رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ظل التوسع المستمر في البرامج التدريبية الحكومية، يبرز تساؤل مشروع: هل يقود التدريب الحكومي فعليًا إلى تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030؟ أم أنه ما زال في كثير من الأحيان نشاطًا تطويريًا محدود الأثر؟ هذا التساؤل لا ينتقص من أهمية التدريب، بقدر ما يعكس الحاجة إلى إعادة النظر في دوره بوصفه أداة تنفيذ إستراتيجية، لا مجرد وسيلة لبناء المهارات العامة. ومن خلال خبرتي العملية في تقديم عدد من الدورات والبرامج التدريبية في أحد المعاهد الوطنية المعنية بتأهيل الكوادر الحكومية، وما أتاحه ذلك من تفاعل مباشر مع قيادات ومسؤولين من مختلف الجهات، تبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد البرامج التدريبية أو تنوعها، وإنما في مدى ارتباطها بالأولويات الوطنية وقدرتها على دعم تحقيق مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 بصورة منهجية وقابلة للقياس. لقد أظهرت الممارسة أن بعض البرامج التدريبية، رغم جودتها العلمية، تُنفّذ أحيانًا بمعزل عن الإطار الإستراتيجي الأشمل للدولة، فتتحول إلى نشاط تدريبي محدود الأثر. في المقابل، عندما يُنظر إلى التدريب بوصفه جزءًا أصيلًا من منظومة تحقيق الرؤية، وضمن نهج مؤسسي تقوده جهات متخصصة في بناء القدرات الحكومية، فإنه يصبح رافعة حقيقية لتحسين جودة القرار، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز التكامل بين الجهات. إن ربط التدريب بمحاور رؤية قطر الوطنية 2030 لا ينبغي أن يكون ربطًا شكليًا أو لفظيًا، بل ربطًا منهجيًا يقوم على فهم عميق لمكوناتها الأربعة: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. فالتدريب في هذا السياق لا يهدف فقط إلى نقل المعرفة، بل إلى بناء قدرات قيادية وتنفيذية قادرة على ترجمة الأهداف الإستراتيجية إلى سياسات وبرامج ومبادرات قابلة للتنفيذ والقياس. وفي محور التنمية البشرية، تبرز الحاجة إلى برامج تدريبية تُعنى بإعداد القيادات الوطنية، وتعزيز التفكير الإستراتيجي، وصناعة القرار المبني على الأدلة، وإدارة التغيير في بيئات عمل تتسم بالتعقيد وعدم اليقين. فالموارد البشرية تمثل الأساس الذي تقوم عليه الرؤية، وأي قصور في تأهيلها أو تمكينها ينعكس مباشرة على قدرة المؤسسات على تحقيق مستهدفاتها. أما على مستوى التنمية الاجتماعية، فإن التدريب يؤدي دورًا محوريًا في دعم التماسك المجتمعي وجودة الحياة. وباعتبارنا دولة مسلمة تستند في قيمها وتشريعاتها إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، فإن إدماج البعد الديني والقيمي في البرامج التدريبية يُعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق تنمية اجتماعية متوازنة. فالقيم الإسلامية، بما تحمله من مبادئ العدالة والتكافل والمسؤولية وحفظ الكرامة الإنسانية، تشكّل ركيزة لبناء مجتمع مستقر، وينبغي أن تنعكس ضمن السياسات والبرامج، لا سيما في قطاعات التعليم والصحة والأسرة. وفيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، تفرض التحولات الإقليمية والدولية ضرورة تطوير برامج تدريبية تدعم اقتصاد المعرفة والابتكار والاستدامة، وتعزز قدرات الكوادر الوطنية في التخطيط الاقتصادي وإدارة المشاريع الكبرى وتنمية مهارات المستقبل. كما لا يقل البعد البيئي أهمية، إذ يتطلب تحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة كوادر قادرة على دمج الاستدامة والصحة البيئية في مختلف السياسات والقرارات. وفي الختام، فإن ربط التدريب الحكومي برؤية قطر الوطنية 2030 لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات المرحلة القادمة. فالتحديات المتسارعة وارتفاع سقف التوقعات من الأداء الحكومي يحتمان أن يكون التدريب موجّهًا، ومخططًا، ومقاس الأثر، ليؤدي دوره الحقيقي في تمكين المسؤولين وتحويل الرؤية من إطار إستراتيجي طموح إلى واقع ملموس يخدم الدولة والمجتمع.
216
| 11 فبراير 2026
بينما تمضي دولة قطر بخطى واثقة وثابتة نحو استكمال صرح نهضتها الشاملة، تبرز «جائزة قطر للتميز الحكومي» كأحد أهم الروافد الإستراتيجية التي تصب في مجرى تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030. إن هذا المشروع الطموح، الذي أطلقه ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، لا يمثل مجرد منصة للتكريم الرمزي أو احتفالية سنوية لتوزيع الجوائز، بل هو في جوهره فلسفة قيادية متكاملة، ومنظومة عمل إستراتيجية تهدف إلى صياغة عقد جديد من الكفاءة الحكومية، تلتقي فيه طموحات القيادة الرشيدة مع تطلعات المجتمع القطري في الوصول إلى جهاز إداري عالمي المستوى، يتسم بالمرونة، والشفافية، والقدرة العالية على الابتكار الاستباقي لمواجهة متغيرات العصر. وينبثق هذا الترابط الوثيق من إدراك سياسي وعلمي عميق بأن «التنمية البشرية»، التي تضعها الرؤية الوطنية على رأس أولوياتها الأربع، تقتضي بالضرورة خلق بيئة عمل محفزة تمكن الكوادر القطرية من استثمار كامل طاقاتها الإبداعية. إن الجائزة، عبر معاييرها الصارمة التي تحاكي أفضل الممارسات الدولية، تحول المؤسسات الحكومية إلى حواضن حقيقية لصناعة قادة المستقبل، مما يعزز من «مرونة الدولة» وقدرتها على تحويل التحديات المتغيرة إلى فرص نمو مستدام. هذا الاستثمار في رأس المال البشري يضمن خلق قوة عاملة قطرية مسلحة بأحدث منهجيات التميز المؤسسي، وهو ما يجسد جوهر الركيزة الأولى للرؤية في بناء مجتمع متقدم ومزدهر. وفي سياق التحول الهيكلي، تعمل الجائزة كأداة تغيير جذرية للثقافة المؤسسية داخل أروقة الجهاز الإداري للدولة. فهي تسعى لتجاوز مفاهيم الرقابة البيروقراطية التقليدية، لتكرس بدلاً منها ثقافة «إدارة النتائج» و»تعظيم الأثر المستدام». فمن خلال تحفيز التنافسية الإيجابية بين مختلف الوزارات والهيئات، نجد سباقاً محموماً نحو تبني حلول «الحكومة الذكية» وتعزيز التحول الرقمي الشامل، مما يسهم بشكل مباشر في رفع جودة الحياة للمواطن والمقيم على حد سواء. إن تبسيط المسارات الإجرائية وتقليل الهدر الإداري لا يعزز الكفاءة التشغيلية فحسب، بل يرسخ قيم الشفافية والنزاهة، وهي ركائز أساسية لاستقطاب الاستثمارات العالمية وتعزيز مكانة قطر كمركز إقليمي ودولي رائد للأعمال والابتكار. علاوة على ذلك، يظهر البعد الإستراتيجي للجائزة في قدرتها الفائقة على توحيد الجهود المؤسسية المبعثرة، وربط الأهداف التشغيلية الصغرى بالإستراتيجية الوطنية الكبرى. فالتقييم الدوري والمستقل الذي تخضع له الجهات وفق «نموذج التميز القطري» يضمن أن كل خطة تنفيذية، وكل مبادرة حكومية، هي خطوة مدروسة ومحسوبة في اتجاه بوصلة 2030. وهنا يبرز مفهوم «تجربة المتعامل» كبوصلة حقيقية للنجاح؛ إذ لم يعد التميز يقاس بحجم الإنفاق أو عدد الموظفين، بل بمدى رضا المجتمع عن جودة وسرعة وسهولة الخدمات المقدمة. إن هذا التناغم بين التخطيط الإستراتيجي في القمة والتنفيذ الميداني في القاعدة هو ما يحول الرؤية من نصوص نظرية إلى واقع معاش يلمسه الجميع. ومن منظور التنمية المستدامة، تشجع الجائزة المؤسسات على تبني مبادرات خضراء وممارسات إدارية صديقة للبيئة، تماشياً مع الركيزة البيئية للرؤية الوطنية. فالتميز الحقيقي اليوم هو التميز المسؤول الذي يوازن بين تحقيق الأداء العالي وبين الحفاظ على الموارد الوطنية للأجيال القادمة. إن دمج معايير الاستدامة في صلب معايير الجائزة يعكس الرؤية الثاقبة للقيادة القطرية في جعل الحكومة نموذجاً يحتذى به في الحفاظ على البيئة والتنمية المتوازنة. وفي الختام، يمكن القول إن جائزة قطر للتميز الحكومي هي «صمام الأمان» ومختبر الابتكار الذي يضمن استدامة المكتسبات الوطنية.
306
| 08 فبراير 2026
بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت أؤمن بقيمة العمل وخدمة الوطن، قررت أن أبحث عن فرصة مهنية تتيح لي الاستمرار في العطاء في مجال تخصصي، وهو الاستشارات في مجالي: الصحة والبيئة. لم يكن هذا القرار نابعًا من حاجة شخصية، بل من قناعة راسخة بأن التقاعد الوظيفي لا يعني نهاية القدرة على الإسهام، خصوصًا في القطاعات التخصصية التي تقوم في جوهرها على الخبرة التراكمية والمعرفة المتعمقة. بدأت رحلتي بالبحث عبر الموقع الإلكتروني لإحدى الوزارات الحكومية التابعة للقطاع البيئي، حيث فوجئت بحجم وتنوع الوظائف التخصصية والنوعية المدرجة ضمن قطاع حماية البيئة، والتي تجاوز عددها المئة مسمى وظيفي. غير أن التقديم على هذه الوظائف لم يكن متاحًا للقطريين عبر المنصة الرئيسية، فتم توجيهي إلى أن التقديم يتم حصريًا من خلال منصة كوادر. عند هذه النقطة، بدا الأمر منطقيًا من حيث التنظيم، لكنه سرعان ما كشف عن إشكالية أعمق في الرؤية لا في الإجراء. بعد إنشاء حساب متقاعد في منصة كوادر، بدأت البحث عن وظيفة تتناسب مع خبرتي كمستشارة في مجال الصحة والبيئة، وهي خبرة امتدت لسنوات طويلة شملت المشاركة في إعداد استراتيجيات بيئية وطنية، ودراسات تقييم الأثر الصحي والبيئي للمشروعات، والعمل في مجالات الإشعاع غير المؤين، والتغير المناخي، وحماية صحة الأطفال والمجتمع من المخاطر البيئية، إضافة إلى الإسهام في إعداد تشريعات وقوانين تتعلق بالصحة العامة. إلا أن الواقع الذي واجهته كان صادمًا؛ إذ لم أجد أي وظيفة تعكس هذا المستوى من الخبرة أو تتيح للمتقاعد أن يؤدي دورًا استشاريًا يليق بما راكمه من معرفة وعطاء. الوظائف المتاحة للمتقاعدين في المنصة لا تعاني فقط من محدودية العدد، بل من تدني المستوى المهني للمسميات المطروحة، إلى حد لا يليق حتى بخريج حديث العهد بسوق العمل، فكيف بمن أمضى عمره في العمل التخصصي وأصبح مرجعًا في مجاله؟ هنا لا يمكن الحديث عن خلل تقني أو نقص مؤقت، بل عن إشكالية بنيوية في فهم معنى التقاعد ودور المتقاعد في منظومة التنمية. إن أخطر ما تكشفه هذه التجربة هو أن التقاعد يُتعامل معه وكأنه مرحلة إخراج من دورة الإنتاج، لا مرحلة انتقال من التنفيذ إلى الاستشارة، ومن العمل التشغيلي إلى نقل المعرفة. وكأن الخبرة، بدل أن تُستثمر، تصبح عبئًا يُهمَّش، أو يُعاد توظيفه في أدوار لا تعكس قيمته ولا تستفيد من عمقه. في قطاعات حساسة مثل البيئة والصحة، لا تُبنى الكفاءة بالسنوات القليلة، ولا تُختزل بالشهادات الأكاديمية وحدها. هذه القطاعات تحتاج إلى من راكم المعرفة، وعايش التحديات، وشارك في صناعة السياسات، وفهم تعقيدات التشريع والتنفيذ، واستشرف المخاطر قبل وقوعها. تجاهل هذه الخبرات أو حصرها في أدوار هامشية هو في حقيقته هدر وطني للمعرفة، لا يقل خطرًا عن نقص الكوادر. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا يبحث المتقاعد عن عمل؟ بل: لماذا لا تتيح المنصات الوطنية مسارات حقيقية لاستثمار خبرات المتقاعدين؟ ولماذا تُختزل فرصهم في وظائف لا تمت بصلة لمرحلتهم المهنية؟ وأين موقع الاستشارة، ونقل الخبرة، وبناء القدرات، من فلسفة هذه المنصات؟ إن المطلوب اليوم ليس استحداث وظائف شكلية، بل إعادة بناء الرؤية تجاه المتقاعدين، عبر تصميم مسارات استشارية واضحة، ومسميات وظيفية تعكس الخبرة، وربط المتقاعدين بالمشروعات الوطنية، والدراسات، واللجان الفنية، وبرامج الإرشاد والتوجيه، بما يحقق التكامل بين الأجيال ويحفظ الذاكرة المؤسسية. في النهاية، الوطن لا يخسر حين يفتح المجال للمتقاعدين ذوي الخبرة، بل يخسر حين يُقصيهم. ومنصة كوادر، بوصفها منصة وطنية، تقف اليوم أمام خيار واضح: إما أن تستمر عبر تطوير فلسفتها وآلياتها بما يواكب مفهوم الاستدامة البشرية، أو أن تبقى في حالة “ تقاعد مؤسسي صامت”، لا يوازي حجم طموح الدولة ولا يحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها. القرار ليس تقنيًا، بل استراتيجياً. والسؤال ما زال قائمًا: منصة كوادر.. «استمرّ أم مت-قاعد».
657
| 25 يناير 2026
في القلوب مساحات لا تملؤها الخطب ولا تختصرها الكلمات، لكنها تنكشف بوضوح عند الفقد. وحين يُذكر الملثم الراحل أبو عبيدة، حذيفة الكحلوت، لا يُستحضر اسمٌ عابر، بل تُستدعى حالة وجدانية صادقة، تشكّلت عبر سنوات من الثبات والانضباط وصدق الكلمة. أحبه الناس لأنه خاطب وعيهم لا غرائزهم، والتزم بالمعنى قبل الصورة، وبالمسؤولية قبل الشهرة. كان حضوره، رغم احتجاب الملامح، أكثر قربًا وتأثيرًا، لأن ما وصل إلى القلوب لم يكن شخصًا بقدر ما كان موقفًا واضحًا، وكلمة موزونة، ونبرة عزة لا تعرف المساومة. ومن هنا، لم يكن الحزن عليه حزنًا على فرد، بل على رمزٍ جسّد معنى الالتزام بالقضية في زمن اختلطت فيه الأصوات وتاهت البوصلة. غير أن هذا الحب الصادق، في ميزان الإيمان، لا يُختبر بالبكاء وحده، بل بالقدرة على تحويل الفقد إلى وعي ومسؤولية. فالقرآن الكريم يقرر منذ البدء أن الدين لا يقوم على الأشخاص مهما علت مكانتهم، بل على المنهج والقيم. يقول الله تعالى:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.هذه الآية ليست خطابًا تاريخيًا، بل قاعدة وعي دائمة: أن غياب الرموز لا يُسقط الواجب، ولا يبرر التراجع، ولا يغيّر من عدالة القضايا شيئًا. من هنا، فإن أول أدوارنا كمسلمين بعد هذا الفقد هو تحرير الإيمان من التعلق بالأشخاص، وردّ القضايا إلى أصولها الشرعية والأخلاقية. فالموت سنّة ماضية لا تستثني أحدًا، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾). والفرق بين أمة حيّة وأمة مرتبكة هو قدرتها على الاستمرار في حمل الرسالة، لا الوقوف عند غياب حامليها. أما الدور الثاني، فهو ضبط الحزن بميزان الإيمان. فالإسلام لا يُنكر الألم، لكنه يرفض أن يتحول إلى يأس أو شلل. يقول الله تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ﴾.فالابتلاء، ومنه فقد الرموز، ليس دليل خذلان، بل وسيلة تمحيص، يَظهر فيها الصادق من المتردد، والثابت من المنفعل. ويأتي الدور الثالث في تحويل الحب إلى مسؤولية عملية. فالنصرة في المفهوم الإسلامي ليست حالة عاطفية عابرة، بل التزام طويل النفس، يتجلى في الكلمة الصادقة، والموقف العادل، والعمل الممكن، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى أن القيمة الحقيقية للإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يُقال عنه بعد رحيله، فقال:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وهو توجيه بليغ بأن الرسائل الصادقة لا تموت بموت أصحابها، بل تبقى ما دام هناك من يحملها بوعي وأمانة. وتتضاعف هنا مسؤولية النخب والمثقفين وأصحاب المنابر، في حماية الوعي العام من اختزال القضايا الكبرى في أسماء أو صور. فالقضية التي تُعلّق على شخص واحد تكون عرضة للانكسار، أما التي تُبنى على وعي جماعي راسخ، فهي أبقى وأقوى. يقول الله تعالى:﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ في إشارة إلى أن التداول سنة، وأن الثبات الحقيقي يكون على المبدأ لا على الظرف. إن أعظم الوفاء للملثم الراحل، ولغيره من الرموز، ليس الاكتفاء بالحزن ولا التعلق بالذكرى، بل الاستمرار على المنهج الذي أحبّه الناس من أجله: وضوح الموقف، صدق الكلمة، والانضباط الأخلاقي في زمن الفوضى. فالله سبحانه لم يعد أهل الحق بطريق خالٍ من الفقد، لكنه وعدهم بحسن العاقبة، فقال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وبهذا الفهم، يتحول الحب من شعور موجِع إلى التزام واعٍ، ويتحوّل الفقد من لحظة انكسار إلى محطة مراجعة، ويغدو دورنا كمسلمين أن نحمل المعنى عندما يغيب الصوت، وأن نصون القضية حين يتبدل حاملوها، وفاءً للحق، لا تعلقًا بالأشخاص.
231
| 09 يناير 2026
لم تعد المخاطر الصحية في عالم اليوم مرتبطة فقط بالأوبئة أو العوامل الوراثية أو أنماط الحياة غير الصحية، بل باتت تتسلل إلينا بهدوء عبر تفاصيل يومية نعيشها دون أن نلتفت إليها. ففي خضم التطور العمراني والتكنولوجي المتسارع الذي تشهده دول الخليج، ومنها دولة قطر، تغيّرت البيئات التي نقضي فيها معظم أوقاتنا، وتحوّلت المساحات المغلقة والمكيّفة وأنماط الاستهلاك الحديثة إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية. ومع هذا التحول، برزت تحديات صحية جديدة، تجلّت في ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وغير المعدية، ما يفرض إعادة النظر في العلاقة بين الصحة والبيئة المحيطة بنا. ورغم التقدم الطبي الكبير في مجالات التشخيص والعلاج، فإن التركيز على الجانب العلاجي وحده لم يعد كافيًا لتفسير هذا الارتفاع أو للحد منه، إذ تشير الشواهد العلمية إلى أن جزءًا مهمًا من المشكلة قد يكمن خارج إطار المستشفيات والعيادات، وتحديدًا في البيئات اليومية التي يعيش ويتحرك فيها الأفراد لساعات طويلة دون وعي بمخاطرها الصحية المحتملة. فالصحة لا تُصنع فقط داخل المنظومة العلاجية، بل تتشكل أيضًا في المنازل، وأماكن العمل، والمدارس، والمرافق العامة. ومع اعتماد نمط الحياة الحديث على البيئات المغلقة والمكيّفة، يقضي معظم الناس اليوم غالبية وقتهم داخل أماكن قد تبدو آمنة ونظيفة ظاهريًا، لكنها قد تحتوي على ملوثات غير مرئية إذا لم تُدار وفق معايير الصحة البيئية السليمة. ويشمل ذلك الهواء الداخلي الرديء الناتج عن ضعف التهوية، والمواد الكيميائية المستخدمة في التنظيف والتطهير، والمنتجات الاستهلاكية التي تطلق مركبات ضارة مع الاستخدام المتكرر، إضافة إلى التعرض المستمر لمواد بلاستيكية ملامسة للأغذية. وتكمن خطورة هذه العوامل في طبيعتها التراكمية، إذ لا تُحدث غالبًا أعراضًا فورية، بل تتسلل آثارها ببطء إلى الجسم، لتظهر نتائجها بعد سنوات في صورة أمراض مزمنة يصعب ربطها بمصدرها البيئي. ولا يقل الغذاء أهمية في هذا السياق، فمع توسع الاعتماد على الوجبات الجاهزة وخدمات التوصيل ومراكز الحمية الغذائية، تبرز تحديات حقيقية تتعلق بجودة المكونات وطرق التحضير والتخزين ومستوى الرقابة الصحية. وعندما تغيب الضوابط الصارمة، قد يتحول الغذاء من عنصر داعم للصحة إلى عامل خطر صامت، يسهم في زيادة العبء الصحي على المجتمع. كما أن بعض البيئات التي يُفترض أن تكون داعمة للصحة، مثل المدارس والنوادي الرياضية والمرافق العامة، قد تصبح عاملًا مضاعفًا للتعرض البيئي إذا كانت سيئة التهوية أو تعتمد على استخدام مكثف للمواد الكيميائية، لا سيما أن النشاط البدني أو التواجد الطويل في هذه الأماكن يزيد من معدل التعرض لما هو موجود في الهواء والبيئة المحيطة. وفي ظل ما نشهده من تحديات صحية متزايدة، يصبح واضحًا أن كثيرًا من الأمراض لا تبدأ داخل الجسم فجأة، بل تتشكل تدريجيًا من خلال بيئات نعيش فيها يوميًا دون وعي كافٍ بتأثيرها. فالبيئة اليومية ليست مجرد إطار لحياتنا، بل عنصراً فاعلاً في تشكيل صحتنا، سلبًا أو إيجابًا. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في بيئة صحية وآمنة ليس خيارًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية لضمان جودة الحياة، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع صحي قادر على تحقيق تطلعات رؤية قطر الوطنية 2030. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الأولويات الصحية، بحيث يُترجم البعد الوقائي للصحة العامة إلى سياسات عملية تعالج جودة البيئات اليومية وتحد من مسببات المرض قبل وقوعه. وهذا التوجه ينسجم بشكل مباشر مع رؤية قطر الوطنية 2030، ولا سيما ركيزة التنمية البشرية التي تؤكد على بناء مجتمع صحي جسديًا ونفسيًا، وركيزة التنمية البيئية التي تدعو إلى تحقيق التوازن بين التنمية وحماية صحة الإنسان. فتعزيز الصحة البيئية، وتحسين جودة الهواء الداخلي، وتشديد الرقابة على الغذاء، وتطوير مؤشرات وطنية للصحة البيئية، تمثل أدوات عملية لتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع. وفي هذا السياق، تقع على عاتق صُنّاع القرار مسؤولية محورية في الانتقال بالصحة العامة من مرحلة الاستجابة إلى مرحلة الاستباق. فحماية صحة المجتمع لم تعد مسألة وعي فردي فقط، بل قرارًا سياسياً يتطلب تشريعات واضحة، ومؤشرات وطنية قابلة للقياس، وتكاملًا حقيقيًا بين قطاعات الصحة والبيئة والتخطيط العمراني. إن الاستثمار في جودة البيئات الداخلية، وتشديد الرقابة على مصادر التعرض البيئي، وإدماج الصحة البيئية ضمن جميع السياسات، لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية تمس جودة الحياة، وتخفف العبء المستقبلي على المنظومة الصحية، وتترجم التزام الدولة بالتنمية المستدامة من شعار إلى واقع ملموس. فالمجتمعات الأكثر وعيًا ببيئتها هي الأكثر قدرة على حماية صحة أفرادها وصناعة مستقبل أكثر أمانًا.
468
| 31 ديسمبر 2025
يأتي اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ليجسد رؤية قيادية تؤمن بأن الاستثمار في الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد والتنمية، وهي رؤية يقودها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الذي أضفى على هذا المشروع بعداً يتجاوز الإطار اللغوي إلى أفق حضاري وإنساني أشمل. فقد شكّل دعم سموه لهذا المعجم دلالة واضحة على إيمانه العميق بدور اللغة العربية في صون الهوية وتعزيز مكانة الأمة في عالم متغير، مؤكداً أن القيادة الواعية هي التي تبني الإنسان من خلال المعرفة كما تبني الأوطان بالقرار والرؤية. وقد جاء حفل اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ليكون أكثر من مناسبة احتفالية بإنجاز لغوي كبير، بل محطة فارقة في الوعي العربي المعاصر، تتجسد فيها قيمة العمل المعرفي الجاد حين يحظى برؤية سياسية واعية، وإرادة مؤسسية صلبة، وإيمان عميق بدور اللغة في بناء الإنسان وصون الهوية. فقد مثّل هذا الحفل تتويجاً لمسار علمي طويل امتد لسنوات، ونجح في إنجاز أحد أضخم المشروعات اللغوية العربية في العصر الحديث، مشروع لم يكتف بتجميع الألفاظ، بل أعاد كتابة سيرة الكلمة العربية عبر أكثر من عشرين قرناً من التحولات الدلالية والحضارية. وحضور حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، لهذا الحدث، أضفى عليه بعداً استثنائياً، مؤكداً أن هذا المشروع ليس عملاً ثقافياً معزولاً، بل جزء من رؤية شاملة تؤمن بأن النهضة تبدأ من المعرفة، وأن اللغة هي عمودها الفقري. فدعم سموه لمعجم الدوحة التاريخي يعكس إدراكاً عميقاً بأن الاستثمار في اللغة العربية هو استثمار في الأمن الثقافي، وفي مستقبل أمة تواجه تحديات العولمة وتآكل الهويات، وتبحث عن أدوات علمية راسخة تعيد لها الثقة بذاتها وقدراتها الحضارية. وقد عكس الحضور العربي والدولي الواسع للحفل المكانة العلمية التي بلغها المعجم، إذ اجتمع مثقفون وباحثون وأكاديميون، ورؤساء مجامع لغوية، وممثلو منظمات إقليمية ودولية، إلى جانب نخبة من المستشرقين المهتمين بالدرس اللغوي العربي. هذا الزخم العلمي أكد أن معجم الدوحة التاريخي لم يعد مشروعاً محلياً أو قطرياً فحسب، بل بات مشروعاً عربياً ذا إشعاع عالمي، يضع اللغة العربية في قلب النقاشات اللسانية المعاصرة، ويعيد تقديمها بوصفها لغة قادرة على الإسهام في البحث العلمي الدولي. وفي هذا السياق، جاءت كلمة سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر، وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، لتمنح المشروع بعده التربوي والنهضوي الأعمق، حين أكدت أن أهمية المعجم لا تكمن فقط في كونه منجزاً لغوياً رائداً، بل في كونه ركيزة أساسية لدعم تعليم اللغة العربية، وبناء المعرفة، وصون الهوية الثقافية في الحاضر والمستقبل. وقد لامست كلمتها جوهر التحدي الثقافي العربي، حين شددت على أن اكتمال المعجم يجب أن يكون استهلالاً لمشروع نهضوي أشمل، لا محطة ختام، في ظل معاناة العمل الفكري العربي من الموسمية وغياب الاستمرارية. وأبرزت الوزيرة القيمة الاستثنائية للمعجم في جديته وطبيعته التراكمية، وفي المؤسسة الحاضنة له، بما تمتلكه من زخم في الإنتاج العلمي، والتأليف، والترجمة، والبرامج الأكاديمية. كما توقفت عند أحد أهم إنجازاته غير المرئية، والمتمثل في قدرته على صهر التباينات الفكرية والمنهجية بين العاملين عليه، رغم اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، ليجتمعوا لأكثر من عقد من الزمن حول مشروع علمي جامع، في مشهد نادر في فضاء عربي يعاني من الاستقطاب وتراجع الحوار المعرفي. ومن جانبه، جاء حديث الدكتور عز الدين البوشيخي، المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي، ليكشف حجم الجهد العلمي والمنهجي الذي انطوى عليه هذا العمل الجبار، مؤكداً أن المعجم ثمرة عمل مؤسسي تراكمي، واجه تحديات علمية كبيرة، تتعلق بتعدد المصادر، وتنوع الاستعمالات، ودقة التحقق من المصطلحات في مختلف الحقول المعرفية. وقد أوضح أن المعجم لم يكن مشروعاً تقنياً أو لغوياً تقليدياً، بل رؤية معرفية شاملة تهدف إلى حفظ الهوية اللغوية، وإعادة الثقة للأمة بقدرتها على إنجاز مشروعات علمية كبرى ذات نفس طويل. وفي المحصلة، فإن حفل اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية لم يكن احتفاءً بكتاب أو منصة رقمية، بل احتفاءً بفكرة النهضة ذاتها، حين تتوافر لها القيادة الراعية، والمؤسسة الجادة، والعقل العلمي المنفتح. وهو إنجاز يضاف إلى سجل الأعمال الحضارية لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ويؤكد أن قيادته لا تقتصر على إدارة الحاضر، بل تمتد إلى بناء الوعي وصناعة المستقبل. فبدعمه لمشروع بحجم معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، يرسخ سموه نموذج القائد الذي يدرك أن اللغة هي روح الأمة، وأن صونها وتطويرها هو أحد أنبل أشكال العمل الوطني والعربي المشترك. كما يؤكد أن قطر لا تنظر إلى الثقافة بوصفها ترفاً، بل باعتبارها ركيزة استراتيجية لبناء الإنسان، وجسراً للتلاقي العربي، وأداة فاعلة لصناعة مستقبل أكثر وعياً، وعدلاً، وإنسانية.
243
| 26 ديسمبر 2025
لم يعد ارتفاع معدلات السرطان بين الفتيات والنساء في قطر مجرد مؤشر صحي يمكن تجاوزه، بل أصبح ظاهرة تستدعي البحث الجاد والتفكير العميق. وبرغم ما تشهده الدولة من تطور طبي وتقدّم في خدمات الكشف والعلاج، تبقى الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع غير واضحة تمامًا، مما يعزز الشكوك حول دور عوامل بيئية صامتة لا نراها، لكنها تترك أثرًا متراكمًا على صحة النساء. لقد تغيّر نمط الحياة في البيوت والمجتمع خلال السنوات الأخيرة بصورة سريعة. منازل مغلقة معظم العام، استخدام يومي كثيف للعطور والبخور ومواد العناية الشخصية، انتشار البلاستيك في أغلب أدوات الطعام والشراب، واعتماد متزايد على الأغذية المحضرة خارج المنزل وكذلك الوجبات الجاهزة. ومع ذلك، ما يزال التعرض للمواد الكيميائية والملوثات الدقيقة غير مدروس بشكل كافٍ في البيئة المحلية، رغم الدور المحتمل لهذه المواد في اضطرابات الغدد والسرطان بحسب الأدبيات العلمية العالمية. ولا يمكن تجاهل جانب آخر بدأ يظهر بوضوح في حياة الفتيات والنساء، وهو سلامة الغذاء. فالكثير من الفتيات يشتركن في مراكز دايت تقدم وجبات جاهزة يوميًا دون وجود رقابة كافية على مكوّناتها، أو جودة المواد المستخدمة فيها، أو طرق تحضيرها وتخزينها. ومع غياب الفحص الدقيق، تصبح احتمالات التلوث الكيميائي أو سوء الجودة أو الاستخدام غير المنضبط للمواد المضافة أمرًا واردًا، ما يجعل الغذاء عاملًا بيئيًا لا يمكن استبعاده عند مناقشة أسباب المرض. وفي السياق ذاته، تبرز الصالات الرياضية المغلقة كبيئة أخرى لا تحظى بالاهتمام المطلوب. فرغم الإقبال الكبير للفتيات على الاشتراك فيها، إلا أن العديد من هذه الصالات تعاني من سوء جودة الهواء الداخلي نتيجة ضعف التهوية والازدحام، بينما يُستخدم العطر الصناعي بكثافة لإخفاء الروائح بدلاً من معالجة المشكلة من أساسها. هذا يحدث غالبًا دون رقابة صحية بيئية منتظمة من الجهات المختصة، ما يجعل التعرض للملوثات الجوية في هذه الأماكن أحد العوامل التي يجب التوقف عندها. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى دراسة وطنية واسعة النطاق تعيد رسم الصورة الحقيقية لتأثير البيئة على صحة النساء في قطر. فبدون بيانات دقيقة ومسوحات منهجية، يبقى الحديث عن الأسباب مجرد تخمينات. هذه الدراسة لا بد أن تشمل قياس جودة الهواء الداخلي والخارجي، فحص المواد الكيميائية في مستحضرات التجميل والعطور، تقييم سلامة الغذاء بما في ذلك مراكز الدايت، وتحليل المواد البلاستيكية والملدنات المنتشرة في حياتنا اليومية، إضافة إلى دراسة أنماط السلوك الصحي والرياضي للفتيات والنساء. ولأن الصحة البيئية ليست مسؤولية جهة واحدة، فإن التعاون بين الجهات الحكومية والبحثية يصبح حجر الأساس لأي جهد ناجح. فوزارة الصحة العامة تمتلك البيانات الوبائية وبعض بيانات الهواء، ووزارة البيئة والتغير المناخي مسؤولة عن قياس واستلام جميع بيانات الملوثات الهوائية عبر شبكة كبيرة من المحطات المرتبطة، ومؤسسة حمد الطبية تمتلك الخبرة السريرية، بينما توفر جامعة قطر ومؤسسة كيري والمختبرات الوطنية القدرة البحثية والفحص العلمي. إن جمع هذه الأطراف في مشروع بحثي واحد سيُنتج للمرة الأولى قاعدة بيانات وطنية دقيقة تربط بين التعرض البيئي والنتائج الصحية، وتسمح بوضع سياسات وقاية مبنية على الأدلة لا على التوقعات. فهناك أسئلة تحتاج إلى علم يجيب عنها: هل تُسهم الملوثات غير المرئية داخل البيوت في زيادة خطر الإصابة؟ هل للغذاء غير المراقَب دور في تغيير الهرمونات أو تعزيز الالتهابات؟ هل الصالات الرياضية المغلقة بيئة صحية بالفعل أم مصدر جديد للتعرض للملوثات؟ وما حجم تأثير المواد الكيميائية في مستحضرات التجميل والبلاستيك والعطور على صحة المرأة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية صحة بنات قطر ونسائها. فالعوامل البيئية الصامتة قد لا تُرى، لكنها تترك أثرًا لا يمكن تجاهله. وحان الوقت لتحويلها من مخاطر خفية إلى معرفة علمية واضحة تقود إلى سياسات وقاية حقيقية تحفظ صحة المرأة اليوم… وغدًا.
510
| 23 ديسمبر 2025
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظمة الصحية عالميًا إلى تشديد ضوابط جودة الهواء الداخلي في المستشفيات، لا تزال أغلب المنشآت الصحية الخاصة في قطر تستخدم معطّرات الجو داخل الممرات وغرف الانتظار، رغم أن الأدلة العلمية تؤكد أن هذه المنتجات ليست مجرد روائح لطيفة، بل مزيج من مركّبات عضوية متطايرة قد تُلحق الضرر حتى بالأصحّاء، فكيف بالمرضى الذين يفدون إلى المستشفى بحثًا عن بيئة علاجية آمنة وخالية من الملوثات؟ لقد أثبتت دراسات علمية، من بينها مراجعات منشورة في ScienceDirect وتقارير Health Care Without Harm، أن معطّرات الجو تحتوي غالبًا على مركّبات مثل الفورمالديهايد والفثالات والتولوين، وهي مواد ترتبط مباشرة بتهيج الجهاز التنفسي، وزيادة نوبات الربو، وارتفاع معدلات الحساسية الصدرية لدى الفئات الهشّة كالمرضى وكبار السن والأطفال والنساء المصابات بأمراض تنفسية. كما توصي الإرشادات الدولية مثل ASHRAE ووكالة حماية البيئة EPA بالامتناع عن استخدام أي مواد عطرية أو روائح صناعية داخل منشآت الرعاية الصحية، لأن الرائحة “النظيفة” في المستشفى يجب أن تكون نتاج تهوية جيدة وممارسات تنظيف آمنة، وليس نتيجة إخفاء الروائح بمواد كيميائية إضافية. ولا تتوقف المشكلة عند الضرر المرتبط بالمواد الكيميائية نفسها، بل تتفاقم بسبب غياب التنسيق بين الإدارات المختصة (التراخيص الطبية، الصحة البيئية، منع العدوى) داخل المنظومة الصحية. ففي حين تُناط الرقابة الفنية بإدارة معينة، تحتاج إدارات أخرى إلى ممارسة دورها التنظيمي والتكميلي لضمان التزام المنشآت بالمعايير. وحين تتداخل الأدوار أو تتركز الرغبة في إبراز إنجاز إدارة على حساب أخرى، يختلّ الهدف الحقيقي: حماية صحة المرضى والمراجعين، لا تسجيل نقاط إدارية. وعندما يغيب التكامل بين الجهات المعنية، يصبح المرضى أول المتضررين، وتتحول المعطّرات من تفصيل تجميلي إلى مسبب حقيقي للأزمات التنفسية. ولأن الميدان هو المرآة الأصدق، فإن الخبرة المهنية الميدانية داخل قطر — بما في ذلك زياراتي الشخصية لعدد كبير من المستشفيات الخاصة خلال مراجعات طبية متعددة — تكشف أن استخدام المعطّرات أصبح ممارسة واسعة الانتشار في هذه المنشآت. إذ تُضَخ الروائح العطرية في غرف الانتظار والممرات، بل وفي بعض الأقسام العلاجية، في مخالفة واضحة لأسس جودة الهواء الداخلي. ولذلك، فإن أي معالجة جادّة لهذه القضية تبدأ بتوحيد الدور الرقابي عبر قرار صريح يمنع استخدام المعطّرات داخل المستشفيات، ثم إنشاء آلية حكومية مشتركة تضمن متابعة جودة الهواء بشكل دوري وفق معايير معترف بها دوليًا، ثم تعزيز الرقابة عبر فرق تفتيش متخصصة تمتلك الصلاحيات الفنية اللازمة، ثم إطلاق حملات توعية تستهدف الكوادر الطبية والإدارية في القطاع الخاص لتوضيح مخاطر المركّبات العضوية المتطايرة وبدائل التحكم بالروائح، ثم إلزام المرافق الصحية بنشر تقارير دورية حول جودة الهواء تقدم للوزارة لضمان الشفافية والالتزام وتتم مشاركة العامة بها. وبهذه الخطوات المتتابعة والمتكاملة، يمكن للمنظومة الصحية في قطر أن تحمي المرضى من ملوثات يمكن تجنبها بسهولة، وأن تعيد الاعتبار لجوهر المستشفى بوصفه مكانًا للعلاج لا ممرًا للعطور الصناعية. إن حماية صحة العامة لا يجب أن تكون محل خلاف إداري، ولا ساحة تنازع للأدوار. فالمريض الذي يدخل المستشفى بحثًا عن علاج، لا يجب أن يخرج منه بأزمة ربو أو حساسية لم تكن ضمن قائمة أوجاعه. وحين يُسدّ الفراغ التنظيمي، ويتكامل التنسيق، وتُقدّم صحة الإنسان على أي اعتبارات أخرى، تصبح جودة الهواء جزءًا من جودة الرعاية نفسها، ويصبح الحق في هواء نقي داخل المستشفى حقًا لا نقاش فيه.
363
| 01 ديسمبر 2025
في إحدى قاعات الانتظار بمركز صحي مزدحم، جلس طفل صغير لا يتجاوز الثالثة من عمره بهدوء إلى جانب والده وخادمته، ممسكًا بجهاز جوال يتنقل بين مقاطع الفيديو . نظرت إليه وقلت ممازحة: «مب زين حق عينك”»، فابتسم والده ورد قائلاً: «أخذ اليوم تطعيمه ونحاول التخفيف من الألم..لم يكن هذا المشهد غريبًا، فقد أصبح مألوفًا في حياتنا اليومية أن نرى أطفالًا بالكاد يتحدثون، تتدلى بين أيديهم الأجهزة الذكية وكأنها امتداد لأصابعهم الصغيرة. لكن ما يبدو وسيلة بريئة لإشغال الطفل أو تهدئته يخفي خلفه خطرًا صامتًا يهدد صحته ونموه. توصيات منظمة الصحة العالمية والأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تنص بوضوح على ضرورة عدم تعريض الأطفال دون سن الرابعة للشاشات الإلكترونية مطلقًا، والاكتفاء بمدة لا تتجاوز ساعة واحدة يوميًا لمن تجاوزوا هذه السن، وتكون تحت إشراف الوالدين. السبب بسيط لكنه جوهري: أجسام الأطفال وأجهزتهم العصبية والبصرية ما زالت في طور النمو، وأي تحفيز مفرط أو تعرض مطوّل للضوء المنبعث من الشاشات يربك هذا النمو الطبيعي ويؤثر على توازنهم الجسدي والعقلي. وقد كشفت دراسات طبية حديثة أن الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات يعانون من إجهاد العين وجفافها بسبب الإضاءة القوية والتركيز المستمر، إضافة إلى اضطرابات في النوم نتيجة تأثير الضوء الأزرق على هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم. كما رُصدت حالات تأخر في تطور اللغة وضعف في مهارات التواصل الاجتماعي بسبب انشغال الطفل بالعالم الرقمي وابتعاده عن التفاعل الإنساني المباشر، وهو أحد أهم ركائز النمو العقلي والعاطفي في هذه المرحلة الحساسة من العمر.. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير تقارير طبية إلى علاقة وثيقة بين الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية وزيادة معدلات السمنة والخمول لدى الأطفال نتيجة قلة النشاط الحركي، فضلاً عن ضعف التركيز وتشتت الانتباه. ورغم معرفة كثير من الأهالي بهذه المخاطر، يجدون أنفسهم في مأزق بين حاجة الطفل للتهدئة وحاجتهم للانشغال أو الانتظار، فيلجؤون إلى الحل الأسهل: الجهاز الإلكتروني. لكن البدائل موجودة ومتاحة، وتحتاج فقط إلى القليل من الصبر والوعي. يمكن للوالدين حمل بطاقات الصور أو الحروف لمراجعتها مع الطفل، أو اصطحاب ألعاب التركيب والمكعبات التي تنمي الخيال والتركيز. كما يمكنهم قراءة القصص المصورة أو تشجيع الطفل على اللعب اليدوي البسيط كالعجين أو الألوان، فهذه الأنشطة ترفّه عنه وتبني في الوقت ذاته جسورًا من التواصل الحقيقي بين الطفل ووالديه. ولا تقتصر المسؤولية على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المراكز الصحية والمدارس والمؤسسات التربوية التي يمكنها المساهمة في نشر الوعي من خلال وضع لوحات توعوية تحمل رسائل بسيطة مثل: «الجهاز ليس لعبة آمنة لطفلك» أو «عينا طفلك تستحقان الراحة». كما يمكنها توزيع نشرات إرشادية للأهالي وتنظيم فعاليات تفاعلية للأطفال تشجع على الأنشطة الواقعية وتحد من الإدمان الرقمي المتسلل إلى تفاصيل حياتهم اليومية. وقد حذّرت مؤسسات صحية قطرية من هذا السلوك المتنامي. ففي دراسة وطنية أصدرتها مؤسسة الرعاية الصحية الأولية (PHCC) عام 2022، تبين أن الاستخدام المطوّل للأجهزة الرقمية لدى الأطفال والمراهقين ارتبط باضطرابات في النوم وزيادة السلوكيات الخاملة. كما أوصت مؤسسة حمد الطبية (HMC) بعدم السماح للأطفال دون سن الثانية باستخدام الشاشات الترفيهية، والتنبيه على مراقبة الوقت المخصص لها لتفادي إجهاد العين والمشكلات البصرية. إننا اليوم أمام تحدٍ صحي وتربوي حقيقي، فبينما نبحث عن وسيلة لإسعاد أطفالنا أو تهدئتهم، قد نغفل عن أننا نسلبهم شيئًا أثمن: بريق عيونهم وصفاء عقولهم. فلنكن أكثر وعيًا، ولنتذكر دائمًا أن الشاشات ليست لعبة آمنة، وأن طفولتهم تستحق الحماية والرعاية.
621
| 19 نوفمبر 2025
في السنوات الأخيرة، أصبحت الأغاني تصدح في كل مكان نذهب إليه تقريبًا؛ في المطاعم والمقاهي والفنادق والأندية الرياضية، بل حتى في الحدائق العامة ومسارات المشي التي يفترض أن تكون متنفسًا طبيعيًا للناس. لا تكاد تجد مكانًا يخلو من أصوات الأغاني أو الموسيقى المرتفعة أو الإيقاعات المتكررة التي ترافقك أينما ذهبت، وكأن الهدوء أصبح ترفًا نادرًا لا يُمنح إلا داخل الجدران المغلقة. هذه الظاهرة الجديدة تثير تساؤلات كثيرة حول مدى انسجامها مع قيم مجتمعنا المسلم المحافظ، الذي اعتاد احترام خصوصية الناس ومراعاة مشاعرهم واختلاف أذواقهم. فالموسيقى الصاخبة ليست مجرد “خلفية صوتية” كما يُروَّج لها، بل هي ممارسة تُفرض على الجميع دون استئذان، وتتناقض مع ما دعا إليه الإسلام من تهذيب السمع وغضّه عن كل ما يثير الغفلة أو يزعج الآخرين. نحن مجتمع تربّى على أن الأصوات الهادئة والذكر والقرآن هي ما يريح النفس ويبعث الطمأنينة، فكيف تحوّل المشهد فجأة إلى إيقاعات تُلاحقنا حتى ونحن نطلب الراحة أو الخلوة بأنفسنا؟ وكيف تحوّلت أماكننا العامة إلى مسارح مفتوحة للضجيج، تُفرض فيها الإيقاعات على من يريد السكينة والتأمل أو حتى جلسة عائلية هادئة؟ من زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل الجانب الصحي والنفسي لهذا الإزعاج الصوتي المتزايد. فقد أكدت دراسات طبية أن الأصوات المرتفعة والمتكررة في الأماكن العامة تُسبب توترًا للجهاز العصبي، وترفع من مستويات القلق، وتؤثر على جودة النوم والمزاج العام. الصوت المرتفع – ولو لم ندركه – يرفع معدل ضربات القلب وضغط الدم ويقلل من التركيز، حتى أثناء تناول الطعام أو ممارسة الرياضة أو القراءة. إن البيئة الصاخبة تُفقد الإنسان توازنه النفسي شيئًا فشيئًا، فيتحول الخروج من المنزل إلى معركة مع الضجيج بدل أن يكون وسيلة للراحة أو الاستجمام. الأمر لا يتوقف عند التأثير الصحي، بل يتجاوز ذلك إلى الحق في الهدوء كجزء من الحرية الشخصية التي ينبغي احترامها. كثير من الناس يخرج إلى المقهى أو الحديقة أو المطعم ليقرأ، أو ليتأمل، أو ليستمتع بصحبة أسرته في جو هادئ. فما الذي يمنح الآخرين الحق في إرغامه على الاستماع إلى ما لا يريد؟ ولماذا يُراعى ذوق من يرغب بسماع الأغاني، بينما يُتجاهل حق من يبحث عن السكون والهدوء؟ من يريد السماع فله كل الحرية في ذلك، يستطيع ببساطة أن يضع سماعته في أذنه ويختار ما يشاء من هاتفه، دون أن يفرض ذوقه على الآخرين. إن احترام التنوع والاختلاف لا يكون بفرض الصوت الأعلى، بل بإتاحة مساحة للجميع. الهدوء ليس خيارًا أقل شأنًا من الموسيقى، بل هو حاجة إنسانية أساسية وحق ينبغي أن يُصان. مجتمعنا المسلم الذي اعتاد الطمأنينة لا يليق به أن يُحاصر بالضجيج في كل زاوية. الأغاني التي تُفرض على الناس ليست تعبيرًا عن الحداثة، بل مظهر من مظاهر الفوضى الثقافية التي تُفقدنا أصالتنا وتُرهق أرواحنا. نحن بحاجة إلى استعادة توازننا بين الترفيه والسكينة، بين الذوق العام وحق الفرد في الهدوء. فالأذن، مثل القلب، لها حق في الراحة، ولا ينبغي أن يُنتزع منها ذلك الحق بحجة “المتعة العامة”. الظاهرة تستدعي وقفة من الجهات المعنية - من البلديات إلى وزارات البيئة والسياحة والثقافة والصحة -. ؛ فكما توجد قوانين لحماية البيئة من التلوث البصري والهوائي، لا بد من وضع ضوابط للضوضاء الصوتية في الأماكن العامة، احترامًا لصحة الناس وثقافتهم وقيمهم الدينية والاجتماعية، ووضع تنظيمات واضحة تحافظ على الهدوء العام، وتحدّد مستوى الصوت المسموح بها في الأماكن العامة والمرافق الترفيهية. كما يمكن تشجيع أصحاب المنشآت على توفير “مناطق هادئة” خالية من الموسيقى، احترامًا لتنوع الأذواق وحرية الاختيار. فالسكينة قيمة جمالية وروحية، والحفاظ عليها واجب مجتمعي قبل أن يكون مطلبًا شخصيًا.
903
| 30 أكتوبر 2025
لم تعد مراكز الحمية، أو ما يعرف بالـ«دايت سنتر»، خيارًا ترفيهيًا أو موضة مؤقتة، بل أصبحت جزءًا من حياة كثير من الناس الذين يسعون للحفاظ على صحتهم أو أوزانهم، أو من تفرض عليهم ظروفهم المرضية نظامًا غذائيًا محددًا. ومع ازدياد الاعتماد على هذه المراكز، تصاعدت التساؤلات حول مدى التزامها بمعايير السلامة وجودة الغذاء، ومدى مطابقة ما تقدمه للمحتوى الغذائي المعلن على بطاقاتها. فالعديد من المستهلكين يختارون هذه المراكز ظنًا منهم أنهم يحصلون على طعام صحي ومتوازن، لكن الواقع في بعض الحالات يكشف عن مخالفات لا يمكن التغاضي عنها. فضعف النظافة، وسوء التخزين، وعدم الالتزام بدرجات الحرارة المناسبة أثناء النقل، أمور باتت تتكرر في شكاوى المستهلكين. والأسوأ من ذلك أن هذه المراكز تخدم فئات حساسة صحيًا مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، ما يجعل أي خطأ في الإعداد أو الحفظ خطيرًا على صحة المتلقي. لذلك فإن الرقابة الصحية على هذه المراكز يجب أن تكون أكثر صرامة من تلك المفروضة على المطاعم التقليدية، لأن ما يُقدَّم فيها ليس مجرد وجبة طعام، بل غذاء علاجي موجَّه لفئة محددة من الناس. ولا يقتصر الأمر على النظافة وسلامة التحضير، بل يتعداه إلى جانب لا يقل أهمية وهو مصداقية البطاقات الغذائية. فكثير من الوجبات التي تُسوَّق على أنها تحتوي على عدد محدد من السعرات الحرارية أو نسب معينة من البروتين والدهون، تُظهر عند التحليل اختلافًا واضحًا عن المعلن. هذا التفاوت لا يعني فقط تضليل المستهلك، بل يُعد مخالفة صريحة لمعايير الجودة والسلامة، ويقوض الثقة بين المستهلك وهذه المراكز التي يُفترض أن تكون نموذجًا للالتزام والدقة. لقد اضطرت بعض الأسر، ومن بينها كاتبة هذه السطور، إلى تغيير أربعة مراكز حمية خلال شهرين فقط بسبب تدني السلامة الغذائية وضعف جودة الطعام وعدم مطابقة القيم الغذائية للواقع، وهي تجربة ليست فردية، بل تتكرر لدى كثير من المستهلكين الذين باتوا يفقدون الثقة بما يُقدَّم لهم تحت شعار «الغذاء الصحي». هذه الحالات تكشف وجود فجوة واضحة في آليات الرقابة والتفتيش، وتستدعي إعادة النظر في الإجراءات المتبعة لضمان سلامة الغذاء وجودته في هذه المراكز. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرك جاد من الجهات المختصة، سواء كانت وزارة الصحة أو البلديات أو الأجهزة المعنية بالرقابة الغذائية على الجودة والتزام المواصفات، لتكثيف الجولات التفتيشية المفاجئة، وإجراء تحاليل دورية للوجبات للتحقق من مطابقتها للبطاقات الغذائية، إضافة إلى فرض عقوبات رادعة على المراكز المخالفة. كما أن إشراك المستهلك في الرقابة عبر الإبلاغ عن أي ملاحظات أو مخالفات يعد خطوة مهمة نحو رفع مستوى الوعي وتعزيز الشفافية. ولتحقيق ذلك بفعالية، من الضروري وضع آلية متكاملة تضمن استمرار الرقابة وتطورها، من خلال تدريب العاملين في هذه المراكز على أفضل ممارسات النظافة وسلامة الغذاء، وتحديث لوائح الترخيص بحيث تعتمد على نتائج الفحوص الميدانية والمخبرية لا على المستندات الورقية فقط، وإنشاء منصة إلكترونية تتيح للجمهور الاطلاع على تصنيف المراكز الغذائية والإبلاغ عن المخالفات بسهولة، مما يعزز من ثقة المجتمع في منظومة الرقابة، فذلك واقعٌ يستحق التحرك.
1326
| 20 أكتوبر 2025
يعد الأدب وسيلة مؤثرة لنقل الأفكار وإلهام الآخرين، وله تأثير كبير في بناء فهم أعمق للقضايا الاجتماعية، ومنها قضايا ذوي الإعاقة. وقد شاركت في حلقة نقاشية تمت الدعوة لها عبر مركز الشفلح، ناقشت عدة محاور، كان من ضمنها: دور الكاتب في دعم الإنتاج الأدبي الموجه لذوي الإعاقة. وأحببت مشاركة الأعزاء القراء في هذا المحور عبر هذا المقال. مما لا شك فيه أن الكاتب يلعب دورًا حيويًا في دعم هذه الفئة من خلال تقديم محتوى أدبي يعبر عنهم، ويبرز احتياجاتهم وتحدياتهم، ويعزز من شمولية المجتمع وتقبله للتنوع. فالأدب ليس مجرد سرد للقصص، بل يمكن أن يكون أداة للتمكين ونقل الرسائل الإنسانية بطريقة جذابة وفعالة تتجاوز الكلمات لتصل إلى القلوب والعقول. ولعل من أول الأدوار التي يجب على الكاتب التركيز عليها تقديم محتوى أدبي يسهل فهمه ويصل لذوي الإعاقة بمختلف فئاتهم، حيث يُفضَّل أن تكون اللغة المستخدمة واضحة وبسيطة، مع تجنب التعقيد اللغوي؛ لأن ذلك يساعد القراء من ذوي الإعاقة الذهنية أو الذين يواجهون صعوبات في القراءة على التفاعل مع النصوص بسهولة. ولتحقيق أكبر قدر من الشمولية، يمكن للكاتب استخدام عناصر بصرية مساعدة، مثل الأشكال التوضيحية والرموز، خاصة إذا كان النص موجهًا للأطفال أو لذوي الإعاقات الذهنية. إلى جانب ذلك، من الضروري توفير بدائل متنوعة للوصول إلى النصوص الأدبية، كنسخ الكتب الصوتية التي تناسب المكفوفين، أو النسخ المكتوبة بلغة برايل، أو حتى النسخ الإلكترونية التي تتضمن خاصية تحويل النصوص إلى صوت. وهكذا، يتمكن الكاتب من جعل الأدب متاحًا للجميع، بغض النظر عن التحديات التي يواجهونها في القراءة. بالإضافة إلى ما سبق، يلعب الكاتب دورًا محوريًا في تعزيز القيم الإيجابية والمساواة من خلال تقديم شخصيات من ذوي الإعاقة بصورة حقيقية وإيجابية. فبدلًا من تصويرهم كضحايا يحتاجون إلى الشفقة أو كأبطال خارقين بصورة مثالية مبالغ فيها، يمكن أن يعرضهم الكاتب كشخصيات طبيعية لديها قدرات وتحديات، مما يسهم في بناء صور غير نمطية ويكسر الحواجز بين أفراد المجتمع. ومن هنا، فإن إدراج شخصيات من ذوي الإعاقة ضمن أحداث القصص يسهم في تعزيز قيم التنوع والاندماج، ويمنح القراء من ذوي الإعاقة الفرصة لرؤية أنفسهم ممثلين في الأدب، مما يعزز من ثقتهم بأنفسهم ويسهم في تحسين صحتهم النفسية، خاصة عند الأطفال الذين يحتاجون إلى شخصيات إيجابية تماثل تجاربهم. علاوة على ذلك، يفتح الأدب التفاعلي آفاقًا جديدة لدعم ذوي الإعاقة بشكل مبتكر، حيث يمكن للكاتب، من خلال تطبيقات الأدب التفاعلي، تقديم محتوى يجمع بين النصوص والصور والأصوات ليخلق تجربة شاملة تلائم مختلف احتياجات ذوي الإعاقة. فمثل هذه التطبيقات يمكن أن تتضمن تقنية اللمس للمساعدة على التفاعل مع النصوص، وخاصية التحكم الصوتي التي تسهّل على الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية التفاعل مع المحتوى بسهولة. كما أن الأدب التفاعلي يقدم تجربة ممتعة، مما يعزز من دمج ذوي الإعاقة في العالم الأدبي ويجعل من القراءة نشاطًا مشوقًا ومناسبًا لهم. وهكذا، لا تتوقف مسؤولية الكاتب عند حدود السرد الأدبي، بل تتسع لتشمل دوره في بناء مجتمع يرحب بالتنوع ويشجع على تقبل الآخرين. إذ إن دعم ذوي الإعاقة من خلال الأدب يتطلب من الكاتب أن يقدم نصوصا تراعي الشمولية والتنوع، وتتناول قصص شخصيات تعكس تجاربهم وحياتهم اليومية بواقعية واحترام. وبهذا، يسهم الأدب في تمكين ذوي الإعاقة وتعزيز حضورهم الفاعل في المجتمع، حيث تصبح النصوص الأدبية وسيلة لفتح آفاق جديدة، تدمج ذوي الإعاقة في النسيج الثقافي والاجتماعي، وتتيح لهم فرصة التعبير عن أنفسهم واكتساب مكانة مهمة في العالم الأدبي. ختامًا، لا شك أن الأدب يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتحقيق التفاهم والتكامل الاجتماعي، وهذا ما يجعل دور الكاتب في دعم ذوي الإعاقة أمرًا بالغ الأهمية. إن الكتابة لهذه الفئة تتطلب وعياً وتفانياً لتقديم محتوى أدبي يعزز من قدرتهم على التواصل ويسهم في نشر الوعي المجتمعي بأهمية احتضان الجميع. وحين يتمكن الكاتب من بناء نصوص تراعي احتياجات ذوي الإعاقة وتنقل قصصهم بأسلوب واقعي وإيجابي، فإنه يضع حجر الأساس لبناء مجتمع أكثر شمولية، يقدر الاختلاف ويرى في التنوع عنصرًا أساسيًا للتعايش والنمو المشترك.
681
| 17 نوفمبر 2024
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
3129
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
1914
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1662
| 10 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...
888
| 12 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
867
| 10 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
699
| 11 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
624
| 16 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
618
| 11 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
603
| 09 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
537
| 09 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
531
| 12 فبراير 2026
في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل أن...
462
| 12 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
[email protected]
@faalotoum
عدد المقالات 46
عدد المشاهدات 101034
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل