رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يجتمع على أي قوة عبر التاريخ المعروف، من الأعداء والمتربصين، ما اجتمع على غزة في محنتها المزمنة،،، المتفاقمة. بعد نحو 15 عاما من الحصار والخذلان والخيانة من القريب والبعيد، تأتي حرب الإبادة المستمرة منذ 3 أشهر. ورغم ذلك تبقى غزة صامدة. وهذا أمر لا تستطيع أن تفسره أي نظرية سياسة أو اجتماعية ولا أي فكر بشري.
فلا شيء يفسر صمود شعب لحصار قاس مرير كل تلك السنين، تعرض خلالها لكل أنواع التدمير والمعاناة والقهر، وبعدها يزأر أسوده ليفاجِئوا العالم كله، القريب الخائن قبل العدو الفاجر، ويشنوا حرب تحرير ليس لها نظير. ووسط صدمة المجرمين من الأعداء والأقرباء لم يكتف العدو بنفسه فاستعان بكل قوى الشر العالمية تقريبا. ولم يكتف الأقرباء الخونة بالدهشة فخذلوا إخوتهم، ثم حيروا العالم بمساعدتهم لعدوهم (عبّرَ عن ذلك مسؤولون يابانيون قالوا إنهم كانوا على الحياد، لكن مؤازرة دول «عربية» لإسرائيل جعلتهم يؤيدونها). وتلك ظلمات بعضها فوق بعض، تؤكد أن ما يسمى حضارة اليوم جاهلية أسوأ كثيرا من جاهلية الأمس. وقد ورد في ذلك أقوال ينسبها البعض للرسول الكريم ﷺ، وهي تصدُق في معناها وإن لم تصح نسبتها، ومنها «بُعثت بين جاهليتين، لآخرهما شر من أولاهما». كيف؟
عندما تآمر الكفار لقتل النبي الكريم ﷺ، انتظروا خروجه للصلاة. لم يقتحموا عليه لأن «آداب» تلك الجاهلية لم تكن تبيح هتك ستر الحريم في بيوتهن. وعندما أشار أحدهم باقتحام البيت، نهره أبو جهل رأس الكفر مستنكرا: «أتريد أن تقول العرب أنّا تسورنا الحيطان وهتكنا ستر بنات محمد»؟ وبعد أن بدأ الرسول ﷺ هجرته نحو المدينة، وقف أبو جهل موقفا مشابها عندما ذهب يسأل عن أبي بكر فلطم ابنته أسماء، ثم ظل يرجوها ألا تخبر أحداً عن فعلته، قائلا: «أكتميها عليّ، خبئيها عني، لا يقول الناس إني ضربت امرأة».
وعندما حاصر الكفار المسلمين في الشعب بادر لرفعه عنهم مشرك جاهلي هو زهير بن أمية قائلا «يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى،... والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة». وقصة أبي سفيان في ترفعه عن الكذب عندما سأله هرقل عن الرسول ﷺ معروفة. ومثلها قصة عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن من الرسول ﷺ ثم عاد يقول لقومه «إعصبوها برأسي وخلوا بين محمد ودعوته». وأيضا قصة الوليد ابن المغيرة الذي شهد بالحق لعظمة القرآن وقال قولته المشهورة، «إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه. وما هو بقول بشر». واليوم نجد أناسا من بني جلدتنا لا يفقهون في العربية كلمتين ولا يجيدون قراءة آيتين، ويشككون في الدين والقرآن الحكيم، ثم يبالغون في الغي والإغراض إلى درجة مساندة العدو.
وهنا نلحظ أن جاهلية العصر أشرُ كثيرا من الأولى لأن حصار الكفار للمسلمين في الشعب لم يدم سوى 3 سنوات بينما حصار المسلمين في غزة تجاوز الـ 15 عاما. كما أن الكفار اكتفوا بحصار المسلمين ولم يحاربوهم فيه، بينما كفار اليوم وأتباعهم لا يتوقفون عن محاربة غزة لوأد أي نمو تحققه. وفي الحصار لم يخنهم قومهم ولم يخذلوهم، والآن أغلب الإخوة يخونون غزة ويخذلونها، بينما تساندها دول أجنبية مثل كولومبيا وفنزويلا. نلحظ أيضا أن الجاهلية القديمة أوجدت «حلف الفضول» وتعهدت ألا يُظلم أحد في مكة، بينما نرى اليوم في المنطقة حلفَ ظلم وفجور سمته القوى التي أعلنته عام 2019، زورا وبهتانا، «حلف الفضول الجديد»، مع أنها تشارك في حرب وحصار وخيانة وظُلم غزة.
ولكي نستوعب الفارق بين الجاهليتين يجدر أن نلاحظ أنه في الجاهلية الأولى كان تأثير قوى الشر العالمية محدودا مقارنة بطغيانها الحالي. فالآن أحفاد عبد الله ابن سبأ من الصهاينة ومن والاهم هُم المتحكمين في كثير من مقدرات الشؤون الدولية بعدما علوا علوهم الكبير ولم يعودوا فقط محرضين بل أصبحوا الآمرين الناهين لأتباعهم في دول شتى. وهُم الذين اعتبرهم العبقري مالك بن نبي المحرك الحقيقي للغرب بقوله إنهم «عقل وروح الحضارة الأوروبية»، وأضيف هنا «الفاسدة». ويجدر أن نعرف أن «جاهليي العصر» لن يقف بهم الأمر عند مساندة العدو، بل إنهم سيعيدون عبادة الأصنام إلى جزيرة العرب، كما أشرنا من قبل، وفق حديث «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ». وَكَانَتْ ذُو الْخَلَصَةِ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ جنوب جزيرة العرب. كذلك حديث «لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى»، وهو ما نراه يتجسد بوقاحة هذه الأيام قريبا منّا.
نعود هنا لِتَفرُد نموذج غزة لنقول إنه لا يفسره إلا قول الرسول الكريم ﷺ عن «الفئة التي تبقى على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم»، ونقول إن غزة أجابت وحدها عن السؤال الصعب الذي حير المفكرين والعلماء منذ قرون، وهو «كيف يتخلص المسلمون من عجزهم وتخلفهم»؟ لقد أخذت غزة بالأسباب، فجمعت ما تيسر من الإيمان الصادق والعلم والتكنولوجيا والقوة والحكمة والسياسة، وتصدت وحدها لجاهلية العصر ومن يقودونها، رغم كونها أصغر مساحة إسلامية على وجه الأرض. نجحت غزة لأنها تخلصت نسبيا من قبضة النظام الدولي المبني على فكرة المركز والأطراف التي لا يُسمح لها بالتقدم طالما دارت في فلك المركز. قدمت غزة النموذج المُنْقذ في أكثر صوره اختزالا، والعاقل من يستثمر فيه ولو طال انتظار قطف الثمار. فلك الله ياغزة.
صراع المثقف.. بين المقاومة والاستمرار
عند الحديث عن المثقف، لا بد وأن يكون لديك إطار محدد ترسم من خلاله نسيج ذاك المثقف وأبعاده... اقرأ المزيد
195
| 05 مايو 2026
عشوائية البيوت المقسمة
كعادتي دائما ما أختار موضوع مقال يخص مجتمعنا وما باتت تنشط فيه ظواهر وآفات لطالما تحدث عنها كثيرون... اقرأ المزيد
162
| 04 مايو 2026
التربية أولاً.. لأن الإنسان أولاً
ليست التربية شأنًا أسريًا فحسب... بل هي قرار سيادي غير مُعلن، فالأسرة لا تُنشئ أبناءها فقط، بل تُشكّل... اقرأ المزيد
153
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3852
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1476
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1023
| 29 أبريل 2026