رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن تعبد الله على بصيرة، يعني أن تتكلف جهدك في التدبّر والتأمل، ألا تكون إمعة تقول أنا مع الناس، أن تجتهد وتسعى وتجد في الطلب من الله أن يعلمك ويفهمك وينير بصرك وبصيرتك ويلهمك رشدك ويؤتيك حكمةً من لدنه وفضلاً. أن تعبد الله على بصيرة قد يعني كذلك أن تتخذ مجازفة أن يتم تصنيفك خارجاً عن ملة الأغلبية.. وتكون مع القلة، وأن تكون خارج القطيع، لأن أكثر الناس لا يؤمنون، لا يشكرون، لا يعلمون ! إن رُزقت البصيرة، فقد أُهديت حكمةً ونوراً ورشداً، يُمكّنك أن ترى ما وراء غشاء (بصرك) من الظواهر، وما وراء الكلمات من المعاني، وما خلف الأشكال من الدلالات. أن تُدرك الأعماق والأبعاد التي لا يرى منها الأكثرية بـ (أبصارهم) المغشيّة إلا سطحها، أن تُلامس بواطن الأمور، وعوالم خفيت عن الأغلبية، أن تتسع فكراً، وتزيد سعتك وجداناً، وتتعاظم رحابة رحمتك شعوراً، أن تتفاقم حكمتك فتضع الأمور في نصابها، وأن تتزن لأنك تدرك أن للأمور أبعاداً كثيرة، وسياقات عديدة، وأن ما قد يصحّ في مقامٍ ما قد لا يصح في غيره، وأن للحياة ألوانها وتدرجاتها، وأنوارها وظلالها التي تُشكلّ في مجملها لوحة الحياة المبهجة، وأنها لا تقتصر على لونٍ واحد، أو شكلٍ ثابت. أن تُرزق البصيرة يعني أن تكون أكثر إدراكاً ووعياً لفهم نواياك، ودوافع سلوكك، وتستشعر دقائق ما تفعل، وتهذب مقاصدك، وترتقي بعقلك ووجدانك، وتبعد عن إصدار الأحكام على كل من حولك وما حولك، وأن تستغفر عن ذنبك واعياً ما أسرفت به على نفسك، وما ظلمت به ذاتك فكراً وشعوراً ومسلكاً، وأن تنشغل بروحك عن الخلق، وتهتم لشأن غيرك حباً وعطاءً ومنحاً، أن تُسلّم وتترك الأمر لصاحب الأمر، فلا تحزن على ماضٍ ولا تخاف وتقلق على مستقبل، مطمئن البال، مُسلّم الحال، قرير العين والفؤاد. هو أن ترى نفسك ببصيرة، وترى تميّزك ونفخة الله فيك تشع بين أجنابك، وروعة تدبيره في ثنايا أيامك. ببساطة.. هو أن تشكر، أن تعمل، أن تُقبل وتُدبر، وتكر وتفر في سبل الحياة بوعيك الحاضر.. على بصيرة. * لحظة إدراك: كلما ارتقى وعي الإنسان أدرك أبعاداً شتى من نفسه، وسعة مسارات الحياة ورحابة دروبها، وارتقت حكمته لتتجاوز ما ظهر له من القشور إلى التواضع وتسليم الأمر لصاحبه سبحانه العالم ببواطن الأمور. وزادت مسؤوليته، وعظمت فرص إحسانه، وتفاقم شكره، وانشغل بنفسه يهذبها ويرتقي بها، عن الانشغال بالناس ما قالوا وما فعلوا. فلا أجلّ من عبادةٍ على بصيرة تُنير الخفيّة، وتُزكي السريرة، وتُطهر الطوية.
819
| 02 أبريل 2024
من أكثر المقولات التي أجدها تصدق كثيراً على الواقع، هي أن الإنسان يُشبه ما يُحب، لأن الحب تماهٍ مع ذات المحبوب مهما كان، ومهما كان مكانه وزمانه! فقد يُحب المرء تفاصيل معينة يملأ بها يومه، كوردةٍ شذية، أو موسيقى ندية، أو ملبس معين يفيض به جمالاً وروعة، أو فكرة مجنونة إبداعية، أو حتى لطائف ومنمنمات يعبق بها أنساً ورواحاً، أو سمات شخصية يألفها وتألفه، أو حتى نماذج إنسانية حديثة وقديمة يراها في عينهذات شأن وقيمة استثنائية! كل جزء من ذلك دال على شطر من روحه تشابهت معه، وتماهت مع حقول أثيره، فأصبح لها أليفاً مُحباً، لصيقة بشخصه، ووثيقة الصلة بنفسه. فما أجدر أن يكون المرء حذراً في انتقاء ما يحب، لأنه لن يلبث أن يكون له شبيهاً! ولعل مما يطيب الخاطر، أن يعي الإنسان أن هذه القاعدة من الممكن عكسها، فيسلك في دروب التحبب إلى كل ما يرنو إليه من الجمال والنور والبهاء والإحسان، فيتحين الفرص للتمعن في كل ما من شأنه أن يرقى بروحه، ويُزكي به نفسه، ويرق به قلبه، وتخشع له جوارحه، ويستنير بأنواره فكره، فيصبح له لزيماً حتى يخلع عليه حليته البهية، ويُلقي عليه أنواره السنية من أشباهه من مقامات الرقي والرفعة. فلا يهم حينئذٍ بماذا بدأت، بمراقبة ما تحب فعلاً، أو بالتعرض لنسمات ما تطمح إلى التشبه به والتحبب إليه. فأنت في آخر المطاف ستشبه ما تتعلق به نفسك ولو لم تعلم، وستقتبس ما تكون به لصيقاً ولو لم تلحظ، فما أجدر أن تكون تلك (صناعة على عينك) تتعمد فيها الاقتراب مما تجد أنه من اللائق أن يُشبهك، أو العكس بالدنو مما هو من الموافق أن تتشبه أنت به. فالإنسان هو الصانع المُتقن للوحة حياته، وتفاصيل ما يريد الارتقاء إليه من الإحسان والنبل وحُسن التخلق. وما لم يجده سليقة في طبعه، يتصنعه تطبعاً متعمداً حتى يألفه ويمتزج به. ولعل هذا من الإكرام للنفس، والإنعام للذات بإعادة تشكيلها ونحت تفاصيلها، حتى تتروض لك، وتتهذب الطبع، وتستقيم المسلك فيما أردته لها من طيب الدروب، ورقي مراتب الإجادة والإحسان. *لحظة إدراك: لعل من أبهج المُتع أن يتأمل المرء في عطية الودود له، تلك النفس التي أمنّها بين يديك لتُحسن إليها، وتتكشف جنباتها، وتُعيد اكتشافها، وتُشذب أطرافها، وتُمسك بيدها للأجمل والأسمى، حتى تصبح معها صديقاً صدوقاً صنوا لا يفترق عنها، قد منحتك من الخير ما زرعته فيها، وحفظت لك الإكرام ما دمت مكرماً لها، مُحبباً لها في كل خير يمكنها أن تنتفع به، ومُبعداً لها عن كل شر قد يصيبها منه ضُر.
2184
| 26 مارس 2024
لعلّه من أعمق الإدراكات التي لا تزيد المرء إن وعاها وطبقها في حياته إلا راحة بال، وسكينة خاطر، وطمأنينة فؤاد ونموّ متتابع هو أن يتحرر من شعوره بالندم والتأنيب تجاه أمر ما. فلا الشعور بالندم تجاه ما اقترفت، ولا التبكيت المستمر على ما فوّت سيفيدك في الارتقاء والتطوّر، بل على العكس فلربما شكلّت لروحك أسوارا وسدودا تمنعها من التجربة والانطلاق، ولربما جعلتك تغادر اللحظات الآنسة البهيّة التي كان يجب عليك أن تعيشها الآن، فتُذهل عنها بالتأمل والاستغراق بما عكّر صفو نفسك في ماضٍ مر وانقضى، وباجترار لذكريات لن تعود، ولقرارات لن يتسنى لك العدول عنها. فلعلك باخعٌ نفسك، ومُضيّق على وجدانك الدنيا بما رحبت، قد ذويت زهرة فؤادك، وجفّت أوراقه، فلا يغدو سوى أطلال شواهد على ما تبذلبه الجهد لتتعس نفسك بنفسك، وتُقيمها في العذاب في دُنيا مآلها إلى الفناء، وتغيب عن زهرة أيامك، وأُنس لحظاتك، وما يحاوطك من السعة والسرور، وتنسى أن الإسراف في الحزن على الماضي أو الإفراط في الخوف من المستقبل ليس من شيم المؤمنين الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون! وليس المعنى من ذلك أن لا يندم المرء على ما قدّمت يداه من الذنب، أو ما أسرف به على نفسه من الخطيئة، ولكن المقصد هو أن لا يُسرف عيش شعور التنديد والعذل لنفسه، يجلدها آناء الليل وأطراف النهار، ويتمادى في لحي ذاته تقريعاً وتوبيخاً. فلا يمضى الوقت طويلاً حتى تضحى روحه خاوية على عروشها قد يبس وجدانه، وذهل عقله، وتراكمت عليه الهموم، فلا يرى في الوجود شيئاً جميلاً، وتبهت رؤيته فلا يعود يُبصر سوى النقائص والعيوب، ويُصرف وجدانه عن تذوق ما حوله من الخير والنعيم، وما هو مُحاط به من الآلاء والنعم، فضرب بينه وبين الرضا والتسليم بسورٍ له باب باطنه وظاهره العذاب. فيموت قبل الموت، ويتلاشى من الوجود قبل العدم، ويضحى هيئةً بلا روح، ليس له من معنى سوى صورة الجسد، وهذا - لعمري - لهو ظلم النفس، الظلم الأشد مضاضة من وقع الحسام المهند! لحظة إدراك: بهيجةٌ تلك اللحظة السماوّية التي يُدرك المرء من خلالها أن (الدُنيا) لها من اسمها نصيب، فمن عظَّمها وعظّم ما فيها فقد كتب على نفسه اضطراب النفس، وكدر الخاطر، وتأرجحت كفته بين الحزن والخوف، فلا تلبث أن تُطوى أيامه من بين يديه، وهو إلى الزوال لابّد صائر ! فلا أجلّ من أن يُدرك أن سكون القلب، وسلام الخاطر، وشراحة الصدر هو مما يُسعى إليه بالدربة على إنصاف النفس والتخفف من كل كدر، والتسليم بما كتب الله وقدّر، وهذا هو جوهر الإيمان الحقّ وثمرته.
690
| 19 مارس 2024
للخير أبوابٌ تُطرق، ومدارات تُسلك، وسعي حثيث يُطلب، فمن أراد الخيرية في حياته، لابد أن يسعى طلباً بتزكية النفس، وتنقية النوايا، تهذيب الجوارح، والاتزان بين المسك والترك، والإقبال والادبار، فما الارتقاء في مدارج النور إلا هبة ربانية التقت مع سعي وطلب، وما الهداية سوى استهداء والتماس لدروب النور من الهادي سبحانه. ولعل رمضان الشهر العزيز الكريم هو أحد تلك الطرق، وواحد من تلك الأبواب، ولعله من تلك الجواهر التي لا تُسفر عن رونقها إلا لكل مُقدّر لجمال بهائها وسموّ قيمتها، يتبدى منه لكل امرئ حسب خبيئته، ويُشرق على كل نفس حسب ما وعت وأدركت منه، واتصلت به من الكنوز المخبأة فيه، فمن جد في الخير وجد، ومن سعى أن يتصل بالرحمة والمغفرة والإكرام فله ما اتصل به، ومن أصرّ على أن لا يبصر في الشهر إلا مظاهره، وتعامل جوارحه مع الجوع والعطش، فله بقدر ما أبصر ! وشتان بين بصر قاصر وبصيرة نافذة، وبين سمو روح لا يُحدّ وبين سجن جسد مأسور ! ولعل الأجمل في الأمر أن الاختيار سيظل دائماً بيد المرء، فمن أراد الخير تعمّد أن يتعرض لنسماته، فمع كل إقبالٍ للشهر الكريم نسمات حب تضوع، وبركات خيرٍ تنتشر، وأنوار سكينة تحل، وآفاق سعادة تُقبل. فهو كوة من النور المُشرق، وفرجة من الخير الوافد، تُزهر فيه النفوس، وتأنس الأرواح، وتتعانق القلوب، وتلتقي الوجوه الضاحكة المستبشرة بوابل الرحمات والمغفرة يفوح عبير الصلوات، وتحلق الدعوات عالياً في السموات تظلل الأرواح المتعبة، وتمنح الأمل للأنفس المقبلة، وتُسعد القلوب المتأملة بالله خيراً.. تتصافح الأفئدة، وتتزكى النفوس، ويُبادر أولو الفضل بالفضل، ويلحق من يريد بالقافلة، فإنها لن تعدم اشتمال من تخلّف من الركب وإن عز لحاقهم أو أبطأ، المتأملون بالصلاح والفلاح والمغفرة وحُسن المآل، الذين لن يُحبط عملهم لأن ظنهم بالله حاضرٌ دائماً.. لا يغيب ! لحظة إدراك: لعل من باهي الفرص أن يُفتح لك من الأبواب لترقية نفسك، وسموّ وجدانك، وتستقبلك السموات للعروج في مدارج الإحسان والقرب من الكريم، فلا أجدر بالمرء إلا أن يُدرب نفسه ويهذب جوارحه حتى تستطيع إدراك كل ذلك حقاً بالوعي والتجربة، لا باللسان والجارحة، فيصبح لسان الحال لا المقال متصلاً بالله، متنعماً في خيره، وقرب وصله، وشكر آلائه ونعمه، قد حيزت له الدنيا بحذافيرها وجاءته وهي راغمة.
1923
| 12 مارس 2024
كثيرٌ ما يتم تناول الصبر كقالب نمطي، يتضمن الجَلد وتحمّل الألم، وتجرّع الغصات، ويوصف بالمُرّ والعلقم. وما ذاك إلا لأن الصبر يتطلّب تهذيب النفس، وترويض الوجدان، وتهدئة العقل، والتعامل مع السيل الجارف من المقاومة الشعورية والفكرية، التي قد تجرّ المرء جراً للانحدار إلى مهاوي الانهيار والسخط. وجميلٌ أن نُدرك أن من أعظم المعينات على الصبر الحقيقي هو أن يحتمل المرء شعور الغموض المرافق معه، والتحوّلات التي تُشكل عليه وهي تتبدّى له في طريقه، وهي تُثير معها تساؤلاته: إلى متى؟ وكم أصبر ؟ ولم ؟ وما هي نهاية هذا الصبر ؟ حتى لو كان صبره ذاك صبرا على التغيير لا على المصاب، لأن للصبر أكثر من وجه، فليس الصبر دائماً على ما جرت به مقادير الزمن من الخطوب والبلايا، وليس الصبر باستمرار هو انتظار للفرج. بل الصبر أيضاً عما ترغب وما تحب، على تهذيب النفس وتعليمها للارتقاء بها، صبرٌ يعينك عن الخروج من دائرة راحتك لتتطور، وتتسع، صبرٌ جميل لتنال ما تحب، وتتقن ما تريد أن تتعلمه، كما قيل: (الصبر صبران، صبر عما تحب، وصبر على ما تكره) فمن الوعي أن يتحمّل المرء ذاك الغموض الذي ينبع من أن النهايات التي يطمح للوصول إليها ليست مضمونة النتائج، وليست واضحة ممُهدة في كل مرة. لذا، فاحتمال المرء وجلده على الصبر نفسه هو (صبرٌ) في حدّ ذاته، فمن الحكمة أن يؤمن المرء ويعلم يقيناً أن الأمور ليست بظواهرها، فما قد تعدّه خيراً محضاً قد يكون هو منبع الشرّ لك!، وما تعتبره شراً صرفاً قد يكون هو باب الخير المُشرّع لك أبوابه متنكراً!. لذلك.. فإنك ( لن تستطيع صبراً على ما لم تحط به خبراً) إلا إن سلّمت الأمر لصاحب الأمر، ووعيت أن لله تدابيرٌ يُدبرها بعيداً عما ألفته الأفهام، واعتادت عليه العقول. * لحظة إدراك: للصبر أخلاط خاصة، لا يستطيع عليها إلا من تعلق قلبه بالله، واستكانت نفسه للتسليم لتدابيره، ولم يعجز عن بذل السعي في المُتاح له من الأسباب والمُهيأ له من السُبل، ولم يتعجّل النتائج، واستسلم للحكمة الربانيّة دون أن يمنطقها ويبحث خلف أسبابها ومسبباتها، فهو جَلد وتربية متنامية للنفس، وسعي نحو التهذيب والارتقاء، لذلك أمسى (الاصطبار) سعياً حثيثاً لفك شدة القبضة للتحكم فيما لا سلطان للمرء عليه، وهو أمره كله بالمناسبة!.
1302
| 06 مارس 2024
من أعظم أسباب (الرضا)، ومن أبهى فنون (السعادة) القدرة على حُسن التعاطي مع (المُتاح) و(المُمكن).. ودُربة النفس على إبصار النعم، ما ظهر منها وما بطن، والتعوّد على شكرها قولاً بالحمد، وفعلاً باستخدامها والانتفاع منها وبها. والتذّكر الدائم لما بين يديك من النعم، وعدم مد عينيك إلى ما في أيدي الآخرين من الآلاء التي قصرت عن بلوغها. فالرضا هو مران النفس على التبصّر بالموجود، وكفها عن الحزن على المفقود، وهو ممارسة للشكر، بتعمّد النظر إلى ما في يديك، والعمل ضمن حدود ما هو متاح لك ومُيسّر. فالاستمتاع بالمُتاح شكرٌ يستوجب الزيادة. والتعامل مع المُمكن يبُعد النفس عن شتات العقل والتفكير.. ويُجنّب المرء الشعور بالنقص أو الضآلة أمام تحدّيات الحياة، أو الدخول في فخ المقارنات مع الغير، الذي لا يجلب سوى السخط والتبرّم. ويزيد في منحى آخر الانتفاع بالحد الأقصى مما مُنح لك من حدود وإمكانيات، ويعمّق الاستكشاف لما أُنعمت به من القدرات، لتُدرك بعين الرضا واقعك الحقيقي دون مقاومة ورفض. وليس المقصد من ذلك غياب الطموح، أو اضمحلال الرغبة في التوّسع والنمّو، أو انعدام التطلّع للأبهى والأجمل والأكثر، وإنما المعنى أن سلوك ذلك هو مرونة واتزان، ومتعة واستمتاع، ورضا وسعادة، وراحة بال، وتوّسع مُتدّرج، وتطلّع مقرون بالسعي والعمل بقلبٍ مطمئن، ومن الانطلاق الواقعي مما هو متاح ومُيسّر لك من الموارد والقدرات، بلا ضغوط ولا سخط، أو قلق وكدر، بل بالتنعّم بالرضا وعيش للحظة والمتاح فيها برحابة دون توقعات. هذه العقلية المرتاحة، الراضية الشاكرة، الساعية بهمّة واهتمام، لا بهمّ وانهمام، والمتفهمّة لطبيعة الحياة، ودوائر انتقالاتها وصيرورتها، تُدرك حتماً أن الارتقاء والاتساع لا يبدأ إلا من حيث أدركت نقطة وقوفك، التي هي ما أُتيح لك فيها من الإمكانات والقدرات والموارد، منها تزّود الركب، وتعدّ العُدّة للانطلاق والتمكين، بنفسٍ راضيةٍ مطمئنة، لا يكون لها اليُسر إلا سبيلاً، ولا تكون لها السعادة إلا حياة دائمة مهما كان حلوها أو مُرّها، ولا يكون لها التوكل إلا مسيراً ووقوداً مقيماً لا ينضب أبداً. ومن كان ذاك حاله فليس عليه من مشّقة المسير بأس، لأنه قادر على إعادة تشكيل نفسه كل مرة، راضياً متيقناً بالكريم، الذي لن يكون معه المآل إلا جبراً وتمكيناً، وسمواً وارتقاءً. لحظة إدراك: ما أجلّ أن يعقد المرء نيتّه على أن يتبصّر إلى ما هو متاح بين يديه من الموجود، ويُعمل الفكر في كيف يتصرّف فيما أُتيح له، وما هو مُمكّن فيه، ويُقلّب الطرف في أحواله، فيطيل الشكر لما لديه من النعم، ويتفكّر في كيف ينطلق باليسر والسهولة، بخطواتٍ دائمة وإن قلّت، وبتقدّم مستمر وإن أبطأ.
1785
| 27 فبراير 2024
من أغلى النعم التي آن للمرء أن يلتفت إليها حتى ينعم باحترام ذاته، وتقدير نفسه، ويحفظ عزه وشموخه، ويُبقي على كرامته أن يكون واضح المعالم، بيّن الحدود، يقيمها كيف شاء له أن يكون، ويفرض احترامها على كل من يتعامل معه، تماماً كوطنٍ أبيّ يخط حدوده، ويحمي حماه، ويُرسي قوانينه، ويفرض احترام أرضه على كل دانٍ وقاص، ممن يرغب أن يتنعّم على أرضه ولو بزيارة وارفة، ونزهة غنّاء. فلا أقسى من أن تكون مستباحاً، قد دُكّت حصون خصوصيتك، وانقضت جدران شخصيتك، مُتاحاً للجميع في أي مكان، وفي كل وقت ! قد أهملت أن ترسم حدودك، وتُعمّر أسوار حفظ أسرارك وحماية مكنوناتك من كل مقتحم، لا تفتح أبوابها لكل طارق ! فلا تلبث أن تكون مُقاماً لكل مُنتهك، وسبيلاً لتهكّم كل تافه، ومساراً لكل فضولي، ومتاحاً لكل سارق وقت وجهد، لا تستطيع ردّه، لأنك تظن أن ذلك من الطّيبة، ومن شيم التلّطف والإكرام ! ويضلّ ظنك بأنك تُحسن صنعاً، بإعلاء المُستبيحين لك عزةً على نفسك، وتُعلي من شأنهم على حساب إهمال خط حدودك ! وما كل ذلك سوى سذاجة أعيت من يداويها، فهي لا تمّت للطيّب من القول والحسن من الخُلق بصلة ! فالطيبة ترقّق من غير إذلال، وتلطّف من غير استحقار، وطلاقة وجه، وسماحة خُلق، مع عزةٍ وكرامة، وإباءٍ وسؤدد، وترسيم واضح للحدود، وصيانة لأسوار الروح من الغزو والاجتياح، وتسامح عند تمكّن، وعفو عند مقدرة، وتواضع عند رفعة. فلا سبيل لعيشٍ كريم، ولا شرف ولا عزة إن كنت مُنتهك الحدود، مُستباحا لا يُرقب فيك إلّاً ولا ذمة، قد قصرت نفسك عن بناء حصونها، وخط حدودها، في كل جوانب معاشها، قد استبيحت مواردك، تحت عناوين الطيبة والشهامة، أو الحشمة والتهذيب، فيما لا يصح فيه المقال، حيث تختلط المفاهيم في ظل غفوات لاهية، تدنيك من التذلل، لنيل الثناء والاستحسان. *لحظة إدراك: من أشرف الشرف أن يحفظ المرء لذاته مقامها، ويعزها عن كل ما لا يرقى إليها، مما يجده من سبل المعزة والاحترام والإكرام، فما الرقي إلا نُبل يسمو بالنفوس، فتكون له محارمه تلك التي يبني حولها الأسوار، ويبينها لكل من يتعامل معه باللطف والاحترام، ويفرضها على كل عابث ومن تسوّل له نفسه التعدّي على حدوده ولو بقوة القول والفعل، حتى يمكّن فيُمّكن.
1356
| 20 فبراير 2024
لن تَزّل عين المراقب الثاقبة عن الاستمتاع بالدروس المختلفة للحياة التي يمكن أن يجنيها في مختلف مسارات الحياة، ذلك لأن الحياة تعلمنا بلسان الحال، لا لسان المقال، وتبث رسائلها الوافرة في كل حين لمن لديه قلب يعي وعين تبصر، وهي مدرسة ممتدة تشرق لك بقدر ما تتحمّله أنت بعين وعيك، ونور بصيرتك، وتكشف أعماقها لمن هو قادر على سبر أغوارها، وتهدي أجمل الدّر الكامن فيها لمن ابتعد عن التصنيف والتعميم وإطلاق الأحكام. ولربما من أجلّ الدروس التي أهدتنا إياها كأس آسيا، هي تلك المتعلقة بثقافة النجاح الراقية، التي يستلهم منها الحصيف، ويستهدي بها طلّاب المعالي. تلك الثقافة الرفيعة، ذات القيم السامية التي تُثمّن الجهد المتصل، وتقبل التدرّج المتنامي، وتعي أن الفوز هو نتيجة لا غاية، وأن الظفر هو ما يتحصّل عليه المثابر بعد أن يرتقي رُبى التحديات ويخوض غمار سهولها. تلك الثقافة التي نستلهم منها أن التركيز على بناء القوى الذاتية، واستمرار التحسين، والاستفادة من الأخطاء، دون الالتفات إلى المقارنات المجحفة هي من أهم المفاتيح للتفوّق. بل على العكس، فالناجح يفرح بوجود الناجحين أمثاله من حوله، لأنهم دليلٌ بيّنٌ على أنه في محيطٍ شبيه لدواخله، وأنهم نظراء يعكسون له ما يسره في روحه وقلبه من الطموح، وما يُظهره في أفعاله من التميّز والبراعة. ولأن الارتقاء يتطلب الاحتكاك بأصحاب الخبرات من السابقين أو النظراء في النجاحات، فهذا مما يُفاقم روح التحدّي والإصرار التي هي وقود النجاح. وما أجمل النجاح حينما يكون مربوطاً بغاية أسمى، وتشريف أعلى، عندما يكون منسوباً للكريم سبحانه، ومُشرفاً للأسرة والوطن. وما أثمن أن يعي المرء أن هذا المقام لا تصحّ فيه الغيرة، ولا يستقيم معه الحسد والبغضاء، لأنهم آفات النجاح، تحديداً ذلك النوع (الأصيل) من النجاح الذي لا يزدهر إلا بالحّب والمُبارّكة، ولا يتسّع إلا بالسماحة والنُبل، ولا يسمو إلا بالبذل والعطاء والمشاركة. ولعله من أبهج الدروس التي تلقيناها أن البهجة والاحتفال جزء أصيل من ثقافة النجاح، ووقود محرك لزيادته، وأن مظاهر الفرح والاعتزاز والتثمين، وتسجيل تلك اللحظات التاريخية هي بمثابة السجل الذي يغذي الطموحات والآتي الجديد، ومما يُعظّم روح الانتصار والتفوّق. فهنيئاً لنا ذاك النجاح العنابي المكلل بالفوز، والذي لم يكف عن إرسال رسائله لكل طامح، وعن إهداء فرحته لكل منتشٍ. لحظة إدراك: جميلٌ أن نُدرك أنه كل من وصل إلى تلك المقامات من المنافسة البطولية هو (ناجح ) وإن لم يفز، وهو (رابح) وإن لم يغلب، لذلك فنيله التكريم والاحتفاء حقٌ أصيل، ومكسب مستحق، وتاريخ يُدوّن في سجلات الظافرين.
1086
| 13 فبراير 2024
من الجليل أن تحلّ على المرء لحظة تنوير، يُدرك من خلالها أن كل التحديات التي تواجهه أو يعبر من خلالها هي فرص فذّة للاستثمار في نفسه، وأن كل الاختبارات التي يخوضها هي منحة يعي من خلالها أنه رأس المال، والبطاقة الرابحة، وأن كل خيباته هي تجارب مدفوعة الثمن من وقته وجهده وماله، تمنحه التزكية والترقية إن أراد، وأن كل آلامه وأحزانه، وقلقه وخوفه، وتزلزل الأرض من تحته، هي نقاط تحوّل نفيسة لا تُقدّر بغالي الأثمان. وأن كل العثرات والتأخيرات، هي مُصممة لتزيد من صلابته وحنكته، وتفيض عليه بالحكمة والنضج وتزوده بالتريّث والتأني، وتنمّي ذائقته لكل ألوان الشعور، وتُثمّن في قلبه تلك اللحظات العزيزة من النصر أو الوصول والتحقيق، وتضفي على حياته ألواناً شتّى ربما لم يدرك حتى وجودها، ويتذوق معها طعوما غنيّة ذات مذاقات متعددة تُثري تجربته. وهذا هو أصل تجربة الحياة لمن يُدرك، فهي خوض في عباب الأيام بكل حالاتها، بهدوء موجاتها، وبعواصف رياحها، وببوارق رعودها، وبالغوص المثير في جنبات لُجتها، وبفرحة الوصول للدُر الكامن في أحشائها. هي رحلة لا يُدرك كنهها إلا كل من تُحلّق روحه بحب المغامرة، وفضول الاستكشاف، وتقوّى قلبه بمتعة الاستجلاء. وما أحرى بالمرء أن يعي أن من تيقظ لكل ذلك فقد أعاد الاتزان، وحلّت عليه البركات، وتغيّرت في عينه ألوان الحياة، واختلفت عنده مذاقاتها، فيغدو متعاطياً مع تحديات الحياة بسعةٍ أكبر، وباستفادةٍ أعظم، تُخرجه غالباً منتصراً، قد اشتدّ عوده، وتباهى جنانه، وتألقت مهجته، وسما وارتقى، وفاز وجنى وهو يُدرك أنه عاش حياته عاباً من رحيق الأيام تجارب غنيّة، وخبرات ثرّية، ويعلم أنه قد دفع الثمن مقدماً، بتعمّده نية الاستثمار الرابح في نفسه، وفي تجارته مع الله الذي لا يخسر معه أحد. لحظة إدراك: ما أجّل أن يُدرك المرء أن ديدن الحياة وطبيعتها يتطلب الاستثمار في نفسه، فهو رأس المال الأشمّ الذي يُراهن عليه، جسداً وروحاً، فكراً وشعوراً، وأنه من الأولى له أن يعي ما قيل من قبل: (السفينة آمنة على الشاطئ، ولكنها لم تُصنع من أجل ذلك))، فهذا مما يُعظم استثماره في نفسه، والاستمتاع بحصاد أيامه.
738
| 06 فبراير 2024
ما أبهى أن يتيقن المرء أنه جزء لا يتجزأ من هذه الحياة، وأنه على الرغم من كونه تفصيلا مكملا لا غنى عنه لإتمام سحر لوحتها، وروعة تفاصيلها، وفتنة منمنماتها، إلا أن لكلٍ منا فرادته التي لن تتكرر ! فلحياة كلٍ منا عزفها الذي لا يشبه أي عزف، وكل تفاصيلنا البسيطة هي نوتة من نوتات معزوفة الحياة الكبرى ! ومن الحكمة والجمال وتمام الأنس والمسرّة أن نعتني بذاك الفن حتى لا يندثر، أو يتغشّى بأشباه الموجود فلا يعود لكل منا فرادته، ولا يغدو اللحن إلا ممجوجاً مكرراً ! ويُحال المرء أن يصبح إمعّة لا لون له ولا نكهة، قد تماثل مع الآخرين إلى الدرجة التي توّقف فيها إدراكه عن نفسه، وإعمال عقله فيما يريد ويحب، لا يرى إلا ما يراه الآخرون، فهو على آثارهم من المهتدين! مجرّد إدراكنا لذلك التمايز الحقيقي بيننا وبين الجموع، يُنبهنا إلى أن كل التفاصيل هي (فن) خاص بنا .. فطريقة مشيتنا فن، وانتقائنا للكلمات فن، و تلوّن نبرة أصواتنا ولغة جسدنا فن، واختياراتنا في ملبسنا ومأكلنا، بل ومشاعرنا وطريقة إحساسنا وشعورنا، ماذا يثير شعورنا؟ وإلى أي مدىً، كيف نحب وماذا نحب، وكيف نبغض ومن نبغض، ماذا نفضل ؟ وإلى أي حدّ .. بل المسالك التي نفكر بها ونحلل بها الأمور، بماذا نقتنع وكيف ؟ وماذا يليق بنا من الأفكار والمعتقدات، وما يمثلنا من الأقوال والأفعال ! وحتى الأسلوب الذي نتصل به بالله و بأرواحنا ونتفاعل بها مع الموجودات حولنا .. ما يثير انتباهنا، وما يعزفنا عنه، ما يُبهج أرواحنا ونتصل معه بكُليتنا، وما يُنفرنا و ننقطع عنه. ذائقتنا في كل فكرةٍ وشعورٍ ومسلك، وتفاعلنا الخاص مع كل الموجودات الذي يحمل هويّتنا المتفردة! كل ذلك فن باهر .. بصمة فنية لا تتكرر .. فن الروح والجسد والشعور والفكر .. تخلق لك سيمفونية حيّة في ذاتها، ونوتة متفرّدة في معزوفة الحياة ككل ! لحظة إدراك: حق الاختيار والذي هو مدار التكليف لا يتحقق إلا إن أجدنا ممارسته مع أنفسنا أولاً، وأدركنا ما يُناسبنا ويليق بأخلاطنا الجسدية والروحية، و تركيبتنا العقلية والنفسية، وامتلكنا الشجاعة لعزف لحننا الخاص، و صدحنا بنوتتنا المُبهجة، والتي ليست بالضرورة أن تكون لحناً شاذاً، بل نغم شجي يُطرب، يمتلك من الأصالة والفرادة ما يمكنّه من الاندماج مع بقية الألحان دون تماهٍ أو انصهار يشوّه عذوبته.
3648
| 30 يناير 2024
قد يكون من أسهل الطرق التي يتعامل بها الأنام مع بعضهم البعض هو إصدار الأحكام السريعة، ليسهل على العقل التعامل مع الآخرين وفق تصنيف محدد يوفر عليه الوقت والجهد. تلك الأحكام غالباً ما تصدر من عمليات مشوّهة إدراكياً، وغير واعية في أغلبها، تستند في أكثر الأحوال إلى الانطباعات الأولية والمحكومة غالباً بالشكل الخارجي، والمشاعر الأوليّة التي قد تكون مرتبطة بتوقعات وأحكام مسبقة جاهزة وفورية. وربما تكون امتداداً لتعميم يمدّه العقل على نماذج تعامل معها سابقاً، من حيث الشكل ربما ونبرة الصوت ولغة الجسد، والتي تذكره بأناسٍ قبله سبق له التعاطي معهم، وكانت لديه في قصته معهم تجربة ما شعورية وفكرية. وليست تلك العمليّة بمذمومةٍ في حدّ ذاتها، فهي عملية عقلية تُيّسر على الإنسان تعامله مع الآخرين، وربما تحميه أحياناً عن طريق سرعة الاستجابة. ولكن المذمة أن تمتدّ تلك العملية الأولية لتشكل حكماً أعمى على الأشخاص الذين نتعامل معهم، يصعب تغييره، بل وربما يشق على المرء أن يلاحظ بعدها أية علامات أخرى قد تتبدى له مستقبلاً تحذّره أن من يتعامل معه ليس على قدر توقعاته، فلا تنتهي به سوى إلى خيبة أمل، وفشل متوقع، يُسقطهما فيما بعد على قلة الوفاء في الناس، وتلبسّهم لأقنعةٍ تداروا خلفها طويلاً، ويغفل عن حظه هو في تعهدّ التفطّن والإدراك لما تبدّى منهم من الأمارات الدّالة على ديدنهم. تلك المسيرة غير السارة كان قد يمكن اختصارها، بالتفهّم جيداً أن عقلنا أداة طيّعة همها مساعدتنا في تيسير التعاطي مع الناس، ولكن لا يُعوّل عليها بتاتاً، لأنها قد تنغّر بالمظاهر، وبما تبّدى من المسالك والهيئات، فيُسلب اللُب بما سطع من جمال الشكل، ورقة الحاشية، ويُظلل بما تجّلى له من الترّفق وحُسن المنطوق. وليس تلك دعوة للتشكك في الناس، بل هي مناشدة للتريث، وإمعان النظر، وتجاوز القشور والتدبّر الحكيم فيما يتكلمون به ويفعلونه ويعكس طرائق تفكرهم وتعاملاتهم مع الحياة والأنام، ذاك التدبر الذي سيوفر الكثير من تجارب الخذلان والإحباط، وربما التمكّن من أخذ الحيطة والحذر قبل أن تؤول الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه من الحسرة والندامة، ولات حين مندم !. لحظة إدراك: حتى تتعرّف على البواطن، لابد لك من اختراق الظواهر. فالكتاب لا يُدرك من عنوانه، والصديق لا يُعرف من الانطباع الأول، والحب لا يقع من أول نظرة! فالأمور ليست دائماً كما تبدو، بل تحتاج لها وقتاً وتجارب ومعرفة، لابد لك من الغوص أبعد من القشور، وأعمق من زيف المظاهر. وقد قالها سقراط من قبل حتى أضحت فلسفة يُعتّد بها: (تكلّم حتى أراك).
1230
| 23 يناير 2024
قد يمر المرء بلحظات انكسارات متتالية، أو ربما صراعات داخلية تجعله هشاً قابلاً للانهيار! إلا أن ما يحيط به من الظروف والأشخاص وربما الأحوال والأوقات لا تجعله مواتياً بما يكفي ليعلن انكساره، وينغمس في آلامه، بل وربما تطلبت منه الجلد والتماسك، حينها يصبح الانهيار رفاهة لديه لا حاجة!. لا يستطيع حتى أن يلوح بخور عزمه وهوانه، ولا أن يغرق في أمت ثباته وتزلزله! فقد يسلب تضامن بعض الظروف والأحوال والأوقات أو الأماكن والصروف والأشخاص قدرة المرء على ممارسة حقه في الانهيار، فيصبح ضنيناً، يعز الوقت والجهد والحال على البوح به. ويغدو الانهيار (رفاهية) صعبة المنال، فالتماسك حينها حاجة ذات أولوية. والمرابطة لازمة لشد الأزر ودفع ما لا يُطاق على الإنسان حمله في ذلك الظرف أو الموقف. لذا فمن الحكمة أن يعرف المرء كيف يتزن في ذلك الخضم المتلاطم من موج الفكر والشعور، وأن يتحرى له فرجة من ضياء، وكوة من نور تسطع على قلبه، يتصل فيها بربه يشكو إليه بثه وحزنه وضعف قوته وهوان أمره، يطلب منه شد الأزر وتدبير الأمر، ويفرغ جعبته مما ألم به من الألم. ويبوح إليه بمكنون صدره من الهوان والهرم، يطبب قلبه، ويربط على فؤاده الفارغ بمعيته مع من يدبر أمره. فلا خير في كتمان خدّاع، ولا في تماسك كاذب، يجعل المرء كالجسد الخاوي، الفارغ فؤاده، الذاهل عقله، فاقداً ثبات أقدامه، ويقين قلبه!. قد تماسك شكله للأسباب المغلوطة، فلا يلبث أن ينهار في الوقت الخطأ، لأن للتماسك الهزيل أوانا للانهيار لابد آتيا، فللصبر حدود، ولرباطة الجأش وقت لابد أن تنتهي فيه. لذا فلا أجمل ولا أجل من صبر جميل، يسند نفسه على قوة العظيم، ورحمة الرحيم، لا على الاصطبار الكاذب بالاعتماد على الكتمان والطمر، دون فسحات نورانية تعيده إلى رشده، ويثبت بها الأقدام في مخاض الأيام. لحظة إدراك: لا يستقوي المرء قوة حقيقية إلا بالاستمداد من قوة القوي المتين، ولا يربط على قلبه الجزِع إلا إعلانه لمدبر أمره ضعفه، وقلة حيلته أمام صروف الدهر، ونوائب الزمن، فلا حول ولا قوة إلا به، ولا شد للأزر وعونا إلا بمعيته.
2940
| 09 يناير 2024
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...
4716
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...
4437
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة...
2220
| 23 أغسطس 2026
بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...
1632
| 25 أغسطس 2026
رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...
1365
| 20 أغسطس 2026
اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...
1281
| 20 أغسطس 2026
الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...
1239
| 20 أغسطس 2026
هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن...
987
| 26 أغسطس 2026
في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما...
597
| 26 أغسطس 2026
أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي،...
504
| 23 أغسطس 2026
مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ الأسر في...
480
| 24 أغسطس 2026
يقول مصطفى السباعي رحمه الله: "وفي المآزق ينكشف...
435
| 22 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل