكال الغلو فيكون المولي عز وجل قد حذر منها في أكثر من آية، منها «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ». وبهذا ينطبق عليها ما جاء في «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني، في وصْفه التنطع، أنها «تكلُّف الفصاحة في الكلام، واستخدام غريب الألفاظ، والبحث عن أمور مغيبة وَرَدَ الشرع بالإيمان وترك كيفيتها». وهنا يكون الرسول الكريم ﷺ أيضا قد حذر منها في أحاديث كثيرة منها (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ). ومنها أيضا قصة المنافق المتنطع الذي جاءه ﷺ فقال له اعدل يا محمد، وقصته معروفة وظهرت تجلياتها في الفتنة الكبرى. كما تنبه لهذه العملية التخريبية علماء الإسلام، فقال الشافعي (القرن الثاني) «حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالنعال». لكن عندما تصدى لها الإمام أبو حامد الغزالي، بقوة، أواخر القرن الخامس، كان شرها قد استفحل، وأصاب عقل الأمة. بل وُجد في ذاك الزمان وبعده، مِن المسلمين والمستشرقين، من يخالفه، وينصر الفلسفة والمتفلسفين، أمثال ابن رشد. لكن صار الإجماع إلى عدم جواز الاشتغال بالفلسفة إلا لبيان ضلالها، مع تفضيل الابتعاد عنها بالكلية، إذ قيل إن الغزالي نفسه لم يسلم من أفكارها رغم محاربته لها. على كلٍ، دخلت الفلسفة الغربية إلى العقل الإسلامي لتصب الزيت على نار التشويه الفكري الذي كان قد أحدثه ابن سبأ، من إدخال التنطع والتشبيه والتجسيم على الفكر الإسلامي، والذي تشعب من أراجيفه وتلفيقه كل ما ظهر في تاريخنا بعده من فرق ضالة، مثل الخوارج والشيعة والمعتزلة والباطنية والقدرية والجبرية، وتفريعاتها، والتي جمعها المستشرق يوهانس هالم تحت مسمى الغنوصية في الإسلام، وأثبت أنها من أصل واحد، كما أشرت سابقا. وقد سبقه وسبق غيره في ذلك أبو الفتح الشهرستاني، في القرن السادس، في كتابه الموسوعي «الملل والنحل» الذي فصّلها تفصيلا موسوعيا وردها جميعا إلى فتنة إبليس اللعين، وجداله مع الملائكة. وقبل الخوض أكثر في هذا البحث أود أن أوضح أنه ليس بحثا دينيا ولا تاريخيا، لكنه يأخذ من الدين والتاريخ بقدر ما يوضح الخط الناظم له وهو تتبع كيفية تشكُّل العقل العربي المسلم وكيفية تأثره سلبا بحوادث الإرجاف والتشويه وأن هذا هو السبب المُبِكر والرئيس وراء تخلف الأمة، وأن الانهيار لم يبدأ فجأة في القرن الخامس. كما سنوضح لاحقا أن العقل العربي انفصل في وقتنا الحاضر عن العقل المسلم وعاد كما كان قبل أن يدخل عليه الإسلام بدرجة كبيرة. وقد فند د. علي سامي النشار في كتابه «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» زيف الهالة التي أحاطت الفلسفة اليونانية لقرون. كما بين أن أمثال الكِندي (الذي يعد مؤسس ما سُمي بالفلسفة الإسلامية) والفارابي وابن سينا وابن رشد كانوا فلاسفة مسلمين لكنهم لم يعبروا عن فلسفة إسلامية حقيقية، بل عن فلسفة يونانية محضة كليا وجزئيا. وأوضح أن ما يمكن تسميته فلسفة إسلامية هو، مثلا، علم أصول الفقه، وعلم الحِجاج أو علم الكلام، وعلم الاجتماع، والجرح والتعديل. لذلك سنجد أنه وقع خلط كبير في مسمى الفلسفة الإسلامية حتى وقتنا الراهن. هنا نصل إلى الأضرار التي أصابت الأمة جراء عملية التشويه المنظمة التي بدأها ابن سبأ وقبيله ولم تتوقف للآن، ويمكن وضعها تحت عناوين أربعة كبرى، هي الخسائر الفكرية، والخسائر البشرية، والخسائر العلمية، والخسائر المادية. فمع تعدد النحَل وكثرة التلبيس والإرجاف شهدت الأمة فترات كان يصعُب فيها تحديد مذهب الرجل أو العالم من العلماء، حتى اختلط حابل الأفكار بنابلها، وتشوهت عقول الكثير. والأخطر أن كثيرا من تلك الفرق، إما استحوذت على رأس السلطة (المأمون مثالا)، أو لجأت إلى السلاح والعنف لفرض آرائها. وكان أولها الخوارج بما أثاره ابن سبأ من نزاعات وحروب واغتيالات، وانقلابه على سلطة الخلافة ذاتها. حتى إن المرء ليعجب من كم الدماء التي أريقت في صفوف المسلمين والتي أحسب أن عدد ضحاياها يفوق عدد من استشهدوا في حروب الأعداء أضعافا مضاعفة. وكان من أخطر تلك الفرق الرافضة، وحربهم على الدين كله، والمعتزلة الذين أثاروا فتنة خلق القرآن، والباطنية الذين تفرع منهم القرامطة الذين اعتدوا على الحرم وسرقوا الحجر الأسود، والإسماعيلية الحشاشين الذين أعملوا القتل في أبناء وعلماء الأمة ولم يوقروا عالما ولا مُصلحاً، حتى نظام الملك الوزير الأشهر صاحب النهضة التعليمية لدى السلاجقة، وحاولوا قتل صلاح الدين الأيوبي، واستولوا على مناطق كبيرة من الدولة الإسلامية مما هز استقرارها، وأهدر أرزاقها. الطامّةُ أن الفتنة لم تقف عند صراع الفِرق بل إنها ضربت أبناء الفرقة الواحدة. من ذلك شيوع الاختلافات بين الحنفية والشافعية من أهل السنة، مثلا، حتى وصل الأمر في القرن السادس أنهم لم يكونوا يتزاوجون. بل أوردت كتب التراث أن المسجد الحرام كان به آنذاك مقام منفصل لأصحاب كل مذهب، من الأربعة، يُصلّون إليه. وقد كان من نتيجة تلك الشعوذات التي تسللت إلى عقل الأمة أن تراجع العلم والإيمان وحل محلهما الجهل والتطير. فمثلا عندما دخل التتار بغداد، (القرن السابع)، كان كثيرون ممن يلوذون بالشعوذة ويتعلقون بالأولياء يقولون «ياخائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر». وفي مصر، لاحقا، كانوا يشيعون أن الإنجليز لن يتمكنوا من احتلالها وفيها قبور أولئك الأولياء المشهورين. لكن ذلك لم يمنع سقوط بغداد ولا ذبح أعداد هائلة من سكانها، ولا من احتلال مصر والعالم الإسلامي كله، وهو ما رصده بيجوفيتش في كتابه «عوائق النهضة الإسلامية». وللحديث صلة.
2478
| 23 أغسطس 2023
فيما سبق حاولنا استكشاف البيئة التي نشأ فيها العقل العربي المسلم والتي ملأها المرجفون بالفتن والدسائس للقضاء على الإسلام في مهده بحيث لم يتركوا فرصة لذلك العقل لكي يفكر إلا في تثبيت دعائم الحكم. إذا كان أهم ما يُشكل العقل، أي عقل، هو العلم والثقافة، فسنجد أن العقل العربي المسلم قاوم تلك الفتن بفطرته السليمة وبمقتضى مهمته القويمة. فنجد أن حركة بناء الكيان الإسلامي على الأسس العلمية والحضارية بدأت مبكرا مع الخليفة عمر الذي استفاد من النظم الإدارية للفرس، واستمر ذلك مع عثمان وعلي. لكن مع الاستقرار النسبي الذي بدأ مع حكم معاوية، وإن تحول إلى ملك عضود، فقد بدأت الاستفادة من علوم الأمم الأخرى تنشط وتنطلق، من خلال الترجمة، إلى آفاق النمو الذي يتناسب مع انطلاقة صاروخ الإسلام الصاعد. لكن مع هذه الحركة العلمية والثقافية المتقدة سارت مكائد الإرجاف بخطى لا تقل سرعة وحماسة لتشويه ذلك العقل الذي شكله، للتو، الرسول الكريم ﷺ. فظهرت لدينا ما سُميت «الفلسفة الإسلامية» التي ستقوّض، ولو بعد حين، جُل ما حصله العقل العربي المسلم من علوم وتقدم لترده إلى عقلية الشعوذة والتخلف، والتي لم يتخلص منها للآن نتيجة سجنه في سجن «الاستخراب» العالمي الذي جعل التخلف فرضا عليه وليس مجرد عملية تشويه وإفساد. هنا سنجد أن اللحظة التي ستكون سببا في الهبوط التدريجي لصاروخ الإسلام، هي تلك التي بدأ فيها المسلمون بالتخلي عن جوهر العقل المسلم المتمثل في نظام تفكيره وحياته، ألا وهي سنة الرسول الكريم ﷺ، ليعود إلى الجهالة والشعوذات. ولعل التاريخ حافل بنماذج وأمثلة كثيرة على هذا التحول لكن مواقف مهمة في سيرتي عمر ومعاوية توضح بجلاء بداية التحول. عندما ذهب عمر لاستلام مفاتيح القدس توجه إليها بثوب مُرقعٍ ربما أقل بهاء من ثوب خادمه. بل إنه كان يتبادل ركوب راحلته مع الخادم غير آنف ولا متكبر، حتى تمرغت رجلاه بالوحل. كما أنه عندما وصل هناك جلس على الأرض لتناول طعامه فإذا وقع منه شيء التقطه وأكله. بالمقابل، وهنا مربط الفرس، كان بعض مرافقيه ومنهم معاوية يشيرون إليه، ألا يفعل تلك التصرفات حتى لا يحقِرَه أهل القدس. فيرد عليهم بقولته الشهيرة، «أأترك سنة رسول الله ﷺ من أجل هؤلاء الأجلاف»، إننا قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. والعجيب أن ما فعله عمر تحديدا كان هو السر وراء الفتح، سِلْمَا، إذ أخبره صفرونيوس بطريرك القدس إنه يجد فيه كل علامات الرجل الذي يتسلم مفاتيح القدس، ومنها الثوب المرقع ب 17 رقعة. وقد سجل أهل القدس تلك اللحظات في مخطوطات يونانية في دير المصلبة مع رسم يوضح هيئة عمر يومها. وأورد د. محمد حسين هيكل في كتابه الموسوعي « الفاروق عمر» أن عمر نهَرَ قادته، ومنهم معاوية وخالد وأبو عبيدة، لما رآهم يستقبلونه وعليهم الديباج، وقال لهم «سرُعَ ما لُفِتٌم عن رأيكم!» أي تخليتم عن السنة، مهددا إياهم بعزلهم. بل إنه بكى ليلة الفتح مذكرا بحديث «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أن تبسط الدنيا عليكم». وكيف لا وهو الذي دخل على الرسول الكريم ﷺ، وهو ينتظر حكم الله في زوجاته، فيجده وقد علٌم الحصيرُ في جسده الشريف فيقول له، باكيا، إن كسرى وقيصر فيما هم فيه وأنت رسول الله، فيقول له ﷺ ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة. وجاء في طبقات ابن سعد أن عمر علا معاوية بالدرة، مرة، لما رآه معجبا بنفسه. ورغم ذلك فسيعيد معاوية بناء قصره في دمشق لأن رسول القيصر لم يعجبه بيته، فيرسل له عمر مستنكرا «أقيصرية يامعاوية»؟. هنا تتضح لحظة التحول بجلاء. فمعاوية الذي سيصبح خليفة المسلمين لاحقا سيسكن، ومَنْ بعده، القصور ويسيرون سيرة الفرس والروم في تعظيم حكامهم. ورغم أنه ستكون له إنجازات لا تنكر في بناء الكيان الإسلامي إلا أن ذلك التخلي عن سنة النبي ﷺ في نبذ التَرَفْ سيكون له أثره السلبي في نفوس من سيأتي بعده من حكام باستثناءات قليلة، لينطبق على المسلمين حديث الوهن وحب الدنيا. وعند تلك اللحظة سيبدأ التقليد إعجابا بالآخر لينطبق على الأمة، ولو بعد قرون، حديث الرسول ﷺ الآخر عن اتباع سنن الأولين، حتى دخول جحر الضب. وكان من أخطر الدسائس التي دخلت على المسلمين في ظل هذا التغير الفكري، المصاحب للرغبة في تحصيل علوم الأمم الأخرى، تسرُب الفلسفة الغربية عبر الترجمة ليس كمادة يستفاد منها ولكن كمادة بديلة أو مزاحمة للفكر الإسلامي ذاته. ففي الوقت الذي أطلق معاوية ومَنْ بعده، ومنهم عمر بن عبدالعزيز، حركة الترجمة والنقل، انطلقت أيضا حركات فكرية تشويهية تحدث عنها المستشرق الألماني يوهانس هالم وسماها *الغنوصية في الإسلام*، فيقول:»الغنوصية ظاهرة هرطقية، ظهرت في فترة متأخرة من العصور القديمة، وظهرت بثوب إسلامي بنهاية القرن الأول الهجري، وغلب على مختلف فرقها طابع الغلو والزندقة. وانطلقت من العراق وتركزت في العديد من الفرق.» والأهم أنه يثبت أن الغلو، رغم تعدُد فرقه، يُمثل منذ بداياته وحتى اليوم، تياراً واحداً لتقليد متواصل مبني على أفكار ابن سبأ وقبيله. واذا كانت الفلسفة تُعرّف بأنها وسيلة لتسهيل التفكير وفهم الأشياء فما حاجتنا نحن المسلمين إلى ذلك وعندنا المرجع الذي لا قبله ولا بعده ولا مثله. ولا غرو أن فتح باب الفلسفة الغربية علينا كان هو «صندوق باندورا» الذي دخلت علينا منه كل الشرور. وللحديث صلة.
1935
| 16 أغسطس 2023
بعد وفاة الرسول الكريمﷺ باتت الساحة مفتوحة للمرجفين وباتت وسائل الدفاع أضعف لدى المؤمنين، كانت خطة المؤمنين نشر الإسلام والخير والسلام في أرجاء الأرض، وكانت خطة المرجفين بقيادة ابن السوداء وقبيله، الذين سيتزعمون فيما بعد ما يسمى بالرأسمالية العالمية، هي العكس تماما، لا خير ولا سلام ولا إسلام، ولا دين بالمرة. لذلك فسيكللون جهودهم، بعد ذلك بقرون كما ذكرت سابقا، بإعلان صامت عن نهاية الدين باتفاقية ويستفاليا التي فصَّلنا فيها من قبل، والتي كانت بمثابة الضربة القاضية للنصرانية على المستوى الفعلي والرسمي، بينما تواصلت جهودهم ضدها على المستوى الشعبي. أما الإسلام فلم تتوقف جهودهم لتخريبه وتشويهه حتى اليوم على كل المستويات. في تلك البيئة المضطربة التي أعقبت وفاة الرسول الكريم ﷺ والتي ملأها المرجفون بالأكاذيب والأضاليل بذر أولئك المرجفون بذور الفتنة الكبرى التي ستوجه ضربة خطيرة لانطلاقة صاروخ الإسلام الذي كان في بداية صعوده للأعلى، وهي ستغير الكثير في حياة المسلمين وستكون بمثابة مرحلة فاصلة في التاريخ الإنساني كله. فلولا الاغتيالات والحروب التي دبرها ابن سبأ وقبيله والتي لم تكن لتحدث لولا مؤامراتهم المثبتة في معظم كتب التاريخ، لكان ما نكتبه الآن شيئا آخر. وأحسب أن مصادر التاريخ لم تأت لنا بكل ما أحاط بتلك المؤامرة من تفاصيل. لكن على كل حال فقد أدت في نهايتها إلى انزواء مبدأ الشورى وتحول الحكم الإسلامي إلى ملك عضود بتولي معاوية، بعد تنازل الحسن رضي الله عنه، وهو ما سيكون له أكبر الأثر في تسريع الانهيار، إذ لم يعد الحكم للأصلح بل للوريث. هنا لابد أن نلحظ أن الصاروخ كان ما زال وسيظل مندفعا في طريقه للأعلى لكن قوى الإرجاف والتشويه ستظل تعيق مسيرته بلا كلل ولا ملل. وهنا أيضا، وقبل سبر أغوار تفاصيل عملية التشويه الفكري، التي شكلت عقلنا الحديث والتي سميت زورا بالفلسفة الإسلامية، سيتحتم طرح سؤال مهم هو، من فسد أولا الحاكم أم المحكوم؟، أم أنها مسألة خارجة عن هذا القياس التقليدي؟ والحق أنها مسألة شديدة التعقيد وزادتها الدسائس والمؤامرات تعقيدا. وضمن مرجعيات كثيرة تناولت الموضوع، اعتبر العلامة محمد الغزالي أن الحكم الرشيد هو أول ما انفك من عرى الإسلام مصداقا لحديث الرسول الكريم ﷺ في ذلك. لكن لأن الأمور لم تعد بتلك البساطة، فقد ظهر لي احتمال آخر. فلا شك أن الحاكم والرعية في عهد عمر وعثمان وعلي، وحتى عمر بن عبد العزيز، كان كلاهما على درجة من الخيرية لا تسمح بوقوع تلك الفتن وسيلان كل تلك الدماء. لكن ثلة المرجفين كانت تنفذ خطة بعيدة المدى فتآمرت عليهم وأشاعت فيهم التقتيل والتفرقة. وهذا نموذج فريد لأنه يختلف عن نموذج ثنائية الحاكم الفاسد أو الرعية الفاسدة، فهنا كان كل من الحاكم والرعية صالحين ولكن الثلة الفاسدة أفسدت الوضع كله، وهذا ما رصده المستشرق الألماني هاينس هالم، عبر عدة قرون، في كتاب مهم بعنوان «الغنوصية في الإسلام» سنتوقف معه لاحقا. وما زالت تلك الثلة الطفيلية تفعل فعلها الخبيث في الأمم، تحت مسمى الرأسمالية. تلتف حول مراكز الحكم ورؤوسه فتفسدها أو تتخلص منها في إطار سعيها الحثيث الذي لا يتوقف لإظهار سيادتها على الأرض. وكان لهم في ذلك استراتيجية ثابتة من عناصر أربعة أساسية لا تفارقها هي التشويه، بتغيير الحقائق ومعاكسة النظريات الراسخة، والتحزيب، من باب فرق تسد، والإفساد الذي يصل إلى تغيير خلق الله، والتخفي وهو باب بحث كبير يحتاج إلى إطلاق ما يمكن تسميته علم جرح وتعديل التاريخ. وللحديث صلة.
2013
| 09 أغسطس 2023
كان التشويه الذي أثر في تشكيل عقلنا الحديث له بدايات مبكرة منذ الأيام الأولى للإسلام، وتمثل ذلك في الأراجيف والأضاليل التي اتُهم بابتداعها كعب بن ماتع الحميري المسمى بكعب الأحبار، وتابعه عبد الله ابن سبأ المسمى بابن السوداء، وكلاهما أسلم بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وكان ممن تأثر بهؤلاء خلق كثير غَلوا في التعبد الشكلي وانقلبوا على المسلمين فيما بعد، وخاصة في موقعة النهراوين، ثم في الفتنة الكبرى، وهو ما سنتوقف معه لاحقا. لكن قبله يجب أن نحدد، بما يمكن من دقة، البداية الفعلية للانهيار في صرح الإسلام. وذكرت سابقا أن تلك اللحظة، عندي، كانت لحظة وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، واكتمال الدين. إنها تلك اللحظة التي انقطع فيها الوحي بين السماء والأرض، وأصبح المسلمون موكولين إلى أنفسهم فقط في سنة التدافع مع الغير. فطالما كان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) موجودا كانت قوة الدفع موجودة وتتجدد، وقادرة على التغلب على أي دفع مضاد. ولكن بوفاته انقطعت تلك القوة. وباتت القوة الدافعة متذبذبة ومتراجعة حينا بعد حين، إلا من استفاقات محدودة. فما الأسباب الحياتية العملية التي نتج عنها بدء سقوط مسيرة الإسلام بمجرد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟ لا شك أن أحد أهم تلك الأسباب، سيكون غياب المرجع الحاسم الفاصل، فطالما كان موجودا (صلى الله عليه وسلم)، كان يحسم الخلاف ويئد الفتنة في مهدها، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها أنه وأد فتنة المهاجرين والأنصار يوم تشاجر فتيان منهما، خلال غزوة بني المصطلق، في السنة الخامسة للهجرة، فاستنجد كل بقومه فسارع إليهم الرسول الكريم بقوله «دعوها إنها منتنة» أي الفتنة ودعوى الجاهلية. ويبدو أن قوى التشويه بذلت جهودا خارقة خلال تلك الغزوة للنيل من وحدة المسلمين إذ شهدت أيضا حادثة الإفك التي استهدفت الرسول نفسه، لكن لأنه الرسول فقد تحولت الفتنة إلى درس يتعلم منه المسلمون عدم الخوض في الشائعات والأعراض. كما أنه صلى الله عليه وسلم عالج تململ الأنصار يوم حنين في السنة الثامنة للهجرة، عندما أغضبهم عدم حصولهم على شيء من الغنائم، وهي حادثة كانت كفيلة بإسالة دماء كثيرة لولا وجود النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم). بل إن الإرجاف كان متقدا على عهد رسول الله ومنه أراجيف ابن سلول، والذين قالوا «إنما نحن مستهزئون»، والذين سخروا من الرسول والمؤمنين في غزوة تبوك، وكلهم نزل فيهم قرآن يفضح ما قالوا ويوقفهم عند حدهم. لكن حينما انتقل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) إلى جوار ربه، أطلت الفتنة برأسها ولم تسحبها مرة أخرى، وقد ظهر ذلك مباشرة يوم وفاته عند اختيار الخليفة الأول، فقد دب الخلاف بين الأنصار والمهاجرين على الأحقية بالخلافة، وعندما حُسم بأخذ البيعة لأبي بكر، أشاع المرجفون أن عليا لم يبايعه، وهي الفتنة التي بدأت وقتها ولم تنته للآن. هنا نخلص إلى أن الغلو المتعمد الذي أثارته أطراف معينة تدور حول ابن سبأ ذاك هي التي أحدثت بذرة تشويه الفكر الإسلامي وتفريق المسلمين أحزابا وجماعات متطاحنة. وقد كانوا بدأوا بالإرجاف منذ سألتهم قريش أنحن أهدى سبيلا أم محمد، فكذبوا وأيدوهم وهم يعلمون أنهم كاذبون. وقبل أن نكمل مع الإسلام نشير إلى أن فكرة الغلو نفسها هي التي استخدمها أسلاف ابن سبأ لتشويه المسيحية من خلال ابتداع فرية تأليه المسيح وأمه مريم البتول، حيث تذكر مصادر التاريخ أن من يسمى بولس الرسول، وكان يهوديا محاربا لاتباع المسيح ثم تحول إلى مسيحي، هو الذي أدخل فكرة تأليه المسيح على النصرانية. بل يذكر ابن كثير أن الغلو في عيسى لم يقف عنده بل تعداه إلى أتباعه الذين تم ادعاء العصمة لبعضهم. وبنفس الطريقة تقريبا، حاول ابن سبأ إشاعة فرية ألوهية علي وسبقها بفرية عصمته ونبوته ووصايته. لقد كان الابتداع أو الغلو أو تشويه الفكر، دائما، السبب الرئيسي وراء تدمير وانهيار الأمم كما سيتبين معنا لاحقا. وفي حالتنا الإسلامية كان هو سبب ظهور الأفكار والطوائف المخالفة للسنة، فظهرت فرق تأثرت بالتشويه الفكري المسمى بالفلسفة فقدسوا العقل وجعلوه حاكما على الوحي بل قدسوا الفلاسفة وقدموا كلامهم، أحيانا، على كلام النبي والصحابة. وقد جاء في كتاب تلبيس إبليس لأبي الفرج بن الجوزى إن أصول الفرق الضالة ستة هى الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية، وتفرعت عنها فرق كثيرة بجانب أهل السنة والجماعة ليصدق عليها حديث الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم )، تفترق أمتى إلى 73 فرقة، وإن اختلفت رواياته. وللحديث صلة.
1260
| 02 أغسطس 2023
في سعينا لمعرفة كيف تشكل عقلنا الحديث خلال عصور الظلام التي عاشها المسلمون، وصلنا إلى أنه كانت هناك دائما قوى خارجية تكيد للإسلام وتدفع نحو ما تعتقد أنه نهاية التاريخ، وهذه النهاية لا تعني توقف الحياة وإنما انتصار منطقها وسيادة فكرها. هذا ما فسر به مفكرون غربيون يوتوبيا أفلاطون أو مدينته الفاضلة، وهذا ما نُقل عن كارل ماركس في اليوتوبيا الشيوعية، وهذا ما ختم به فرانسيس فوكوياما سلسلة نهايات التاريخ، وإن كان تراجع لاحقا وقال إن نهاية التاريخ عنده لم تعد سيادة الفكرة الليبرالية وإنما سيادة العلم والتكنولوجيا. إذن الفكرة قديمة وبدأت مع عصر الفلسفة أي حوالي القرن السادس قبل الميلاد، مع أن هناك آراء غير مسنودة تُرجع بداية الفلسفة إلى عصر النبي إدريس. هنا أقول إنه لو صح مفهوم نهاية التاريخ بأنه سيادة فكر ما فلن ينطبق ذلك على شيء أكثر من الإسلام وسيادته على الأرض لأكثر من ألف عام. وعلاقة ذلك بتشكيل عقلنا الحديث أن الذين وقفوا وراء فكرة نهاية التاريخ تلك أرادوا أن تكون لهم السيادة، سيادة الفكر وسيادة الزمان. لذلك ستجد أنهم كما حاربوا ما جاء به المسيح ووقفوا وراء تشويهه، كانوا هم أيضا وراء الدس على الإسلام والكيد له. وقد بدأ ذلك مبكرا في مسيرة الإسلام لكنه بلغ مداه المؤثر مع التمهيد للفتنة الكبرى التي كانت بدايتها الحقيقية ليس مع مقتل عثمان بن عفان، ولكن مع محاولات قتل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، نفسه، ثم ما قيل عن قتل الخليفة الأول أبي بكر الصديق، الذي ذكرت مصادر أنه مات بالسم، ثم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ثم الخليفة الثالث عثمان. حدث هذا بعدما كان التشويه الفكري والدس قد وصل إلى مرحلة أججت نفوس الكثيرين واستمالت عقول آخرين لإحداث أول صدع وشق حقيقي في الصف الإسلامي بظهور ما سمي بالخوارج الذين كفَّروا الخليفة الرابع علي بن أبي طالب بناء على معتقدات باطلة وفكر ضال ابتدعوه، أو بالأدق ابتدعه من كان يقف وراء الفتنة. في كتابه «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» يرجع علي سامي النشار نشأة الخوارج إلى «طائفة القراء» في عصر النبوة. كما تحدث بعض المستشرقين عن ظهور الخوارج من بين تلك الطائفة، وقت التمرد على عثمان. ومن ثم ظهرت ما تسمى بشيعة علي لدى رجوعه من معركة صفّين. وتذكر لنا المصادر ومنها «تاريخ الرسل والملوك» للطبري أن السبب المحوري وراء ظهور تلك الحركات وإثارتها للفتنة كان الأطماع المادية، خوفا على أعطياتهم، والسلطوية، بالزعم بأن عثمان كان يحابي أقاربه. وقد استفحلت فتنة الخوارج حتى وصلت إلى قتل علي رضي الله عنه ولم تكد تمضي 40 عاما على الهجرة. تلك المصادر وإن حددت الأطماع كأسباب للفتنة إلا أنها لم تذكر هوية من كان يقف وراء تحريك تلك الأطماع واستغلالها لشق صف المسلمين. لكن مصادر أخرى منها الطبري وابن الأثير وابن كثير ذكرت أن عبدالله ابن سبأ، المشهور بابن السوداء، وتاريخه معروف، كان هو المحرك الأساسي وراء الفتنة، وأنه أحدث ومَنْ معه ضلالات وبدعا منها أن الناس تعود للدنيا بعد الموت. ويقطع شيخ الإسلام ابن تيمية بأن ابن سبأ هو أول من بالغ في تقديس علي بدعوى إمامته وصولا إلى تأليهه، وأنه أول من بدأ بتوجيه السب والشتم للصحابة الكرام. كما نُسب إلى ابن سبأ وغيره من أحبار يهود دس كثير من الإسرائيليات على الأحاديث النبوية وأخبار الأولين. وعلاقة هذا ببحثنا هو أن له سابقة في التاريخ إذ إن الثابت كما أورد باحثون منهم د. حربي عباس عطيتو ود. سامي الإمام أن الفيلسوف فيلون السكندري (أواخر القرن الأول قبل الميلاد) الذي يعد أول فيلسوف يهودي، كان مقلدا للفلسفة اليونانية وخلط عن عمد بين التوراة والفلسفة، وقارب بين أقوال الفلاسفة وأنبياء بني إسرائيل. كما يرصد الباحث عباس العلي كيف ابتدع أحبار اليهود الفكر الفلسفي بما غيروا وحرفوا في معتقداتهم ليفرقوا بين الماهية والوجود، ما خلق صراعا فكريا وهميا، ما زال العالم يعاني تبعاته. فهو كما يقول «صراع ساحته الزمن التأريخي من وجود آدم على الأرض وسيطرة الهاجس الزمني عليه كلما مضى جزء منه ليتجه إلى اللاشيئية الحتمية. فالحتمية التأريخية تقود التأريخ وتكتب سيرورة الحدث، لأن نهاية هذه السيرورة نهاية التأريخ وهي نهاية الوجود الماهوي والحسي معا. نهاية التأريخ هي إعلان وفاة العقل ليحل محله اللا شيئية التي تنهي الوجود الحسي كله». من هنا يتضح، وكما أشرت سابقا، فساد الفكر الفلسفي من بدايته إذ اعتمد برمته على ذاك الصراع الفكري الوهمي، الذي لا حاجة حقيقية له في حياة الأمم والشعوب. وأعلن مفكرون كثر، منهم مارتن هيدجر، نهاية صلاحيته، مع التقدم العلمي والمعرفي وانعدام الحاجة للتفلسف. هنا نعود لفتنة ابن سبأ لأنها كانت بداية ما سيعرف لاحقا بعصر الفلسفة الإسلامية الذي تبلور على يد يعقوب الكندي الذي تأثر بفكر واصل بن عطاء المعتزلي وغيره مِمن سُموا بالمتكلمين. لكن إذا كانت هذه بدايات التشويه الذي أثر في تشكيل عقلنا الحديث، فمتى كانت البداية الفعلية للانهيار الذي نراه الآن؟ والإجابة عندي أنها كانت مع اكتمال الدين ووفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فليس بعد الكمال إلا النقص. وللحديث صلة.
1566
| 26 يوليو 2023
أسئلة كثيرة تتوالى وتتوالد على طريق الإجابة عن أسئلة سابقة طرحتها لفهم ماضينا ومعرفة حاضر هويتنا واستشراف مستقبلنا. وللإجابة عن كل تلك الأسئلة سأستخدم منهج الاستقراء وأحيانا الاستنباط للمواقف التاريخية في مسارنا نحن العرب المسلمين وفي المسار الأوروبي أيضا، وسأنتقل بين الحقب التاريخية في الجانبين ذهابا وإيابا، أحيانا، لتشكيل صورة واضحة، قدر الإمكان، لكيفية تشكل عقلنا الحديث، وكيف تأثر سلبيا بـ «العقل الغربي»، ومآلات ذلك. هل هناك أمة عربية أو إسلامية؟ فكرة قتلت بحثا من قبل، وأفتى البعض قديما منذ الأفغاني ومحمد عبده بوجودها، وحديثا رأى آخرون منهم د. يوسف القرضاوي، باستمرار وجودها، ورأى آخرون أنها تلاشت وانتهت. لكن أحدث الآراء المعتبرة بشأنها مضى عليه زمن طويل. ومع كثرة وتسارع المتغيرات في السنوات الأخيرة، تظهر الحاجة لإعادة قراءة المشهد بنظرة جديدة في ضوء ما أشرت إليه سابقا من أن الفكر الغربي، امتُدِح طويلا بما لا يستحق، وضرورة إعادة النظر في منتجاته الفكرية كلها بما في ذلك «نظرياته»، وحتى في مفكريه ومن دافعوا عن فكره. هنا أتفق جزئيا مع من قالوا بأن معنى الأمة لدينا تبدد منذ زمن. وأختلف جزئيا مع من قالوا بوجود أمة عربية أو إسلامية. فأقول إنه لم تكن هناك في يوم من الأيام «أمة عربية»، فهذه فكرة ظهرت وسرعان ما تلاشت لأسباب سنعود إليها لاحقا. أما الأمة الإسلامية فهي تبدو بالنسبة لي كراكب سفينة تبحر من ميناء وكلما أوغلت في البحر تلاشت ملامح ذلك الميناء شيئا فشيئا لكن سرعتها لا تكاد تكون ثابتة فأحيانا تسرع وأحيانا تبطئ وربما عاكستها الريح فجعلتها تعود القهقرى قليلا قبل أن تستأنف إبحارها بعيدا عن الميناء، حتى لا تكاد تظهر ملامحه. هل هناك عقل عربي وعقل مسلم؟ فكرة أخرى قتلت بحثا وتم الخلط فيها أيضا بين المعنيين، بما يستدعي ضبط المصطلح وفهم أبعاده. وأقول إن الذين قطعوا بوجود شيء اسمه عقل عربي أو بعدم وجوده تشددوا في الحالتين في أمر أسيء فهمه زمنا طويلا. فلا يمكن الحديث عن «عقل عربي» قبل ظهور الإسلام لأسباب تاريخية ومنطقية. فالإسلام هو الذي منح «العربية» عقلها لأنها صارت الحاضنة الثقافية لهذا الدين، وقبله كانت شيئا آخر. ولذلك رأى مفكرون وازنون أن كل مفكر مسلم كتب بالعربية هو عربي حتى وإن اختلفت أصوله. هذا ما يؤكده في كتاب بالغ الأهمية الأمريكي الباكستاني الأصل د. قاسم خليل، وعنوانه، «الإسهام العربي في الحضارة». هنا تلتقي «العربية» مع «الإسلامية» في مفهوم واحد يجعل من الممكن الحديث عن «أمة عربية إسلامية» وعن «عقل عربي مسلم». لكن، هل هناك عقل عربي مسلم الآن؟ لقد تعرض «العقل الجمعي العربي الإسلامي» لهزات ارتجاجية عنيفة على مدى القرون وخاصة منذ غياب الإسلام في الأندلس. وأثرت تلك الهزات فيه تأثيرا سلبيا خطيرا، لدرجة أن العقل الجمعي العربي الإسلامي الوحيد الذي يمكن الحديث عنه، الآن، هو عقل رفض الأمر الواقع. أي الواقع السيئ الذي تعيشه المجتمعات المكونة للكيان العربي الإسلامي بغض النظر عما إذا كان يسمى أمة أو غير ذلك. فالذي لا شك فيه أن هناك حالة رفض بين العامة لحالة الضعف التي تعيشها مجتمعاتهم، ورغبة صادقة قد تكون معلنة مفهومة أو غامضة مكبوتة، لإحداث تغيير يعيد مجدهم الزائل، وإن غابت قدرتهم على إحداث التغيير، في غياب ممثل حقيقي فاعل لهذا الكيان. وكما كانت هناك أسباب خارجية وراء تلك الهزات، تتمثل إجمالا في «هجوم» الرأسمالية العالمية، فقد كانت هناك أسباب داخلية تسببت في تراجع الأمة. منها أنها منيت منذ القدم بمن أسميهم «الانهزاميين الأُوَلْ»، وكانت غالبيتهم من المنافقين والمندسين. أما في عصرنا الحديث فقد باتوا يضمون فريقا ضخما من «الانهزاميين الجدد» الذين أكثرهم ليسوا منافقين ولكن مضلَلَين ومستسلمين، وسوادهم الأعظم من أجيال «السطحيين»، تعلموا أم لم يتعلموا، الذين فرختهم أنظمة الحكم التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، تحت شعار ما سمته الرأسمالية العالمية «مرحلة ظهور القوميات» لتبرير خروجها الشكلي من الدول التي تحتلها، ولتبرير ظهور دول وكيانات غير شرعية، مثل الكيان الإسرائيلي. تلك القوميات التي بدأ التحضير لها منذ أواسط القرن 19 في أوروبا النائية عن الدين، لكنها جعلت الدين قومية للبعض. ما جعل البعض يذكر لك ديانته عندما تسأله عن جنسيته. بينما بدأ كثير من الانهزاميين لدينا ينسى دينه ويتحدث عن قوميته. أعود هنا لأذكر بأن العقل الأوروبي ومن ثم الغربي مر بعملية تشويه وتشتيت فكري ومن ثم عقلي في مراحل مختلفة برزت بقدوم المسيح عليه السلام، وهي قصة معروفة وما زالت ملامحها موجودة، ويضاف إليها مزيد من التشويه كل يوم. أما عندنا نحن العرب المسلمين فلم تختلف قصة تشويه الفكر لدينا كثيرا. كيف؟ بما أننا أمة عربية مسلمة فقد كان محرك هويتنا وتقدمنا دائما هو تشبع عقل الأمة بالتطبيق الصحيح للإسلام. وعندما فقدت الأمة هذه العقلية فقدت هويتها وقوة الدفع وراءها، وأذنت بهبوطها لتصبح مثل أي أمة أخرى تنطبق عليها قوانين الأيام والدول. وهي لم تدخل في مرحلة التدهور إلا كنتيجة طبيعية للحكمة الإلهية في دفع الناس بعضهم ببعض. وفي إطار هذا التدافع كانت هناك تأثيرات خارجية، تدفع باتجاه «نهاية التاريخ»، أفرزت لدينا أمراضا داخلية نزعت عنا لباس الأمة الواحدة، لترينا سوءاتنا. وللحديث صلة.
1065
| 19 يوليو 2023
اجتهدت في مقالات سابقة لتشكيل صورة متكاملة قدر الإمكان للكيفية التي صيغ بها الفكر الغربي في القرون الأخيرة من وجهة نظر نقدية للعلوم السياسية وكيف تأثرت بها شعوب كثيرة. وكيف أوصلت العولمة واحتكارها المتزايد، لكل شيء، وخاصة حركة الفكر والعلم، العالم إلى المرحلة التي نحن فيها من الانحطاط على مستويات عدة. والسؤال الذي طرحته في ختام ذلك الجهد كان، أين موقعنا من كل ذلك وماذا نحن فاعلون؟ للإجابة يجب، أولا، تحديد مفاهيم أخرى، منها، مَنْ نحن. هل «نحن» تعني العرب، كل دولة على حِدَة، بكل ما فيها من مكونات، أم تعني الشعوب الناطقة بالعربية، أم الحكومات، وفي هذه الحال، ما الجهة التي تمثلها جمعيّاً، هل هي الجامعة العربية، أم لا يوجد ممثل جمعي لها. أم أنّ «نحن» تعني المسلمين وشعوب الأمة الإسلامية بغض النظر عن لغاتها، وفي هذه الحال، ما هي الجهة التي تمثلها جمعيّاً، هل منظمة المؤتمر الإسلامي، مثلا، أم الممثل المفترض الغائب، وهو الخلافة، وهل حضوره يفيد؟ السؤال المحوري التالي، هل هناك عقل جمعي عربي أو عقل جمعي إسلامي، أو هل هناك أمة عربية أو أمة إسلامية؟ بل ربما نسأل في مرحلة أعمق لاحقا، من هو العربي، ومن هو المسلم؟ يضاف إلى ذلك سؤال جوهري آخر هو، كيف تشكل «العقل» الحديث شرقا؟ بعدما فهمنا ولو جزئيا، كيف تشكل «العقل» الحديث غربا. بداية يجب التفريق بين فكرتين متضادتين، يخلط بينهما كثيرون، حتى من الباحثين والكتاب، هما فكرة العقل الجمعي وفكرة عقلية القطيع، ولأنهما صورتان متناقضتان، فوجود إحداهما ينفي الأخرى. فإما تكون هناك عقلية جمعية أو عقلية القطيع، وهما كما أوضح مفكرون غربيون، منهم جوستاف لوبون، في كتابه سيكولوجية الجماهير، وعرب، منهم د. جلال أمين، في كتابه «عصر الجماهير الغفيرة»، تُصنعان صناعة. وعندما يفشل العقل الجمعي تظهر عقلية القطيع. ففي حالة العقل الجمعي تكوم القيادة للشعب وفي حالة عقلية القطيع تكون القيادة للنُخبُ. هذا ما يقول فيه د. جلال أمين إن حكم الجماهير الغفيرة أسهل كثيرا من حكم المجموعات الصغيرة. ففي التجمعات قليلة العدد يستطيع كل فرد التعبير عن رأيه بوضوح ويناقش ويعارض رأس المجموعة مباشرة، وعندما يتفق الجميع أو الأغلبية يتكون العقل الجمعي الذي تتحرك به المجموعة. وهنا تتحقق الشورى والديمقراطية أو «ديمقراطية الشوري» كما سميتها. أما في التجمعات الكبيرة يتعذر النقاش وإيصال الرأي فيتحول الأمر في الغالب إلى إعلان أفكار أو قرارات، (قد تكون أفكارا مضللة أو قرارات ظالمة أو حتى شائعات) من جانب الرأس عبر وسائل إعلامه فلا تتمكن الجماهير من مناقشتها. هنا تتشكل عقلية القطيع فينساق الناس وراء الرأس من دون أن يتمكنوا من التعبير حقيقة عن آرائهم ومن يحاول جاهدا إيصال رأيه يتهم غالبا بأنه خارج عن الجماعة. وهذه مشكلة جوهرية في العالم المعاصر هي أساس خطير من أسس الدكتاتورية أُوصفها كالتالي: الحاكم أو الحكومة في العصور الحديثة وبما أنه يمتلك أجهزة الحكم ومنها الإعلام فهو يملك الصوت الواحد الذي يصل إلى الجميع في نفس اللحظة تقريبا، أما الجماهير وبرغم شيوع وسائل التواصل الإجتماعي، فأصواتهم متفرقة متشرذمة، لا تُسمَع كصوت واحد حتى بفرض اتفاقها جمعيا في مقابل صوت الحاكم. فارق كالفارق بين الشمس وأعواد الثقاب.تماما مثل جهتين متحاربتين إحداهما قليلة العدد لكنها تملك سلاحا فتاكا يمكنه تدمير دول كاملة في لحظات والجهة الأخرى شعوب لا تملك إلا ألسنتها وآراءها، فلمن تكون الغلبة؟! هنا نبدأ في التساؤل وكيف يُصنع العقل الجمعي وكيف تصنع عقلية القطيع؟ والإجابة عنه ستقودنا للإجابة عن التساؤلات التي طرحتها في البداية. هذا السؤال أجبت عنه في مقال بجريدة «الأهرام» منتصف 2010 قبل شهور قليلة من ثورات الربيع العربي بعنوان «أنبياء العصر» مستوحيا إياه من تعبير «أنبياء العولمة» الذي سبق وعرفته، وقصدت بأنبياء العصر وقتها، بصفة خاصة، محتكري وسائل الإعلام في الدول السلطوية من كُتاب ومقدمي برامج تلفزيونية وحذرت من أن هؤلاء احتلوا مكان الأئمة ورجال الدين في المساجد والكنائس وصاروا هم قادة الرأي، فصارت منابر الدعوة هي القنوات التلفزيونية والصحف. وصار الإعلامي أهم كثيرا من رجل الدين فهو يستضيفه في برنامجه مثلا ويتحكم بقدر كبير في ما يقوله. وهنا يجب التنبه إلى أن أنبياء العصر ليسوا مقصورين على الشرق أو الغرب بل هم الآن في كل مكان تقريبا ويشملون أيضا بعض السياسيين والمشاهير على اختلافهم. ونخلص إلى أننا نحن العرب والمسلمين، وصلنا إلى وضعنا الحالي بعد عصور طويلة من الظلام في بلاد الإسلام أدت إليها، تقريبا، نفس الأسباب التي شابت الحركة الفكرية في أوروبا. هنا أشير إلى أن البعض يظنون خطأ أن الغرب خرج من عصور الظلام بداية مما سمي عصر التنوير، وأنه شكل عقلا جمعيا حديثا والحقيقة أن نظرة عميقة للأمر تكشف أنه مازال في عصور ظلام، مثلنا تماما، ولكن بطريقة مختلفة، والشاهد على ذلك منتجاته «الحضارية»، التي تتجلى في ترويج الإلحاد والشذوذ. فمتى بدأت عصور الظلام في الإسلام، ومتى كان لدينا، مسلمين أو عربا، عقل جمعي؟ ومتى فقدناه؟ وكيف تشكل «عقلنا الحديث»؟ وللحديث صلة.
1482
| 12 يوليو 2023
وصلنا سابقا إلى مرحلة سير الرأسمالية العالمية ونظامها «الديمقراطي» بالإنسانية، في مسار عكسي لمفاهيم الدولة والحرية، بسعيها إلى «تشييء» الإنسان، والتحكم في تفكيره وقراره واختياره، لخلق عالم تتراجع فيه قيمة الإنسان البشري مقابل «الإنسان التكنولوجي» أو «سايبورج»، ليتضح بذلك أنه لا يسير فقط عكس مسار «نظام ويستفاليا»، بل عكس مسار البشرية برمتها منذ خلق الله الأرض، ضمن عملية كبرى لإشاعة الشذوذ الفكري والجنسي. كنا قبل عقود قليلة نظن أن تغيير خلق الله هو عمليات التجميل، ثم صُدمنا بعمليات تغيير الجنس، ثم صُدمنا بالروبوتات، والآن نُصدم بمحاولات اختراع الـ «ساييورج». قد ينظر البعض إلى ذلك بأنه من إنجازات العلم، لكن نظرة متأنية، في ضوء عملية تغييب الدين، تظهر أن الحاصل ما هو إلا انتكاس للفطرة الإنسانية، وهدفه، برأي كثيرين ليس تسهيل حياة البشر وإنما التخلص من أكبر عدد منهم، فكلما تزايد اختراع الآلة قلت أهمية الإنسان. ويذهب كثيرون إلى أن ما عرف للآن عن أبحاث «يوجينيكس» أو ما يسمى «تحسين النوع البشري»، وأساسها «نظرية التطور» الباطلة، لم يكن إلا دربا في هذا الطريق، ومحاولة عبثية للوصول إلى سر الروح والخلود. وقد أصدرت شركة «كاسبرسكي لاب» أخيرا تقريرا ذكرت فيه أن الحدود الفاصلة بين البشر و»الإنسان التكنولوجي» ستتلاشى قريبا، تزامنا مع تصريحات لأشخاص يسمون «علماء» منهم يوفال هراري، الذي يقول:»إننا قريبا سنبدأ هندسة الأجسام والعقول» وأن البشر الحاليين هم آخر جيل للإنسان بشكله الحالي. يتضح الآن أن الهدف من هذه الرحلة الطويلة كان التأسيس لنظام عالمي جديد. هذا ما أعلنه فعليا كلاوس شواب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، وسماه، في كتاب أصدره في 2020، «ذا جريت ريسيت» أو إعادة الضبط الكبرى» للعالم. أي وضع ضوابط جديدة لحكم العالم تتوافق مع ما سماه المعطيات الجديدة التي قال إنها تستدعي وجود نظام حكم عالمي مختلف، وقصد بها تداعيات جائحة كورونا التي شكك كثيرون، بينهم مخترع الكوفيد نفسه، بأنها كانت عملية منظمة للسيطرة على البشر. في كتابه لا يتورع شواب، عراب النظام المزمع، عن التبشير بـ «عقد اجتماعي جديد» معتبرا أن «النظم القديمة أظهرت عدم استدامتها». كما يتحدث عن العالم وكأنه ملكية خاصة بحديثه عن «مشروع شامل يجب أن تنخرط فيه كل الشعوب، لإعادة ضبط «حضارتنا» وتأسيس مجتمعات جديدة ضمن «مستقبل واحد للبشرية»، مطالبا بأن تترك قيادة العالم الجديد لـ»النخبة العارفين» لأن «العامة لا يملكون المعارف الكافية»!. وقد وجد هذا المشروع منتقدين كثرا، لما رأوا فيه من ديكتاتورية فاضحة وتعال مخيف في الطرح، وقالوا إن ما يخفيه برنامج «إعادة الضبط»، هو محاولة لتجاوز دور الدولة الوطنية التي كانت أساس النظام العالمي الحالي، ووضع السلطة في يد الشركات وأصحاب المصالح الاحتكارية، وهو ما ذكره شواب بصياغة مختلفة. الفرنسي إريك فيرهاش، نظر بعين الريبة إلى التحول التكنولوجي الرقمي، أو ما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة، كونه سيؤدي لاستبدال الآلات بالبشر، وإيجاد مجتمع خاضع للرقابة الشمولية. أما أشد المنتقدين لهذا التوجه فكان أليكس جونز، المعروف بانتقاده اللاذع للسياسة الأمريكية، إذ نبه إلى أن ما يسمى الذكاء الاصطناعي سيستخدم في تعقب واضطهاد الإنسان، المربوط كليا بالشبكة، وتحليل أفكاره ومعاقبته على الفور، بوقف مستحقاته البنكية مثلا، إزاء أي تفكير يخالف أهواء النخب الحاكمة، تماما كما تنبأ جورج أورويل في رائعته «1984»، الشهيرة بفكرة «الأخ الأكبر»، ما سيجعل البشر، برأيه، يعيشون في سجن جماعي، تحت شعار «سعادة بلا ملكية»، حيث يتضمن المشروع إلغاء الملكيات الفردية وجعل الملكية مقصورة على النخب. ولم يترك الرئيس الأمريكي جو بايدن مجالا لتقليل مخاوف المنتقدين عندما وصف نموذج الحكم الصيني بأنه مُلهِم. هنا يتدخل شون روزنبرغ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، معلقا على هذا المنحى بقوله: «الديمقراطية تلتهم نفسها، ولن تدوم»، فعندما يكتمل نظام «الجريت ريسيت» سيفقد الإنسان العادي قيمته بالكلية ويصبح الروبوت أهم منه وتنحصر القيادة في النخب وتغلق دائرتها عليهم عن طريق تحكمهم في نخبة التعليم، وتحكمهم باختيار من ينضم اليهم وهو ما وصفته دورية «هارفارد ريفيو»، في عدد حديث، بأنه خطر حقيقي على تفريخ القيادات في العالم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن «أنبياء العولمة» الذين تحدثنا عنهم سابقا، مهدوا لهذه التطورات بهذا تتأكد فكرة موت النظرية السياسية التي أشرت إليها سابقا، إذ لم تعد هناك أي نظرية تفسر النظام الحالي. وهي لم تطرح إلا كعنصر في سياسة التلاعب بالمسميات، وتم خلطها بفلسفات فارغة، منها «اليوتوبيا الأفلاطونية»، و»اليوتوبيا الشيوعية»، ضمن عملية تغييب الدين. ولعلها ولدت ميتة، لأنها جاءت أصلا من سفاح تلك الأفكار وليس من الفكر المرجعي والوحي الإلهي. أخيرا هذه صورة شبه كاملة لعالم اليوم، تستدعي مراجعة كثير من النظريات والعلوم وإعادة النظر حتى في ما يسمى «قداسة العلم»، فأين موقعنا نحن من ذلك وماذا نحن فاعلون.. وهذا حديث آخر له صلة بإذن الله.
1410
| 05 يوليو 2023
استعرضنا سابقا كيف عملت الرأسمالية على تغييب الدين في السياسة والمجتمع منذ تدشين النظام العالمي القائم حاليا وحتى إشعار آخر والذي سميته " نظام ويستفاليا". كما تناولنا كيف تم ذلك بالتلاعب بالمسميات والشعارات مثل الليبرالية والديمقراطية وغيرها. هذا النظام وهو يتجه إلى تغيير جلده والخروج علينا بمظهر جديد، يبدو الآن في عملية سير عكسي على مساره منذ 1648، بنقض أشياء مثل "الدولة"، مع التمسك بهدم الدين. كيف؟الناظر بعمق في مسيرة الحركة الفكرية في أوروبا يرى أن عملية تغييب الدين بدأت مبكرا لكنها تسارعت مع الترتيب لعقد سلام ويستفاليا، ومع خمود شعلة الإسلام في الأندلس قبل انطفائها تماما في 1942. كان ذلك بظهور انشقاقات دينية في أوروبا قادها مارتن لوثر بداية من عام 1517، ثم تلميذه جون كالفن، استهدفت زعزعة هيبة الكنيسة وهدم سطوتها. لذلك كان من بين أهم نتائج "سلام ويستفاليا"، الاعتراف بالمذهبين البروتستانتي والكالفيني إلى جانب الكاثوليكية، ما أدى إلى تقليص دور البابا وتراجع مكانة الكنيسة. فقد أرسى لوثر وكالفن القاعدة للتمرد على الدين وعلى الكنيسة وبعدها بدأ تهافت ما تم تسميتهم بالفلاسفة واحدا بعد آخر، بنظريات متتالية عن الإله والإنسان والعقل والخير والشر، وهكذا، زاعمين أن البشرية لم تجد إجابات لهذه المسائل، في تجاهل تام للوحي الإلهي، وكأنهم يعيدون اختراع العجلة. والذي لم ينتبه له كثيرون أن معظم هؤلاء، إن لم يكن جميعهم، كانوا في الحقيقة يسعون لصياغة دين جديد للبشرية، بداية من كانط وتلميذه هيجل ثم تلميذه ماركس. حتى يخيل للمرء أن إنتاج النظريات الفلسفية والسياسية والاقتصادية، بات مثل طبع العملة بلا رصيد حقيقي. ويلخص ذلك الأكاديمي المصري غيضان السيد في كتابه "فلسفة الدين" بقوله إن تلك الحركة "الفكرية" خلصت إلى أن الإنسان يمكنه الاستغناء عن الدين. كما رأي باحثون منهم فراس السواح أن فلاسفة ما بعد عصر التنوير نظروا للدين على أنه مرحله وانتهت. وأخيرا رأى مجموعة من الباحثين الأمريكيين منهم، بيتر بوغوسيان وهيلين بلوكروز، وجيمس ليندسي أن من يسمون بفلاسفة القرن العشرين عملوا فعليا، خطوة خطوة، على صياغة دين جديد للبشرية بالمزج بين الشيوعية والرأسمالية، ما يعد سيرا عكسيا للرأسمالية على طريق "سلام ويستفاليا" باستيعابها للفكرة الشيوعية التي حاربتها لعقود. في ضوء ذلك ينتفي العجب، في زمن العولمة، أن يطلق على بعض علماء السياسة الحاليين وصف "أنبياء العولمة" وأن نجد منهم من يبشر صراحة بنظم حياة مخالفة لكل مبادئ الأديان التقليدية والأعراف الإنسانية. من هؤلاء عالم سياسة يدعى أنتوني جدينز، هو المنظر الرئيسي لحكم توني بلير، ومؤسس ما سمي بالطريق الثالث، إذ خرج بأفكار شيطانية تدعو لإقرار شكل جديد للعلاقات بين البشر وأن الأسرة يمكن تكوينها برجلين أو امرأتين وليس بالضرورة برجل وامرأة. ومنذ ظهور كتابه "عالم منفلت" عام 2000، انفجرت فكرة الشذوذ وخاصة في العالم الغربي. كما ينتفي العجب أن يصر "أنبياء العولمة" على عدم الاعتراف بأي دور حقيقي للإسلام في مسيرة الحضارة الإنسانية. لكن يبقى العجب من أن أغلبية كبيرة ممن تناولوا الفلسفة من المفكرين المسلمين أعطوها حجما من التقدير لا تستحقه فساهموا في غياب الوعي العربي بأهمية ما لديه من فكر مرجعي ووحي إلهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ذلك رغم أن عالما فذا في تاريخنا هو أبو حامد الغزالي فصل في هذا الموضوع من قديم وأعلن تهافت وتفاهة الفلسفة والفلاسفة. هذه المسيرة أدت بالفكر الغربي للعمل على تغيير خلق الله بمحاولة التحكم في عقول البشر ببرامج مثل "إم كيه الترا"، واختراع كائن وسيط بين الإنسان والروبوت يسمونه "سايبورج" عن طريق ربط مخ الإنسان بالكمبيوتر، ببرنامج "نيورالينك"، بل واستبدال أجزاء صناعية مثل الأطراف بأجزاء حقيقية من جسده. وتسير معها بالتوازي تكنولوجيا "انترنت الأشياء" التي تسعى إلى "تشييئ" الإنسان والتحكم في البشر ومراقبتهم من خلال الإنترنت بجعل كل أمور الإنسان مرتبطة بالشبكة، لخلق عالم يتخطى حدود الدول ولا يعود للإنسان فيه وضعيته القديمة التي يترتب له عليها حقوق دينية واجتماعية. وللحديث صلة.
1293
| 28 يونيو 2023
الجدل المستعر في أمريكا الشمالية وأوروبا وكثير من الدول، حاليا، بشأن محاولات البعض فرض أفكار غريبة على المجتمعات، منها حرية الشذوذ مثلا، يعبر عن أخطر قضية تواجه البشرية في هذا العصر، وسأعود إليها بالتحليل باستفاضة لاحقا، لكن إكمالا للحديث عن أن النظام العالمي الحالي الذي أنتجه "سلام ويستفاليا" استهدف إلغاء الدين من حياة الشعوب، متلاعبا بالأفكار والمسميات ومنها الديمقراطية، أقول إن ذاك الجدل هو تجسيد واضح لهذه الفكرة. وصلنا سابقا إلى نتيجة شهد بها كثيرون بأن الديمقراطية غير قابلة للتطبيق، معللين ذلك بمسائل إجرائية وتنظيمية عرضنا لها فيما سبق. لكن البحث المتأني يكشف أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم صلاحية الفكرة من الأساس. ذلك أنها تأتي من فكر وضعي بشري لا يحقق المصلحة الحقيقية، مهما بلغت حدته ودقته، مقارنة بالفكر المرجعي أو الوحي الإلهي. ذلك أن الذين وضعوا فكرة الديمقراطية بنوها على أساس هدم الفكر المرجعي بهدمهم للدين كله وتشويهه. فكان هدم الدين، رسميا بفصله عن الدولة، وابتداع أنظمة للحياة والحكم تخلو من الفكر الديني. أما تشويهه فكان بالانتقاص من مقدساته ورموزه، ما أدى إلى حالة من انفصام الشخصية والخواء الفكري والروحي. هذا الفصام عانى منه الأوروبيون خاصة ومعهم سكان العالم الجديد، مع تعدد الأفكار وتناقضها من وقت لآخر. كما عاني منه المسلمون نسبيا في فترات لاحقة، وبدرجات متزايدة، كلما زحفت ثقافة تلك القوى الاستعمارية على البقاع الإسلامية مع فرضها أنظمة علمانية موالية لها. وفي مقارنة الفكر المرجعي مع الفكر الوضعي نجد أن سيكولوجيا العلوم السياسية تخبرنا أن العامل الشخصي يحدث فارقا كبيرا في تصور وتنفيذ الأفكار والسياسات. ففي إطار الفكر المرجعي المستمد من الوحي ستجد أن الأسس المطلوبة للحكم متوفرة بوضوح ولا يبقى إلا تنفيذها. فمهما اختلف المنفذ لن يكون الفارق إلا في لمسات شخصية لا تغير من جوهر المنتج. تماما مثل مهندس تخطيط يصمم مشروعا على الورق، فلو نفذه أكثر من مهندس سيخرج المشروع بنفس الصورة التي رسمها، ولن يتغير الشكل العام كثيرا. أما في حالة الفكر الوضعي فإن التصميم من أوله سيختلف بالكلية من مفكر الى آخر. وعند التنفيذ ستحدث اختلافات كثيرة أيضا تضيع معها التصورات وتطيش معها الأفكار. بالنتيجة يصبح الناس تائهين كما نرى بأعيننا في الغرب، الذي وصلت مكوناته إلى مرحلة تشبه الجنون في تعاطيها مع المسلمات، لدرجة أنه بات من الصعب عليهم، مثلا، تعريف ما هو الرجل أو المرأة. جنون يبيح الكفر بالإله ويحرم الكفر بالشذوذ. إذن فمسألة هدم الدين لم تقف عند حدود وقف العمل به في مستوى النخب بل إن مشروعهم الاستعماري تطلب أيضا أن ينتهي الدين في المجتمع. وبما أن الدين هو النظام الذي تتبعه المجتمعات لتسيير حياتها بحسب أحد تعريفاته المعجمية فقد لجأت تلك النخب إلى استحداث أنظمة حياة تستبدل بها الدين. فنتج عن ذلك كل الأفكار التي راجت وانتشرت منذ أواخر القرن السابع عشر أي بعيد تطبيق "سلام ويستفاليا". وكان منها الليبرالية والماركسية، والحداثة، وهكذا. فبات كل مجتمع يتخذ من فلسفته أو منهجه السياسي دينا لتسيير حياته، حتى صار الإلحاد دينا والشذوذ كذلك. وهذا أمر نبه إلى خطورته خبير العلوم السياسية الأمريكي جيمس ليندسي في كلمة بالغة الأهمية أمام البرلمان الأوروبي أخيرا، محذرا من حركة شرسة لتعميم الأفكار الماركسية بتطوراتها المختلفة، كدين جديد للبشرية. ويجدر الانتباه هنا أن فكرة إنهاء دور الدين في السياسة والمجتمع سارت يدا بيد مع فكرة التوسع الرأسمالي ونهب ثروات العالم فزيادة رأس المال تحتاج أسواقا متزايدة ومتجددة بلا توقف وهذا يحتاج بدوره إلى مجتمع "استهلاكي" لا يكترث بالدين، الذي يضبط التصرفات وفق معايير لا تقبلها الرأسمالية. وبتدقيق النظر سنجد أن نظام ويستفاليا وما تبعه حتى اليوم يبدو كمشروع واحد متصل المراحل، منذ البدء بإنهاء الدين في السياسة ثم المجتمع مرورا بتحويل البشر إلى مجرد آلات استهلاكية أي أشياء وصولا إلى انترنت الأشياء، ونحوه. وللحديث صلة.
1344
| 22 يونيو 2023
وصلنا، سابقا، في مقارنتنا بين "الانتخاب الطبيعي" والديمقراطية الغربية إلى أن "سلام ويستفاليا" (1648) كان اتفاقا على نهاية الدين، كحاكم لتصرفات النخب الأوروبية وإيذانا بانفلات تلك التصرفات إزاء العالم كله وإن بقي الدين يستغل كشعار زائف أمام الشعوب عند اللزوم. والأمثلة على ذلك كثيرة لعل أشهرها، حديثا، غزو أفغانستان والعراق، وما تسمى بالحرب على الإرهاب، التي لم يتورع جورج بوش الابن عن تشبيهها بالحروب الصليبية، قبل أن يتراجع تحت الضغوط. ونشير هنا إلى أن تاريخ الديمقراطية مليء بالتخبط، وأنها في شكلها الحالي، الذي يفترض أنه الشكل النموذجي، كانت نتاجا غير مباشر لـ "نظام ويستفاليا" العالمي. فبعده ظلت هناك، جزئيا، ما تسمى ديمقراطية النبلاء أو "ديمقراطية أثينا" التي روجت الأكاديميات الغربية أنها أم الديمقراطيات في التاريخ. وتلك بدورها ديمقراطية وهمية، أسهب كثيرون في شرح زيفها. ولم تظهر الديمقراطية بمعاييرها الحالية إلا بعد الثورة الفرنسية 1789. وقد تعددت منذ ذلك الحين المسميات التي تطلق على الممارسة السياسية التي ارتأت النخب الغربية إلصاق وصف الديمقراطية بها، بحيث تجرأ عدد من المتأخرين من علماء السياسة، والمتحدثين فيها، على إطلاق اسم "الديمقراطية غير الليبرالية" على أي دولة تنظم انتخابات تعددية بغض النظر عن تزويرها أو انتهاك الحقوق والحريات ومعيار الحياة الكريمة. وإذا كانت الحال هكذا فما قيمة الديمقراطية إذن؟! في الوقت نفسه ظل المتحدثون عن النظام السياسي في الإسلام، مثلا، يقعون في فخ الدوران في فلك المسميات الغربية ويحاولون المقارنة بين نظام الشورى والديمقراطية. وهم في ذلك يمايزون بين الشورى والديمقراطية، مع أن الإنصاف يقتضي التسليم باستيعاب النظام الشوري لأفضل ما في الديمقراطية النموذجية، والاعتراف بأنه ديمقراطية خاصة، يمكن تسميتها "ديمقراطية الشورى". وربما لم ينج من ذاك الفخ إلا قلة من المفكرين منهم عباس محمود العقاد، في كتابه "الديمقراطية في الإسلام". لكن أحدا لم يقل بأن الشورى هي ديمقراطية بحد ذاتها. ولم لا إذا كان الآخرون يلصقون الديمقراطية بكل ما يحلو لهم؟. وهناك إشكاليات جوهرية في أصل الفكرة الديمقراطية، تحدث عنها كثيرون، قديما وحديثا، لذلك أجمل بعضها فيما يلي: فمنها استخدام النخب للمال السياسي للتأثير على توجهات الناخبين من خلال حملات تشويه الخصوم، بينما يفتقر كثير من المستحقين للترشح إلى الدعم المالي. وهذا ينسف معيار التنافس الحر الشريف. ومنها أن أي عمل جماعي سياسي أو غير سياسي يجعل الحرية الفردية تالية أو تابعة لقرارات الأغلبية، والأغلبية هنا أغلبية وهمية، هي أغلبية النصف وواحد، التي وصفها توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة بأنها تمكن نصف الشعب تقريبا من استلاب رأي وحرية النصف الآخر. ومنها أن الديمقراطية أو غيرها لا يمكن أن تتحقق بدون مركزية، والمركز هنا هو مجرد مجموعة غير ممثلة للشعب بأي مقياس، فمعظم من يضعون القوانين والإرشادات للمجتمع هم أشخاص أو موظفون لم ينتخبهم الشعب. وحتى الذين انتخبهم جزء من الشعب "نظريا"، جاءوا بانتخابات لم تتحقق فيها المعايير الصحيحة للحياد وحرية الاختيار. ومنها أن الديمقراطية تقتضي منع الاحتكار سواء السياسي أو الاقتصادي لكنك تجد أن كل شيء تقريبا في النموذج الأمريكي مثلا محكوم بالاحتكار الفج على كل المستويات. وهكذا، فأنت كلما ذهبت تطبق أحد معايير أو متطلبات الديمقراطية وجدته يتناقض مع نفسه أو مع الفكرة الأم للديمقراطية ذاتها والتي قالت مجلة الايكونوميست في عددها الصادر في يوليو 2022 إنها "غير قابلة للتطبيق في المقام الأول"، وما ذاك إلا نتيجة مشكلة جوهرية في الفكر المرجعي وراءها. وللحديث صلة.
2001
| 14 يونيو 2023
من أكثر ما يميز ويعقد في الوقت نفسه دراسة العلوم السياسية، ما تعرف بمعضلة التعريفات. ذلك أنك تجد أنه عندما ينشب خلاف بشأن قضية ما، يكون أصل الخلاف حول تعريف المسألة موضوع البحث أو المشكلة، إذ يذهب كل فريق إلى تعريفها وتوصيفها كما يحلو له ويتفق مع مصالحه. لذلك نجد أن كثيرا من الأحبار أريقت في إطلاق مسميات سواء من جانب باحثين جادين أو من قبل مشوشين مغرضين في مجال انتاج الفكر عبر جامعات ومعاهد غربية سيطرت عليها المصالح الرأسمالية ووجهتها لخدمة أهدافها. بالنتيجة صارت هناك فوضى مسميات ضاعت معها حقائق كثيرة وشوهت مصطلحات ومدلولات أكثر عبر الزمن. من تلك المصطلحات التي تم تشويهها عن عمد في تلك المسيرة، مسيرة السيطرة الرأسمالية، مصطلح المستبد العادل، ذلك المصطلح الذي كان شهيرا في أدبيات السياسة العربية قبل أن يتوارى في العقود الأخيرة، نتيجة خفوت أو ربما انطماس الحديث عنه مثلما انطمست اشياء كثيرة في الفكر العربي نتيجة الهجمة الغربية العنيفة. هنا يتجلى الصدام الحضاري بين حضارة حقيقية هي حضارة العروبة والإسلام وحضارة أقل شأنا هي حضارة الغرب القائمة على الاستعمار وسرقة ثروات الشعوب وتشويه أفكارهم، بعد سرقة النافع منها. وبعيدا عما يسمى نظرية المؤامرة، فإن حضارة الغرب تلك شعرت بالدونية إزاء حضارتنا الأعلى منها شأنا فناصبتها العداء وكادت لها، وشوهت كل ما يتعلق بها دينيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، وفكريا. فدينيا وسياسيا لا يخفى على أي عربي مسلم حجم حرب التشويه، المادي والمعنوي، التي مورست ضد الدين الإسلامي وما تزال، وأما ثقافيا واجتماعيا، يعلم القاصي والداني أيضا كم التشويه الذي تعرضت له شخصية العربي خاصة والمسلم عامة في الافلام والمسلسلات، والثقافة الغربية عموما، وخاصة في العقود الأخيرة. وأما فكريا فهذه تعيدنا إلى لب الحديث عن المستبد العادل، فمصطلح الاستبداد في حد ذاته لا يحمل دلالة سلبية حقيقية بقدر ما يدل على الحزم والضبط والربط، حتى إن الأولين كانوا يقولون إن "العاجز من لا يستبد". وقد أشار مفكرون عظام كثيرون منهم الراحل محمد عابد الجابري إلى أن لفظة الاستبداد لم يكن لها ذلك المدلول السلبي الذي يحيط بها اليوم في المرجعية العربية القديمة. وهنا يميز الجابري بين الاستبداد والطغيان، فالاستبداد هو الحزم مع العدل أما في غياب العدل فيكون هو الطغيان. وعلى نفس المنوال كانت معظم الثقافات القديمة ومنها فلسفة أفلاطون في الحضارة اليونانية التي هي أم الثقافة الغربية المعاصرة، يجمع بينها مفهوم مشترك بأن الحكم الرشيد لا يتحقق إلا بقائد يجمع بين السلطة النافذة (الاستبداد) والحكمة، وهذا يمثله في التاريخ القديم نموذجا الملك النبي سليمان والاسكندر الأكبر. فمثال الحاكم العادل غير المستبد لا يكاد يكون له سابقة في التاريخ. فكل العادلين الذين تهاونوا قليلا كانت نهايتهم نتيجة عدم حزمهم (استبدادهم)، فهذا هو عثمان بن عفان، وهذا هو عمر بن عبد العزيز، والخليفة العباسي المهتدي بالله قتلهم تغاضيهم عما يدبر لهم خشية الوقوع في الظلم والاستبداد. ولم يحدث هذا في التاريخ القديم فقط فالسنوات القليلة الماضية شهدت نماذج مشابهة في منطقتنا العربية. ووسط الهجمة الغربية على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمستمرة رغم فوزه في انتخابات نزيهة، نضرب مثالا على المعايير الغربية المزدوجة في هذا الصدد بسؤال استنكاري: ألم يكن جورج بوش وتوني بلير من المستبدين بالمدلول الغربي عندما كذبا ولفقا تهما جزافية لأفغانستان والعراق لتبرير غزوهما. فهل حلال لهم الاستبداد مع الظلم حرام على أردوغان برغم العدل والنزاهة؟!.
906
| 07 يونيو 2023
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل...
34368
| 01 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى...
7671
| 03 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق...
7092
| 06 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل...
4596
| 30 أغسطس 2026
عندما يُثار الحديث عن المنازعات العمالية، يتبادر إلى...
1626
| 02 سبتمبر 2026
مع انطلاقة العام الدراسي الجديد، تتجدد تطلعات الميدان...
1098
| 30 أغسطس 2026
هناك كائن صغير نسميه في عاميتنا "العنيوش". دودة...
1086
| 02 سبتمبر 2026
في مارس 1977 اصطدمت طائرتان فوق مدرج مطار...
1044
| 02 سبتمبر 2026
في الطريق قد يسيء إليك سائق، وفي متجر...
822
| 02 سبتمبر 2026
يُعدّ الاحتباس الحراري من أخطر التحديات التي يواجهها...
651
| 30 أغسطس 2026
يسأل مستخدم عادي أحد روبوتات الدردشة سؤالاً قد...
579
| 04 سبتمبر 2026
في صباح عادي بمدرسة «تريبهوفان تريشولي» في نيبال،...
555
| 02 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية