رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا رأيت الناس يخرجون من العروبة أفواجا، فلا عجب، الخروج أفواجا ذكره ذلك الفتى الذي خاطب الحجاج، مردفا: «إنهم كانوا يدخلون على عهد الرسول الكريم... ولكنهم يخرجون الآن بظلمك». الآن لا شك أن من الناس من يخرجون من دين الله ومن العروبة، معا، وإن كان الخارجون من العروبة أكثر. فها هي دول حملت صفتي العروبة والإسلام لقرون عدة، تقود شعوبها نحو خروج تدريجي ومنظم من العروبة والإسلام بلا حياء، بأفعال كثيرة، منها إلغاء كل ما يشجع على الطاعات وحتى صلاة الجمعة، وتوجتها بإعلانات صريحة وأخرى مبطنة عن تخليها عن أهل غزة ووقوفها مع العدو.
خذل العرب أهل غزة، ومقاومتها، وباستثناء قليل جدا خذل المسلمون، وقبلهم حكامُهم، هؤلاء المرابطين في أكناف بيت المقدس، وفي أماكن أخرى. استثناءات تطرح أسئلة صعبة ولكن جوهرية نحو تحديد من هو العربي ومن هو المسلم، في هذا الزمان، بل، نحو ضرورة معالجة أزمة هوية كانت تعتمل منذ عقود ولكنها ستستعر، عاجلا أم آجلا، بدرجة أكبر وستجتاح نفوس وعقول الشعوب التي كانت تسمى لقرون مضت شعوبا عربية إسلامية. ولا شك أنها ستضعنا أمام حقائق قاسية، وستأتي بتغييرات كبيرة، قد تتصل مباشرة، أو عبر مراحل يعلم الله عددها، بتأسيس دولة الخلافة التي بشر بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس. خاصة مع تحقق نبوءات أخرى، عن عودة الدين غريبا كما بدأ، يجسدها تزايد دخول «الأغراب» أفواجا في الدين شرقا وغربا.
من العربي إذن؟ هل العربي بمعناه المستقر في الأذهان هو من يتكلم اللغة العربية؟ هل يكفي تحدث اللغة للانتماء؟. هل تحدث اللغة مع إيقاع الضرر بأهلها يُبقي الفرد ضمن نفس الجماعة؟ سؤال آخر سيجعل الإجابة أوضح وأسهل. من المسلم؟ هل المسلم هو كل من ادعى الإسلام بلسانه؟. هل يكفيه أنه ولد مسلما، أو أنه يصرح شفاهة بالشهادتين؟ ألم يخبرنا قرآننا بأن ذلك لا يكفي؛ «.. ولم تؤمن قلوبهم». ألم يرد الحديث النبوي، على ضعف روايته، بأن «من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم»!. إذا كانت الإجابة عن السؤال الثاني بالنفي القطعي فإن الإجابة عن الأول هي بالمثل. نحن، إذن، بصدد أجيال من العرب والمسلمين بالاسم فقط وقلوبهم مع الأعداء، والذين سمى الدكتور عبدالوهاب المسيري بعضهم، كما أشرنا من قبل، صهاينة العرب.
ولولا بقية من جيوب صغيرة مثل غزة، ودولة هنا أو هناك، لكان من غير المبالغة القول إنه لم يعد هناك عرب ولا عروبة على هذه الأرض. ولولا بقية من مؤمنين، هنا وهناك أيضا، لما كان من الخطأ كذلك القول إنه لم يعد هناك إيمان على وجه هذه الأرض. ومع أن هذا يبقى مجرد رأي وليس فتوى، فيمكن أن ننعي عروبة وإسلام كثير من زعماء تلك الدول وكثير من علمائها.
فها هي عملية طوفان الأقصى قد وضعت الشعوب أمام خيانة وعمالة كثير من الحكام وأتباعهم، وجها لوجه وبلا أي مواربة، وأظهرت عجز تلك الشعوب عن إحداث أي تغيير بينما حكوماتهم تساهم في قتل إخوتهم في غزة. والشعوب في هذه الأزمة ممزقة بين إيمانها بواجب النصرة الذي تحمله في عنقها، باعتبار أنهم جسد واحد، وبين خنوع وعمالة أولئك الحكام الذين لم يعد واضحا، هل كانوا في الأصل من العرب والمسلمين أم من انتماءات أخرى.
ورغم الألم مما يحدث فيجب ألا نصاب بالجزع، فلم يكن صلاح الدين الأيوبي عربيا عندما حمل هم تحرير الأقصى. ولم يكن كثيرون قبله وبعده من القادة عرباً عندما حملوا همّ الدفاع عن مقدسات الإسلام والعروبة معا. ولم يكن أغلب العلماء الذين اشتهروا في دولة الإسلام في علوم الدنيا والدين عربا بالمولد. بل لم يكن سيبويه، إمام النحاة، عربيا في أصله، بل فارسيا، وقس على ذلك كثيرا لا يعد.
والعروبة لم تفد الإسلام قدر ما أفادها الإسلام الذي هو أعلى وأبقى. وقد أجمع فلاسفة ومفكرون منهم البروفيسور هاملتون جب على أن «الصبغة العربية التي صبغت الإسلام، لم تأت من التأثير الاجتماعي المباشر للوسط العربي، أو العرب الذين اعتنقوا الإسلام، بقدر ما أتى بها القرآن» وأن القرآن هو الذي أفاد اللغة العربية وحفظها وليس العكس. كما قال البروفيسور ألدو مييلي في كتابه «العلم عند العرب» إنه لم يجد عند تحليله لعلوم العرب من القرن 8 إلى القرن 13، عالما واحدا عربي المولد.
ولا شك أن الكثير من أبناء شعوب الدول التي تسمى عربية سيصابون بأمراض نفسية عدة أقلها الاسكتسوفرينيا، أو الفصام النفسي، إذا بقيت أوضاع بلادهم على ما هي عليه في حال طال أمد كارثة الإبادة الجماعية ضد أهل غزة أو حتى إذا انتهت نهاية ليس فيها انتصار واضح للمقاومة. فعندها ربما يغر أولئك «البين بين»، الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، شيطانهم ويفرحون بدعمهم للعدو، وتزداد الأمور تعقيدا. فالبعض يرجعون سيرتهم الأولى ليعودوا أعرابا كما كانوا وليس عربا، والفارق كبير. ولا غرابة في ذلك ونحن نتابع بألم منذ عقود من يشعرون بالدونية بسبب لغتهم العربية، ويحاولون تعليم أبنائهم لغات أخرى. ولا غرابة أيضا، ونحن نعلم من ديننا أنه لا تقوم الساعة حتى تعود الأصنام إلى جزيرة العرب، وهي قد بدأت بالفعل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4773
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4725
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1548
| 13 مايو 2026