رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحم الله الشاعر العربي الراحل نزار قباني عندما قال (أصبحَ عندي الآن بندقية، أصبحتُ في قائمة الثوار... حتى.. ’قولوا لمن، يسأل عن، قضيتي، بارودتي صارت هي القضية‘). لقد لخص بهذه الجملة الأخيرة، فكرا وعقيدة وعملا، من أهم أسس الإسلام. ومهم هنا توضيح أن ليس كل شعر غواية وليس كل متبع لشاعر من الغاوين. فبعض الشعر إنشاد وإيقاظ وإحياء مبين. فكثيرون يفهمون آية «والشعراء يتبعهم الغاوون»، على طريقة «ولا تقربوا الصلاة..»، وينسون أن حسان بن ثابت كان شاعر الرسول الكريمﷺ. وبالطريقة نفسها يسيئون فهم معاني أخرى كثيرة.
قباني بكلماته تلك لخص معاني جوهرية حُرفت وكادت تحذف تماما من قاموس لغتنا العربية، تحت وابل التشويه الفكري الذي تعرضت له الأمة ومازالت، كما أشرت سابقا، من قبل قوى الرأسمالية العالمية. من أهم تلك المعاني، الجهاد وحسن الاستعداد. وأحسب أن طوفان الأقصى أعاد إحياء هذه المعاني التي كادت تندثر لأنه أثبت، ليس فقط أن عندنا فعلا بندقية، ولكن أنها فاعلة وقادرة على ردع العدو حتى في أبسط صورها عندما تُوجهُ نحوه.
قال قباني قولته تلك تخليدا للعمليات الفدائية الفلسطينية إثر حرب 1967. لكن عقب تلك الحقبة لم تكن البندقية موجهة، في معظم الأوقات، نحو عدونا بقدر ما كانت موجهة نحو رؤوسنا وصدورنا وقلوبنا نحن. كانت البندقية، للأسف، عندنا لكنها لم تكن لنا بل كانت علينا. كتب قباني قصيدته عام 1968 وكان مضى 20 عاما على إصابتنا بالكيان السرطاني فقال «عشرون عاما وأنا أبحث عن أرض وعن هوية»، لكن ال20 صارت 75، ضاعت فيها الأرض والهوية، أو كادت، وتلاشى الأمل تدريجيا حتى جاء طوفان الأقصى فأحياه.
وتحت ضربات «طوفان» التشويه الفكري الذي مورس ضدنا نحن المسلمين خرجت أصوات عميلة كثيرة، على مدى عقود، تشوش على الناس وتخلط بين معنى الجهاد الحقيقي والإرهاب بمعناه الذي صكه الغرب. ذلك الخلط الذي جعل الجهاد إرهابا وجعل إجرامهم وحروبهم العدوانية حضارة وديمقراطية، حتى بات أكثر الناس في حيرة من أمرهم، وانفصمت هويتهم، وتخلوا في قرارة أنفسهم عن الجهاد، الذي كان سبب عزتنا في عصور أمتنا المجيدة، بينما يتمسك عدونا الآن بنفس هذا الأمر الذي كان تركُهم له من أسباب غضب الله عليهم، زمن نبي الله موسى. فهم يقاتلوننا الآن كافة بينما نحن مصابون بالهزيمة النفسية؛ مفككون ومشتتون، ليس لنا قيادة واحدة، ولا عقل واحد، ولا قلب واحد.
وكما دخلوا هم في التيه قديما لرفضهم الدخول على عدوهم، دخلنا نحن في تيه المفاهيم المشوهة والتخاذل واللامبالاة، بتوقفنا حتى عن التفكير في الجهاد رغم أنه في بيئة مسلمة طبيعية سيكون الجهاد أمرا مسلما به تماما مثل الصلاة والصيام. ففي ظل ذلك التشويه وتغلغُل العدو من خلال ما يُسمى التطبيع، وإعادة صياغة الفكر الإسلامي بما يُرضيه ويَحميه، أصبحت البندقية في يد منظمات ودول تسمى عربية وإسلامية، لكنها فقدت إيمانها برسالتها فتحولت كل بنادقهم علينا نحن الشعوب، وتنكروا جميعا لمعانى الجهاد، الذي يقع من الإسلام موقع الدرع الواقي الذي لا تقوم للأمة قائمة بدونه، وتتقدم أهميته أو تتأخر بقدر تقدم الخطر أو تأخره منها.
والغريب أن يعرف أهمية الجهاد في ميزان الإسلام من هم ليسوا مسلمين أكثر من أكثريتنا نحن. فهذا هو المستشرق الفرنسي جاك ريسلر، في كتابه «الحضارة العربية»، برغم بعض أخطاء تأريخية فيه، يقدم لنا فقها أحسب أنه يتفوق على فقه كثير من علماء عصورنا السابقة والحالية، إذ هو يعُد الجهاد الركن السادس في الإسلام (ص42)، بتقرير واضح لا لبس فيه، بينما أغلب من أدلى بدلوه من الفقهاء المعتبرين في الأمر، إما حبذ جعله ركنا سادسا، وإما قدمه في مراتب الفرائض وليس الأركان، وإما جعله في مرتبة التطوع بدرجات متفاوتة. أما الفقهاء الذين أعلوا منزلة الجهاد منذ ابن تيمية إلى أبي الأعلى المودودي ومن بعده فقد تم تشويههم، أي تشويه، ونعتهم بالإرهاب.
على أن الأمر أهون كثيرا من أن يبقى محصورا بين المؤيدين للجهاد في صورته الهجومية (الطلب) وبين المؤيدين له في صورته الدفاعية (الدفع)، فهناك صورة ثالثة يمكن تسميتها «جهاد الردع». وأحسب أن هذا المعنى هو الأقرب إلى معنى الآية «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ترهبون به عدو الله وعدوكم». وهذا أيضا ينسجم مع ما تبناه علماء ومفكرون مسلمون منهم الشاعر الكبير محمد إقبال بقوله «الإسلام بلا قوة تحميه يصبح مجرد فلسفة»، وهو ذات المعنى الذي يتبناه الفكر الغربي بتعبيرٍ ترجمتهُ «الحق هو القوة والقوة هي الحق». و»جهاد الردع» لا يعني الهجوم أو العدوان على أحد ولكن يعني، الإعداد والاستعداد، ونصرة الحق ولو بالكلمة، وأن ينخرط كل من يستطيع في قائمة الثوار المرابطين وليس المهاجمين بالضرورة، حتى «نعيش كالرجال أو نموت كالرجال». لقد أثبت وقوف قطر الفاعل، سياسيا وإعلاميا، إلى جانب المقاومة في هذه الحرب المقدسة أن روح الأمة لم تمت وأن «جهاد الردع» ممكن التحقق. فمتى يصبح العرب والمسلمون جميعا في قائمة الثوار؟ ونقول في صوت واحد، «إلى فلسطين خذوني معكم».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9858
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3468
| 22 أكتوبر 2026