رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
[email protected]
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

474

فاطمة العتوم

بيئة يومية... وأمراض تتسلل بهدوء

31 ديسمبر 2025 , 02:44ص

لم تعد المخاطر الصحية في عالم اليوم مرتبطة فقط بالأوبئة أو العوامل الوراثية أو أنماط الحياة غير الصحية، بل باتت تتسلل إلينا بهدوء عبر تفاصيل يومية نعيشها دون أن نلتفت إليها. ففي خضم التطور العمراني والتكنولوجي المتسارع الذي تشهده دول الخليج، ومنها دولة قطر، تغيّرت البيئات التي نقضي فيها معظم أوقاتنا، وتحوّلت المساحات المغلقة والمكيّفة وأنماط الاستهلاك الحديثة إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية. ومع هذا التحول، برزت تحديات صحية جديدة، تجلّت في ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وغير المعدية، ما يفرض إعادة النظر في العلاقة بين الصحة والبيئة المحيطة بنا.

ورغم التقدم الطبي الكبير في مجالات التشخيص والعلاج، فإن التركيز على الجانب العلاجي وحده لم يعد كافيًا لتفسير هذا الارتفاع أو للحد منه، إذ تشير الشواهد العلمية إلى أن جزءًا مهمًا من المشكلة قد يكمن خارج إطار المستشفيات والعيادات، وتحديدًا في البيئات اليومية التي يعيش ويتحرك فيها الأفراد لساعات طويلة دون وعي بمخاطرها الصحية المحتملة. فالصحة لا تُصنع فقط داخل المنظومة العلاجية، بل تتشكل أيضًا في المنازل، وأماكن العمل، والمدارس، والمرافق العامة.

ومع اعتماد نمط الحياة الحديث على البيئات المغلقة والمكيّفة، يقضي معظم الناس اليوم غالبية وقتهم داخل أماكن قد تبدو آمنة ونظيفة ظاهريًا، لكنها قد تحتوي على ملوثات غير مرئية إذا لم تُدار وفق معايير الصحة البيئية السليمة. ويشمل ذلك الهواء الداخلي الرديء الناتج عن ضعف التهوية، والمواد الكيميائية المستخدمة في التنظيف والتطهير، والمنتجات الاستهلاكية التي تطلق مركبات ضارة مع الاستخدام المتكرر، إضافة إلى التعرض المستمر لمواد بلاستيكية ملامسة للأغذية. وتكمن خطورة هذه العوامل في طبيعتها التراكمية، إذ لا تُحدث غالبًا أعراضًا فورية، بل تتسلل آثارها ببطء إلى الجسم، لتظهر نتائجها بعد سنوات في صورة أمراض مزمنة يصعب ربطها بمصدرها البيئي.

ولا يقل الغذاء أهمية في هذا السياق، فمع توسع الاعتماد على الوجبات الجاهزة وخدمات التوصيل ومراكز الحمية الغذائية، تبرز تحديات حقيقية تتعلق بجودة المكونات وطرق التحضير والتخزين ومستوى الرقابة الصحية. وعندما تغيب الضوابط الصارمة، قد يتحول الغذاء من عنصر داعم للصحة إلى عامل خطر صامت، يسهم في زيادة العبء الصحي على المجتمع.

كما أن بعض البيئات التي يُفترض أن تكون داعمة للصحة، مثل المدارس والنوادي الرياضية والمرافق العامة، قد تصبح عاملًا مضاعفًا للتعرض البيئي إذا كانت سيئة التهوية أو تعتمد على استخدام مكثف للمواد الكيميائية، لا سيما أن النشاط البدني أو التواجد الطويل في هذه الأماكن يزيد من معدل التعرض لما هو موجود في الهواء والبيئة المحيطة.

وفي ظل ما نشهده من تحديات صحية متزايدة، يصبح واضحًا أن كثيرًا من الأمراض لا تبدأ داخل الجسم فجأة، بل تتشكل تدريجيًا من خلال بيئات نعيش فيها يوميًا دون وعي كافٍ بتأثيرها. فالبيئة اليومية ليست مجرد إطار لحياتنا، بل عنصراً فاعلاً في تشكيل صحتنا، سلبًا أو إيجابًا. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في بيئة صحية وآمنة ليس خيارًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية لضمان جودة الحياة، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع صحي قادر على تحقيق تطلعات رؤية قطر الوطنية 2030.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الأولويات الصحية، بحيث يُترجم البعد الوقائي للصحة العامة إلى سياسات عملية تعالج جودة البيئات اليومية وتحد من مسببات المرض قبل وقوعه. وهذا التوجه ينسجم بشكل مباشر مع رؤية قطر الوطنية 2030، ولا سيما ركيزة التنمية البشرية التي تؤكد على بناء مجتمع صحي جسديًا ونفسيًا، وركيزة التنمية البيئية التي تدعو إلى تحقيق التوازن بين التنمية وحماية صحة الإنسان. فتعزيز الصحة البيئية، وتحسين جودة الهواء الداخلي، وتشديد الرقابة على الغذاء، وتطوير مؤشرات وطنية للصحة البيئية، تمثل أدوات عملية لتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، تقع على عاتق صُنّاع القرار مسؤولية محورية في الانتقال بالصحة العامة من مرحلة الاستجابة إلى مرحلة الاستباق. فحماية صحة المجتمع لم تعد مسألة وعي فردي فقط، بل قرارًا سياسياً يتطلب تشريعات واضحة، ومؤشرات وطنية قابلة للقياس، وتكاملًا حقيقيًا بين قطاعات الصحة والبيئة والتخطيط العمراني. إن الاستثمار في جودة البيئات الداخلية، وتشديد الرقابة على مصادر التعرض البيئي، وإدماج الصحة البيئية ضمن جميع السياسات، لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية تمس جودة الحياة، وتخفف العبء المستقبلي على المنظومة الصحية، وتترجم التزام الدولة بالتنمية المستدامة من شعار إلى واقع ملموس. فالمجتمعات الأكثر وعيًا ببيئتها هي الأكثر قدرة على حماية صحة أفرادها وصناعة مستقبل أكثر أمانًا.

 

اقرأ المزيد

alsharq من القيم المجتمعية الآيلة إلى الزوال: حسن الجوار

يأتي حُسن الجوار في المرتبة الثانية بعد الأسرة بوصفه أحد أهمّ المؤسسات الاجتماعية في مجتمعاتنا، ففي الثقافة التركية... اقرأ المزيد

102

| 23 فبراير 2026

alsharq دور الوسطاء في حرب إيران

من العجيب أن تواصل الولايات المتحدة الأمريكية تهديدها بضرب إيران ولا تزال المنطقة صامتة إزاء هذا التهديد الصريح... اقرأ المزيد

135

| 23 فبراير 2026

alsharq سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها من الخوف، إلا بعد أن كبرتُ واكتشفتُ أن بعض الظلال... اقرأ المزيد

132

| 23 فبراير 2026

مساحة إعلانية