رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أسئلة كثيرة تتوالى وتتوالد على طريق الإجابة عن أسئلة سابقة طرحتها لفهم ماضينا ومعرفة حاضر هويتنا واستشراف مستقبلنا. وللإجابة عن كل تلك الأسئلة سأستخدم منهج الاستقراء وأحيانا الاستنباط للمواقف التاريخية في مسارنا نحن العرب المسلمين وفي المسار الأوروبي أيضا، وسأنتقل بين الحقب التاريخية في الجانبين ذهابا وإيابا، أحيانا، لتشكيل صورة واضحة، قدر الإمكان، لكيفية تشكل عقلنا الحديث، وكيف تأثر سلبيا بـ «العقل الغربي»، ومآلات ذلك. هل هناك أمة عربية أو إسلامية؟ فكرة قتلت بحثا من قبل، وأفتى البعض قديما منذ الأفغاني ومحمد عبده بوجودها، وحديثا رأى آخرون منهم د. يوسف القرضاوي، باستمرار وجودها، ورأى آخرون أنها تلاشت وانتهت. لكن أحدث الآراء المعتبرة بشأنها مضى عليه زمن طويل. ومع كثرة وتسارع المتغيرات في السنوات الأخيرة، تظهر الحاجة لإعادة قراءة المشهد بنظرة جديدة في ضوء ما أشرت إليه سابقا من أن الفكر الغربي، امتُدِح طويلا بما لا يستحق، وضرورة إعادة النظر في منتجاته الفكرية كلها بما في ذلك «نظرياته»، وحتى في مفكريه ومن دافعوا عن فكره. هنا أتفق جزئيا مع من قالوا بأن معنى الأمة لدينا تبدد منذ زمن. وأختلف جزئيا مع من قالوا بوجود أمة عربية أو إسلامية. فأقول إنه لم تكن هناك في يوم من الأيام «أمة عربية»، فهذه فكرة ظهرت وسرعان ما تلاشت لأسباب سنعود إليها لاحقا. أما الأمة الإسلامية فهي تبدو بالنسبة لي كراكب سفينة تبحر من ميناء وكلما أوغلت في البحر تلاشت ملامح ذلك الميناء شيئا فشيئا لكن سرعتها لا تكاد تكون ثابتة فأحيانا تسرع وأحيانا تبطئ وربما عاكستها الريح فجعلتها تعود القهقرى قليلا قبل أن تستأنف إبحارها بعيدا عن الميناء، حتى لا تكاد تظهر ملامحه. هل هناك عقل عربي وعقل مسلم؟ فكرة أخرى قتلت بحثا وتم الخلط فيها أيضا بين المعنيين، بما يستدعي ضبط المصطلح وفهم أبعاده. وأقول إن الذين قطعوا بوجود شيء اسمه عقل عربي أو بعدم وجوده تشددوا في الحالتين في أمر أسيء فهمه زمنا طويلا. فلا يمكن الحديث عن «عقل عربي» قبل ظهور الإسلام لأسباب تاريخية ومنطقية. فالإسلام هو الذي منح «العربية» عقلها لأنها صارت الحاضنة الثقافية لهذا الدين، وقبله كانت شيئا آخر. ولذلك رأى مفكرون وازنون أن كل مفكر مسلم كتب بالعربية هو عربي حتى وإن اختلفت أصوله. هذا ما يؤكده في كتاب بالغ الأهمية الأمريكي الباكستاني الأصل د. قاسم خليل، وعنوانه، «الإسهام العربي في الحضارة». هنا تلتقي «العربية» مع «الإسلامية» في مفهوم واحد يجعل من الممكن الحديث عن «أمة عربية إسلامية» وعن «عقل عربي مسلم». لكن، هل هناك عقل عربي مسلم الآن؟ لقد تعرض «العقل الجمعي العربي الإسلامي» لهزات ارتجاجية عنيفة على مدى القرون وخاصة منذ غياب الإسلام في الأندلس. وأثرت تلك الهزات فيه تأثيرا سلبيا خطيرا، لدرجة أن العقل الجمعي العربي الإسلامي الوحيد الذي يمكن الحديث عنه، الآن، هو عقل رفض الأمر الواقع. أي الواقع السيئ الذي تعيشه المجتمعات المكونة للكيان العربي الإسلامي بغض النظر عما إذا كان يسمى أمة أو غير ذلك. فالذي لا شك فيه أن هناك حالة رفض بين العامة لحالة الضعف التي تعيشها مجتمعاتهم، ورغبة صادقة قد تكون معلنة مفهومة أو غامضة مكبوتة، لإحداث تغيير يعيد مجدهم الزائل، وإن غابت قدرتهم على إحداث التغيير، في غياب ممثل حقيقي فاعل لهذا الكيان. وكما كانت هناك أسباب خارجية وراء تلك الهزات، تتمثل إجمالا في «هجوم» الرأسمالية العالمية، فقد كانت هناك أسباب داخلية تسببت في تراجع الأمة. منها أنها منيت منذ القدم بمن أسميهم «الانهزاميين الأُوَلْ»، وكانت غالبيتهم من المنافقين والمندسين. أما في عصرنا الحديث فقد باتوا يضمون فريقا ضخما من «الانهزاميين الجدد» الذين أكثرهم ليسوا منافقين ولكن مضلَلَين ومستسلمين، وسوادهم الأعظم من أجيال «السطحيين»، تعلموا أم لم يتعلموا، الذين فرختهم أنظمة الحكم التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، تحت شعار ما سمته الرأسمالية العالمية «مرحلة ظهور القوميات» لتبرير خروجها الشكلي من الدول التي تحتلها، ولتبرير ظهور دول وكيانات غير شرعية، مثل الكيان الإسرائيلي. تلك القوميات التي بدأ التحضير لها منذ أواسط القرن 19 في أوروبا النائية عن الدين، لكنها جعلت الدين قومية للبعض. ما جعل البعض يذكر لك ديانته عندما تسأله عن جنسيته. بينما بدأ كثير من الانهزاميين لدينا ينسى دينه ويتحدث عن قوميته. أعود هنا لأذكر بأن العقل الأوروبي ومن ثم الغربي مر بعملية تشويه وتشتيت فكري ومن ثم عقلي في مراحل مختلفة برزت بقدوم المسيح عليه السلام، وهي قصة معروفة وما زالت ملامحها موجودة، ويضاف إليها مزيد من التشويه كل يوم. أما عندنا نحن العرب المسلمين فلم تختلف قصة تشويه الفكر لدينا كثيرا. كيف؟ بما أننا أمة عربية مسلمة فقد كان محرك هويتنا وتقدمنا دائما هو تشبع عقل الأمة بالتطبيق الصحيح للإسلام. وعندما فقدت الأمة هذه العقلية فقدت هويتها وقوة الدفع وراءها، وأذنت بهبوطها لتصبح مثل أي أمة أخرى تنطبق عليها قوانين الأيام والدول. وهي لم تدخل في مرحلة التدهور إلا كنتيجة طبيعية للحكمة الإلهية في دفع الناس بعضهم ببعض. وفي إطار هذا التدافع كانت هناك تأثيرات خارجية، تدفع باتجاه «نهاية التاريخ»، أفرزت لدينا أمراضا داخلية نزعت عنا لباس الأمة الواحدة، لترينا سوءاتنا. وللحديث صلة.
912
| 19 يوليو 2023
اجتهدت في مقالات سابقة لتشكيل صورة متكاملة قدر الإمكان للكيفية التي صيغ بها الفكر الغربي في القرون الأخيرة من وجهة نظر نقدية للعلوم السياسية وكيف تأثرت بها شعوب كثيرة. وكيف أوصلت العولمة واحتكارها المتزايد، لكل شيء، وخاصة حركة الفكر والعلم، العالم إلى المرحلة التي نحن فيها من الانحطاط على مستويات عدة. والسؤال الذي طرحته في ختام ذلك الجهد كان، أين موقعنا من كل ذلك وماذا نحن فاعلون؟ للإجابة يجب، أولا، تحديد مفاهيم أخرى، منها، مَنْ نحن. هل «نحن» تعني العرب، كل دولة على حِدَة، بكل ما فيها من مكونات، أم تعني الشعوب الناطقة بالعربية، أم الحكومات، وفي هذه الحال، ما الجهة التي تمثلها جمعيّاً، هل هي الجامعة العربية، أم لا يوجد ممثل جمعي لها. أم أنّ «نحن» تعني المسلمين وشعوب الأمة الإسلامية بغض النظر عن لغاتها، وفي هذه الحال، ما هي الجهة التي تمثلها جمعيّاً، هل منظمة المؤتمر الإسلامي، مثلا، أم الممثل المفترض الغائب، وهو الخلافة، وهل حضوره يفيد؟ السؤال المحوري التالي، هل هناك عقل جمعي عربي أو عقل جمعي إسلامي، أو هل هناك أمة عربية أو أمة إسلامية؟ بل ربما نسأل في مرحلة أعمق لاحقا، من هو العربي، ومن هو المسلم؟ يضاف إلى ذلك سؤال جوهري آخر هو، كيف تشكل «العقل» الحديث شرقا؟ بعدما فهمنا ولو جزئيا، كيف تشكل «العقل» الحديث غربا. بداية يجب التفريق بين فكرتين متضادتين، يخلط بينهما كثيرون، حتى من الباحثين والكتاب، هما فكرة العقل الجمعي وفكرة عقلية القطيع، ولأنهما صورتان متناقضتان، فوجود إحداهما ينفي الأخرى. فإما تكون هناك عقلية جمعية أو عقلية القطيع، وهما كما أوضح مفكرون غربيون، منهم جوستاف لوبون، في كتابه سيكولوجية الجماهير، وعرب، منهم د. جلال أمين، في كتابه «عصر الجماهير الغفيرة»، تُصنعان صناعة. وعندما يفشل العقل الجمعي تظهر عقلية القطيع. ففي حالة العقل الجمعي تكوم القيادة للشعب وفي حالة عقلية القطيع تكون القيادة للنُخبُ. هذا ما يقول فيه د. جلال أمين إن حكم الجماهير الغفيرة أسهل كثيرا من حكم المجموعات الصغيرة. ففي التجمعات قليلة العدد يستطيع كل فرد التعبير عن رأيه بوضوح ويناقش ويعارض رأس المجموعة مباشرة، وعندما يتفق الجميع أو الأغلبية يتكون العقل الجمعي الذي تتحرك به المجموعة. وهنا تتحقق الشورى والديمقراطية أو «ديمقراطية الشوري» كما سميتها. أما في التجمعات الكبيرة يتعذر النقاش وإيصال الرأي فيتحول الأمر في الغالب إلى إعلان أفكار أو قرارات، (قد تكون أفكارا مضللة أو قرارات ظالمة أو حتى شائعات) من جانب الرأس عبر وسائل إعلامه فلا تتمكن الجماهير من مناقشتها. هنا تتشكل عقلية القطيع فينساق الناس وراء الرأس من دون أن يتمكنوا من التعبير حقيقة عن آرائهم ومن يحاول جاهدا إيصال رأيه يتهم غالبا بأنه خارج عن الجماعة. وهذه مشكلة جوهرية في العالم المعاصر هي أساس خطير من أسس الدكتاتورية أُوصفها كالتالي: الحاكم أو الحكومة في العصور الحديثة وبما أنه يمتلك أجهزة الحكم ومنها الإعلام فهو يملك الصوت الواحد الذي يصل إلى الجميع في نفس اللحظة تقريبا، أما الجماهير وبرغم شيوع وسائل التواصل الإجتماعي، فأصواتهم متفرقة متشرذمة، لا تُسمَع كصوت واحد حتى بفرض اتفاقها جمعيا في مقابل صوت الحاكم. فارق كالفارق بين الشمس وأعواد الثقاب.تماما مثل جهتين متحاربتين إحداهما قليلة العدد لكنها تملك سلاحا فتاكا يمكنه تدمير دول كاملة في لحظات والجهة الأخرى شعوب لا تملك إلا ألسنتها وآراءها، فلمن تكون الغلبة؟! هنا نبدأ في التساؤل وكيف يُصنع العقل الجمعي وكيف تصنع عقلية القطيع؟ والإجابة عنه ستقودنا للإجابة عن التساؤلات التي طرحتها في البداية. هذا السؤال أجبت عنه في مقال بجريدة «الأهرام» منتصف 2010 قبل شهور قليلة من ثورات الربيع العربي بعنوان «أنبياء العصر» مستوحيا إياه من تعبير «أنبياء العولمة» الذي سبق وعرفته، وقصدت بأنبياء العصر وقتها، بصفة خاصة، محتكري وسائل الإعلام في الدول السلطوية من كُتاب ومقدمي برامج تلفزيونية وحذرت من أن هؤلاء احتلوا مكان الأئمة ورجال الدين في المساجد والكنائس وصاروا هم قادة الرأي، فصارت منابر الدعوة هي القنوات التلفزيونية والصحف. وصار الإعلامي أهم كثيرا من رجل الدين فهو يستضيفه في برنامجه مثلا ويتحكم بقدر كبير في ما يقوله. وهنا يجب التنبه إلى أن أنبياء العصر ليسوا مقصورين على الشرق أو الغرب بل هم الآن في كل مكان تقريبا ويشملون أيضا بعض السياسيين والمشاهير على اختلافهم. ونخلص إلى أننا نحن العرب والمسلمين، وصلنا إلى وضعنا الحالي بعد عصور طويلة من الظلام في بلاد الإسلام أدت إليها، تقريبا، نفس الأسباب التي شابت الحركة الفكرية في أوروبا. هنا أشير إلى أن البعض يظنون خطأ أن الغرب خرج من عصور الظلام بداية مما سمي عصر التنوير، وأنه شكل عقلا جمعيا حديثا والحقيقة أن نظرة عميقة للأمر تكشف أنه مازال في عصور ظلام، مثلنا تماما، ولكن بطريقة مختلفة، والشاهد على ذلك منتجاته «الحضارية»، التي تتجلى في ترويج الإلحاد والشذوذ. فمتى بدأت عصور الظلام في الإسلام، ومتى كان لدينا، مسلمين أو عربا، عقل جمعي؟ ومتى فقدناه؟ وكيف تشكل «عقلنا الحديث»؟ وللحديث صلة.
1341
| 12 يوليو 2023
وصلنا سابقا إلى مرحلة سير الرأسمالية العالمية ونظامها «الديمقراطي» بالإنسانية، في مسار عكسي لمفاهيم الدولة والحرية، بسعيها إلى «تشييء» الإنسان، والتحكم في تفكيره وقراره واختياره، لخلق عالم تتراجع فيه قيمة الإنسان البشري مقابل «الإنسان التكنولوجي» أو «سايبورج»، ليتضح بذلك أنه لا يسير فقط عكس مسار «نظام ويستفاليا»، بل عكس مسار البشرية برمتها منذ خلق الله الأرض، ضمن عملية كبرى لإشاعة الشذوذ الفكري والجنسي. كنا قبل عقود قليلة نظن أن تغيير خلق الله هو عمليات التجميل، ثم صُدمنا بعمليات تغيير الجنس، ثم صُدمنا بالروبوتات، والآن نُصدم بمحاولات اختراع الـ «ساييورج». قد ينظر البعض إلى ذلك بأنه من إنجازات العلم، لكن نظرة متأنية، في ضوء عملية تغييب الدين، تظهر أن الحاصل ما هو إلا انتكاس للفطرة الإنسانية، وهدفه، برأي كثيرين ليس تسهيل حياة البشر وإنما التخلص من أكبر عدد منهم، فكلما تزايد اختراع الآلة قلت أهمية الإنسان. ويذهب كثيرون إلى أن ما عرف للآن عن أبحاث «يوجينيكس» أو ما يسمى «تحسين النوع البشري»، وأساسها «نظرية التطور» الباطلة، لم يكن إلا دربا في هذا الطريق، ومحاولة عبثية للوصول إلى سر الروح والخلود. وقد أصدرت شركة «كاسبرسكي لاب» أخيرا تقريرا ذكرت فيه أن الحدود الفاصلة بين البشر و»الإنسان التكنولوجي» ستتلاشى قريبا، تزامنا مع تصريحات لأشخاص يسمون «علماء» منهم يوفال هراري، الذي يقول:»إننا قريبا سنبدأ هندسة الأجسام والعقول» وأن البشر الحاليين هم آخر جيل للإنسان بشكله الحالي. يتضح الآن أن الهدف من هذه الرحلة الطويلة كان التأسيس لنظام عالمي جديد. هذا ما أعلنه فعليا كلاوس شواب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، وسماه، في كتاب أصدره في 2020، «ذا جريت ريسيت» أو إعادة الضبط الكبرى» للعالم. أي وضع ضوابط جديدة لحكم العالم تتوافق مع ما سماه المعطيات الجديدة التي قال إنها تستدعي وجود نظام حكم عالمي مختلف، وقصد بها تداعيات جائحة كورونا التي شكك كثيرون، بينهم مخترع الكوفيد نفسه، بأنها كانت عملية منظمة للسيطرة على البشر. في كتابه لا يتورع شواب، عراب النظام المزمع، عن التبشير بـ «عقد اجتماعي جديد» معتبرا أن «النظم القديمة أظهرت عدم استدامتها». كما يتحدث عن العالم وكأنه ملكية خاصة بحديثه عن «مشروع شامل يجب أن تنخرط فيه كل الشعوب، لإعادة ضبط «حضارتنا» وتأسيس مجتمعات جديدة ضمن «مستقبل واحد للبشرية»، مطالبا بأن تترك قيادة العالم الجديد لـ»النخبة العارفين» لأن «العامة لا يملكون المعارف الكافية»!. وقد وجد هذا المشروع منتقدين كثرا، لما رأوا فيه من ديكتاتورية فاضحة وتعال مخيف في الطرح، وقالوا إن ما يخفيه برنامج «إعادة الضبط»، هو محاولة لتجاوز دور الدولة الوطنية التي كانت أساس النظام العالمي الحالي، ووضع السلطة في يد الشركات وأصحاب المصالح الاحتكارية، وهو ما ذكره شواب بصياغة مختلفة. الفرنسي إريك فيرهاش، نظر بعين الريبة إلى التحول التكنولوجي الرقمي، أو ما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة، كونه سيؤدي لاستبدال الآلات بالبشر، وإيجاد مجتمع خاضع للرقابة الشمولية. أما أشد المنتقدين لهذا التوجه فكان أليكس جونز، المعروف بانتقاده اللاذع للسياسة الأمريكية، إذ نبه إلى أن ما يسمى الذكاء الاصطناعي سيستخدم في تعقب واضطهاد الإنسان، المربوط كليا بالشبكة، وتحليل أفكاره ومعاقبته على الفور، بوقف مستحقاته البنكية مثلا، إزاء أي تفكير يخالف أهواء النخب الحاكمة، تماما كما تنبأ جورج أورويل في رائعته «1984»، الشهيرة بفكرة «الأخ الأكبر»، ما سيجعل البشر، برأيه، يعيشون في سجن جماعي، تحت شعار «سعادة بلا ملكية»، حيث يتضمن المشروع إلغاء الملكيات الفردية وجعل الملكية مقصورة على النخب. ولم يترك الرئيس الأمريكي جو بايدن مجالا لتقليل مخاوف المنتقدين عندما وصف نموذج الحكم الصيني بأنه مُلهِم. هنا يتدخل شون روزنبرغ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، معلقا على هذا المنحى بقوله: «الديمقراطية تلتهم نفسها، ولن تدوم»، فعندما يكتمل نظام «الجريت ريسيت» سيفقد الإنسان العادي قيمته بالكلية ويصبح الروبوت أهم منه وتنحصر القيادة في النخب وتغلق دائرتها عليهم عن طريق تحكمهم في نخبة التعليم، وتحكمهم باختيار من ينضم اليهم وهو ما وصفته دورية «هارفارد ريفيو»، في عدد حديث، بأنه خطر حقيقي على تفريخ القيادات في العالم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن «أنبياء العولمة» الذين تحدثنا عنهم سابقا، مهدوا لهذه التطورات بهذا تتأكد فكرة موت النظرية السياسية التي أشرت إليها سابقا، إذ لم تعد هناك أي نظرية تفسر النظام الحالي. وهي لم تطرح إلا كعنصر في سياسة التلاعب بالمسميات، وتم خلطها بفلسفات فارغة، منها «اليوتوبيا الأفلاطونية»، و»اليوتوبيا الشيوعية»، ضمن عملية تغييب الدين. ولعلها ولدت ميتة، لأنها جاءت أصلا من سفاح تلك الأفكار وليس من الفكر المرجعي والوحي الإلهي. أخيرا هذه صورة شبه كاملة لعالم اليوم، تستدعي مراجعة كثير من النظريات والعلوم وإعادة النظر حتى في ما يسمى «قداسة العلم»، فأين موقعنا نحن من ذلك وماذا نحن فاعلون.. وهذا حديث آخر له صلة بإذن الله.
1215
| 05 يوليو 2023
استعرضنا سابقا كيف عملت الرأسمالية على تغييب الدين في السياسة والمجتمع منذ تدشين النظام العالمي القائم حاليا وحتى إشعار آخر والذي سميته " نظام ويستفاليا". كما تناولنا كيف تم ذلك بالتلاعب بالمسميات والشعارات مثل الليبرالية والديمقراطية وغيرها. هذا النظام وهو يتجه إلى تغيير جلده والخروج علينا بمظهر جديد، يبدو الآن في عملية سير عكسي على مساره منذ 1648، بنقض أشياء مثل "الدولة"، مع التمسك بهدم الدين. كيف؟الناظر بعمق في مسيرة الحركة الفكرية في أوروبا يرى أن عملية تغييب الدين بدأت مبكرا لكنها تسارعت مع الترتيب لعقد سلام ويستفاليا، ومع خمود شعلة الإسلام في الأندلس قبل انطفائها تماما في 1942. كان ذلك بظهور انشقاقات دينية في أوروبا قادها مارتن لوثر بداية من عام 1517، ثم تلميذه جون كالفن، استهدفت زعزعة هيبة الكنيسة وهدم سطوتها. لذلك كان من بين أهم نتائج "سلام ويستفاليا"، الاعتراف بالمذهبين البروتستانتي والكالفيني إلى جانب الكاثوليكية، ما أدى إلى تقليص دور البابا وتراجع مكانة الكنيسة. فقد أرسى لوثر وكالفن القاعدة للتمرد على الدين وعلى الكنيسة وبعدها بدأ تهافت ما تم تسميتهم بالفلاسفة واحدا بعد آخر، بنظريات متتالية عن الإله والإنسان والعقل والخير والشر، وهكذا، زاعمين أن البشرية لم تجد إجابات لهذه المسائل، في تجاهل تام للوحي الإلهي، وكأنهم يعيدون اختراع العجلة. والذي لم ينتبه له كثيرون أن معظم هؤلاء، إن لم يكن جميعهم، كانوا في الحقيقة يسعون لصياغة دين جديد للبشرية، بداية من كانط وتلميذه هيجل ثم تلميذه ماركس. حتى يخيل للمرء أن إنتاج النظريات الفلسفية والسياسية والاقتصادية، بات مثل طبع العملة بلا رصيد حقيقي. ويلخص ذلك الأكاديمي المصري غيضان السيد في كتابه "فلسفة الدين" بقوله إن تلك الحركة "الفكرية" خلصت إلى أن الإنسان يمكنه الاستغناء عن الدين. كما رأي باحثون منهم فراس السواح أن فلاسفة ما بعد عصر التنوير نظروا للدين على أنه مرحله وانتهت. وأخيرا رأى مجموعة من الباحثين الأمريكيين منهم، بيتر بوغوسيان وهيلين بلوكروز، وجيمس ليندسي أن من يسمون بفلاسفة القرن العشرين عملوا فعليا، خطوة خطوة، على صياغة دين جديد للبشرية بالمزج بين الشيوعية والرأسمالية، ما يعد سيرا عكسيا للرأسمالية على طريق "سلام ويستفاليا" باستيعابها للفكرة الشيوعية التي حاربتها لعقود. في ضوء ذلك ينتفي العجب، في زمن العولمة، أن يطلق على بعض علماء السياسة الحاليين وصف "أنبياء العولمة" وأن نجد منهم من يبشر صراحة بنظم حياة مخالفة لكل مبادئ الأديان التقليدية والأعراف الإنسانية. من هؤلاء عالم سياسة يدعى أنتوني جدينز، هو المنظر الرئيسي لحكم توني بلير، ومؤسس ما سمي بالطريق الثالث، إذ خرج بأفكار شيطانية تدعو لإقرار شكل جديد للعلاقات بين البشر وأن الأسرة يمكن تكوينها برجلين أو امرأتين وليس بالضرورة برجل وامرأة. ومنذ ظهور كتابه "عالم منفلت" عام 2000، انفجرت فكرة الشذوذ وخاصة في العالم الغربي. كما ينتفي العجب أن يصر "أنبياء العولمة" على عدم الاعتراف بأي دور حقيقي للإسلام في مسيرة الحضارة الإنسانية. لكن يبقى العجب من أن أغلبية كبيرة ممن تناولوا الفلسفة من المفكرين المسلمين أعطوها حجما من التقدير لا تستحقه فساهموا في غياب الوعي العربي بأهمية ما لديه من فكر مرجعي ووحي إلهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ذلك رغم أن عالما فذا في تاريخنا هو أبو حامد الغزالي فصل في هذا الموضوع من قديم وأعلن تهافت وتفاهة الفلسفة والفلاسفة. هذه المسيرة أدت بالفكر الغربي للعمل على تغيير خلق الله بمحاولة التحكم في عقول البشر ببرامج مثل "إم كيه الترا"، واختراع كائن وسيط بين الإنسان والروبوت يسمونه "سايبورج" عن طريق ربط مخ الإنسان بالكمبيوتر، ببرنامج "نيورالينك"، بل واستبدال أجزاء صناعية مثل الأطراف بأجزاء حقيقية من جسده. وتسير معها بالتوازي تكنولوجيا "انترنت الأشياء" التي تسعى إلى "تشييئ" الإنسان والتحكم في البشر ومراقبتهم من خلال الإنترنت بجعل كل أمور الإنسان مرتبطة بالشبكة، لخلق عالم يتخطى حدود الدول ولا يعود للإنسان فيه وضعيته القديمة التي يترتب له عليها حقوق دينية واجتماعية. وللحديث صلة.
1095
| 28 يونيو 2023
الجدل المستعر في أمريكا الشمالية وأوروبا وكثير من الدول، حاليا، بشأن محاولات البعض فرض أفكار غريبة على المجتمعات، منها حرية الشذوذ مثلا، يعبر عن أخطر قضية تواجه البشرية في هذا العصر، وسأعود إليها بالتحليل باستفاضة لاحقا، لكن إكمالا للحديث عن أن النظام العالمي الحالي الذي أنتجه "سلام ويستفاليا" استهدف إلغاء الدين من حياة الشعوب، متلاعبا بالأفكار والمسميات ومنها الديمقراطية، أقول إن ذاك الجدل هو تجسيد واضح لهذه الفكرة. وصلنا سابقا إلى نتيجة شهد بها كثيرون بأن الديمقراطية غير قابلة للتطبيق، معللين ذلك بمسائل إجرائية وتنظيمية عرضنا لها فيما سبق. لكن البحث المتأني يكشف أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم صلاحية الفكرة من الأساس. ذلك أنها تأتي من فكر وضعي بشري لا يحقق المصلحة الحقيقية، مهما بلغت حدته ودقته، مقارنة بالفكر المرجعي أو الوحي الإلهي. ذلك أن الذين وضعوا فكرة الديمقراطية بنوها على أساس هدم الفكر المرجعي بهدمهم للدين كله وتشويهه. فكان هدم الدين، رسميا بفصله عن الدولة، وابتداع أنظمة للحياة والحكم تخلو من الفكر الديني. أما تشويهه فكان بالانتقاص من مقدساته ورموزه، ما أدى إلى حالة من انفصام الشخصية والخواء الفكري والروحي. هذا الفصام عانى منه الأوروبيون خاصة ومعهم سكان العالم الجديد، مع تعدد الأفكار وتناقضها من وقت لآخر. كما عاني منه المسلمون نسبيا في فترات لاحقة، وبدرجات متزايدة، كلما زحفت ثقافة تلك القوى الاستعمارية على البقاع الإسلامية مع فرضها أنظمة علمانية موالية لها. وفي مقارنة الفكر المرجعي مع الفكر الوضعي نجد أن سيكولوجيا العلوم السياسية تخبرنا أن العامل الشخصي يحدث فارقا كبيرا في تصور وتنفيذ الأفكار والسياسات. ففي إطار الفكر المرجعي المستمد من الوحي ستجد أن الأسس المطلوبة للحكم متوفرة بوضوح ولا يبقى إلا تنفيذها. فمهما اختلف المنفذ لن يكون الفارق إلا في لمسات شخصية لا تغير من جوهر المنتج. تماما مثل مهندس تخطيط يصمم مشروعا على الورق، فلو نفذه أكثر من مهندس سيخرج المشروع بنفس الصورة التي رسمها، ولن يتغير الشكل العام كثيرا. أما في حالة الفكر الوضعي فإن التصميم من أوله سيختلف بالكلية من مفكر الى آخر. وعند التنفيذ ستحدث اختلافات كثيرة أيضا تضيع معها التصورات وتطيش معها الأفكار. بالنتيجة يصبح الناس تائهين كما نرى بأعيننا في الغرب، الذي وصلت مكوناته إلى مرحلة تشبه الجنون في تعاطيها مع المسلمات، لدرجة أنه بات من الصعب عليهم، مثلا، تعريف ما هو الرجل أو المرأة. جنون يبيح الكفر بالإله ويحرم الكفر بالشذوذ. إذن فمسألة هدم الدين لم تقف عند حدود وقف العمل به في مستوى النخب بل إن مشروعهم الاستعماري تطلب أيضا أن ينتهي الدين في المجتمع. وبما أن الدين هو النظام الذي تتبعه المجتمعات لتسيير حياتها بحسب أحد تعريفاته المعجمية فقد لجأت تلك النخب إلى استحداث أنظمة حياة تستبدل بها الدين. فنتج عن ذلك كل الأفكار التي راجت وانتشرت منذ أواخر القرن السابع عشر أي بعيد تطبيق "سلام ويستفاليا". وكان منها الليبرالية والماركسية، والحداثة، وهكذا. فبات كل مجتمع يتخذ من فلسفته أو منهجه السياسي دينا لتسيير حياته، حتى صار الإلحاد دينا والشذوذ كذلك. وهذا أمر نبه إلى خطورته خبير العلوم السياسية الأمريكي جيمس ليندسي في كلمة بالغة الأهمية أمام البرلمان الأوروبي أخيرا، محذرا من حركة شرسة لتعميم الأفكار الماركسية بتطوراتها المختلفة، كدين جديد للبشرية. ويجدر الانتباه هنا أن فكرة إنهاء دور الدين في السياسة والمجتمع سارت يدا بيد مع فكرة التوسع الرأسمالي ونهب ثروات العالم فزيادة رأس المال تحتاج أسواقا متزايدة ومتجددة بلا توقف وهذا يحتاج بدوره إلى مجتمع "استهلاكي" لا يكترث بالدين، الذي يضبط التصرفات وفق معايير لا تقبلها الرأسمالية. وبتدقيق النظر سنجد أن نظام ويستفاليا وما تبعه حتى اليوم يبدو كمشروع واحد متصل المراحل، منذ البدء بإنهاء الدين في السياسة ثم المجتمع مرورا بتحويل البشر إلى مجرد آلات استهلاكية أي أشياء وصولا إلى انترنت الأشياء، ونحوه. وللحديث صلة.
1182
| 22 يونيو 2023
وصلنا، سابقا، في مقارنتنا بين "الانتخاب الطبيعي" والديمقراطية الغربية إلى أن "سلام ويستفاليا" (1648) كان اتفاقا على نهاية الدين، كحاكم لتصرفات النخب الأوروبية وإيذانا بانفلات تلك التصرفات إزاء العالم كله وإن بقي الدين يستغل كشعار زائف أمام الشعوب عند اللزوم. والأمثلة على ذلك كثيرة لعل أشهرها، حديثا، غزو أفغانستان والعراق، وما تسمى بالحرب على الإرهاب، التي لم يتورع جورج بوش الابن عن تشبيهها بالحروب الصليبية، قبل أن يتراجع تحت الضغوط. ونشير هنا إلى أن تاريخ الديمقراطية مليء بالتخبط، وأنها في شكلها الحالي، الذي يفترض أنه الشكل النموذجي، كانت نتاجا غير مباشر لـ "نظام ويستفاليا" العالمي. فبعده ظلت هناك، جزئيا، ما تسمى ديمقراطية النبلاء أو "ديمقراطية أثينا" التي روجت الأكاديميات الغربية أنها أم الديمقراطيات في التاريخ. وتلك بدورها ديمقراطية وهمية، أسهب كثيرون في شرح زيفها. ولم تظهر الديمقراطية بمعاييرها الحالية إلا بعد الثورة الفرنسية 1789. وقد تعددت منذ ذلك الحين المسميات التي تطلق على الممارسة السياسية التي ارتأت النخب الغربية إلصاق وصف الديمقراطية بها، بحيث تجرأ عدد من المتأخرين من علماء السياسة، والمتحدثين فيها، على إطلاق اسم "الديمقراطية غير الليبرالية" على أي دولة تنظم انتخابات تعددية بغض النظر عن تزويرها أو انتهاك الحقوق والحريات ومعيار الحياة الكريمة. وإذا كانت الحال هكذا فما قيمة الديمقراطية إذن؟! في الوقت نفسه ظل المتحدثون عن النظام السياسي في الإسلام، مثلا، يقعون في فخ الدوران في فلك المسميات الغربية ويحاولون المقارنة بين نظام الشورى والديمقراطية. وهم في ذلك يمايزون بين الشورى والديمقراطية، مع أن الإنصاف يقتضي التسليم باستيعاب النظام الشوري لأفضل ما في الديمقراطية النموذجية، والاعتراف بأنه ديمقراطية خاصة، يمكن تسميتها "ديمقراطية الشورى". وربما لم ينج من ذاك الفخ إلا قلة من المفكرين منهم عباس محمود العقاد، في كتابه "الديمقراطية في الإسلام". لكن أحدا لم يقل بأن الشورى هي ديمقراطية بحد ذاتها. ولم لا إذا كان الآخرون يلصقون الديمقراطية بكل ما يحلو لهم؟. وهناك إشكاليات جوهرية في أصل الفكرة الديمقراطية، تحدث عنها كثيرون، قديما وحديثا، لذلك أجمل بعضها فيما يلي: فمنها استخدام النخب للمال السياسي للتأثير على توجهات الناخبين من خلال حملات تشويه الخصوم، بينما يفتقر كثير من المستحقين للترشح إلى الدعم المالي. وهذا ينسف معيار التنافس الحر الشريف. ومنها أن أي عمل جماعي سياسي أو غير سياسي يجعل الحرية الفردية تالية أو تابعة لقرارات الأغلبية، والأغلبية هنا أغلبية وهمية، هي أغلبية النصف وواحد، التي وصفها توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة بأنها تمكن نصف الشعب تقريبا من استلاب رأي وحرية النصف الآخر. ومنها أن الديمقراطية أو غيرها لا يمكن أن تتحقق بدون مركزية، والمركز هنا هو مجرد مجموعة غير ممثلة للشعب بأي مقياس، فمعظم من يضعون القوانين والإرشادات للمجتمع هم أشخاص أو موظفون لم ينتخبهم الشعب. وحتى الذين انتخبهم جزء من الشعب "نظريا"، جاءوا بانتخابات لم تتحقق فيها المعايير الصحيحة للحياد وحرية الاختيار. ومنها أن الديمقراطية تقتضي منع الاحتكار سواء السياسي أو الاقتصادي لكنك تجد أن كل شيء تقريبا في النموذج الأمريكي مثلا محكوم بالاحتكار الفج على كل المستويات. وهكذا، فأنت كلما ذهبت تطبق أحد معايير أو متطلبات الديمقراطية وجدته يتناقض مع نفسه أو مع الفكرة الأم للديمقراطية ذاتها والتي قالت مجلة الايكونوميست في عددها الصادر في يوليو 2022 إنها "غير قابلة للتطبيق في المقام الأول"، وما ذاك إلا نتيجة مشكلة جوهرية في الفكر المرجعي وراءها. وللحديث صلة.
1884
| 14 يونيو 2023
من أكثر ما يميز ويعقد في الوقت نفسه دراسة العلوم السياسية، ما تعرف بمعضلة التعريفات. ذلك أنك تجد أنه عندما ينشب خلاف بشأن قضية ما، يكون أصل الخلاف حول تعريف المسألة موضوع البحث أو المشكلة، إذ يذهب كل فريق إلى تعريفها وتوصيفها كما يحلو له ويتفق مع مصالحه. لذلك نجد أن كثيرا من الأحبار أريقت في إطلاق مسميات سواء من جانب باحثين جادين أو من قبل مشوشين مغرضين في مجال انتاج الفكر عبر جامعات ومعاهد غربية سيطرت عليها المصالح الرأسمالية ووجهتها لخدمة أهدافها. بالنتيجة صارت هناك فوضى مسميات ضاعت معها حقائق كثيرة وشوهت مصطلحات ومدلولات أكثر عبر الزمن. من تلك المصطلحات التي تم تشويهها عن عمد في تلك المسيرة، مسيرة السيطرة الرأسمالية، مصطلح المستبد العادل، ذلك المصطلح الذي كان شهيرا في أدبيات السياسة العربية قبل أن يتوارى في العقود الأخيرة، نتيجة خفوت أو ربما انطماس الحديث عنه مثلما انطمست اشياء كثيرة في الفكر العربي نتيجة الهجمة الغربية العنيفة. هنا يتجلى الصدام الحضاري بين حضارة حقيقية هي حضارة العروبة والإسلام وحضارة أقل شأنا هي حضارة الغرب القائمة على الاستعمار وسرقة ثروات الشعوب وتشويه أفكارهم، بعد سرقة النافع منها. وبعيدا عما يسمى نظرية المؤامرة، فإن حضارة الغرب تلك شعرت بالدونية إزاء حضارتنا الأعلى منها شأنا فناصبتها العداء وكادت لها، وشوهت كل ما يتعلق بها دينيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، وفكريا. فدينيا وسياسيا لا يخفى على أي عربي مسلم حجم حرب التشويه، المادي والمعنوي، التي مورست ضد الدين الإسلامي وما تزال، وأما ثقافيا واجتماعيا، يعلم القاصي والداني أيضا كم التشويه الذي تعرضت له شخصية العربي خاصة والمسلم عامة في الافلام والمسلسلات، والثقافة الغربية عموما، وخاصة في العقود الأخيرة. وأما فكريا فهذه تعيدنا إلى لب الحديث عن المستبد العادل، فمصطلح الاستبداد في حد ذاته لا يحمل دلالة سلبية حقيقية بقدر ما يدل على الحزم والضبط والربط، حتى إن الأولين كانوا يقولون إن "العاجز من لا يستبد". وقد أشار مفكرون عظام كثيرون منهم الراحل محمد عابد الجابري إلى أن لفظة الاستبداد لم يكن لها ذلك المدلول السلبي الذي يحيط بها اليوم في المرجعية العربية القديمة. وهنا يميز الجابري بين الاستبداد والطغيان، فالاستبداد هو الحزم مع العدل أما في غياب العدل فيكون هو الطغيان. وعلى نفس المنوال كانت معظم الثقافات القديمة ومنها فلسفة أفلاطون في الحضارة اليونانية التي هي أم الثقافة الغربية المعاصرة، يجمع بينها مفهوم مشترك بأن الحكم الرشيد لا يتحقق إلا بقائد يجمع بين السلطة النافذة (الاستبداد) والحكمة، وهذا يمثله في التاريخ القديم نموذجا الملك النبي سليمان والاسكندر الأكبر. فمثال الحاكم العادل غير المستبد لا يكاد يكون له سابقة في التاريخ. فكل العادلين الذين تهاونوا قليلا كانت نهايتهم نتيجة عدم حزمهم (استبدادهم)، فهذا هو عثمان بن عفان، وهذا هو عمر بن عبد العزيز، والخليفة العباسي المهتدي بالله قتلهم تغاضيهم عما يدبر لهم خشية الوقوع في الظلم والاستبداد. ولم يحدث هذا في التاريخ القديم فقط فالسنوات القليلة الماضية شهدت نماذج مشابهة في منطقتنا العربية. ووسط الهجمة الغربية على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمستمرة رغم فوزه في انتخابات نزيهة، نضرب مثالا على المعايير الغربية المزدوجة في هذا الصدد بسؤال استنكاري: ألم يكن جورج بوش وتوني بلير من المستبدين بالمدلول الغربي عندما كذبا ولفقا تهما جزافية لأفغانستان والعراق لتبرير غزوهما. فهل حلال لهم الاستبداد مع الظلم حرام على أردوغان برغم العدل والنزاهة؟!.
765
| 07 يونيو 2023
لا شك أن من حقنا نحن الحالمين بانتصار الحق والخير على الظلم والشر أن نفرح بفوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولاية رئاسية جديدة، بعد معركة انتخابية حامية الوطيس لم يحمِها إلا شدة جرأة الواقفين وراء الباطل وتحريشهم للإيقاع بالرجل تحريشا وصل إلى حد إعلان العداء الصريح الذي كشف عورة حقدهم وأهدافهم الدفينة التي لا تريد السماح للديمقراطية بأن تعمل متناسين دندنتهم التي لا تنقطع ليل نهار عن ضرورة تطبيق الديمقراطية في كل أنحاء العالم. لكن بعد هذا الفرح، وبعد أن ظلت الأنفاس محبوسة خوفا من أن يلجأ هؤلاء إلى ألاعيبهم المعروفة والمجربة لإسقاط أردوغان، في أكثر من مناسبة كانت أفدحها محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2106، يحق علينا ويلزمنا أن نتساءل، هل انتهت المعركة حقا وزال الخطر؟ الإجابة هي أن هؤلاء المتشدقين بالدفاع عن الديمقراطية لهم جرائم سابقة أو سوابق إجرامية، إن شئت، في إسقاط الديمقراطيات الحقيقية على مدى عقود طويلة. وكأنهم متخصصون فعلا في إسقاط الديمقراطيات الناجحة والأمثلة في ذلك في أمريكا اللاتينية وآسيا، وأفريقيا أكثر من أن تسعها هذه المساحة. بالأمس قدم الخاسر كليشدار أوغلو ما يمكن اعتباره أول بيان في حرب الدولة العميقة في تركيا ومن وراءها على ديمقراطية تركيا الحقيقية الناجحة، ومضيها نحو سيناريو مماثل لما حدث عربيا بقوله: "إن تركيا ستواجه أياما صعبة في الفترة المقبلة"، مضيفا أنه وحزبه من سيقفون ضدها، مذكرا بمقولات من قبيل "الإرهاب المحتمل". وعلى الفور خرجت الصحف الغربية وفي مقدمتها الإيكونوميست مستأنفة تحريضها ضد أردوغان قائلة: "لقد ضاعت أفضل فرصة خلال عشر سنوات، لتصحيح مسار الديمقراطية في تركيا بفوز أردوغان". والغريب أنها تقول ذلك بينما لم يجرؤ أي فريق مراقبة دولي للانتخابات حتى على الزعم بأن الانتخابات كانت مزورة. فإذا كانت الانتخابات أجريت وفق المعايير الديمقراطية النزيهة فكيف لتلك المجلة التي تمثل وجهة نظر النخب العليا في المجتمع الغربي أن تتجرأ على هذا القول؟ البي بي سي التي ساهمت بدور واضح في التمهيد لانقلابات نشرت، بدورها، تقريرا لها من إسطنبول يصف الرئيس أردوغان بأنه رئيس مستبد والشعب التركي بأنه منقسم على نفسه، ولم تنس أن تشير إلى مسألة أن نصف الشعب تقريبا هم من انتخبوا أردوغان، واختتمت تقريرها بكلام لشبان أتراك يقولون إنهم سيواصلون النضال. بل إن التقرير أفرد مساحة ليست قليلة للشواذ للتعبير عن تشاؤمهم من فوز أردوغان. هذه عينة فقط من انعكاس فوز أردوغان على تلك القوى التي ما فتئت تصنع الانقلابات وتسقط الديمقراطيات، ومن بينها، للأسف، قوى إقليمية عربية. ودعونا لا ننسى أن محاولات التخلص من هوجو شافيز رئيس فنزويلا السابق استمرت سنوات طويلة حتى قتلوه كما قالت مصادر عدة بسلاح سري يسبب سرطان الأنسجة الرخوة العنيف. فهل حقا انتهت المعركة معهم وزال خطرهم الذي لا يهدد تركيا وحدها بل كل أنصار الحق والحقيقة في المنطقة؟
1002
| 31 مايو 2023
أحسب أن التجربة الإنسانية قد نضجت بما فيه الكفاية لتمييز السمين من الغث، والحقيقة من الزيف، والخير من الشر. أتحدث هنا عن الحياة الكريمة وأفضل النظم لتحقيقها. أشرت في مقال سابق إلى أن كثيرا من البشر يظنون أن ما تسمى الديمقراطية هي أفضل نظام يحقق الحياة الكريمة، وضربت مثالا، بالولايات المتحدة، على أنها ليست كذلك وأن نظاما مثل النظام القبلي العرفي أو ما أسميه الانتخاب الطبيعي في السياسة أثبت نجاحا حقيقيا في واقع الأمر، وضربت مثالا على ذلك بدولة قطر، وأشير هنا إلى أن هذا النموذج لا ينطبق على كل دول الخليج كما كان الحال من قبل، وسيأتي شرح ذلك لاحقا. ولكن في هذه السطور أواصل مع تفنيد ما تسمى الديمقراطية. ولفهم ذلك لابد من العودة قليلا للوراء لسبر غور الخلفيات التي شكلتها خلال العصور الحديثة، والتي ما زالت تحكم منهجها للآن. النظام الدولي الذي يسير وفقه العالم الآن يعود تأسيسه بدرجة كبيرة إلى اتفاقية تاريخية تسمى «سلام ويستفاليا» لعام 1648. تلك الاتفاقية، اعتبرت نهاية للحروب الدينية في أوروبا، ورغم أنها لم تنه تلك الحروب بالكلية فقد كان من أهم نتائجها تأسيس ما يسمى بالدولة الحديثة التي قسمت مناطق النفوذ بين القوى الأوروبية وقتها وحددتها بحدود ثابتة بحيث لا تتجاوز أي دولة تلك الحدود وعلى أن يكون لها «احتكار العنف» أو استخدام القوة داخل حدودها فقط، أما خارجها فيكون اعتداء على دولة أخرى. من هنا تم اعتبار القبيلة والعشيرة والطائقة كيانات غير ممثلة في ذلك النظام العالمي، بل وتم التعامل معه في الأدبيات السياسية بمنطق الاحتقار والتقزيم. الأخطر أن الاتفاقية كانت إيذانا بفتح الباب على مصراعيه أمام تلك القوى لنهب ثروات المجتمعات الأخرى التي لم يكن ينطبق عليها مصطلح الدولة وفق سلام ويستفاليا، أو هكذا اعتبرها المستعمرون الجدد. والذي يجب الانتباه إليه هنا أن اتفاقية ويستفاليا تلك جاءت لإنهاء صراع بين الأوروبيين تفجر بالدرجة الأهم بعيد سقوط دولة الإسلام في الأندلس أواخر القرن الخامس عشر (1492). ومع رغبة الأوروبيين في تقزيم دور الإسلام والمسلمين في الحضارة، تمت الإشارة إلى مجتمعاتهم بالأساس على أنها مجتمعات قبلية غير متحضرة، مع أن الدولة الإسلامية كانت لقرون طويلة هي عين الحضارة والرقي التي نهل منها الأوروبيون وبنوا نهضتهم من نبعها. وكان ذلك أيضا مقدمة لتبرير نهب كل المجتمعات الأقل تقدما ولو نسبيا علاوة على المجتمعات الجديدة، ومنها الأمريكتان اللتان تؤكد مصادر محايدة عدة أن الإسلام وصلها قبل كولومبوس وفترة ما سمي بالكشوف الجغرافية للعالم الجديد. هنا سيكتشف المتابع أن فكرة الديمقراطية في أساسها كانت من بين الوسائل المعنوية التي استخدمها ذلك الاستعمار، لترتيب العلاقات بين مكوناته وتنظيم التهامهم لبقية مناطق العالم. كما يجب الانتباه هنا إلى أن التضليل أو التشويه الفكري كان أداة أساسية من أدوات السيطرة على العالم، وذلك بالسيطرة على مراكز التعليم والبحث والتنظير، حيث أخذت الجامعات ومراكز البحث من وقتها وللآن مكان الكنيسة والمعبد، وباتت هي مصادر إنتاج الفكر ومعامل تفريخه، وفق ما يحب ويرضى أسياد ذلك النظام.، وذلك بعدما تم وضع الدين جانبا، فالراجح عندي أن «سلام ويستفاليا لم تنه الحروب الدينية بقدر ما أنهت الدين نفسه. وللحديث صلة...
771
| 22 مايو 2023
أجواء الانتخابات التركية والتدخلات الغربية السافرة فيها والتي تتنافى كل التنافي مع مبادئ الديمقراطية تطرح أسئلة مهمة بخصوص معاني الديمقراطية ومدى صلاحيتها للتطبيق. إذا كانت الحياة الكريمة هي الهدف الأسمى المفترض لأي نظام سياسي على وجه هذه الأرض فالمفترض أيضا أن تكون هذه هي القاعدة لتحديد أي تلك النظم أفضل. واذا كانت ما تسمى الديمقراطية بظن أغلبية البشر هي أفضل نظام سياسي، فمن الإنصاف إجراء مقارنة بينها وبين أنظمة أخرى أقل شهرة لكنها ربما تكون أكثر نفعا في تحقيق قاعدة الحياة الكريمة، منها ما أسميه الانتخاب الطبيعي، أو العرف، وهذا مصطلح متفق عليه في العلوم السياسية. الديمقراطية لها توصيفات ومعايير كثيرة يهمنا منها هنا اثنان فقط، الأول أنها تقوم على نظام انتخاب وضعي أساسه الاختيار بين مجموعات وقوى مختلفة حتى تقود إحدى تلك المجموعات ذلك المجتمع، والثاني أن يكون هناك تداول للسلطة بين تلك المجموعات، منعا لاحتكاها. في المقابل، هناك نظام الانتخاب الطبيعي التلقائي أو ما يسمى بالعرف الذي يقوم على التراضي على شخصية أو مجموعة واحدة لقيادة المجتمع، ويمكن النظر إلى هذا النظام على أنه بديل أفضل لسياسة البشر. وربما تتبين ملامح كل من هذين النظامين من خلال مقارنة سريعة بين نموذجين لهما. ولنبدأ باستعراض نموذج النظام الأول ويمثل زيفه وفشله الولايات المتحدة. فبتطبيق المعيارين الأساسيين اللذين تقدم ذكرهما وهما الحياة الكريمة والتداول، نجد أن أيا منهما لا يتحقق هنا. فبالنظر إلى المجتمع الأمريكي ستجد أن به اختلالات عجيبة يفترض ألا تكون موجودة في نظام ديمقراطي مثالي. من ذلك أن ما يقرب من 50 مليون أمريكي، يعيشون تحت خط الفقر وكثير منهم باتوا مشردين بلا مأوى. وهؤلاء وغيرهم لا يتمتعون برعاية صحية من أي نوع. كما أن ما يقدر بنحو 80 بالمئة من القوى العاملة يعيشون بالكاد على رواتب أقل من 30 ألف دولار سنويا،، وهي رواتب لا تصل إلى الحد الأدنى للحياة الكريمة بالمعايير الغربية. أما النقطة الأخرى وهي مسألة تداول السلطة فقد أبطلها احتكار حزبين اثنين فقط لها في الجزء الأكبر من عمر الدولة الامريكية. فهل إذا احتكرتها جماعتان صارت جيدة؟ بالطبع لا. في المقابل يدحض النموذج العرفي الذي تمثله دولة مثل قطر كل الانتقادات والاتهامات التي يكيلها أرباب النظام الديمقراطي للنظام القبلي العرفي. وبنظرة سريعة على مستوى المعيشة في قطر تجد أنه ووفقا للبنك الدولي فإن تصنيف دولة قطر يأتي ضمن الدول الأعلى دخلاً في العالم، برغم كافة المتغيرات والتحديات التي واجهتها خلال السنوات الماضية. والنتيجة أنك لا تجد مواطنا قطريا محروما من الرعاية الصحية، مثلا، أو ينام مشردا في العراء كما هي الحال في أمريكا، هذا من ناحية الحياة الكريمة. أما من ناحية تداول السلطة فإن الاستقرار الحقيقي في السلطة الذي تتمتع به قطر يعد بعدا إيجابيا إذا ما قورن بالاستقرار الوهمي في السياسة الأمريكية. فصحيح أنه نظام واحد مستقر لكنه نظام يرضى عنه الشعب رضا كاملا. ولعل أبرز مثال يؤكد تفوق نظام الانتخاب الطبيعي على ما يسمى بالديمقراطية هو وقوف الشعب القطري وراء قيادته ونظامه خلال ما عرف بسنوات الحصار الذي فرضته بعض الدول على قطر ودام قرابة 3 سنوات بينما في الولايات المتحدة عبر الشعب الأمريكي مرارا عن رفضه لنظامه من خلال استغلاله أي فرصة لكسر النظام والقانون مثل ما يحدث عندما تنقطع الكهرباء على نطاق واسع، فيبدأ الناس بسرقة المحال التجارية وتخريبها.
852
| 15 مايو 2023
مساحة إعلانية
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل...
1668
| 15 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة...
1563
| 20 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد...
891
| 16 أبريل 2026
تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع...
819
| 15 أبريل 2026
مرت على شواطئنا رياحٌ عاتية، تلاطمت فيها الأمواج...
774
| 14 أبريل 2026
يُعدّ الغاز الطبيعي أحد الركائز الأساسية لمنظومة الطاقة...
738
| 19 أبريل 2026
ليست المؤسسات الكبرى تلك التي تكتفي بما أنجزته،...
672
| 14 أبريل 2026
يجتمع الخط والزخرفة والنسج، في السدو الذي تُبدعه...
639
| 17 أبريل 2026
يشكل المال العام عصب التنمية وركيزة الاستدامة الاقتصادية...
618
| 14 أبريل 2026
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ...
573
| 20 أبريل 2026
من آفات هذا العصر الذي تفشت فيه الأمراض...
516
| 19 أبريل 2026
كثير من المؤسسات تعتقد أن ترقية الموظف إلى...
510
| 17 أبريل 2026
مساحة إعلانية