رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ضحايا الحرب الخفيّون.. الوساطة والقانون الدولي

تشهد الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل آثارًا مدمّرة لا تقتصر على تدمير المدن وسقوط الضحايا وتهجير السكان، بل تمتد لتشمل زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي والتأثير سلبًا على الحياة اليومية للناس. ومع استمرار هذا الصراع لأكثر من شهر دون بوادر واضحة لنهايته، لا تقتصر الخسائر على الجانب المادي والبشري فحسب، بل تطول أيضًا الحقيقة نفسها، حيث تنتشر المعلومات المضللة وسط أجواء الحرب. وإلى جانب ذلك، تبرز خسائر أخرى ذات أهمية بالغة على المستويين الإقليمي والدولي، تتمثل في تراجع دور الوساطة وتقويض مبادئ القانون الدولي. شنّ نتنياهو وترامب حربًا على إيران في سياق يتسم بتجاهل واضح للقواعد الناظمة للعلاقات الدولية، حيث تم اللجوء إلى القوة بدلًا من الاحتكام إلى الدبلوماسية. وقد أظهرت مجريات المرحلة الأولى عجز الأطراف المباشرة عن تحقيق أهدافها المعلنة، مع استمرار الاعتماد على التهديد والتصعيد بدل تقديم بدائل سياسية واقعية. وفي المقابل، لم يقتصر نطاق التصعيد على أطراف النزاع المباشرين، بل امتد ليشمل محيطًا إقليميًا أوسع، مما فاقم من حجم الأضرار الاقتصادية والأمنية. تُعدّ الوساطة، في إطار العلاقات الدولية الحديثة، من أنجع الأدوات وأكثرها تحضّرًا في معالجة النزاعات وتسوية الخلافات بطرق سلمية. وتسعى كلٌّ من تركيا وقطر، انطلاقًا من رغبتهما في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة، إلى الاضطلاع بدور الوسيط في تسوية الأزمات الإقليمية منذ زمن طويل. غير أنّ وجود الوسطاء وحده لا يكفي لحلّ المشكلات، بل تكتسب الوساطة أهميتها عندما تبدي الأطراف المتنازعة استعدادًا حقيقيًا للحلول الدبلوماسية. أمّا في حالاتٍ كهذه، حيث يسود منطق القوة وفرض الإرادة، فإنّ هامش تأثير الوسطاء يظلّ محدودًا للغاية. في هذه الحرب، لم تكتفِ إيران بتصعيدها، بل استهدفت حتى قطر وعُمان اللتين كانتا تقومان بدور الوساطة بين الأطراف قبل اندلاع الصراع. كما سبق لإسرائيل أن هاجمت قطر، التي كانت تؤدي دورًا وسيطًا في حرب غزة، متذرعةً باستهداف حركة حماس. وعلى الرغم من استمرار قطر وعُمان في دعم جهود الوساطة، فإنهما تراجعتا عن القيام بدور الوسيط في هذه الحرب الأخيرة. ويبدو أن الأطراف المتحاربة، وعلى رأسها إسرائيل، باتت تفضّل خيار العنف والتصعيد على حساب الحوار والحلول الدبلوماسية. إن تهميش الوساطة على هذا النحو يُعدّ خسارةً كبيرة. فغياب وسطاء موثوقين أو آليات فعّالة للوساطة يفتح الباب أمام تصاعد النزاعات بصورة غير منضبطة، ويُضعف فرص التوصل إلى حلول سريعة. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الوساطة الناجحة كانت قادرة على وقف الحروب قبل أن تتحول إلى كوارث، وأنقذت أرواحًا لا تُحصى، وأسهمت في تعافي المجتمعات. وعلى الرغم من كل ذلك، لا تزال هناك جهود وساطة تقودها باكستان، بدعمٍ من تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، في محاولة لإقناع الولايات المتحدة وإيران بالتوصل إلى اتفاق سلام. أما القانون الدولي، فيُفترض أن يشكّل الإطار الناظم للعلاقات بين الدول، من خلال ترسيخ مبادئ السيادة وحسن الجوار ووضع قواعد للسلوك حتى في زمن الحرب. غير أنّ التطورات الأخيرة كشفت عن تراجع ملموس في الالتزام بهذه القواعد، حيث أصبحت الانتهاكات تمرّ دون محاسبة فعّالة. ويؤدي ذلك إلى تقويض الثقة في النظام الدولي وفتح المجال أمام مزيد من الفوضى. أُنشئ نظام الأمم المتحدة، بقيادة الولايات المتحدة، بهدف حفظ السلم العالمي ومنع الحروب مستقبلًا. وفي الواقع، يحظر ميثاق الأمم المتحدة الحرب والاحتلال، ويدعو إلى التعاون بين الدول لضمان استمرار السلام، كما يوجب احترام سيادة الدول. غير أنّ هذا النظام، الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا بحق النقض (الفيتو)، يشهد مفارقة واضحة، إذ إن دولتين من مؤسسيه والمكلّفتين بدعم السلام، وهما الولايات المتحدة وروسيا، ما تزالان منخرطتين في الحروب. كما رأينا في حرب غزة، فإن إفلات منتهكي حقوق الإنسان من المساءلة أمام المحاكم يعرقل تحقيق العدالة. ويشكّل هذا سابقة خطيرة قد تدفع العالم نحو مزيد من الفوضى، وتفتح الباب أمام صراعات أكبر ودمار أشد في المستقبل. وعندما يتدهور الوضع الاقتصادي، ينعكس ذلك سلبًا على الاستقرار الداخلي للدول. إن التخلّي عن الوساطة والقانون الدولي لا يضرّ بطرفٍ بعينه، بل يجرّ العالم بأسره إلى دائرة من الاضطراب، ويجعل التعافي يتطلّب ما هو أكثر من مجرد وقفٍ لإطلاق النار. وفي ظلّ تعثّر الحرب وتصاعد التوتر، يصبح الاحتكام إلى القانون الدولي والإصغاء إلى الوسطاء الخيار الأخير المتاح أمام الأطراف المتحاربة.

291

| 06 أبريل 2026

الأبعاد الثقافية للحروب

تُعدّ الثقافة أو نمط الحياة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تُشكّل المجتمع. وتوجد علاقة معقّدة بين الثقافة وخاصةً الدين بوصفه جزءًا أساسيًا منها وبين الحروب. فبينما تسهم التصورات الثقافية في نشوء الحروب، فإن كيفية خوض هذه الحروب ونتائجها تترك بدورها آثارًا عميقة على الثقافة. ولتفهم الأبعاد الثقافية للحروب، من المفيد إدراك أن الصراعات قد تؤدي أحيانًا إلى تفكك المجتمعات، وأحيانًا أخرى إلى توحيدها، كما تترك بصمات عميقة تمتد عبر أجيال متعاقبة. من الواضح أن الدوافع الدينية لعبت دورًا بالغ الأهمية في اندلاع الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. يتضمن فهم نتنياهو الصهيوني للدين الاعتقاد بأن الشعب اليهودي سيسيطر على الشرق الأوسط. في المقابل، من المعروف أن إسرائيل والولايات المتحدة تؤمن بقرب نهاية العالم. وتعتقد الجماعات الإنجيلية المؤيدة لنتنياهو وترامب أن مجيء المسيح بات وشيكًا. هذه المعتقدات تجعل من الصعب حساب التكاليف والفوائد المادية للحرب. تستغل الأطراف المتحاربة عناصرها الثقافية بشكل إستراتيجي. وتُبرز مفاهيم الضحية والعدالة بشكل متكرر، محلياً ودولياً. ويستخدم كلا الجانبين المراجع الدينية لتعزيز دوافع القتال، مُسلطين الضوء على الإنجازات التاريخية والمظالم. وفي بعض المجتمعات غالباً ما يقترن الحزن والضحية بعناصر البطولة. من جهة أخرى، يصبح التسامح في الأوقات العادية صعباً في المجتمعات المتحاربة عندما يتعلق الأمر بتقبّل الآراء المختلفة. ويعود ذلك إلى انتشار الخطاب العدائي والقومي في جميع شرائح المجتمع، حيث يُمكن بسهولة اتهام الآراء المخالفة بالخيانة. يمكن للعادات التي تتشكل أثناء الحروب أن تترك تأثيرًا دائمًا على أنماط الحياة والسلوكيات. فعلى سبيل المثال، لم ترغب النساء الأوروبيات اللواتي دخلن سوق العمل خلال الحرب العالمية الثانية في العودة إلى منازلهن بعد انتهاء الحرب. كما أن الحرب الإيرانية العراقية قد زعزعت الثقة بين الشعوب العربية والفارسية. وبالمثل، ساهمت الحرب الأهلية السورية في تغذية النزعات الطائفية في كل من لبنان والعراق. من ناحية أخرى، يمكن للبطولات التي تُظهر أثناء الحروب أن تؤثر بشكل كبير في الثقافة السياسية لاحقًا، إذ إن الحركات الوطنية التي قاومت الاستعمار استخدمت هذه البطولات فيما بعد كمصدر للشرعية ورأسمال سياسي. كما أن بنيامين نتنياهو أسهم في تشكيل مجتمع إسرائيلي يتغذى على مناخات الحرب والصراع. وفي المقابل، قد تؤدي الحروب إلى تدمير العديد من الرموز والآثار الثقافية، مما يتسبب في فقدان الهوية الثقافية والتراث الحضاري. حتى بعد انتهاء الحروب، تستمر آثارها الثقافية العميقة. فقد تسعى الدول المنتصرة إلى فرض لغتها ودينها وثقافتها على المجتمعات المهزومة. ونظرًا لجاذبية القوة، فإن المجتمعات المغلوبة تميل، كما أشار ابن خلدون، إلى تقليد المجتمعات الغالبة. كما تترك المعاناة التي تُعاش خلال الحروب بصمات قوية في الذاكرة الثقافية لاحقًا، حيث تُنتَج الأناشيد الجنائزية (الأغاني الحزينة)، وتُقام النُّصُب التذكارية والطقوس، ويُحتفى بالأبطال القوميين. كذلك تُكتب العديد من القصائد والأعمال الموسيقية والقصص والروايات حول الحروب، وتُنتج أفلام تستلهم أحداثها. وفي اللغة التركية، على سبيل المثال، توجد العديد من الأغاني الشعبية التي تروي بطولات الحروب وآلامها. غالبًا ما تدفع الحروب المجتمعات إلى إعادة النظر في قيمها الأساسية وهوياتها الجماعية. وخلال فترات الحرب، تبرز مفاهيم مثل الوطنية والمسؤولية والتضحية، مما يؤدي إلى إحياء الهويات الجماعية على حساب النزعات الفردية. كما يمكن للحروب أن تسهم في ترسيخ الهويات الدينية. فعلى سبيل المثال، يُعرف أن حرب البوسنة أدت إلى موجة من التدين بين شعب البوسنة الذي كان قد تأثر بالعلمانية خلال الحقبة الشيوعية. وبالمثل، أظهرت تجربة المقاومة الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي—خلال الحرب السوفيتية في أفغانستان—تصاعدًا في مظاهر التشدد الديني داخل المجتمع الأفغاني. بعد الحروب، سواء من خلال فرض المنتصرين لثقافتهم، أو نتيجة الهجرات التي تؤدي إلى التقاء شعوب مختلفة، يمكن أن تتأثر ثقافة الطعام، واللباس والموسيقى بشكل واضح. فالمجتمعات المهاجرة تنقل معها ذكرياتها وتقاليدها إلى الأراضي الجديدة، فتحافظ على هويتها الثقافية وفي الوقت نفسه تُسهم في إثراء ثقافة المجتمع المضيف. ومع العولمة، تصل صور الحروب ومعاناة الشعوب كما يحدث في قطاع غزة إلى المجتمع العالمي، مما يعزز مشاعر التعاطف ويرفع مستوى الوعي في مجتمعات أخرى. ومثل هذا التفاعل بين الثقافات يمكن أن يبرز التكاليف الواسعة والآثار السلبية للحروب، ويسهم في تعزيز السلام والتفاهم المتبادل، بل ينبغي أن يفعل ذلك.

435

| 30 مارس 2026

الأبعاد الاجتماعية للحروب 2

في أوقات الأزمات والحروب، يعيد الأفراد النظر في هوياتهم الفردية والجماعية ويعملون على إعادة تشكيلها؛ فإذا كان البناء الاجتماعي متماسكًا، تعززت مشاعر الثقة والانتماء، مما يقوي الوحدة الوطنية وروح التضامن، أما في حال ضعف الهوية المشتركة، فإن الأفراد يميلون إلى التمسك بهويات فرعية كالهوية العرقية أو المذهبية أو القبلية. وعندما تكون الأطراف المتصارعة مختلفة في هذه الانتماءات، تتعمق التوترات والاستقطابات وقد تستمر آثارها لسنوات طويلة؛ فالحرب الأهلية في لبنان، على سبيل المثال، أسهمت في ترسيخ الانقسامات المذهبية التي لا تزال تؤثر في الحياة السياسية والعلاقات الاجتماعية حتى اليوم، كما أدّت الحرب الأهلية في سوريا إلى زيادة حدة التوتر بين العلويين والسنّة في تركيا. خلال الحروب، يُعدّ تدمير المدارس والمكتبات أمرًا شائعًا، مما يؤدي إلى انقطاع العملية التعليمية وانخفاض معدلات القراءة والكتابة، وضياع الفرص، وظهور ما يُعرف بـ»الجيل الضائع». ففي سوريا، حُرم ملايين الأطفال من التعليم، واضطر بعضهم إلى العمل، بل واستُخدم بعضهم كجنود أطفال. وفي لبنان والأردن، ورغم جهود الحكومات لتعليم الأطفال اللاجئين من خلال نظام الدوامين (الصباحي والمسائي)، فإن كثيرًا من الأطفال لم يتمكنوا من الحصول على تعليم كافٍ بسبب اضطرارهم إلى العمل. كما واجه الأطفال السوريون في بلدان اللجوء تحديات إضافية نتيجة اختلاف اللغة والثقافة. إضافة إلى ذلك، فإن تدمير التراث الثقافي أثناء الحروب قد يؤثر سلبًا في تشكيل الهوية مستقبلًا، كما يحدّ من الإمكانات السياحية في مرحلة ما بعد الحرب. تتحمّل دول الخليج وتركيا، رغم عدم مشاركتها المباشرة في القتال، كلفة اجتماعية كبيرة للحروب. فتركيا، على سبيل المثال، تتأثر بشكل ملحوظ بالحرب مع إيران؛ إذ إن سقوط عدد من الصواريخ قرب حدودها ألحق ضررًا بقطاع السياحة، وأدى إلى توترات سياسية داخلية وخارجية، خاصة مع إيران وإسرائيل. وكما هو الحال في دول أخرى، تتجلى كلفة الحرب في تركيا أيضًا في ارتفاع معدلات التضخم وغلاء المعيشة. ومع استمرار الحرب لفترة طويلة، تزداد المخاوف من موجات نزوح كبيرة قد تتدفق إلى تركيا من إيران (وربما من العراق ولبنان أيضًا). أما دول الخليج فتتحمّل كلفة اقتصادية أشد وطأة نتيجة الحروب؛ إذ إن الهجمات التي تستهدف منشآت النفط والغاز تُلحق أضرارًا مباشرة بمصدر الدخل الرئيس، وتخلّف خسائر قد يستغرق إصلاحها سنوات طويلة. كما تتضرر الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية مثل السياحة، وقد يهدد استمرار الصراع أمن المياه والغذاء في المنطقة. كذلك تؤثر أصوات الصواريخ وأخبار الهجمات سلبًا في الحالة النفسية لمجتمعات الخليج. ولا يقتصر التأثير على الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى قطاع التعليم أيضًا؛ حيث يؤدي انتشار التوتر والضغط النفسي إلى صعوبة تركيز الطلاب، كما أن الاعتماد على التعليم عن بُعد قد يضعف من جودة العملية التعليمية. في بعض الأحيان، تمتد آثار الحروب لتشمل حتى الدول غير المشاركة فيها بشكل مباشر. ففي الدول التي تستقبل أعدادًا كبيرة من المهاجرين، كما هو الحال في أوروبا، قد يؤدي تشكّل مجتمعات جديدة إلى تصاعد النزعات القومية. ومع ذلك، لا تقتصر نتائج الحروب على الجوانب السلبية؛ إذ قد تُفرز أيضًا بعض الآثار الإيجابية. فرغم شدة الظروف، تظهر خلال فترات الحرب أشكال قوية من التضامن الاجتماعي والعمل التطوعي، حيث تتعاون منظمات المجتمع المدني والمبادرات المحلية والمؤسسات الدولية لتقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية والتعليمية والدعم النفسي، في محاولة لسدّ الفجوات القائمة. كما تعكس شبكات التضامن المحلية في مناطق النزاع قدرة المجتمعات على التكاتف ودعم بعضها البعض حتى في أشد الظروف قسوة. وتسهم الأعمال التطوعية في إعادة بناء الثقة المجتمعية، والتخفيف من الأعباء النفسية، وتقديم الخدمات الاجتماعية، إلا أن محدودية الموارد والإرهاق الذي يلي الحروب قد يعوقان استمرارية هذه الجهود. حتى بعد انتهاء الحروب، تستمر آثارها في التأثير على الحياة الاجتماعية. فإعادة بناء المجتمع عملية معقّدة ومتعددة الأبعاد، ولا تقتصر على إعادة إعمار البنية التحتية فحسب، بل تشمل أيضًا إنعاش الاقتصاد، وإعادة بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع، وتعزيز المصالحة، وإحياء ثقافة التعايش المشترك. وكما نرى اليوم في سوريا، فإن برامج الدعم النفسي، والمساعدات الإنسانية، والحوار الوطني، وخطط إنعاش الاقتصاد، والعدالة الانتقالية، إضافة إلى عودة اللاجئين إلى وطنهم، تمثّل تحديات كبيرة ومتنوعة. ومن هنا، لم يعد من الممكن النظر إلى الحروب بوصفها حالات استثنائية، بل ينبغي التركيز على تطوير استراتيجيات فعّالة للتعامل معها والتخفيف من آثارها.

378

| 23 مارس 2026

الأبعاد الاجتماعية للحروب 1

على مرّ التاريخ، كانت الحروب ورغم قصر مدتها مقارنة بفترات السلم، تخلّف آثارًا عميقة وقاسية على المجتمعات؛ فهي كثيرًا ما تترك وراءها دمارًا واسعًا وخسائر جسيمة، وإن كانت تسهم أحيانًا في إحداث تحولات وتغيرات اجتماعية جديدة. وفي منطقتنا، الشرق الأوسط، تتكرر الحروب بوتيرة ملحوظة مقارنة بغيرها من المناطق. ومن بين أكثر هذه الحروب تدميرًا الحروب العربية–الإسرائيلية، والحرب العراقية–الإيرانية، وحرب الخليج الأولى، إضافة إلى الحرب الأهلية في سوريا. وتسعى هذه المقالة إلى استكشاف الأبعاد الاجتماعية المعقّدة للحروب، من خلال تحليل تأثيرها في العلاقات الاجتماعية، وبنية الأسرة، وروابط المجتمع، وتشكّل الهويات، ومنظومة القيم السائدة في المجتمع. من أكثر نتائج الحروب تدميرًا تفكّك النسيج الاجتماعي. فكثيرًا ما تؤدي الحروب إلى موجات نزوح وتهجير جماعي، حيث يضطر الناس إلى مغادرة بيوتهم، وكثير منهم لا يتمكن من العودة إليها مرة أخرى. ولا تقتصر آثار الحروب على تشتّت العائلات فحسب، بل تمتد أيضًا إلى تفكك المجتمعات التي كانت تقوم في السابق على شبكات من الثقة والتضامن. فعلى سبيل المثال، أدّت الحرب الأهلية في سوريا إلى نزوح أكثر من 15 مليون شخص، مما غيّر البنية الديموغرافية والاجتماعية تغييرًا جذريًا. وقد اضطر أكثر من نصف هؤلاء إلى اللجوء خارج البلاد، حيث واجهوا تحديات كبيرة وتجارب اجتماعية مختلفة في بلدان اللجوء. تحت ضغط الحروب، غالبًا ما تتفكك أو تضعف أنظمة الدعم التقليدية في المجتمع، مثل العائلات الممتدة، وشبكات القرابة، والبنى القبلية، والجماعات الدينية. وينتج عن ذلك شعور عميق بالوحدة والفقدان، الأمر الذي قد يجعل إعادة بناء التضامن الاجتماعي عملية صعبة تمتد آثارها عبر أجيال متعاقبة. ومن ناحية أخرى، كما نرى في اليمن وليبيا، قد يؤدي ضعف سلطة الدولة وتراجع خدماتها في ظروف الحرب إلى عودة الناس للاعتماد على الروابط القبلية طلبًا للحماية والدعم، مما يمنح القبائل دورًا ونفوذًا متجددين في المجتمع. كما أن الحروب تؤدي إلى تغيّرات عميقة في القيم الاجتماعية وأنماط السلوك داخل المجتمع. في أوقات السلم، تتعزز القيم الاجتماعية مثل التعاون والتعاطف والضيافة. غير أنّ أجواء الحرب تجعل البقاء أولوية قصوى، وهنا يظهر اختلاف بين المجتمعات المسلمة والمجتمعات الغربية. ففي كثير من المجتمعات الغربية تبرز مشاعر عدم الثقة والريبة، ويغلب السعي إلى حماية الذات والنزعة الفردية. أما في المجتمعات المسلمة فتبرز قيم التضامن وروح الجماعة والتضحية ومساعدة الآخرين. ومع ذلك، فإن الصعوبات الاقتصادية الحادة التي تنشأ أثناء الحروب وبعدها قد تؤدي إلى انتشار مشكلات مثل السرقة والعنف والاحتيال. وإذا استمرت هذه التغيرات السلوكية حتى بعد انتهاء الحرب، فإنها قد تعقّد عملية مداواة الجراح الاجتماعية وإعادة بناء المجتمع. تؤثر الحروب أيضًا تأثيرًا بالغًا في الأسرة بوصفها الوحدة الاجتماعية الأساسية في المجتمع. فالعنف والوفيات والسجن أو الهجرة القسرية قد تؤدي إلى فقدان بعض أفراد الأسرة أو تفككها. ويكون العبء النفسي والاجتماعي الناتج عن ذلك أشدّ وطأة على الأطفال والنساء على وجه الخصوص. فوجود أطفال يتامى يحتاجون إلى الرعاية والتربية، واضطرار النساء اللواتي فقدن أزواجهن إلى العمل لإعالة أسرهن، يخلق العديد من الظواهر الاجتماعية الجديدة. كما أن دخول النساء إلى سوق العمل يؤثر في الأدوار التقليدية بين الجنسين، إذ اضطرت كثير من النساء، في ظل غياب الرجال، إلى تحمّل مسؤولية إعالة الأسرة وقيادتها. وعلى سبيل المثال، تركت مشاركة النساء في ميادين العمل خلال الحرب العالمية الثانية أثرًا دائمًا، إذ لم تعد كثير منهن إلى الأدوار المنزلية التقليدية بعد انتهاء الحرب. تؤثر الحروب أيضًا تأثيرًا عميقًا في العلاقات بين الجماعات داخل المجتمع. فالثقة، التي تُعد أساسًا لكل أشكال العلاقات الاجتماعية، تتعرض للتآكل بسهولة في فترات الصراع. وكما ظهر في الحروب الأهلية في العراق وسوريا ورواندا، يمكن للانقسامات العرقية، أو الدينية، أو المذهبية، أو السياسية أن تُحدث شروخًا عميقة بين جماعات كانت تعيش سابقًا في حالة من التعايش والانسجام. وقد تحلّ مشاعر الشك والخوف والعداء محلّ علاقات الصداقة وحسن الجوار. ومع ذلك، قد تُفضي الظروف الصعبة التي تفرضها الحروب إلى نشوء أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي؛ إذ تزداد مبادرات الدعم للفئات الأكثر تضررًا، مثل العائلات النازحة أو الأطفال الأيتام داخل المجتمعات المضيفة. غير أنّ استمرار الأزمات لفترات طويلة قد يجعل الحفاظ على هذه الشبكات التضامنية أمرًا أكثر صعوبة.

378

| 16 مارس 2026

الأبعاد النفسية للحروب

للأسف، لا تُعد الحروب في منطقتنا أحداثًا استثنائية أو نادرة، فقد اندلعت الحرب في السودان بشكل مفاجئ، وأثّرت سلبًا في حياة ملايين الناس وما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. وبالمثل، فإن الهجوم المفاجئ الذي شنّته إسرائيل على إيران جرَّ قوى عالمية إلى أجواء الحرب، مما يحمل مخاطر تحوّلها إلى حرب إقليمية واسعة. وعلى الرغم من أن تركيا ودول الخليج ليست أطرافًا مباشرة في القتال، فإنها تشعر عن قرب بتداعيات الحرب في إيران. ومما يؤسف له أنه لا توجد أي ضمانة لعدم اندلاع حروب أخرى في المستقبل. تُحدث الحروب حالة واسعة من الخوف وعدم اليقين تؤثر في جميع الشعوب. كما أن التغطية الإعلامية المستمرة وأجواء انعدام الأمن لفترات طويلة قد تؤدي إلى زيادة مستويات التوتر المجتمعي. ورغم أن تركيا والدول العربية لم تدخل الحرب بشكل مباشر، فإنها تشعر بحالة التوتر وبآثارها النفسية. أما الشعوب التي تعد أطرافًا مباشرة في الحرب، مثل شعوب إيران وإسرائيل ولبنان، فهي تتأثر بشكل مباشر بالأضرار التي تُلحقها الصواريخ والطائرات المسيّرة بالأرواح والممتلكات. وخلال الحروب قد يعاني الذين فقدوا أقاربهم أو تضررت ممتلكاتهم، وكذلك من فقدوا أعمالهم أو أُجبروا على النزوح، من ضغوط نفسية شديدة. ولا تقتصر هذه التأثيرات على المشاركين في القتال، بل تمتد أيضًا إلى السكان الذين يعيشون في المناطق القريبة من ساحات الصراع. وقد خلّفت الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران حالة واضحة من القلق والتوتر في مجتمعاتنا. فحتى عندما تكون الهجمات موجهة نحو أهداف عسكرية، يظل احتمال إصابة المدنيين قائمًا، كما أن الأصوات القوية التي تحدثها الصواريخ أثناء اعتراضها في الجو تثير مشاعر الخوف والاضطراب لدى الناس. يُعدّ الأطفال من أكثر الفئات تضررًا من الحروب، إذ يجدون صعوبة في فهم ما يجري حولهم، مما يجعلهم أكثر عرضة للصدمات النفسية. وكثيرًا ما يطرحون أسئلة مؤلمة يصعب الإجابة عنها، مثل تساؤل الطفل السوري الذي دُمّر منزله: «بشار الأسد قتلنا ونهبنا، شو عملنا له؟». كما تؤدي الحروب إلى تعطّل تعليم الأطفال وترك آثار عميقة في نظرتهم إلى الحياة والإنسان. ولا تقتصر آثار الحرب على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى فئات أخرى في المجتمع؛ فمثلاً قد يعاني سائقو سيارات الأجرة من إحباط شديد عندما يقلّ خروج الناس من منازلهم بسبب الخوف، مما يؤدي إلى تراجع دخلهم. وفي حين تستطيع بعض المهن التحول إلى العمل عن بُعد، تبقى مهن أخرى مرتبطة بحركة الناس ولا يمكن ممارستها بهذه الطريقة، الأمر الذي يزيد من شعور أصحابها بالقلق وعدم الاستقرار. لا تقتصر الآثار النفسية للحروب على الأشخاص الذين شهدوا الصراع بشكل مباشر، بل قد تمتد لتطال الأجيال اللاحقة أيضًا. فأبناء ضحايا الحروب والأيتام وأفراد العائلات قد يرثون آثار الصدمة، سواء من خلال القصص المتداولة داخل الأسرة أو نتيجة صدمات نفسية لم تُعالَج بشكل صحيح. ويؤدي هذا الانتقال عبر الأجيال إلى تعقيد مسارات التعافي بعد الحروب، ويبرز الحاجة إلى تدخلات شاملة في مجال الصحة النفسية. كما قد تسهم هذه الآثار المتراكمة في ترسيخ مشاعر الكراهية والعداء بين الشعوب لفترات طويلة. لذلك، فإن فهم هذه الأبعاد النفسية والعمل على معالجة آثارها يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الباحثين وصنّاع السياسات والمنظمات الإنسانية ودعاة السلام، بهدف الحد من الأضرار النفسية وتعزيز فرص التعافي المجتمعي. إن معالجة التفكك الاجتماعي وتعزيز الدعم النفسي ونشر خطاب جامع يقوم على قيم التفاهم والتعايش تمثل خطوات أساسية في مسار التعافي وبناء قدرة المجتمعات على الصمود بعد النزاعات. ويتطلب ذلك توفير خدمات متخصصة في الصحة النفسية، بما في ذلك الإرشاد وعلاج الصدمات، ولا سيما للأطفال والضحايا الذين تضرروا مباشرة من الحرب، إلى جانب تنفيذ برامج للتضامن الاجتماعي تساعد الأفراد على استعادة حياتهم الطبيعية. كما أن تشجيع الحوار المجتمعي حول آثار هذه الصدمات يسهم في ترميم الثقة بين أفراد المجتمع، ويقلل من احتمالات تجدد الصراعات في المستقبل، ويعيد إلى الناس شعورهم بالأمل والثقة بالمستقبل، الأمر الذي يجعل برامج الإرشاد النفسي والأنشطة المجتمعية جزءًا أساسيًا من جهود التعافي وإعادة البناء الاجتماعي.

474

| 09 مارس 2026

الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي حرب لا تقتصر آثارها على أطرافها المباشرين، بل تمتد لتشمل تركيا ودول شبه الجزيرة العربية كافة. ويمكن اعتبار هذه المواجهة نقطة تحول مفصلية من شأنها إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بصورة عميقة. وبحكم موقعها الجغرافي الحساس وتشابك مصالحها الأمنية والاقتصادية، تُعدّ تركيا من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذه الحرب. قبل كل شيء، تُعدّ تركيا من بين الدول الأكثر تضررًا من الحروب الإقليمية والأزمات وحالات الفوضى. فهي، بوصفها دولة صناعية وتجارية وسياحية، تستفيد بدرجة أكبر من الاستقرار، كما تبنّت سياسة تقوم على الحفاظ على علاقات جيدة مع جيرانها وتدعم الحلول السياسية للأزمات. ومن منظور تركيا، يتمثل أكبر مصدر للقلق في احتمال اتساع نطاق الحرب وتحولها من مواجهة محدودة إلى فوضى إقليمية شاملة. وقد أدانت تركيا الهجمات على إيران، كما عارضت في الوقت نفسه أي هجمات إيرانية تستهدف الدول العربية. يُعدّ المجال الأمني أكثر نقط الخطر إلحاحًا بالنسبة لتركيا. فحرب إيران يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار في المناطق الحدودية. ورغم أن الحدود التركية-الإيرانية ظلت مستقرة نسبيًا لسنوات طويلة، فإنها كانت في الفترة الأخيرة تشهد ضغوطًا متزايدة نتيجة الهجرة، وقد يتفاقم هذا الوضع سريعًا. كما أن استمرار الحرب في إيران لفترة طويلة، أو الفراغ الذي قد ينشأ في مرحلة ما بعد الحرب، قد يثير صراعات عرقية أو مذهبية. ومن شأن ذلك أن يفرض ضغوطًا كبيرة على تركيا، سواء من حيث موجات الهجرة، أو التهديدات الإرهابية، أو الحاجة إلى تدخلات إنسانية محتملة. يتمثل أحد أبرز المخاوف الأمنية الأخرى لتركيا في احتمال إعادة إحياء تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) داخل إيران. ففي عام 2014، منحت إدارة أوباما، بذريعة محاربة تنظيم داعش، السيطرة على شمال سوريا لإدارة حزب العمال الكردستاني/ قوات سوريا الديمقراطية. وقد يتكرر سيناريو مشابه، إذ يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل دعم حزب العمال الكردستاني سواء في إطار الحرب ضد النظام الإيراني أو لملء الفراغ بعد سقوطه. كما أن ضعف السلطة المركزية قد يتيح للتنظيم توسيع مناطق نفوذه أو تعزيز خطوطه اللوجستية. وبينما تمكنت تركيا من تقليص تهديد حزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية، فإنها لا ترغب في مواجهة الخطر ذاته مجددًا على حدودها الشرقية. إن استمرار الحرب في إيران أو اندلاع صراعات داخلية بعد سقوط النظام قد يؤدي إلى موجات هجرة جماعية باتجاه تركيا. وتستضيف تركيا بالفعل ملايين اللاجئين، ومع الأخذ في الاعتبار الحجم السكاني الكبير لإيران، فإن أي حركة نزوح محتملة قد تصل إلى نطاق يتجاوز حتى أزمة اللجوء السورية من حيث الحجم والتأثير. ومن شأن هذا الوضع أن يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على تركيا. كما يمكن توقع أن بعض الدول التي تنظر إلى تركيا بوصفها منافسًا، مثل إسرائيل، قد تسعى إلى استغلال هذه الظروف للضغط على تركيا بشكل خاص. تمثل أحد الهواجس الأخرى لتركيا في احتمال تغيّر التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. فسيناريو ضعف إيران أو تفككها قد يؤدي إلى توسّع النفوذ الإقليمي لإسرائيل. وإذا أخذنا في الاعتبار المواقف العدائية المتكررة للحكومة الإسرائيلية تجاه تركيا وطبيعة التنافس القائم بين الطرفين، فإن هذا التطور قد يعني، من منظور أنقرة، حصول إسرائيل بصورة غير مباشرة على مجال استراتيجي جديد يمتد حتى الحدود الشرقية لتركيا. ومع سعي إسرائيل إلى تعويض خسائرها الاستراتيجية الناتجة عن التحولات في سوريا عبر تعزيز نفوذها داخل إيران، فمن المتوقع في المقابل أن تمتلك تركيا أيضًا حضورًا ونفوذًا قويين في إيران الجديدة. ستكون للتداعيات الاقتصادية للحرب في إيران انعكاسات بالغة القسوة على تركيا والمنطقة، ولا سيما إذا طال أمد الصراع، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي مباشرة إلى زيادة معدلات التضخم واتساع عجز الحساب الجاري في تركيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة. وفي مرحلة بدأت فيها المؤشرات الاقتصادية التركية تُظهر تحسنًا تدريجيًا، تسعى أنقرة إلى تجنّب أعباء مالية جديدة قد تعرقل مسار التعافي الاقتصادي. كما أن اضطراب ممرات التجارة الإقليمية بسبب الحرب قد يعرقل حركة التجارة البرية التركية المتجهة نحو آسيا الوسطى عبر إيران، إضافة إلى التأثير في طرق التجارة الواصلة إلى منطقة الخليج عبر العراق، ما يضاعف الخسائر الاقتصادية المحتملة. وبذلك، ستكون تركيا متأثرة ليس فقط بتطورات الحرب أثناء وقوعها، بل أيضًا بنتائجها طويلة المدى؛ فهي دولة مجاورة قد لا تكون طرفًا في الحرب، لكنها قادرة على التأثير في مسار السلام.

1041

| 02 مارس 2026

من القيم المجتمعية الآيلة إلى الزوال: حسن الجوار

يأتي حُسن الجوار في المرتبة الثانية بعد الأسرة بوصفه أحد أهمّ المؤسسات الاجتماعية في مجتمعاتنا، ففي الثقافة التركية وكذلك في الثقافة العربية الإسلامية، شكّل حُسن الجوار ركيزة أساسية للحياة الاجتماعية عبر التاريخ. فالعلاقات الودية بين الجيران، شأنها شأن الروابط الأسرية، تُسهم في ترسيخ السلم الاجتماعي وتعزيز الاستقرار ودعم ازدهار المجتمع. وبفضل ما تستند إليه من أواصر الأخوّة وروح القربى، غدت هذه العلاقات إطارًا متينًا للتكافل والتضامن الاجتماعي. غير أنّ هذه القيمة اليوم تواجه تحديات متزايدة؛ إذ أدّت العولمة، والتوسع العمراني، والتحول الرقمي إلى إضعاف أنماط التفاعل التقليدية بين الجيران، مما جعل حُسن الجوار عرضةً للتراجع والانحسار. تزخر اللغتان العربية والتركية بأمثالٍ شعبية تُبرز مكانة حُسن الجوار وأهميته. فالمثل التركي «الجار يحتاج حتى إلى رماد جاره» يقابله في العربية قولهم: «ما استغنى جارٌ عن جار»، في تأكيد واضح على حاجة الناس بعضهم إلى بعض. كما أن المثل العربي «الجار قبل الدار» يُقابله في التركية قولهم: «لا تشترِ بيتًا، بل اختر جارًا»، وهو تعبيرٌ يُقدّم قيمة الجار الصالح على قيمة المسكن ذاته. ولأن روح التضامن الجماعي تتقدّم على النزعة الفردية في المجتمعات الإسلامية، فإن حُسن الجوار يُجسّد هذا التصور الاجتماعي بوضوح. وقد ورد الأمر بالإحسان في القرآن الكريم، كما تكرّر التأكيد عليه في الأحاديث النبوية، مما يعكس مكانته الراسخة في المنظومة الأخلاقية الإسلامية. تُسهم علاقات حُسن الجوار في تقليل شعور الأفراد بالوحدة وتعزيز الإحساس بالانتماء الاجتماعي. كما أن التواصل والتكافل بين الجيران يؤديان دورًا أساسيًا في الحفاظ على ثقافة الحيّ التقليدية واستمرارها. ففي الحيّ الذي يعرف فيه الجيران بعضهم بعضًا، يستطيع الأطفال اللعب بأمان، وتُلبّى احتياجات كبار السن، وتُصان أجواء الطمأنينة العامة، وكل ذلك بفضل علاقات الجوار الإيجابية. إضافةً إلى ذلك، تتيح الصداقات التي تنشأ بين الجيران نمطًا من العيش أشبه بالعائلة الواحدة، حيث يتبادل الناس الدعم في الأوقات الصعبة، مما يخفف أعباء الحياة ويعزز روح التضامن والتراحم بينهم. لا يقتصر حُسن الجوار على السكن المتجاور في أمان فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل منظومة من القيم الإنسانية التي تُمارَس في الحياة اليومية، مثل الثقة المتبادلة، والاحترام، وروح المساعدة، والتعاطف، والتسامح. فإلقاء السلام بين الجيران، ومساندة بعضهم بعضًا في الأوقات الصعبة، والسؤال عن الأحوال في المناسبات الخاصة، والمسارعة إلى تقديم العون عند الحاجة، كلها تشكّل الأساس الحقيقي لحُسن الجوار. كما أن مشاركة الجار أفراحه في مناسبات كالأعراس أو قدوم مولود جديد، والوقوف إلى جانبه في المرض أو العزاء، وتقاسم مشاعر الحزن والدعم، تُعدّ من أبرز صور التضامن التي تُجسّد هذه القيمة في الواقع العملي. في المجتمعات المسلمة، يُعدّ الجار الصالح من يَحترم خصوصية غيره، ويتجنب إحداث الضوضاء أو التسبب في أي إزعاج. وفي الماضي، كانت أطباق الطعام تُتبادَل بين الجيران، وكانت جلسات الشاي البسيطة تُعزّز الروابط وتُقوّي أواصر المودة. وكان الأطفال يختلطون في أزقة الحي، يلعبون معًا وتتشكل بينهم صداقات تستمر مدى الحياة. أمّا اليوم، فقد أصبح انشغال الأطفال بالهواتف والأجهزة اللوحية داخل المنازل يجعل إخراجهم إلى الخارج أمرًا صعبًا. وفي الثقافة التركية مثلٌ شائع يقول: «يُطهى عند الجار ويصلنا نصيبٌ منه»، إذ كان الجار إذا أعدّ طعامًا شهيًا يرسل منه إلى جيرانه مشاركةً لهم، وكان الطرف الآخر يردّ الطبق وفيه شيءٌ من الطعام مجاملةً وتبادلاً للكرم. وفي شهر رمضان، كان من التقاليد الراسخة دعوة الأقارب والجيران إلى موائد الإفطار، كما كانت زيارات العيد تُسهم في إحياء القيم الاجتماعية وتعزيز صلة الرحم والجوار. وكانت الحياة في الأحياء القديمة تتمحور حول المسجد المحلي، مما أتاح للناس فرصًا أكبر للقاء والتواصل. ولا تزال «ثقافة المجلس» المنتشرة في دول الخليج تمثل عنصرًا مهمًا في الحفاظ على تقاليد حُسن الجوار. وبينما تستمر علاقات الجوار قوية في القرى والبلدات الصغيرة، فإن حياة الشقق في المدن الكبرى أسهمت في إضعاف هذه الروابط. ففي أحياء إسطنبول قديمًا، كان الناس يجلبون الماء من النوافير المشتركة، وكانت النساء يلتقين في الأفران العامة لخبز الخبز والتواصل الاجتماعي، أما اليوم فقد اختفت معظم هذه المظاهر مع انتشار المتاجر الحديثة وتغيّر أنماط الاستهلاك. وفي المدن الكبرى المعاصرة، انتشرت الأبراج السكنية متعددة الطوابق، وأصبح السكان يعيشون في مسافات متقاربة مكانيًا لكنهم متباعدون عاطفيًا. بل إن المصاعد السريعة والمتعددة تقلل فرص اللقاء بينهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن سبلٍ لإحياء علاقات حُسن الجوار في المجتمعات الحديثة، من خلال إنشاء مساحات وأنشطة مشتركة داخل الأحياء والمباني السكنية. غير أن الخطوة الأهم تكمن في إحياء قيمة حُسن الجوار ذاتها، وتعليمها للأجيال الشابة، وترسيخها بالممارسة العملية والقدوة الحسنة.

513

| 23 فبراير 2026

القيم الثقافية والتغير الاجتماعي

تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات المشتركة التي تسهم في تشكيل هوية المجتمع وتوجيه سلوك أفراده، إذ تحدد ما يُعدّ خيرًا وجميلًا ومرغوبًا وأخلاقيًا ومقبولًا في المجتمع، وبذلك تُشكّل أساس الحياة الاجتماعية وتؤثر في العلاقات الإنسانية وقرارات الأفراد ونظرتهم إلى العالم، كما تُعدّ المحدد الرئيسي لخصائص المجتمع العامة. وتنتقل هذه القيم من جيل إلى آخر عن طريق التنشئة الاجتماعية والتعليم والتقاليد الأسرية، بينما يشير التغير الاجتماعي إلى التحولات التي تطرأ على الثقافة والمؤسسات والاتجاهات والسلوكيات داخل المجتمع مع مرور الزمن، ومن ثمّ فإن تغيّر القيم الثقافية يعكس في الوقت ذاته تغيّر المجتمع نفسه. إن فهم العلاقة بين القيم الثقافية والتغير الاجتماعي يُعدّ ضروريًا لاستيعاب كيفية تغيّر المجتمعات وتكيّفها في عالم يتغير بسرعة تحت تأثير العولمة. وقد تنبع هذه التحولات من ديناميات داخلية أو من تأثيرات خارجية، كما يمكن أن تكون تدريجية أو سريعة. غير أنّه من الواضح أن وتيرة التغير قد تسارعت في عصر التكنولوجيا والعولمة. كما أن القيم الإسلامية تُعرّف المجتمع المسلم وتشكّل هويته، ومن أبرزها: احترام كبار السن، والتضامن الاجتماعي، والتواضع، وكثرة الأولاد، والعمل، والصدق، والتقوى، والصبر، والعفة، وحسن الجوار، والقرض الحسن، والوفاء بالوعد، والشكر، وطلب العلم، والصدقة. لقد أسهمت هذه القيم منذ زمن بعيد في ترسيخ الاستقرار والاستمرارية وتعزيز الشعور بالانتماء داخل مجتمعاتنا، وظلّت حاضرة وفاعلة في مختلف المراحل التاريخية. كما عبّرت عن قوة المجتمعات المسلمة، إذ مكّنتها من الحفاظ على الإنتاج والتكافل الاجتماعي سواء في أوقات الفقر أو في فترات الثراء. غير أنّ هذه القيم تواجه اليوم تأثيرات متزايدة ناتجة عن عوامل متعددة، مثل التطورات التكنولوجية، والحركات الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية صعودًا أو تراجعًا، والتغيرات الديموغرافية، والتحديات البيئية. إضافة إلى ذلك، تفرض الهجرة والتجارة الدولية والتبادل الثقافي أنماطًا جديدة من التفكير، قد تتحدى المعايير التقليدية وتدفع المجتمعات إلى التكيّف معها أو مقاومتها. رغم تأثر الثقافة الإسلامية بالعوامل العامة المؤثرة في المجتمعات، فإنها تشهد في عصر العولمة والإنترنت تحولات عميقة قد تصل في بعض جوانبها إلى التراجع والتآكل . ومن المؤكد أن القيم الإسلامية ليست جامدة، بل تمتلك مرونة تسمح لها بالتكيف مع المستجدات والظروف المتغيرة، إلا أن القيم التي يجري الترويج لها عالميًا تشكل تحديًا حقيقيًا لتنمية المجتمعات الإسلامية، بل قد تهدد مستقبلها عبر دفعها نحو مزيد من الضعف والانحدار. ومن ثمّ فإن استعادة القيم التي فقدت حضورها أو تراجعت مكانتها لا يمكن أن تتحقق إلا بوعي مجتمعي عالٍ وجهود جادة ومتواصلة. أدت العولمة إلى انتشار نزعات الفردية والتراجع عن قيم العفّة، الأمر الذي بدأ يزعزع النظام الاجتماعي داخل المجتمعات المسلمة ويضعف تماسكها. كما أن المكانة التي كانت تُمنح للأسرة وللإنجاب، وخاصة قيمة كثرة الأطفال، أخذت تتراجع بصورة ملحوظة تحت تأثير الثقافة الغربية، مما أسهم في بعض الدول الإسلامية في ظاهرة شيخوخة السكان وتناقص عددهم. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد كبار السن يحظون بالقدر نفسه من الاحترام والرعاية التي كانوا ينالونها سابقًا. ومع انخفاض الالتزام بقيمة الزواج، اتجه بعض الشباب إلى العزوف عنه، بينما أدى ضعف قيم الصبر والعفة لدى بعض المتزوجين إلى ارتفاع معدلات الطلاق، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة ويهدد توازنها الاجتماعي. مع اتساع ظاهرة التحضر وتزايد الهجرة، بدأت قيمة حسن الجوار تتراجع بشكل ملحوظ. فأصبح كثير من الناس الذين يسكنون في الأبراج والعمارات الكبيرة لا يلتقون بجيرانهم، بل قد يعيشون سنوات دون أن يعرفوا أسماء جيرانهم. كما أن انتشار بطاقات الائتمان والمعاملات المصرفية الحديثة أدى إلى إضعاف قيمة القرض الحسن، حتى كادت تختفي من الواقع الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، فإن تراجع الالتزام بالوفاء بالديون وبالوعود جعل الكثيرين يترددون في إقراض الآخرين. وبذلك أصبح المحتاجون إلى المال مضطرين للجوء إلى البنوك والقروض ذات الفوائد، وقد ينتهي بهم الأمر أحيانًا إلى الوقوع في دوامة الديون والربا. بالطبع، ليست كل القيم التي جاءت مع العولمة ضارّة؛ فهناك قيم مفيدة للغاية مثل المساواة، وحقوق الإنسان، والحرية، والعمل، والتسامح، والمسؤولية الاجتماعية، والوعي البيئي. ويمكن دمج هذه القيم بسهولة مع القيم الإسلامية. بل يمكن أيضًا إقامة توازن مفيد بين النزعة الجماعية والفردية. وقد تكون الثقافة الإسلامية هي البديل الوحيد القادر على مقاومة الهيمنة الثقافية العالمية ذات المركزية الغربية. وبما أنّ يستحيل إغلاق أنفسنا أمام العالم الخارجي، فإننا نستطيع دون الوقوع في التشاؤم أن نتمسك بقيمنا، وأن نُحدّث أنفسنا ونطورها. لكن قبل كل شيء، يجب أن نثق بثقافتنا، وأن نطلق حملة كبيرة لحمايتها وصونها.

582

| 16 فبراير 2026

صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة من عدم الاستقرار، إذ أنهكت شعوبه الحروب والاحتلالات والانقلابات والاضطرابات الداخلية، إضافة إلى التدخلات الخارجية وموجات الهجرة المتلاحقة. وخلال العقد الأخير، أدّت أحداث ما يُعرف بالربيع العربي ـ بغضّ النظر عن تقييمنا لمن كان محقًا ـ إلى تعميق الفوضى، حيث ترافقت موجة التغيير مع انقلابات وصراعات داخلية وحروب أهلية واستقطاب طائفي حاد، إلى جانب موجات نزوح غير مسبوقة، وكانت اليمن وسوريا وليبيا من أبرز ساحات هذه المآسي. غير أنّ مرور الوقت أفسح المجال لعودة صوت العقل والحكمة، وبدأت دول المنطقة تتجه تدريجيًا نحو رؤية جديدة تقوم على المصالحة وتغليب منطق التعاون وبناء علاقات الصداقة والشراكة فيما بينها. كانت هناك بالفعل شراكة قوية بين تركيا وقطر في المنطقة من أجل منع الفتن، وترسيخ الثقة، وتحقيق الاستقرار، والرفاه. وفي الآونة الأخيرة بدأنا نلاحظ أن هذا الفهم وهذا التعاون آخذان في الامتداد إلى دول المنطقة الأخرى أيضًا. ولا سيما أن السعودية ومصر بدأتا تنتهجان سياسات أكثر قوة باتجاه الاستقرار. وحتى إيران التي تراجع نفوذها باتت تُرسل إشارات إلى رغبتها في تحسين علاقاتها مع الدول العربية. ويمكن إرجاع هذا التحول المهم إلى عدة أسباب، من أبرزها: حرب غزة، وتغيير النظام في سوريا، واحتمال اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة. بدأت حرب غزة في 7 أكتوبر وما تزال مستمرة حتى اليوم، وقد أدّت من جهة إلى تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن جهة أخرى شكّلت تطورًا زاد من طموحات إسرائيل نحو الهيمنة الإقليمية ومن مستوى عدوانيتها. إذ لم تكتفِ إسرائيل بالاعتداء على فلسطين، بل شنت هجمات على خمس دول أخرى أيضًا (لبنان، واليمن، وسوريا، وإيران، وقطر)، كما أطلقت تهديدات باستهداف دول مثل تركيا. وقد أثار هجومها على قطر ردود فعل قوية في المجتمع الدولي، كما زاد من قلق دول الخليج بشكل خاص. اليوم تقوم قطر ومصر بشكل خاص بدور الوساطة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، كما تعملان بالتعاون مع تركيا والسعودية على إقامة شراكة جدية في ملف إعادة إعمار غزة. ويبدو أن جميع دول المنطقة تدعم هذه التطورات. فالدول التي ذكرناها تُسهم في لجنة السلام التي ستتولى متابعة إعادة إعمار غزة، ومن المرجح أنها ستقدم أيضًا دعمًا ماليًا كبيرًا عندما تبدأ مرحلة إعادة البناء بعد انتهاء الحرب. ومن التطورات التي ساعدت أيضًا على بروز محور الاستقرار الإقليمي سقوط نظام الأسد في سوريا. فقد حظيت مسألة أمن سوريا، التي تُعد بالغة الأهمية لكلٍّ من تركيا ودول الخليج، بدعم شبه كامل من معظم الدول العربية بقيادة السعودية. وتمت مواجهة اعتداءات إسرائيل، وكذلك المطالب الانفصالية للنصيريين والدروز والأكراد، بموقف موحّد. ولا تزال تركيا والسعودية وقطر تواصل تقديم الدعم لسوريا، ليس فقط على المستوى الإنساني، بل كذلك عبر الدعم الدبلوماسي والتقني. وقد تشكّلت هنا رؤية مشتركة واضحة وتعاون جاد بين هذه الدول. كما أصبحت أزمة السودان عاملًا مهمًا في تعزيز التعاون بين تركيا ومصر، إذ إن مصر تأثرت كثيرًا بتداعيات هذه الأزمة وتخشى امتداد الفتنة إليها. وقد اتفقت مصر وتركيا والسعودية على دعم الشرعية والاستقرار في السودان، وبدأ أثر هذا الدعم يظهر سريعًا على أرض الواقع. وبالمثل، اتخذت هذه الدول موقفًا مشتركًا في مواجهة خطر تقسيم الصومال. ومع دعم السعودية، تم كذلك احتواء خطر انفصال الجنوب في اليمن. أكدت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر الأسبوع الماضي قوة محور الاستقرار الإقليمي. فإلى جانب بحث تطوير العلاقات الثنائية، أظهرت اللقاءات إرادة قوية وجدية لتعزيز التعاون الإقليمي، ودعم وحدة أراضي سوريا واليمن، والسودان، والصومال واستقرارها. ومن المتوقع أن تتضح الفوائد الاقتصادية والعسكرية والثقافية لهذا المحور بشكل أكبر على المدى المتوسط والبعيد.

687

| 09 فبراير 2026

تداعيات التصعيد الأمريكي – الإيراني على المنطقة

في منطقة الشرق الأوسط التي اعتادت على الأزمات والصراعات المتلاحقة، عادت أجواء التوتر والحرب لتفرض نفسها بقوة على المشهد الإقليمي. فما تزال إسرائيل تؤجّل الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وتواصل عملياتها العسكرية في غزة في ظل أوضاع إنسانية شديدة القسوة، وسط عجز دولي واضح عن فرض تهدئة دائمة. وفي الوقت نفسه، تدخل الحرب في السودان عامها الثالث دون أي أفق سياسي للحل، ما يعكس عمق هشاشة النظام الإقليمي وتآكل آليات إدارة الأزمات. وفي خضم هذه التطورات المتراكمة، يبرز خطر اندلاع مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة بعد عودة إدارة ترامب إلى تصعيد خطاب التهديد والضغط ضد طهران، بالتوازي مع حشود عسكرية متزايدة في المنطقة. ورغم أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا قد شنتا هجمات على إيران خلال الصيف الماضي ثم توصلتا لاحقًا إلى تفاهم مؤقت، فإن المشهد الإقليمي لا يزال مفتوحًا على سيناريوهات خطيرة ومكلفة. تهدف هذه المقالة إلى مناقشة آثار الحرب أثناء سيرها، بغضّ النظر عن الطريقة التي قد تنتهي بها. فطريقة إدارة الحرب، وطبيعة العمليات العسكرية، وحجم القوة المستخدمة، كلها عناصر ستترك انعكاسات عميقة ومتعددة الأبعاد على المنطقة. وعلى خلاف الحروب السابقة، يُرجّح أن تتسم هذه المواجهة بدرجة عالية من القسوة، وأن تأخذ طابع “كسر العظم”، ما قد يدفع إدارة ترامب إلى استخدام قوة مفرطة بهدف ردع إيران وكسر قدرتها على الاستمرار في المقاومة. وفي المقابل، وباعتبار الصراع مسألة وجودية من منظور القيادة الإيرانية، من المتوقع أن تعبّئ طهران كامل إمكاناتها العسكرية والأمنية والسياسية، وأن تبدي مستوى مرتفعًا من الصمود والمواجهة، حتى وإن كلّفها ذلك خسائر بشرية واقتصادية جسيمة. مع اندلاع الحرب، من الطبيعي أن تبدأ موجة نزوح واسعة من داخل إيران، الأمر الذي سيؤدي إلى نشوء أزمة إنسانية خطيرة. فإيران، التي يبلغ عدد سكانها نحو 92 مليون نسمة، تشهد أصلًا في الظروف العادية حالات هجرة وفرار ملحوظة لأسباب اقتصادية وسياسية. ومع الحرب، ستتضاعف هذه الأعداد بشكل كبير، ما سيضع ضغوطًا إضافية على دول الجوار. ومن المرجّح أن تتجه موجات اللجوء أساسًا نحو تركيا، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح، كما ستشعر الدول العربية أيضًا بضغط الهجرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وإضافة إلى ذلك، إذا لجأ النظام الإيراني إلى قمع الاحتجاجات الداخلية والمعارضة بعنف شديد، على غرار ما شهدناه في التجربة السورية، فقد يؤدي ذلك إلى ارتكاب مجازر واسعة، ما سيعمّق الأزمة الإنسانية ويزيد من تعقيدها. اقتصاديًا، من المرجّح أن تتكبّد إيران دمارًا واسعًا خلال الحرب، ومع إطالة أمد الصراع ستتفاقم الخسائر التي تطول البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية المختلفة. وقد تلجأ الولايات المتحدة إلى تشديد الضغوط الاقتصادية عبر رفع الرسوم الجمركية المفروضة على الدول المتعاملة مع إيران أو التهديد بذلك، الأمر الذي سينعكس سلبًا على اقتصادات الدول التي تربطها علاقات تجارية مع كلٍّ من إيران والولايات المتحدة، وقد يهدد استقرارها الداخلي. أما السيناريو الأخطر فيتمثل في احتمال إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ويزعزع الاقتصاد العالمي، وقد تمتد آثاره لتطول الاقتصاد الأمريكي نفسه. أمنيًا وسياسيًا، إن استمرار الحرب من شأنه أن يعمّق حالة الاستقطاب والتوتر على المستويين الإقليمي والدولي. فمشاركة إسرائيل في القتال إلى جانب الولايات المتحدة، في ظل استمرار عملياتها في غزة، ستزيد المشهد تعقيدًا، وتوسّع دوائر التعاطف مع إيران، كما أن ما قد يرافق ذلك من دمار أو مجازر سيضاعف الضغوط الشعبية والسياسية على الحكومات. وبعد مرحلة من التفاهم النسبي بين دول المنطقة وطهران، قد تعود أجواء الاصطفاف الحاد والانقسام المذهبي إلى الواجهة، ولا سيما في الدول التي تضم كثافة سكانية شيعية، ما يهدد الاستقرار الهش أصلًا. إزاء هذه المخاطر، تعمل الدول العربية وتركيا على تهدئة الأزمة ومحاولة تطويقها قبل أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة. وتبرز تركيا، بحكم علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وطهران، كطرف يسعى إلى لعب دور الوسيط وطرح مبادرات لخفض التصعيد. كما أن التداعيات الاقتصادية الخطيرة لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأمريكي قد تشكّل عامل ردع يدفع ترامب إلى إعادة النظر في خيار الحرب. وفي المحصلة، يبقى الأمل قائمًا في غلبة منطق الحكمة، وتكرار سيناريو شبيه بما جرى في عهد أوباما، حيث قد يجد النظام الإيراني نفسه مضطرًا للتوصل إلى تفاهم، رغم الضغوط وقسوة الشروط، وهو احتمال ما يزال قائمًا ومأمولًا.

552

| 02 فبراير 2026

تأثير الحروب على تنمية الدول

تُعد الحروب من الظواهر الملازمة للتاريخ الإنساني، ولم تختفِ رغم التقدم الذي شهده العالم في العصر الحديث. فقد عرف القرن الماضي حربين عالميتين، بينما تتواصل اليوم النزاعات في عدد من الدول مثل أوكرانيا وغزة وسوريا والسودان، سواء على المستوى الداخلي أو بين الدول. كما يبقى الشرق الأوسط منطقة مرشحة لمزيد من التوترات. وتنعكس الحروب سلبًا بشكل عميق على تنمية المجتمعات، وخاصة على الاقتصاد، إذ تتحول الأولويات أثناءها نحو البقاء وتحقيق النصر، مما يؤدي إلى شلل الإنتاج، وتراجع التجارة والاستثمار، وترك المصانع والأراضي الزراعية مهجورة. تُنشِّط الحروب بعض القطاعات المرتبطة بالصناعات الدفاعية، لكنها في المقابل تُصيب العديد من القطاعات الأخرى بالشلل. فخلال الحرب العالمية الثانية تحولت مناطق صناعية واسعة في أوروبا وآسيا إلى أنقاض، واستغرقت إعادة إعمارها سنوات طويلة. وعندما تُحوَّل ميزانيات الدولة المخصصة للبنية التحتية أو لمشاريع التنمية بسرعة نحو الإنفاق العسكري، فإن ذلك قد يعيد القطاعات الناشئة عقودًا إلى الوراء. كما يُعد التضخم من المشكلات المتكررة في أوقات الحروب، ويُنظر إلى دفع اليد العاملة المؤهلة والكفاءات المتعلمة إلى جبهات القتال على أنه شكل من أشكال استنزاف العقول أو هجرة الكفاءات. حتى تنمية الدول المجاورة تتأثر سلبًا بالحروب. فتركيا والدول العربية، رغم أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في العديد من حروب الشرق الأوسط، تأثرت في الغالب بشكل سلبي بالنزاعات الإقليمية. كما أن الكلفة الإنسانية للحروب باهظة للغاية؛ فإلى جانب الخسائر البشرية، تؤدي الحروب إلى تشريد ملايين الأشخاص وتحويلهم إلى لاجئين. وتتفكك الأسر، ويتغير التوازن بين الرجال والنساء، وتُهجَّر المجتمعات من أماكنها، وقد تستمر الجراح النفسية عبر أجيال متعاقبة. فعلى سبيل المثال، يُعرف أن نحو 14 إلى 15 مليون سوري أُجبروا على النزوح داخل البلاد وخارجها خلال الحرب الأهلية السورية. ومثل هذه الهجرات تُغيّر البنية الديموغرافية لكل من الدول المتحاربة وجيرانها. يعاني المهاجرون في البلدان التي يقصدونها من صعوبات تتعلق بتعلّم اللغة الأجنبية، والتعليم، إلى جانب تحديات اجتماعية وثقافية أخرى. كما تتعطل الخدمات الاجتماعية بشكل خطير أثناء الحروب؛ إذ قد تُدمَّر المستشفيات والعيادات أو تُستَخدم فوق طاقتها، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات المرض والوفيات. ويزداد تأمين الغذاء صعوبة، ومع تقييد الوصول إلى المساعدات الإنسانية تظهر مشكلة سوء التغذية، ولا سيما بين الأطفال والنساء وكبار السن. وتزداد المأساة خطورة عندما يُستَخدم الجوع كسلاح، كما في حرب غزة، حيث تصبح الأوضاع الإنسانية أكثر فداحة. تُشكّل البنية التحتية المادية العمود الفقري للتنمية. ففي الحروب الحديثة، سواء كجزء من الاستراتيجية العسكرية أو كنتيجة غير مباشرة لها، تستهدف الدول طرق العدو وجسوره ومحطات الطاقة ومنشآت تنقية المياه والمدارس والمستشفيات. وفي حرب أوكرانيا نلاحظ أن منشآت البنية التحتية قد استُهدفت بشكل متعمّد. وعندما تتضرر شبكات النقل يتعطل النشاط التجاري، وتصبح إمكانية الوصول إلى التعليم أو الخدمات الصحية صعبة أو مستحيلة. وحتى بعد انتهاء الحرب، تبقى عملية إعادة إعمار هذه البنية التحتية شاقة وتستغرق وقتًا طويلًا، كما هو الحال في غزة وسوريا. يُعد الاستقرار السياسي شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية، غير أن الحروب غالبًا ما تُطيح بالحكومات القائمة وتُضعف المؤسسات. ومع ضعف الإدارة، يصبح من الصعب إعادة ترسيخ النظام والثقة داخل المؤسسات العامة. كما أن تأثير الحروب على البيئة قد يكون كارثيًا إلى حد كبير؛ فإلى جانب الدمار البيئي، تستمر الألغام الأرضية والقنابل غير المنفجرة التي تخلفها الحروب في حصد أرواح الأطفال، فضلًا عن جعل الأراضي الزراعية غير صالحة للاستعمال. ولا تقتصر الصدمة النفسية للحرب على الأفراد فحسب، بل تمتد لتؤثر في عملية بناء الأمة بأسرها. كما قد تتفاقم التوترات العرقية والدينية بسبب الحرب وتستمر حتى بعد انتهائها. وبسبب الحروب والنزوح، تحدث اختلالات خطيرة لا يمكن تعويضها في تعليم الأطفال، كما هو الحال في العراق وسوريا. عادةً ما يكون التعافي الاقتصادي بعد الحروب بطيئًا وغير منتظم. إذ تستفيد بعض المناطق أو الفئات السكانية أكثر من غيرها، مما قد يزرع بذور صراعات مستقبلية. ويمكن للمساعدات الدولية وعمليات حفظ السلام أن تكون مفيدة، لكنها لا تكون فعّالة إلا إذا اقترنت بحوكمة رشيدة، وسياسات اقتصادية شاملة، واستثمارات في التعليم والصحة. ومن دون دعم شامل ومستدام، تقع كثير من الدول في حلقة مفرغة من العنف والفقر والتخلّف التنموي.

501

| 26 يناير 2026

قسد في سوريا.. نهاية بداية الاستقرار والازدهار

عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر من 1200 عام ضمن إطار اجتماعي وتاريخي قائم على التعايش، إلى أن شهدت البلاد تحوّلًا جذريًا بعد الحرب العالمية الأولى. فقد قامت الدولة السورية الحديثة تحت هيمنة أقلية طائفية حكمت باسم القومية العربية، وأقامت نظامًا استبداديًا اعتمد القمع والإقصاء منهجًا ثابتًا في إدارة المجتمع، ما ألحق الظلم بجميع المكوّنات دون استثناء. وفي هذا السياق، حُرم أكراد سوريا من حقوقهم الأساسية، وفي مقدّمتها حق الهوية والجنسية، في حين قدّم نظام البعث دعمًا مبكرًا لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي روّج لنفسه بوصفه حركة كردية، رغم أنه تنظيم نشأ في ظروف الحرب الباردة واستُخدم أداةً في الصراع الإقليمي ضد تركيا، حيث وفّر له النظام السوري الملاذ والحماية لسنوات طويلة. ومع تصاعد التوتر بين أنقرة ودمشق عام 1998 بسبب نشاط حزب العمال الكردستاني، برز خطر المواجهة العسكرية بين البلدين، ما دفع حافظ الأسد إلى طرد عبد الله أوجلان خارج سوريا. وفي عام 2003 أعلن الحزب تأسيس فرعه السوري تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، غير أن نشاطه بقي محدودًا نسبيًا في تلك المرحلة. إلا أن المشهد تغيّر جذريًا مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث انسحب نظام الأسد من مناطق واسعة في الشمال الشرقي عام 2012 وسلّمها لـ «PYD» دون قتال. وفي العام التالي، وبذريعة محاربة تنظيم داعش، قامت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتسليح هذا التنظيم، الأمر الذي مكّنه من بسط سيطرته على معظم الشريط الحدودي الشمالي لسوريا وعلى المناطق الواقعة شرق نهر الفرات. ورغم تنفيذ تركيا عدة عمليات عسكرية لاحقًا لتفكيك هذا الحزام الأمني، فإنها لم تتمكن من القضاء عليه بالكامل بسبب الضغوط السياسية والعسكرية الأمريكية. ومع نهاية عام 2024، وبعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة، حيث وقّعت الحكومة السورية الجديدة في 10 آذار/مارس اتفاقًا مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، المعروف باسم قوات سوريا الديمقراطية (SDF). ونصّ الاتفاق على ضمان حقوق الأكراد ضمن الدولة السورية الجديدة ودمجهم في البنية السياسية والدستورية، مقابل التخلي عن السلاح والانخراط في مؤسسات الدولة. وفي السياق نفسه، أطلقت تركيا مشروع «تركيا بلا إرهاب» بعد تفاهمات مع عبد الله أوجلان، وطالبت المجموعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق بإلقاء السلاح. كما أكدت أنقرة دعمها لوحدة الأراضي السورية ومنع قيام أي كيان انفصالي يقوم على السلاح والدعم الخارجي. غير أن قوات سوريا الديمقراطية لم تلتزم فعليًا ببنود الاتفاق، إذ انتهجت سياسة المماطلة ورفضت التخلي عن مصادر قوتها ونفوذها، رغم أن عملية تطبيع الأوضاع في سوريا وإعادة إعمارها تتطلب بشكل ملح استعادة الدولة السيطرة على موارد النفط والمياه والأراضي الزراعية الخصبة الواقعة تحت سيطرتها. ومع بداية العام الجديد، كثّفت إدارة أحمد الشرع الضغوط على «SDF» ودعتها إلى تنفيذ الاتفاق، ولا سيما الانسحاب من المناطق الواقعة غرب نهر الفرات التي تسكنها غالبية عربية. ومع استمرار الرفض، جرى اللجوء إلى الخيار العسكري، فخلال أيام قليلة خسرت «SDF» معظم تلك المناطق، وباتت مهددة بخسارة مدينة الطبقة ذات الأهمية النفطية والإستراتيجية. وقد شكّلت هذه الهزيمة ضربة قاسية لهيبة «SDF»، التي بالغت في الاعتماد على الدعم الأمريكي وتحدّت الحكومة السورية وتركيا. وأصبح من الصعب عليها الحفاظ على وجودها حتى شرق الفرات. وفي هذه المرحلة، يبدو أن الخيار العقلاني أمام قياداتها هو الاستجابة لنداء عبد الله أوجلان، والتخلي عن السلاح، والاندماج في المجتمع كقوة سياسية مدنية، بدل الانخراط في حرب خاسرة. فالإدارة الأمريكية التي تنتظر منها «SDF» الدعم تواجه ملفات أكثر إلحاحًا، مثل إيران، وأوكرانيا والصين وفنزويلا. وفي المحصّلة، تمكّن الجيش السوري من فرض واقع الاستسلام على قسد، وهو ما يُعدّ هزيمة للتمرد الكردي وإنهاءً فعليًا لخطر تقسيم البلاد، بما يعزّز مسار الاستقرار الوطني. لأن لا استقرار من دون أمن، ولا إعادة إعمار من دون استقرار، كما أنّه لا توجد دولة في العالم تقبل بوجود جيش موازٍ داخل حدودها السيادية. وبعد توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة من الوحدة الجغرافية والسياسية، وأكثر تحررًا من الإرهاب، وأكثر قابلية للاستقرار. ومع استعادة الموارد الطبيعية من نفط ومياه وأراضٍ زراعية، تتوفر الشروط الأساسية لانطلاق عملية التعافي والازدهار الاقتصادي. ولا يقتصر أثر هذا التطور الحاسم على الداخل السوري فحسب، بل إن المنطقة بأسرها ستستفيد من سوريا موحّدة، مستقرة، مسالمة ومزدهرة.

693

| 20 يناير 2026

alsharq
ما بين ضفتي الخليج

في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات...

7746

| 06 أبريل 2026

alsharq
القشرة اللامعة.. وهم المعرفة السطحية

في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت...

3129

| 05 أبريل 2026

alsharq
وضع النقاط على الحروف

-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...

2094

| 02 أبريل 2026

alsharq
في الأزمات... هل تضغط الموارد البشرية على الموظفين؟

عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...

1797

| 02 أبريل 2026

alsharq
حين نؤجل الفرح… نخسر الكثير

كثير من الناس يعيشون حياتهم وكأن الفرح موعد...

1593

| 02 أبريل 2026

alsharq
الأعمال المحظورة على الموظفين

إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم...

1506

| 06 أبريل 2026

alsharq
اسمعوها مني صريحة

«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...

1410

| 02 أبريل 2026

alsharq
هل نحن بحاجة إلى كل هذه المؤسسات الخيرية في قطر؟

حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...

1353

| 02 أبريل 2026

alsharq
الإدارة الخضراء.. يولد جيل أخضر

في بيتنا لم تكن تلك العلب تُرمى بسهولة،...

1119

| 03 أبريل 2026

alsharq
من لفتة كريمة.. إلى أثر لا يُنسى

في مشهد يعكس عمق الرؤية وسمو الاهتمام بالإنسان،...

993

| 06 أبريل 2026

alsharq
إلى متى؟

فعلاً إلى متى سنبقى بين التحذير والتطمين من...

648

| 02 أبريل 2026

alsharq
على أرض صلبة

في عالمٍ تموج فيه الأزمات، وتتعثر فيه الدول...

633

| 08 أبريل 2026

أخبار محلية