رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د. أحمد أويصال

أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
 

مساحة إعلانية

مقالات

39

أ.د. أحمد أويصال

ضحايا الحرب الخفيّون.. الوساطة والقانون الدولي

06 أبريل 2026 , 05:05ص

تشهد الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل آثارًا مدمّرة لا تقتصر على تدمير المدن وسقوط الضحايا وتهجير السكان، بل تمتد لتشمل زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي والتأثير سلبًا على الحياة اليومية للناس. ومع استمرار هذا الصراع لأكثر من شهر دون بوادر واضحة لنهايته، لا تقتصر الخسائر على الجانب المادي والبشري فحسب، بل تطول أيضًا الحقيقة نفسها، حيث تنتشر المعلومات المضللة وسط أجواء الحرب. وإلى جانب ذلك، تبرز خسائر أخرى ذات أهمية بالغة على المستويين الإقليمي والدولي، تتمثل في تراجع دور الوساطة وتقويض مبادئ القانون الدولي.

شنّ نتنياهو وترامب حربًا على إيران في سياق يتسم بتجاهل واضح للقواعد الناظمة للعلاقات الدولية، حيث تم اللجوء إلى القوة بدلًا من الاحتكام إلى الدبلوماسية. وقد أظهرت مجريات المرحلة الأولى عجز الأطراف المباشرة عن تحقيق أهدافها المعلنة، مع استمرار الاعتماد على التهديد والتصعيد بدل تقديم بدائل سياسية واقعية. وفي المقابل، لم يقتصر نطاق التصعيد على أطراف النزاع المباشرين، بل امتد ليشمل محيطًا إقليميًا أوسع، مما فاقم من حجم الأضرار الاقتصادية والأمنية.

تُعدّ الوساطة، في إطار العلاقات الدولية الحديثة، من أنجع الأدوات وأكثرها تحضّرًا في معالجة النزاعات وتسوية الخلافات بطرق سلمية. وتسعى كلٌّ من تركيا وقطر، انطلاقًا من رغبتهما في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة، إلى الاضطلاع بدور الوسيط في تسوية الأزمات الإقليمية منذ زمن طويل. غير أنّ وجود الوسطاء وحده لا يكفي لحلّ المشكلات، بل تكتسب الوساطة أهميتها عندما تبدي الأطراف المتنازعة استعدادًا حقيقيًا للحلول الدبلوماسية. أمّا في حالاتٍ كهذه، حيث يسود منطق القوة وفرض الإرادة، فإنّ هامش تأثير الوسطاء يظلّ محدودًا للغاية.

في هذه الحرب، لم تكتفِ إيران بتصعيدها، بل استهدفت حتى قطر وعُمان اللتين كانتا تقومان بدور الوساطة بين الأطراف قبل اندلاع الصراع. كما سبق لإسرائيل أن هاجمت قطر، التي كانت تؤدي دورًا وسيطًا في حرب غزة، متذرعةً باستهداف حركة حماس. وعلى الرغم من استمرار قطر وعُمان في دعم جهود الوساطة، فإنهما تراجعتا عن القيام بدور الوسيط في هذه الحرب الأخيرة. ويبدو أن الأطراف المتحاربة، وعلى رأسها إسرائيل، باتت تفضّل خيار العنف والتصعيد على حساب الحوار والحلول الدبلوماسية.

إن تهميش الوساطة على هذا النحو يُعدّ خسارةً كبيرة. فغياب وسطاء موثوقين أو آليات فعّالة للوساطة يفتح الباب أمام تصاعد النزاعات بصورة غير منضبطة، ويُضعف فرص التوصل إلى حلول سريعة. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الوساطة الناجحة كانت قادرة على وقف الحروب قبل أن تتحول إلى كوارث، وأنقذت أرواحًا لا تُحصى، وأسهمت في تعافي المجتمعات. وعلى الرغم من كل ذلك، لا تزال هناك جهود وساطة تقودها باكستان، بدعمٍ من تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، في محاولة لإقناع الولايات المتحدة وإيران بالتوصل إلى اتفاق سلام.

أما القانون الدولي، فيُفترض أن يشكّل الإطار الناظم للعلاقات بين الدول، من خلال ترسيخ مبادئ السيادة وحسن الجوار ووضع قواعد للسلوك حتى في زمن الحرب. غير أنّ التطورات الأخيرة كشفت عن تراجع ملموس في الالتزام بهذه القواعد، حيث أصبحت الانتهاكات تمرّ دون محاسبة فعّالة. ويؤدي ذلك إلى تقويض الثقة في النظام الدولي وفتح المجال أمام مزيد من الفوضى.

أُنشئ نظام الأمم المتحدة، بقيادة الولايات المتحدة، بهدف حفظ السلم العالمي ومنع الحروب مستقبلًا. وفي الواقع، يحظر ميثاق الأمم المتحدة الحرب والاحتلال، ويدعو إلى التعاون بين الدول لضمان استمرار السلام، كما يوجب احترام سيادة الدول. غير أنّ هذا النظام، الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا بحق النقض (الفيتو)، يشهد مفارقة واضحة، إذ إن دولتين من مؤسسيه والمكلّفتين بدعم السلام، وهما الولايات المتحدة وروسيا، ما تزالان منخرطتين في الحروب.

كما رأينا في حرب غزة، فإن إفلات منتهكي حقوق الإنسان من المساءلة أمام المحاكم يعرقل تحقيق العدالة. ويشكّل هذا سابقة خطيرة قد تدفع العالم نحو مزيد من الفوضى، وتفتح الباب أمام صراعات أكبر ودمار أشد في المستقبل. وعندما يتدهور الوضع الاقتصادي، ينعكس ذلك سلبًا على الاستقرار الداخلي للدول. إن التخلّي عن الوساطة والقانون الدولي لا يضرّ بطرفٍ بعينه، بل يجرّ العالم بأسره إلى دائرة من الاضطراب، ويجعل التعافي يتطلّب ما هو أكثر من مجرد وقفٍ لإطلاق النار. وفي ظلّ تعثّر الحرب وتصاعد التوتر، يصبح الاحتكام إلى القانون الدولي والإصغاء إلى الوسطاء الخيار الأخير المتاح أمام الأطراف المتحاربة.

اقرأ المزيد

alsharq ما بين ضفتي الخليج

في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع... اقرأ المزيد

99

| 06 أبريل 2026

alsharq الأنفاس الأخيرة للحرب

اليوم تنتهي المهلة التي كان الرئيس الأمريكي قد منحها لإيران لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز وإلا كما... اقرأ المزيد

48

| 06 أبريل 2026

alsharq غادر.. بكرامتك!

التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ يتقنها المرء حين يختار كرامته على حساب الاستنزاف؛ فبعض المعارك... اقرأ المزيد

42

| 06 أبريل 2026

مساحة إعلانية