رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نواف بن مبارك آل ثاني

رئيس مجلس الوساطة الدولية
 

X (Twitter): @NawafAlThani
Instagram: @NawafAlThani

مساحة إعلانية

مقالات

660

نواف بن مبارك آل ثاني

في زمن الأزمات ... من يكتب ولماذا؟

28 أبريل 2026 , 11:19م

ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم، بل هي سجل لما يختار مجتمع أن يقوله عن نفسه في لحظة محددة. وبينما تبدلت الوسائط وتسارعت المنصات، بقيت للكلمة المكتوبة حين تُنشر بتأنٍ قيمة لا تتغير، أن تكون أداة للفهم لا مجرد متابعة للحدث، وأن تترك أثرًا يتجاوز لحظة النشر إلى ما بعدها.

في هذا السياق، تأتي هذه البداية في الشرق مع دخولي العام التاسع عشر من الكتابة في الصحف والمجلات، لتعيدني بهدوء إلى البدايات الأولى لهذه الصحيفة حين كانت تحمل اسم الخليج اليوم. يوم صدر عددها الأول، وصفحاته ما تزال تحمل رائحة الحبر، وكان والدي، سعادة الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني حفظه الله، مؤسسها ورئيس تحريرها الأول. لم يكن ذلك المشهد احتفاءً بإصدار جديد بقدر ما كان تعبيرًا عن نية واضحة، أن يكون لهذا المنبر دور في تشكيل النقاش العام لا مجرد ملاحقته. لم يكن الرهان على السبق، بل على ما يستحق أن يُقرأ، وعلى ما يمكن أن يُستعاد لاحقًا لفهم ما جرى لا لمجرد استعادته.

اليوم تغير المشهد جذريًا، وبقيت المسؤولية. لم يعد الإعلام وسيطًا ينقل الخبر، بل أصبح جزءًا من تكوينه. وما يُنشر لا يصف الحدث فحسب، بل يسهم في تحديد كيف يُفهم، وما الذي يُستبعد من فهمه. وفي زمن الأزمات، تتضاعف هذه الوظيفة، لأن الكلمة تصل إلى قارئ يعيش حالة ضغط، يبحث عن تفسير بقدر ما يبحث عن معلومة.

هنا يظهر الفرق بين التأثير والإثارة. التأثير يقوم على سياق واضح وربط بين الوقائع ووعي بحدود المعرفة. أما الإثارة فتعتمد على السرعة وعلى تقديم أجزاء من الصورة بوصفها كلًا مكتملًا، وعلى اختزال التعقيد في عناوين حادة. وفي لحظات الأزمات تميل الكفة نحو الثانية، لا لأنها أدق، بل لأنها أسرع. لكنها سرعة تنتج فهمًا هشًا، يتغير مع كل تحديث، وتُبقي القارئ في حالة متابعة دون استقرار في الإدراك.

من هنا لا يعود دور الكاتب خيارًا مهنيًا محدودًا، بل مسؤولية تمتد إلى المجال العام. فالكلمة في هذه اللحظات إما أن تفتح مجالًا للفهم أو تضيق به. بين التهدئة والتحريض، وبين التوضيح والتشويش، يتحدد موقع الكاتب. ليس المطلوب حيادًا باردًا، بل انضباطًا واعيًا يزن الكلمة بقدر أثرها، ويدرك أن ما لا يُقال أحيانًا لا يقل أهمية عما يُنشر.

وقد طُرح هذا السؤال مؤخرًا في حديثي مع تلفزيون قطر حول مسؤولية الكاتب في زمن الأزمات. والإجابة الأقرب أن هذه المسؤولية لا تُقاس في أوقات الهدوء، بل حين يضيق الوقت ويعلو الصوت وتصبح الكلمة جزءًا من معركة الروايات. هناك يظهر الفرق بين من يكتب ليلحق بالحدث، ومن يكتب ليحافظ على معناه.

خطورة السرديات السريعة لا تكمن فقط في احتمال خطئها، بل في قدرتها على أن تسبق التحقق وتفرض إطارًا للفهم يصعب تعديله لاحقًا. وما يُكتب تحت ضغط اللحظة قد يتحول مع التكرار إلى مرجع مؤقت يُبنى عليه فهم لاحق حتى بعد أن تتغير الوقائع.

الرأي الأخير …

في النهاية تبقى الصحافة فعل اختيار، ماذا نقول وكيف نقوله ومتى. وهي قبل ذلك مسؤولية تجاه قارئ لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن طريقة لفهمها. ومن هذه الزاوية في الشرق أتطلع إلى أن تكون الكتابة إضافة لا تكرارًا، وأن يجد فيها القارئ ما يعينه على قراءة الأحداث بوعي أوسع وثقة أهدأ وقدرة أكبر على التمييز. ففي زمن تتزاحم فيه الأصوات لا يكفي أن نُسمع، بل أن نقول ما يستحق أن يُصغى إليه.

”الحقيقة لا تُقال … على عجل“

إلى اللقاء في رأي آخر ،،،

مساحة إعلانية