رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
[email protected]
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

156

فاطمة العتوم

الرسالة لا تغتال

09 يناير 2026 , 12:00ص

في القلوب مساحات لا تملؤها الخطب ولا تختصرها الكلمات، لكنها تنكشف بوضوح عند الفقد. وحين يُذكر الملثم الراحل أبو عبيدة، حذيفة الكحلوت، لا يُستحضر اسمٌ عابر، بل تُستدعى حالة وجدانية صادقة، تشكّلت عبر سنوات من الثبات والانضباط وصدق الكلمة. أحبه الناس لأنه خاطب وعيهم لا غرائزهم، والتزم بالمعنى قبل الصورة، وبالمسؤولية قبل الشهرة. كان حضوره، رغم احتجاب الملامح، أكثر قربًا وتأثيرًا، لأن ما وصل إلى القلوب لم يكن شخصًا بقدر ما كان موقفًا واضحًا، وكلمة موزونة، ونبرة عزة لا تعرف المساومة. ومن هنا، لم يكن الحزن عليه حزنًا على فرد، بل على رمزٍ جسّد معنى الالتزام بالقضية في زمن اختلطت فيه الأصوات وتاهت البوصلة.

غير أن هذا الحب الصادق، في ميزان الإيمان، لا يُختبر بالبكاء وحده، بل بالقدرة على تحويل الفقد إلى وعي ومسؤولية. فالقرآن الكريم يقرر منذ البدء أن الدين لا يقوم على الأشخاص مهما علت مكانتهم، بل على المنهج والقيم. يقول الله تعالى:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.هذه الآية ليست خطابًا تاريخيًا، بل قاعدة وعي دائمة: أن غياب الرموز لا يُسقط الواجب، ولا يبرر التراجع، ولا يغيّر من عدالة القضايا شيئًا.

من هنا، فإن أول أدوارنا كمسلمين بعد هذا الفقد هو تحرير الإيمان من التعلق بالأشخاص، وردّ القضايا إلى أصولها الشرعية والأخلاقية. فالموت سنّة ماضية لا تستثني أحدًا، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾). والفرق بين أمة حيّة وأمة مرتبكة هو قدرتها على الاستمرار في حمل الرسالة، لا الوقوف عند غياب حامليها.

أما الدور الثاني، فهو ضبط الحزن بميزان الإيمان. فالإسلام لا يُنكر الألم، لكنه يرفض أن يتحول إلى يأس أو شلل. يقول الله تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ﴾.فالابتلاء، ومنه فقد الرموز، ليس دليل خذلان، بل وسيلة تمحيص، يَظهر فيها الصادق من المتردد، والثابت من المنفعل.

ويأتي الدور الثالث في تحويل الحب إلى مسؤولية عملية. فالنصرة في المفهوم الإسلامي ليست حالة عاطفية عابرة، بل التزام طويل النفس، يتجلى في الكلمة الصادقة، والموقف العادل، والعمل الممكن، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى أن القيمة الحقيقية للإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يُقال عنه بعد رحيله، فقال:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وهو توجيه بليغ بأن الرسائل الصادقة لا تموت بموت أصحابها، بل تبقى ما دام هناك من يحملها بوعي وأمانة.

وتتضاعف هنا مسؤولية النخب والمثقفين وأصحاب المنابر، في حماية الوعي العام من اختزال القضايا الكبرى في أسماء أو صور. فالقضية التي تُعلّق على شخص واحد تكون عرضة للانكسار، أما التي تُبنى على وعي جماعي راسخ، فهي أبقى وأقوى. يقول الله تعالى:﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ في إشارة إلى أن التداول سنة، وأن الثبات الحقيقي يكون على المبدأ لا على الظرف.

إن أعظم الوفاء للملثم الراحل، ولغيره من الرموز، ليس الاكتفاء بالحزن ولا التعلق بالذكرى، بل الاستمرار على المنهج الذي أحبّه الناس من أجله: وضوح الموقف، صدق الكلمة، والانضباط الأخلاقي في زمن الفوضى. فالله سبحانه لم يعد أهل الحق بطريق خالٍ من الفقد، لكنه وعدهم بحسن العاقبة، فقال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وبهذا الفهم، يتحول الحب من شعور موجِع إلى التزام واعٍ، ويتحوّل الفقد من لحظة انكسار إلى محطة مراجعة، ويغدو دورنا كمسلمين أن نحمل المعنى عندما يغيب الصوت، وأن نصون القضية حين يتبدل حاملوها، وفاءً للحق، لا تعلقًا بالأشخاص.

اقرأ المزيد

alsharq مناورات العدالة الصينية حول تايوان

في نهاية ديسمبر الماضي أجرى الجيش الصيني مناورات عسكرية حول تايوان هي الأضخم منذ 2022 انطلقت تحت مسمى... اقرأ المزيد

210

| 13 يناير 2026

alsharq بهجة الإنسان

تقول الدراسات إنه لكي يعيش المرء حياة مُرضية يجب أن يتوافر له ثلاثة أمور، هي المعنى والإنجاز والبهجة.... اقرأ المزيد

138

| 13 يناير 2026

alsharq التفاصيل.. قلب المعنى الإنساني !

قد نظن أحياناً أن الأثر يُصنع فحسب بالأفعال الكبيرة ! وأن المشاعر تُروى فقط بخطواتٍ مدوية، ونغفل عن... اقرأ المزيد

165

| 13 يناير 2026

مساحة إعلانية