رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تركيا ومواقفها المبدئية

في حياة العرب السياسية في عصرنا الحديث، كانت تركيا الكمالية، منذ تأسست 1928، وهي تدير ظهرها للقضايا العربية، بل وكانت لها مواقف مضادة لهم في بعض الأحيان، خاصة في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، فمواقفها أقرب إلى مواقف الدول الغربية سياسياً، إلا من بعض القضايا الإنسانية التي تشترك فيها كل الدول، بما فيها الدول الأوروبية، لكن الشعب التركي في غالبيته متعاطف مع قضاياهم العادلة لاسيما قضية العرب الأولى قضية العرب الأولى فلسطين.. وبقيت هذه العلاقة جامدة لعقود طويلة، حتى وصول الزعيم التركي الراحل، ذي التوجه الإسلامي، نجم الدين أربكان، عندما تولى العديد من المناصب السياسية في الحكومات التركية المتعاقبة قبل عزله وسجنه وإبعاده من العمل السياسي سنوات، من خلال التحالف مع بعض الأحزاب الليبرالية، لكن تلاميذ أربكان وزملاءه ـ رحمه الله ـ أسسوا حزباً سياسياً، وهو الحزب الحاكم الراهن (حزب العدالة والتنمية)، وواصلوا المسيرة السياسية بحكمة فائقة، وروح الدعم السياسي والمعنوي لقضايا العرب، والتعاون معهم والاهتمام،عالقة في مشاعرهم ووجدانهم، من منطلق الروح الإسلامية، والتاريخ الراسخ من العلاقة الكبيرة من العرب والأتراك، لكن للأسف العديد من بلداننا العربية، تأخرت كثيراً من اغتنام هذه العلاقة، وهذا كما أراها أخطاء سياسية وإستراتيجية، لا تحتاج إلى شرح وتبيان، فالأمة الآن تواجه مصيراً صعباً في أوضاعه السياسية المختلفة، وهذا يعرفه حتى البسطاء من أمتنا الذي يعيش حتى في المناطق النائية بحكم انتشار وسائل التواصل والاتصال في عالم اليوم، والسبب هي الأخطاء وتراكمها، وعدم اغتنام الفرص التي يجب اقتناصها بسرعة، وتقوية مجالنا الاقتصادي والتنموي، والاقتراب من الشعوب، وتلمس قضاياها، وعدم الاعتماد على الصداقات غير الحقيقة في عالم المصالح، والعالم اليوم على الرغم من الصراخ الكبير عن حقوق الإنسان والعدالة والمساواة، فهي مجرد أقوال مسطرة على الورق، لكن في الواقع أن الضعيف لا تحترم مكانته، حتى ولو كان الحق معه، وملء السمع والبصر! وتركيا الراهنة من الدول الإسلامية الصاعدة اقتصاديا وعسكرياً، وعقلها وروحها على أوضاع العرب السياسية، وكان الافتراض المنطقي والعقلاني، أن نقترب كثيراً من تركيا بما يجسد العلاقة القوية، عندما تحركت في العقدين الماضيين، لإقامة علاقة كبيرة على كل المستويات مع الدول العربية، لكن بعضنا للأسف، أراد ظهره لعلاقة إستراتيجية واقتصادية معها، وبقيت العلاقة على السطح، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في السنوات الأخيرة، وهذا أراه مؤلماً للجميع.. والآن، بدأنا في التحرك في إقامة علاقة مع تركيا، ولذلك من المهم أن تتعزز العلاقة البينية، وهذا في مصلحة الدول العربية، وخاصة دول مجلس التعاون، ولابد من إقامة تكتل اقتصادي واسع، وهو مرهون بتعزيز الفاعلية الاقتصادية بعد انخفاض أسعار النفط، وكذلك الاستفادة من السياسات الاقتصادية، وأسس التصنيع الذي تتحرك فيه الدولة التركية، وتركيا حققت عالمياً نجاحاً كبيراً في الحراك الاقتصادي، وهذا من الأولويات لدول المنطقة، من تتحرك بقوة لتقوية اقتصادنا في هذه المرحلة الراهنة، ولا نقتصر على الضرائب المحلية، مع أن مسألة الضرائب طبيعية، وهذا من الواجبات الوطنية لإسهام في دعم الدولة ومؤسساتها، لكن علينا أن نركن للضرائب وتقليل النفقات.والعلاقة الجديدة التي برزت في الآونة الأخيرة مع تركيا مع دول مجلس التعاون، هي الأهم في هذه المرحلة، وأن لا نبقى كما كنا نعتقد في بعض الأصدقاء ومواقفهم، فالتحولات السياسية لبعض الدول، لها إستراتيجيات ورؤى وخطط، قد لا تكون كما نريد أو كما نعتقد، وما تم قبل أسابيع من صدور قانون "جاستا"، وما تبعه من سياسات ورؤى قد تكون مغايرة، لما كنا نقرأه قراءة أخرى، لذلك علينا أن ننظر إلى كيفية الاعتماد على الأصدقاء الذين يقفون المواقف المبدئية، وفي إطار الرغبة الصادقة في التعاون الجاد، وتركيا إحدى هذه الدول.

379

| 06 نوفمبر 2016

عبد الرحمن الراشد.. وطرح يناقض ذاته! (2)

في مقال الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد الذي حمل عنوان( عُمان.. بين الخليج وإيران)، الذي ناقشنا بعض ما قاله في الأسبوع المنصرم، فإننا سنناقش في هذا المقال، بعض ما كتبه في جريدة الشرق الأوسط اللندنية في 18 أكتوبر الحالي،فقد قال الكاتب الراشد "تبدو مسقط أقرب للنظام الإيراني منها إلى شقيقاتها الخليجيات التي ترى أن النظام الإيراني خلّف هذه الأزمات، وأنه صار يهددها أكثر من ذي قبل، وتحديدًا منذ بدء تفاوضه مع الولايات المتحدة، التي لعبت عُمان فيها دور ساعي البريد، ثم صارت مركز المفاوضات السرية"، وقال في فقرة أخرى من مقالته تلك أن"السلطنة مرت بمحنة الربيع العربي عندما اضطربت المنطقة كلها عام 2011، وتجاوزتها بدعم سياسي واقتصادي من دول مجلس التعاون التي وقفت إلى جانبها أمنيًا واقتصاديًا". والحقيقة أنني أستغرب من هذا التحليل الغريب، الذي يتجاهل الكثير من الحقائق التي لا تحتاج إلى تكرار،فأولاً ليس صحيحا أن عُمان أقرب للنظام الإيراني من شقيقاتها الدول الخليجية، فأمن الخليج واستقراره من أمن عُمان، والعكس صحيح، وهذا من الثوابت التي لا نقاش فيه، فهو كمن يكتب على الرمال! فتاريخياً عمق هذه الدول، هو عمق لعُمان والتاريخ هو الذي يكشف هذه الحقائق التي يعرفها المختصون، فلا يقبل عقلاً ومنطقاً أن تنحاز عُمان إلى إيران، على حساب جيرانها،وعمقها الاستراتيجي، فأمن الخليج وتماسكه هو لكل دوله،وهذا من الثوابت في السياسة العمانية منذ عام 1970؟ وهل من المنطق أن تسعى عُمان إلى غير هذا الطريق الثابت الاستراتيجي؟! أما مقاله الراشد عن المفاوضات التي رعتها عُمان بين الولايات المتحدة وإيران، حول أزمة المفاعل النووي الإيراني من عُمان من أن "لعبت فيها دور ساعي البريد، ثم صارت مركز المفاوضات السرية" فهذا للأسف ما كان ينبغي أن يقوله عبد الرحمن الراشد، فالدور العُماني في إنهاء أزمة النووي الإيراني، هو لمصلحة الجميع،ولم تكن المفاوضات سرية، ولا تحت الطاولة،والسعي العماني كان أمام الجميع،وتحت سمع العالم وبصره، فلو تأزمت القضية،وأدت إلى الحرب بسبب النووي، فالخليج كله سيكون في مرمى هذه الحرب!وهذا الجهد العُماني، لن يزعج الأشقاء في اعتقادي بل كان مبعث سعادتهم،وهذا ما قاله مسؤولون كبار في دول المجلس قبل وأثناء المفاوضات التي تكللت بالنجاح،فقد صرح سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم،في تصريح لقناة البي بي سي في يناير 2014 بأن "إيران جارتنا ولا نريد أي مشاكل معها.. ارفعوا العقوبات وسينتفع الجميع",وهذه هي نظرة عُمان لحل أزمة النووي الإيراني.أما قول الراشد أن "السلطنة مرت بمحنة الربيع العربي عندما اضطربت المنطقة كلها عام 2011،وتجاوزتها بدعم سياسي واقتصادي من دول مجلس التعاون التي وقفت إلى جانبها أمنيًا واقتصاديًا".وهذا القول لم نسمع به أبداً، وهو أقرب إلى الخيال أو التوهم، ومع تقديرنا لكل دول المجلس،أن ما جرى في عُمان، أنها كانت مطالب شعبية محددة، قُدمت للدولة، ولم يكن هناك ما يريد أن يلمّح إليه الراشد،وكانت صور السلطان قابوس يحملها الشباب في كل أماكن التجمعات،وكان اهتمام الدولة بهذه المطالب سريعاً، ولم يكن هناك شيئ يستدعي تدخل الأشقاء، ولم يحصل هذا أبداً، وكانت حكمة السلطان هي التي جعلت عُمان تبقى كما كانت في وحدتها وتماسكها وسلاها الاجتماعي، لكنها ستظل واقفة مع أشقائها في دول المجلس، وحريصة على استقرارهم وهم كذلك، مهما يقال من هنا وهناك،سيثبته الواقع وتؤكده الحقائق الناصعة.

537

| 30 أكتوبر 2016

عبدالرحمن الراشد.. وطرح يناقض ذاته! (1-2)

عرفت الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد، من خلال كتاباته في جريدة الشرق الأوسط، منذ عقدين أو يزيد، له اتجاهه الفكري في القضايا السياسية والفكرية، وقد دخل الراشد في خلافات كثيرة مع كتاب وسياسيين، من مختلف الاتجاهات الفكرية في العقود الماضية، بسب حدة نقده في أحايين كثيرة في قضايا عديدة عرفت عنه من خلال عموده في الشرق الأوسط، فلا إشكال أن يحصل النقد، وتختلف الآراء، حول رؤى سياسية أو فكرية في واقعنا العربي، وتلك سنة إلهية، أن جعل الناس مختلفين، لكن الإشكالية أن يتحول الاختلاف في الرؤى إلى رمي الاتهامات التي تحتاج إلى أدلة ومصداقية مقنعة، ويعززها الواقع، ففي مقالته بجريدة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ 18/ أكتوبر الحالي، والتي حملت عنوان (عمان بين الخليج وإيران)، فكان كعادته يطلق الاتهامات، دون أن تتكون لديه الحقائق التي تجعل رأيه مقبولا ومعقولا في طرحه، وقد استهل مقاله بقوله إن (عُمان دولة غامضة، مع أنه يمكن تبسيط أسس سياسة السلطنة الخارجية، على الأقل كما نفهمها، في كلمة واحدة، العزلة. حكومة مسقط اعتزلت الدخول في النزاعات الإقليمية لعقود)، وفي فقرة أخرى قال (السلطنة محظوظة بانتمائها لمجلس التعاون، المكون من أنظمة مسالمة تشاركهم حدودها البرية. وهذا لا يقلل من حكمة السلطان قابوس، الذي تمسك لعقود طويلة بسياسة النأي عن الصراعات والمحاور). والحقيقة أن عُمان لم تنعزل عن الساحة الإقليمية أو الدولية منذ تسلم السلطان قابوس مقاليد الحكم 1970، لكنها شغلت نفسها بداخلها، وهي بناء عُمان الحديثة بعد فترة طويلة من التراجع والتأخر، وهذا ما اهتم به السلطان قابوس ووضع له كل الإمكانات، لاستعاد مكانة عُمان، وتحقق لهذا البلد ما كان يتطلع إليه الشعب العماني، بما أهم من الصراعات والتوترات الإقليمية والدولية التي لم تخّلف إلا المرارات والأحقاد، وعانت منه عُمان كثيرًا، وهذا يعرفه الجميع، لكنها لم تبتعد ولم تنعزل ـ كما الكاتب عبدالرحمن الراشد ـ عن محيطها الخليجي والعربي، وما يفرضه هذا المحيط من الواجب الوطني، وعندما وقع الغزو على دولة الكويت 1990، ومن دولة شقيقة أيضًا، شاركت عًمان بقوة في حرب تحرير الكويت، وسقط لها شهداء في عملية تحريرها، وهذا ما يخالف ما قاله الكاتب، أو ما أراد أن يلمح إليه في مواقف عُمان السياسي! أما ما قاله الراشد من أن عُمان "محظوظة بانتمائها لمجلس التعاون"، فإن عُمان لم تكن البلد الطارئ على قيام هذا المجلس، فهي الدولة التي كان لها السبق في طرح الفكرة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، فمن خلال اللقاء الشهير الذي عقد في مسقط 1976، الذي جمع كل دول مجلس التعاون، بالإضاقة إلى العراق وإيران فيما سمّي بـ(الترتيبات الأمنية في المنطقة، ومع أن اللقاء لم يسفر عن أي اتفاق، فإن هذا اللقاء كان بداية الدعوة لإقامة منظومة خليجية متقاربة ومتجانسة، ما يحقق لها الاستقرار والتكامل والترابط، والذي أود قوله، أن دول التعاون محظوظة بوجود عُمان في هذا، ليس العكس، وهذا ما تجسّد في حكمة السلطان قابوس في قضايا كثيرة، يدركه العقلاء من دول مجلس التعاون، وهو ما أشار إليه الكاتب نفسه عندما تحدث عن حكمة السلطان في أكثر من فقرة. ولا شك أن الكاتب لم يتعمق كثيرًا في السياسيات التي تنطلق منها عُمان، والتي ترجح في نهاية كل مشكلة تحدث ببعد نظر ورؤية واسعة، فالنهج الذي اختطه جلالة السلطان المعظم في اختيار القرار الصائب، يرتبط في أساسه بوجود معايير ترشيد يمكن الاحتكام إليها، في ظل المتغيرات العالمية.

771

| 23 أكتوبر 2016

هل قرأنا الرسالة الأمريكية جيداً؟

لا شك أن عصرنا الراهن أنه عصر القوة والنفوذ والبقاء للإقوياء، وفق نظرية تشارلز داروين، أو البقاء للأصلح، وهذا يعني أن على الدول، الاعتماد على ذاتها، وعلى قوتها وقدرتها على احترام الآخرين لها ولسياستها واستقلالها وفق ما تمليه مصالحها، ومن خلال التعامل الندي ضمن الأسس والنظم التي تجعل بينها وبين الدول الأخرى مسافة معقولة في العلاقة البينية، ووفق الاحترام المتبادل والعلاقة المتكافئة، والولايات المتحدة، تحترم هذا المبدأ وتقدره، رغم أن بعض المواقف والسياسات، تتناقض كلية مع سياساتها وإستراتيجيها مع الكثير من الدول، ومن دول حلف الناتو، فبعد الثورة الإيرانية وسقوط الشاه، حصل خلاف شديد بين الولايات المتحدة وإيران، ووصل إلى حد إلقاء القبض على بعض أعضاء من السفارة الأمريكية في طهران، من نوفمبر1979، إلى عصرنا الراهن يناير 1981، وتمت تغطية أعينهم أمام وسائل الإعلام في مناسبات كثيرة، وأرسل الرئيس الأسبق الأمريكي جيمي كارتر، بعض الطائرات العسكرية السرية إلى لإيران لإنقاذ الرهائن في أبريل 1981، لكن المحاولة فشلت، وتحطمت الطائرات في الصحراء، وقتل عدد من الجنود الأمريكيين، كما حصل للقوات الأمريكية في بيروت، الحادثة الشهيرة في العملية الانتحارية، وقتل ما يقرب من 243، جنديا وملاحا من المارينز الأمريكية، واتهمت بعض الدوائر الأمريكية، الحرس الثوري الإيراني، أو المتعاطفين معهم بهذه العملية في لبنان، ومع كل الخلافات والتوتر، انتهت العلاقة بالاتفاق الشهير في مسقط العام المنصرم، وانتهى الخلاف القديم وطويت صفحته، وفي اعتقادي، لولا السلاح النووي الإيراني، كورقة سياسية ضاغطة من إيران، لما تم الاتفاق وانتهى الخلاف الذي استمر ما يزيد على ثلاثة عقود. وبعد تهديد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، بغزو العراق 2003، وتحقق ذلك بالفعل، فإن الحكومة التركية، وفي ظل برلمان يسيطر عليه أعضاء من حزب العدالة والتنمية، رفض السماح لقوات التحالف مع الولايات المتحدة بدخول العراق من الحدود التركية، واحترمت الولايات المتحدة هذه الرغبة، وقدرت هذا الحياد من الشعب التركي، وبقيت العلاقة بينهما قائمة وندية وقوية، والذي أقصده أن عالم اليوم عالم تقدير القوي، والثابت على سياساته وعلى احترام شعبه، بحيث لا تعتدي على الآخرين، ولا تقبل الضيم في حقوقها، ولا تجانب رغبة شعوبها فيما تراه أنسب لمصلحته واستقراره.والحقيقة أن صدور "قانون جاستا" ضد بعض الدول القريبة أو المتحالفة مع الولايات المتحدة تاريخيًا، يثير الارتياب والتوجس والقلق، حيث خص دولا بعينها، دون أن يتم التلويح لغيرها، رغم الخلافات والصراع الطويل بينهما، وهذا ما يجعل هذا الأمر محيرًا وغريبًا وصادمًا، قد يقول البعض، إن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية، ودولة بها تعددية حزبية، وهذا قد لا يمثل سياسة بعض دوائر الحكم لا من قريب ولا من بعيد، لكنه يمثل بعض الدوائر الأخرى التي لها رؤى وتوجهات سياسية معينة، قد لا تتوافق مع السياسات الأمريكية الظاهرة، وربما تحمل إستراتيجيات أخرى اقتصادية كما يرى البعض، أريد بها الابتزاز والضغط، لمآرب أخرى. فالقانون، كما يقول الأستاذ زياد الحافظ "سلاح قد يشهر وقت الحاجة ويخمد عندما تقتضي السياسة العليا ذلك". لقد صرّح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنه كانت تجري مفاوضات للتعويض على ذوي ضحايا أحداث سبتمبر 2001 بمثابة مليوني دولار لكل عائلة. وإذا كان عدد الضحايا 3000 كما يظهر في الإعلام فهذا يعني أن مجموع صفقة التعويضات تكون حوالي 6 مليارات دولار. هذا الموضوع يذكّرنا بالابتزاز الذي مورس على الحكومة ليبيا لتصفية قضية لوكربي. فعلى ما يبدو دفعت الحكومة الليبية ما يوازي ملياري دولار. فهذا القانون، كما يقول حافظ، الذي يمكن تعليق مفاعيله يبقى سيفا مسلّطا على كل جهة تريد الحكومة الأمريكية ابتزازها. وهنا نتكلّم عن مبالغ تفوق الستة مليارات كتعويض لضحايا أحداث سبتمبر 2001. فهناك كافة العمليات الإرهابية التي تحصل على الأراضي الأمريكية من قبل جهات متشدّدة أو التي تتبنّاها، والتي يمكن إلصاق تهمة تمويلها لأي دولة تختارها الإدارة الأمريكية. لا ننسى أن بعض المحاكم الأمريكية أصدرت أحكاما بحق مصارف عربية كالبنك العربي المحدود بتهمة تمويل العمليات الاستشهادية التي حصلت في الأراضي المحتلّة والتي سقط فيها مواطنون أمريكيون، وما أدّى إلى شلّ أعمال ذلك المصرف في الولايات المتحدة حتى التوقّف". إذن هذه السياسات كما يراها البعض هدفها الابتزاز، عندما يجدون أن الظرف مناسبا للتحرك من قبل هذه الدوائر التي لها مواقف مع بعض الدول فكرية وسياسية، مع أن هذا الموقف يضر بهذه الدول ويهز استقرارها المالي والنقدي دون مبرر مقبول، وحتى من الناحية القانونية البحتة، فإن هذا القانون، لو تم تطبيقه بصورة دون معايير مزدوجة، فإنه سيضر بالولايات المتحدة وهذا قاله حتى الرئيس أوباما، قبل أي دولة أخرى! والشواهد كثيرة ومتوافرة، لكن العقلاء في الولايات المتحدة، قد لا يسمحون بتطبيقه، لكنه ربما - وهذا جيدًا - أنه فتح الباب للمراجعة لكثير من دول العالم، للكثير من السياسات التي تجنبها، (رمي البيض كله في سلة واحدة)! فعالم اليوم هو لمن يختار طريقًا جيدًا ومتوازنًا ومتكئا على إمكاناته وقدراته المختلفة، ويضع خططه لما يراه أجدر بما يحقق مصلحته، قبل أي مصلحة أخرى، وهذا أيضا تحترمه كل الدول، بما فيها دولة (قانون جاستا)، الولايات المتحدة الأمريكية.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

430

| 16 أكتوبر 2016

هل ظُلم سيد قطب في قضية التكفير؟

تمر هذا العام الذكرى الخمسون، لإعدام المفكر والناقد الأدبي سيد قطب، وقد دار الكثير من الآراء حول أفكاره، خاصة في كتابيه (ظلال القرآن) و(معالم في الطريق). الواقع أن إعدام سيد قطب بهذه السرعة جعل البعض، يعتقد أن أفكاره في الجاهلية والحاكمية، تعني تكفير المجتمع والناس أجمعين، وهذه الرؤية الخطيرة التي تم تأويلها لسيد قطب ربما جاءت في سياقات ومفاهيم ورؤى، لا تتسق مع ما فسّره البعض في مسألة التكفير والتغيير بالعنف. حيث عانى سيد قطب والكثير من أصحاب التوجهات الإسلامية في فترة الحكم الناصري، وهو ما ظهر بعد ذلك فيما سمي بـ"فكر الأزمة" الناتجة عن السجن والتعذيب، وافتقاد الحريات العامة. ولو أن سيد قطب كان حيًا في اعتقادي، لكان أسبق في تصحيح هذه المفاهيم والتأويلات لأفكاره، لكان الأسبق أيضًا من قيادات الجماعات الإسلامية، الذين راجعوا أفكارهم في مسألة العنف والتكفير وغيرها من المفاهيم الخاطئة في السجون المصرية، وهو الرجل المثقف والأديب الكبير. ومع ذلك نعتقد أن الكثير من الآراء التي قالها سيد قطب تحتاج إلى التدقيق والمراجعة العادلة والعميقة في قضيتي الجاهلية والحاكمية. ويرى المستشار سالم البهنساوي في كتابه (الحكم وقضية تكفير المسلم) أن "الأستاذ سيد قطب لا يحكم على المسلمين في عصرنا بالكفر لمجرد أن الحاكم قد حكمهم بغير ما أنزل الله، فهو لا يفترض أنهم يرضون هذا، بل يوضح أن الكفر يتحقق فقط بالنسبة لمن لا يرضي بحكم الله ورسوله منهم أو من يتولى عنه، ويرفض قبوله مفضلًا عليه حكم الجاهلية الحديثة. وعبارة "من لا يرضى بحكم الله، أو من يتولى ويرفض قبوله" لا تحتمل التأويلات فأقواله هذه صريحة في أنه لا يقول بكفر الشعوب المسلمة، إلا إن عارضت حكم الله أو تركته واحتكمت مختارة إلى غيره، لأن عدم الرضا لا يتواجد ولا يتحقق إلا بهذين الأمرين: "المعارضة الصريحة لحكم الله، أو المعارضة الضمنية بالاحتكام إلى حكم آخر". هذه الآراء التي ناقشت أفكار سيد قطب تطرح أن هناك التباسًا فيما طرحه سيد قطب في تفسيره "في ظلال القرآن" أو كتابه (معالم في الطريق) حول مسألة الحاكمية وقضية تكفير المسلم الذي تحكمه القوانين الوضعية، وهذا في حد ذاته مخالف لما تبناه بعض الشباب حول هذه القضية، أو ما اعتقده أن هذه أفكار سيد قطب حول عقيدة المسلم الذي لا تحكمه الشريعة إلخ. بل إن الأخ الشقيق لسيد قطب الكاتب الإسلامي المعروف محمد قطب - رحمه الله - قال في رسالة نشرت بمجلة المجتمع الكويتية في منتصف السبعينيات عندما ظهر الغلو والتطرف عند بعض الشباب حول المجتمع الجاهلي والتكفير والهجرة، من المجتمع إلخ. يقول الراحل محمد قطب في هذه الرسالة: (إن كتابات سيد قطب قد تركزت حول موضوع معيّن، هو بيان المعنى الحقيقي لـ"لا إله إلا الله"، شعورًا منه بأن كثيرًا من الناس لا يدركون هذا المعنى على حقيقته، وبيان المواصفات الحقيقية للإيمان كما وردت في الكتاب والسنة، شعورًا منه بأن كثيرًا من هذه المواصفات قد أهمل أو غفل الناس عنه. ولكنه مع ذلك حرص حرصًا شديدًا على أن يبين أن كلامه هذا ليس مقصودًا به إصدار أحكام على الناس وإنما المقصود به تعريفهم بما غفلوا عنه من هذه الحقيقة ليتبينوا هم لأنفسهم إن كانوا مستقيمين على طريق الله كما ينبغي أم أنهم بعيدون عن هذا الطريق فينبغي عليهم أن يعودوا إليه ولقد سمعته بنفسي أكثر من مرة يقول "نحن دعاة ولسنا قضاة ").ويضيف الأستاذ محمد قطب في فقرة أخرى "كما سمعته أكثر من مرة يقول: "أن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس فضلًا عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم، أما بالنسبة لقضية (المفاصلة) فقد بين في كلامه أنها المفاصلة الشعورية التي لا بد أن تنشأ تلقائيًا في حس المسلم الملتزم تجاه من لا يلتزمون بأوامر الإسلام، ولكنها ليست المفاصلة الحسية المادية، فنحن نعيش في هذا المجتمع وندعوه إلى حقيقة الإسلام ولا نعتزله وإلا فكيف ندعوه؟!".كما أن الباحث الفرنسي في الجماعات الإسلامية (جيل كيبل) طرح هذه القضية في كتابه (النبي والفرعون) ويقول فيه إن المقصود بالمجتمع الجاهلي عند سيد قطب هو "المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه". ويضيف كيبل في صفحات أخرى من هذا الكتاب "إن إعدام سيد قطب المبكر وضع مفاهيمه وأفكاره في متناول الشعب بكل ما احتملته من مضامين غير واضحة أيضًا، وأدى ذلك إلى وقوع سلاح التكفير بين أتباع مذاهب لا يمكن السيطرة عليها". كما أن الذي قاله سيد قطب في قضية الحاكمية قاله أحد المفكرين الإسلاميين المعاصرين لـ سيد قطب، يكن له الجميع التقدير والاحترام، وتوصف أفكاره بالاعتدال والنزاهة والدقة والأمانة العلمية ـ وهو كذلك ـ ولا نزكي على الله أحدًا. ويقول المرحوم د. محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (كبرى اليقينيات الكونية) ص 371و372: "الحاكمية إنما هي لله وحده، هو المشرع لعباده في شتى شؤونهم المتعلقة بدنياهم وآخرتهم وهو المرجع في حل كل مشكلة من مشكلاتهم وإقامة كل تنظيم ودستور لحياتهم. ومن جحد ذلك فهو كافر بـالله ورسوله وإن ادعى بلسانه الإيمان بـالله ورسوله وصلى وحج وصام. قامت على ذلك أدلة العقل والنقل من الكتاب والسنة وتم على ذلك إجماع المسلمين كلهم".لماذا لا يكون نص سيد قطب في قضية الحاكمية مثل نص د. محمد سعيد البوطي رحمه الله المشار إليه آنفًا؟! ربما السبب أن د. البوطي أفكاره ورؤيته واضحة في هذه القضية ـ وبقى بعد إعدام سيد قطب 45 عامًا ـ ولم يتهمه أحد بالتكفير، لأنه ببساطة يستطيع الرد والتفنيد، لكل التباس في طرحه لمسألة الحاكمية التي قالها في هذا الكتاب. لكن سيد قطب في ذمة الله، ولا يستطيع الرد على من يتهمه بالتكفير وتجهيل المجتمع والهجرة منه. والغريب أن سيد قطب في كتابه (ظلال القرآن) بأجزائه الثمانية، وهو الكتاب الذي نشره في مرحلته الثانية التي يصفها البعض بالمرحلة الأكثر حدة ومناقضة للأفكار المعتدلة، والتي منها كتاب (معالم في الطريق) يتحدث عن حرية الاعتقاد والاختيار الحر للإنسان في اختيار عقيدته ربما أكثر تقدمية من بعض الليبراليين والعقلانيين المعاصرين، وهذه ربما تجعل آراءه في الجاهلية والحاكمية ذات مدلولات أخرى مناقضة لتفسيرات البعض عنه. يقول قطب في "الظلال" [الجزء الأول ص291 ـ طبعة دار الشروق]: "إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق "الإنسان" التي يثبت له بها وصف "إنسان". فالذي يسلب إنسانًا حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء..ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة..وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة. والإسلام -وهو أرقى تصور للوجود وللحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء- هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، وهو الذي يبيّن لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين..فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المتعسفة وهي تفرض فرضًا بسلطان الدولة، ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة"! والتعبير هنا -كما يقول سيد قطب- يرد في صورة النفي المطلق: "لا إكراه في الدين".. نفي الجنس كما يقول النحويون..أي نفي جنس الإكراه. نفي كونه ابتداء. فهو يستبعده من عالم الوجود والوقوع. وليس مجرد نهي عن مزاولته والنهي في صورة النفي ـ والنفي للجنس ـ أعمق إيقاعًا وآكد دلالة".إنني أشارك بعض الباحثين في أن سيد قطب "ظُلم، لكنني أعتقد أنه ظلم مرتين، مرة ممن يدّعون أنهم من تلاميذه أو متعاطفون معه، الذين فسّروا كتاباته أكثر مما تحتمل التفسيرات، ومرة من مخالفيه، وأعدائه عندما أقدموا على إعدامه والتشنيع بأفكاره وكتاباته، مما جعل إعدامه يتحول إلى ذخيرة حيّة لأفكاره، وأن تتطاير هذه الأفكار في عشرات الطبعات، دون أن يكون الرجل حيًا -رحمه الله- يفنّد ويصحح ويبيّن ما قصده في قضايا الحاكمية والجاهلية والطليعة المؤمنة إلخ.

14823

| 09 أكتوبر 2016

الفكرة عندما تهاجر وتنصهر

يرى البعض أن مقولة ابن خلدون أن (المغلوب مولع باقتداء الغالب)، فيها الكثير من الصحة، لكنها لا تخلو من تعثرات فكرية في الواقع، لكن ظهر شيء نادر الوقوع في التاريخ الإنساني، وهو أن الغالب يسلّم بفكر المغلوب، وينصهر فيه، فعندما هجم التتار على البلاد الإسلامية، واحتلوا بغداد ومصر والشام وجزءا من العالم الإسلامي آنذاك، فإنهم أسلموا، وذابوا في المحيط الإسلامي، وهذا يعتبر هجرة لأفكار جاذبة للآخر الغالب، وانتصارا لفكر المغلوب، وهذا من الحالات النادرة في التاريخ. ففي كتابه (أفكار مهاجرة)، للدكتور علي أومليل، يقول: إن البشر يهاجرون أيضا، لكنها هجرة معاكسة لهجرة الأفكار. تهاجر الأفكار لأنها مطلوبة، ويهاجر البشر لأنهم طالبو هجرة لضرورات العيش، وأيضا لأن بريق أحلام يجذبهم. ملوا العطالة والأيام المتشابهة والجولان في الطرقات من دون هدف أو الاستناد إلى الحيطان. حياة بلا جدوى كمن يطحن الماء. يرى أن حضارة الغرب صارت حضارة عالمية، بنظمها وتنظيماتها وقيمها، لذلك ينسخ الخاص بالإنساني العام، والمعايير أصبحت إنسانية واحدة، العقل والعلم والحرية والكرامة، هذا الاتجاه كان أصحابه أقلية عندنا وعندهم، ولذلك سببان: الأول، لأن الذين قالوا بعالمية الحضارة الغربية سرعان ما يرد عليهم بأنهم يطابقون بين التحديث والتغريب، وأن الغرب هو الذي رفع خصوصيته التاريخية ليجعلها عالمية. والسبب الثاني هو أن الغرب غربان: غرب دولة القانون والحريات، والغرب الاستعماري، إذ إن الاستعمار هو نفي كلي للحريات وحقوق الإنسان في البلدات المستعمرة، ولعل ما يفسر أن "الليبراليين" عندنا كانوا تصالحيين في موقفهم من الاستعمار، أنهم كانوا يأملون في تفاهم وتعاون معه، ويعولون على الإصلاح التدريجي، ويدعون إلى استقلال في ترابط مع الغرب، وبخاصة مع الدولة التي استعمرتهم. لكن الفطرة الإسلامية ليست هي الطبيعة عند المفكرين الغربيين، فنحن بعيدون من هذا الإنسان الطبيعي المفترض عند أصحاب العقد الاجتماعي، الذين افترضوا أنه بعد التجرد من كل المضاف الاجتماعي الذي رسخ بالعادة والتربية المجتمعية والسلطة، فإن أفراد المجتمع يبنون هم مجتمعهم المدني السياسي انطلاقًا من حريتهم كأفراد وبتعاقدهم الإرادي العام. لذلك لا يمكن الحديث لدى الإصلاحيين المسلمين عن إنسان الطبيعة، بل عن إنسان الفطرة المتقبل تلقائيًا للدين، أي للإسلام. فالإنسان إذا ترك لفطرته لا يمكن إلا أن يكون مسلمًا. لكن الإشكالية في مسألة مركزية الغرب تجاه الآخر الشرق، ناقدا النظرة الاستعلائية عند عالم الاجتماع المعروف، ماكس فيبر ويقول: "حين كان فيبر يصوغ نظريته عن الغرب المتفوق المتفرّد كان الغرب مستعمرًا معظم بلدان العالم، مهيمنًا على التجارة العالمية، محتكرًا شبكة الاتصالات والمواصلات الحديثة التي اخترعها وربط بها أقطار المعمورة إليه، ومالكًا السلاح المتطور والتقانة المتقدمة. لذلك كانت صورة الغرب عند فيبر تعكس واقع حال الغرب وعلاقته ببقية العالم آنذاك". إن الاهتمام بالشرق أيضًا وسيلة غير مباشرة كما يقول أومليل لنقد النظم الاستبدادية في أوروبا. فمنذ القرن الثامن عشر صاغ مفكرون أوروبيون – اعتمادًا على وصف الرحالة لبلدان الشرق التي جابوها – نظرية "الاستبداد الشرقي" والتي كان منظّرها الأكبر مونتيسكيو، وذلك لنقد الملَكيات المطلقة في أوروبا. ومع ذلك يظل عندهم الشرقُ شرقًا والغربُ غربًا حتى في درجة الاستبداد. لكن هذا الاطمئنان الغربي على مكانة الغرب، ونموذجيته قد أخذ يتغير الآن، فإذا كان هناك كتاب غربيون ما زالوا على اعتقاد راسخ في عالمية قيم الحضارة الغربية فقد صاروا نافضين أيديهم من اقتداء بقية العالم بها. صاروا قلقين من صعود أمم قوية حريصة على خصوصياتها. لذلك فهم ينادون بضرورة أن يحصن الغرب ذاته ضدا على ما أصبح يهدده من الداخل ومن الخارج، على الغرب إذًا أن يدافع عن قيمه ولو بالقوة كما يوصي بذلك بعض مفكريهم! الملاحظ، كما يقول المؤلف، هو أن الذين يتشددون في الدفاع عن هوية الغرب يلتقون مع غلاة الإسلاميين. فالهوية التي يدافع عمها أولئك وهؤلاء هوية مغلقة، متوحشة، وهو ما يدفع إلى العدوانية كما تفعل الدول الغربية التي تشن الحرب على بلدان أخرى بدعوى مكافحة الإرهاب، وهو ما يفعله الإسلاميون المتشددون بإعلان الجهاد على العالم وعلى مجتمعاتهم. ومن هذا القبيل ـ كما يرى أومليل ـ جرى فرض خيار واحد على المواطنين في البلدان الغربية ذوي الأصول الإثنية والثقافية غير الأوروبية. إن عليهم محو خصوصياتهم والانصهار في بلد الاستقبال، فلا يبقى أمامهم سوى الانكفاء على خصوصياتهم في مجتمع الأغلبية ليعيشوها على هامشه مع طوائفهم. هم يكتسبون الجنسية، ولكنها لا تعني المواطنة الفعلية، ما داموا يعاملون كالغرباء داخل مجتمع الأغلبية. أن الغربيين يرون أن مفهوم الفردانية من حيث وجود الشخصية الاعتبارية للفرد وحقوق الإنسان والعقلانية ومبدأ الحرية إلخ: لكن هذه المقولات، فيها نوع من الزهو والشعور بالمكانة لما حققه الغرب في ميادين كثيرة، وهذا صحيح، لكن المجتمعات دخلت فعليا في صيرورة الديمقراطية تواجه الكثير من التحديات، لكن الرهان الأهم في حقبة ما بعد الثورات العربية ليس ديمقراطية الانتخابات، وإنما حرية التعبير، وشرعية المعارضة المساواة والحريات الشخصية والمواطنة، وسيكون ذلك تعميقا للديمقراطية الحقيقية.

677

| 02 أكتوبر 2016

السياسة العمانية الخارجية والأحكام غير العادلة

تفاجأ الكثيرون في سلطنة عمان وأنا أحدهم، بما نشرته جريدة الحياة اللندنية العريقة الأسبوع الماضي، وهي من الجرائد المحترمة التي نتابعها منذ عقود، بما نشرته من مراسليها من عدة أماكن من داخل اليمن وخارجه، "بالقبض على شاحنة تحمل أرقامًا عمانية، على الحدود اليمنية/ العمانية، محملة بالأسلحة والمتفجرات، وهي في طريقها للحوثيين، كما جاء في الصفحة الأولى لجريدة الحياة، وما تبعها من البعض من تعليقات، واتهامات للسلطنة، من دون أي دليل، وكأن الأحكام المسبقة، هي التي تدفع بهذه الاتهامات غير الصحيحة بما يقترب من التلفيق، والذي نعرفه ـ وأنا من محافظة ظفار العمانية ـ التي تقع على حدود السلطنة مع الجمهورية اليمنية، أن السلطنة وضعت إمكاناتها العسكرية البرية والبحرية وفرقها الأخرى، في الوديان المحاذية للحدود، والصحاري الممتدة مع دول الجوار، لمنع أي تسلل أو اختراقات للحدود العمانية/ اليمنية، واستطاعت أن تحفظ حدودها بخطوات كبيرة من القوات على الحدود العسكرية ومن المراقبات الأخرى، وتحاول في الوقت نفسه، إنهاء التوتر والإسهام في الحلول السلمية لإيقاف الدماء بين اليمنيين من خلال المبعوث الدولي ومن طرق سياسية كثيرة لحل النزاع، لكنها في سياستها الثابتة، مع شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، ومع مخرجات الحوار الوطني، ومع المبادرة الخليجية التي شاركت فيها السلطنة، في آليتها التنفيذية وقراري مجلس الأمن رقمي 2014 و2051 التي اقتضت تنفيذ حزمة من المهام والاستحقاقات لضمان إحداث عملية التغيير التي نشدها وتوافق عليها اليمنيون. وفي مقدمة ذلك حل القضية الجنوبية حلا عادلًا يضمن أمن واستقرار ووحدة اليمن، وعليه فإن الوثيقة كما طرحت، تعكس وعي والتزام المكونات السياسية والاجتماعية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل بضرورة استكمال المهام التي احتوتها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية والتي بدأت بتوقيع المبادرة الخليجية وتنتهي بالانتخابات العامة". ولذلك فإن السلطنة مع شرعية هذه الاتفاقيات ومع ما تم الاتفاق عليه، ولن تكون إلا مع الشرعية التي ارتضاها الجميع، بمن فيهم الحوثيون، وأنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح، فما قيل عن وجود أسلحة جاءت للحوثيين بسيارات عليها أرقام عمانية، ومن خلال الحدود العمانية، فهذا يبعث على الضحك، أكثر مما يدعو للبكاء، فما مصلحة عمان في دعم الحوثيين؟ وماذا ستجني من وراء استمرار الصراع في اليمن؟! فالسلطنة عانت وستعاني من الحرب اليمنية/ اليمنية، وعندها مئات الجرحى والمصابين، غير الذين دخلوا للحدود العمانية، بسبب الأوضاع السياسية، وهذا في جانبه إنساني، خاصة من سكان جنوب اليمن، وربما النقد والاتهام كان سببه معروف، وهو عدم دخول السلطنة في التحالف، لدعم الشرعية القائمة، والسلطنة لم تعترض على التحالف، ومن حق كل دولة أن تتخذ ما تراه يحفظ مصالحها وأمنها واستقرارها، فالسلطنة لها سياستها الثابتة، وهي أن دول مجلس التعاون هي عمقها الإستراتيجي، ولن تكون إلا معهم، وليس مع غيرهم مهما يقال هنا وهناك، لكنها ـ أي السلطنة ـ ترى عدم الدخول في الصراعات الداخلية لدول الجوار لأسباب تراها مقنعة، وقد عانت من تدخلات اليمن الجنوبي سابقًا، وهذا يعرفه الجميع، وبينها وبين اليمن اتفاقيات عدم اعتداء، بعد اتفاقية الحدود في العقد الماضي، لكنها لن تكون إلا مع الشرعية، ومع ما تم الاتفاق عليه ومع القرارات الدولية المعلنة، وهذا الموقف الذي لن تنحاز عنه. وتنطلق السياسة العمانية التي اختطها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس في الحفاظ على أمن المنطقة من الحقائق الجغرافية الإستراتيجية، حيث إن السلطنة تشرف على مضيق هرمز الذي يعد أهم معابر تجارة البترول في العالم، ويقع بأكمله تقريبا في المياه الإقليمية العمانية مما رتب أعباء كبيرة في الإستراتيجية الأمنية في العقود الماضية مع بروز توترات عديدة أسهمت في تعزيز هذه الأعباء مثل الغزو السوفييتي لأفغانستان وانفجار الحرب العراقية – الإيرانية وما ترتب على هذه المشكلات من قضايا ومنعطفات أبرزت التفرد الحكيم لسياسة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم في كيفية التعامل مع أخطر الأزمات وأكثرها سخونة تنم عن فكر سياسي حصيف، يدرك أهمية التحولات ومخاطرها على الاستقرار، لذا سعى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس إلى إطلاق فكرة إقامة الترتيبات الأمنية والتعاون الإقليمي، وباتت تلك الرسالة بشأن أمن المنطقة أحد العناصر الرئيسية للسياسة العمانية وقال جلالته" نحن جميعا نهتم باستقرار الأمن في المنطقة كسياسة عامة، ولا ريب أننا إذا حققنا الأمن في المنطقة وتعاونا جميعا في هذا السبيل فإننا نكون بذلك قد أمنا أنفسنا ضد أي خطر خارجي، ولا ريب كذلك في الاتحاد قوة، وهو إذا ما أمكن تحقيقه فإنه سيكون الدرع الواقية للمنطقة (حديث لمجلة المصور المصرية 1973م). كما تميزت السياسة العمانية بشأن مختلف القضايا العربية بالحرص على التعامل الصريح مع مستجداتها، وهي صراحة لا تخضع لازدواجية المعايير أو خلط الأوراق أو اللعب على التناقضات واستثمارها سياسيًا، أو المناورات الدبلوماسية التي لا تلامس حقائق الأمور وطبيعتها، ولا شك أن جلالة السلطان حفظه الله بنظرته الثاقبة قد وضع يده بسهولة ويسر على كيفية حل الأزمات والخلافات العربية من خلال أولويات الحوار البنّاء الذي يقوم على استبعاد عناصر الاختلاف والتنافر. ولعل ذلك يفسر لنا كيف اتبعت عمان منهجًا قويمًا في كيفية حل الخلافات الحدودية مع بعض الدول الشقيقة. وجعلت من هذا الموقف مثلًا يحتذى على الصعيد الإقليمي والعربي والدولي. لذلك فإن السلطنة ستبقى ثابتة في سياستها مع دول مجلس التعاون، ومع محيطها العربي، وهذا من المستقرات والثوابت التي لن تكون إلا كما كانت وسارت عليه عبر التاريخ.

2726

| 25 سبتمبر 2016

حتى لا تغترب لغتنا!

حضرت منذ عدة سنوات مؤتمرًا في إحدى دول مجلس التعاون، كان المؤتمر يناقش مسألة الهوية، وأهمية المحافظة على اللغة العربية كلغة للأمة، وقيمها، وتراثها الوطني والقومي، وكان أحد المتحدثين بهذا المؤتمر، المفكر الفلسطيني المعروف، د. عزمي بشارة، وبحكم أنه من سكان أرض 48 المحتلة، قال: إنني زرت كل مناطق عاصمة الكيان الإسرائيلي (تل أبيب)، ولم أجد مدرسة خاصة تدرس اللغة الإنجليزية، أو أي لغة أجنبية، كل المدارس باللغة العبرية، فالعبرية لغة اندثرت منذ قرون، تم إحياؤها من جديد، مع أنها كانت لغة ميتة، وكان اليهود في العصور الوسطى وما بعدها، وفي فترة الحضارة الإسلامية، كانوا يكتبون باللغة العربية، لا باللغة العبرية.الآن أصبحت اللغة العبرية في إسرائيل، لغة العلم، والأدب والتاريخ، ونحن للأسف نهمل لغتنا العربية في الكثير من جامعاتنا وكلياتنا، ونجعلها حتى تنافسنا في الوظائف الوطنية في أحايين كثيرة! وهذا للأسف مجازفة كبيرة وخطيرة لهوية الأمة، ذلك أن اللغة الإنجليزية، ليست ضرورة في كل المهام في الوظائف حتى العلمية منها، حتى نجعل منها اللغة الأساسية في مدارسنا وكلياتنا، بل إنها قد تكون مطلوبة في بعض المهن الفنية، والفنية الدقيقة التي تستلزم نوعية من الأجهزة ذات الطابع التقني المتقدم، لكن وجود الأجنبي غير العربي، يكون مؤقتًا، حتى يأتي من هو في خبرته بعد تأهيله، لذلك يجب أن نعزز اللغة الوطنية من خلال مناهجها، في التعليم العام، وفي الجامعات والكليات، ونجعلها أساسية في كل تعاملاتنا الإدارية والفنية، وهذا يتطلب أن نركز على التعريب بدلًا من اعتماد اللغات الأجنبية في أغلب جامعاتنا، فاشتراط اللغة الأجنبية، يعني زيادة البعد عن الهوية واللغة أساسها. إن أهمية اللغة الأجنبية ـ كما يقول د.أحمد الضبيب ـ "تندرج حسب اهتمامات الأشخاص، والمواقع التي يحتلونها في المجتمع، من حيث قربها من مصادر اللغة أو بعدها عنها. ولذلك فإن اللغة الإنجليزية قد تكون مهمة جدًا لبعض الناس الذين تتصل أعمالهم بها اتصالًا مباشرًا، ولكنها قد تكون أقل أهمية للآخرين، بل إن الحاجة إليها تنعدم من درجة الصفر عند كثير من الناس الذين يجب أن تقدم لهم الخدمات والاحتياجات في بلادهم باللغة العربية، كما يحدث لمعظم مواطني بلاد الدنيا. إذن مادامت اللغة الإنجليزية غير (ضرورية) لكل مواطن ولكنها (مهمة) لبعضهم وتتدرج أهميتها حسب الاختصاص والثقافة والموقع، فليس هنالك ما يدعو إلى تعليمها منذ الصفوف الأولى في المدرسة. لأن التعليم العام ملزم بتقديم الضروريات، التي لا يستغني عنها المواطن في حياته، أما ما يتفاوت فيه الناس فإن ذلك متروك لكل شخص على حدة، فهو أقدر على إشباع رغباته واحتياجاته الثقافية بالطريقة التي يختارها، من غير فرض أو إجبار". ومع أهمية هذه اللغة العظيمة وأهميتها ودورها في الحضارة والعلوم الإنسانية، إلا أن هذه اللغة بدأت بالإهمال والإقصاء وتقصى في الكثير من جامعاتنا وكلياتنا الوطنية. الحكومية والخاصة، وهذا التعليم باللغة الأجنبية، لم تقتصر على المواد العلمية الخالصة، بل امتدت إلى العلوم الإنسانية، كالتاريخ، الاجتماع والإعلام! وهذه للأسف مزاحمة واضحة للغة العربية، وإقصاؤها، وهذا خطر واضح على الهوية الوطنية بلا شك، وأيضا أصبحت اللغة الأجنبية، مفروضة في أغلب الشركات الوطنية والأجنبية، بسبب سيادة اللغات الأجنبية على اللغة العربية، وللأسف أصبحت اللغة الأجنبية مطلبا للوظيفة، وأصبحت جامعاتنا وكلياتنا تتجه إلى اللغة الأجنبية، لأن اللغة الإنجليزية هي السائدة في الكثير من المؤسسات والشركات! مع أن أغلب الوظائف لا تستدعي هذه اللغة، وأن اللغة العربية كلغة عالمية، قادرة على استيعاب كل العلوم العصرية، كما استوعبت العلوم في العصور الأولى، من الحضارات الأخرى التي سبقتها، وازدهرت الحضارة العربية الإسلامية، ومن خلال الترجمة، وليست عن طريق تبني اللغة الأجنبية، وحتى لا نجعل أبناءنا منقسمين ذهنيًا، فنجعلهم مثلما تقول الأمثال، مثل الغراب، عندما أراد يومًا أن يقلّد طائر الطاووس، فلا هو أتقن مشية الطاووس، ولا استطاع إتقان مشية الغربان، مشيته الأصلية! وهذه مشكلة خطيرة تستوجب المراجعة الجدية من جهات الاختصاص في بلادنا العربية فرض تعريب اللغة في هذه المؤسسات كاملا، مع استثناء بعض المهن الدقيقة التي تتطلب لغة أجنبية، مع الاتفاق مع الجامعات والكليات الخاصة، تطبيق هذه التعريب، واستثناء بعض التخصصات الفنية العلمية، وهذا هو الطريق الأنسب والأجدى، للحفاظ على الهوية الوطنية، ونجاح التعريب في بلداننا.

506

| 18 سبتمبر 2016

لماذا الانقسام في النظام العربي؟

لا شك أن الواقع العربي يعيش وضعًا متوترًا، أملته ظروف سياسية كثيرة واقتصادية وفكرية، وأسباب متعددة أخرى بفضل تراكمات لم تعالج المعالجة الكافية والعقلانية، حيث جعلت النظام العربي متراجعًا عما يفترض أن يكون عليهم القوة والمنعة، والقيام بالدور المفترض الذي ينبغي أن يقوم به من الوحدة والترابط والوحدة، وجاءت أحداث الربيع العربي لتفجر الكثير من التراكمات السابقة، وزاد معها التوتر والخلاف، في ظل التحولات التي جعلت السياسات العربية منقسمة على نفسها، تجاه تلك الأحداث التي جرت آنذاك، وما آلت إليه من تغييرات وصراعات لا يزال بعضها حاضرًا حتى الآن، حيث تزال بعض البلاد العربية تعيشها وبصورة مأساوية، فالبعض من المحللين يرون، أن أسباب الانقسام والصراع العربي في ظل النظام العربي، وحتى قبل أحداث الربيع العربي، هو من ضمن المؤامرات الخارجية، لإضعاف وزيادة الانقسام في العالم العربي وتفكيكه مستقبلًا إن استطاعت في ذلك، وهذا الانقسام أسهمت فيه دول كبيرة، بهدف الهيمنة وإبقاء الوضع العربي رهينة التوجهات الإستراتيجية الأجنبية، وهذه الإستراتيجية، تضع فيها مصلحة إسرائيل في المقام الأول، ويدلل هؤلاء أن روسيا وأمريكا يستطيعا أن يفرضوا الحل على النظام والمعارضة في سوريا وفي ليبيا، وتنتهي هذا الصراعات، لكن هناك حسابات وأهدافا، جعلت هذا الصراع مستمرا وربما سيطول، وهذا بلا شك في مصلحة إسرائيل في إضعاف هذا البلد أو ذاك، ومنها القطر العربي السوري، الذي يعد من الدول المهمة على حدود إسرائيل، فإذا بقي ضعيفًا ومدمرًا، فان النظام الذي سيحكم، سينتظر عقودا طويلة حتى يبني نفسه من جديد، لكن بعض الباحثين يرون أن بعض الأنظمة العربية في هذه الدول، أسهمت في هذا الانقسام وهذا الصراع، الذي سبب الخلافات والانقسامات في النظام العربي، وجعل الخلاف، هو السمة البارزة في القمم العربية الماضية الاعتيادية، بل إن بعض هذه الأنظمة، هي التي جعلت الاحتقان والتوتر الداخلي، يتحول إلى بركان دموي في بعض الدول للأسف ولا يزال الصراع فيه قائما ومدمرًا، وأنها لم تسع لتخفيف الاحتقان السياسي والمجتمعي، واتخاذ قرارات شجاعة لإيقاف هذا الاحتقان، خاصة في سوريا وليبيا، لوأد التوترات التي حصلت في ذلك الوقت، وما أدى إليه من انقسامات بسبب هذه الأوضاع التي تحتاج إلى قرارات شجاعة لإحلال السلام، والقبول بحلول وسط والتنازل عن القرارات، من أجل هدف أسمى، وهو الحفاظ على الوطن والمواطن من التدمير والدماء والصراعات الداخلية، وهذا الصراع بدأ ينحني ربما إلى الطائفية، أو إلى التقسيم. ولذلك أصبح دور النظام العربي ضعيفًا، بل مشلولًا في لعب الدور المتوقع منه، وهو إنهاء الخلافات القائمة، بسبب الاصطفاف السياسي الذي جعل النظام العربي هامشيًا في دوره، والجامعة العربية، تمثل إرادات الدول وإجماعها، ومادام الإجماع معطلًا بسبب الانقسامات الراهنة، فإن الدور العربي المؤثر في الحل للكثير من المشكلات غائبًا، وهذا ما استدعى أن تقوم الدول الكبرى، بمهام ومسؤوليات، عندما تراجع عنها النظام العربي في ذلك، وهذا ما جعل التأزم والتوتر، يتحول إلى انقسامات كبيرة، لا ندري كيف ستنتهي هذه الأوضاع القائمة، وما ستؤول إليه. فانقسام الدول العربية، كما يرى د. عبدالمنعم المشاط، "إلى دول فاشلة ودول على أعتاب الفشل ودول أخرى متماسكة، بالإضافة إلى الضعف الشديد الذي يسم أنشطة جامعة الدول العربية، يثير التساؤل حول مستقبل النظام الإقليمي العربي، وما سوف يؤول إليه، وما إذا كانت هناك ترتيبات إقليمية أخرى تحل محله، وتشير الدراسات الإستراتيجية الحديثة إلى أن القوى الكبرى والتحالف الثلاثي بين إسرائيل وتركيا وإيران تقود إلى إقامة منظمة إقليمية جديدة تخص الشرق الأوسط وتحل محل جامعة الدول العربية وتخلق نظاما إقليميا أوسع مما هو متعارف عليه، ويمكن تصوره كالتالي، منظمة الشرق الأوسط، والتي تترأسها كل من إسرائيل وإيران وتركيا، حيث يتم توثيق التعاون الإستراتيجي بينهم، على أن يتم إعطاء الفرصة للدول العربية، إما أن تنضم إليها على نمط حلف بغداد القديم أو أن تظل عضوا في منظمة إقليمية كسيحة، وهي جامعة الدول العربية أو الخروج نهائيا منها، على أن يتم توجيه هذه المنظمة الجديدة من جانب القوى الدولية الرئيسية خصوصا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتشير هذه الدراسات كذلك إلى أن روسيا والصين لن تعارضا هذا الترتيب الإقليمي الجديد شريطة أن يسمح لهما بنفوذ تجاري وعسكري مع بعض الدول العربية، وعلى رأسها سوريا، ولا شك أن هذا الترتيب الإقليمي الجديد، والذي يقوم على التعاون الإستراتيجي والدعم الخارجي يثير تساؤلات عدة حول إعادة ترتيب وضع الأقليات في الدول العربية من ناحية، ووضع أقاليم الدول المنهارة". وهذا هو الخطر الذي نأمل عدم حصوله، كما يراه بعض الباحثين، ذلك أن استمرار هذه الصراعات والتوترات، داخل بعض هذه الدول التي تضم جماعات دينية وعرقية متعددة، ربما يجر إلى حروب وإلى مستنقع للإرهاب، إذا لم يتم الحل سياسيا لهذه الأزمات الداخلية، أو أن يتم التقسيم الإثني والعرقي والمذهبي، وقد تتحول إلى هذه الجماعات، إلى كانتونات سياسية، خاصة أن بعضها يرغب بذلك، بدعم من جهات عديدة، وهدفها تمزيق هذه الدول لمصالح وأهداف سياسية واستراتيجية، والحقيقة أن النظام العربي الراهن يعد في أصعب حالاته، وهذا ما آلت إليه السياسات للأسف، ومع أن البعض يرجع إلى خطط وسياسات الخارج، إلى ما آلت إليه أوضاعنا، فإن المنطق والعقل أن هذا الطرح عن المؤامرات الخارجية، يعفينا من مراجعة الكثير من السياسات والخطط التي جعلت في هذا الوضع يزداد توترًا وانقسامًا، فإلقاء كل الأوضاع والانكسارات والتوترات إلى المؤامرات، هروب من الواقع وسلبياته، ونكذب على أنفسنا في ذلك، عندما نعلق كل ما حصل من أزمات ومشكلات داخلية على المؤامرات الخارجية، فلو أننا أعدنا النظر في الكثير من السياسات، لما وقع النظام العربي في هذه المشكلات السياسية التي أصبحت معقدة، على كل المستويات، لذلك فإن المراجعة وإعادة النظر في السياسات، لابد منها، حتى نستطيع المحافظة على المؤسسات القائمة، ونبعد عما هو أخطر من ذلك.

3530

| 12 سبتمبر 2016

تركيا وروسيا..والأزمة السورية

العلاقات الروسية - التركية تأزمت بعد الأحداث التي حصلت في سوريا في أحداث الربيع العربي 2011، وجاءت تداعياتها على مجمل الأوضاع العربية والدولية، فقد كانت روسيا مع النظام في سوريا منذ حرب الباردة، وضمن المعسكر الشرقي آنذاك، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت روسيا الاتحادية بالانكفاء على نفسها لعدة عقود، بعد تفكك دول الاتحاد سابقًا، في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد وصول الرئيس فلاديمير بوتين للحكم في روسيا، في التسعينيات، بدا وكأنه يريد إعادة مكانة الاتحاد السوفيتي الدولية، ويستعيد الدور نفسه في المنطقة، التي أصبح للدور الأمريكي والغربي، الدور الأكبر فيها، وبدأت روسيا في التحرك في قضايا الدول التي كانت ضمن معسكرها السياسي والعسكري، بما في ذلك الدول السابقة في حلف وارسو، وكذلك الدول التي ضمن هذا المعسكر في فترة الحرب الباردة، وكانت علاقات روسيا وتركيا جيدة من الناحية الاقتصادية، بحكم الجوار الجغرافي، لكن تركيا ترتبط مع المعسكر الغربي منذ قيام الدولة العلمانية، وانتهاء الخلافة الإسلامية، وضمن حلف الناتو، إلى جانب العلاقة الاقتصادية كبيرة بينهما، لكن الأزمة السورية، أسهمت في توتر العلاقات بينهما، فتركيا ليست راضية عن النظام في دمشق، بعد تعامله مع المعارضة، بعد المطالبات الشعبية بالإصلاح السياسي والاقتصادي، واتخذ ـ كما تقول تركيا ـ موقفًا قمعيًا فظيعًا، لم تسبقه أي من دول الربيع العربي، إلى جانب أن بعض أركان المعارضة السورية المعتدلة، يعيشون ويتحركون في العاصمة التركية، ووجود ملايين السوريين اللاجئين على الحدود التركية السورية، كما أن تركيا تريد حلا من دون الأسد، أو دورًا مؤقتًا حتى تجري الانتخابات، بعد انتهاء النظام، وتسبقه حكومة ائتلافية من كل الانتماءات السياسية، لكن روسيا، ليست متجاوبة مع إنهاء هذا النظام، والإتيان بنظام جديد، يكون مواليًا لأمريكا والغرب، وتعود سوريا ضمن المعسكر الغربي، كما كانت العراق بعد احتلاله عام 2003، لكن العلاقة التجارية والسياسية بقيت مستمرة، لكن العلاقة السابقة بقيت جامدة ولم تكن متفاعلة بشكل أكبر كما كانت في العقود الماضية.لكن الأزمة الأشد بينهما، جاءت على خلفية سقوط الطائرة الحربية الروسية، التي دخلت الحدود التركية، وتم إسقاطها من صاروخ وهي في الجو، وهذا ما جعل روسيا تشتد غضبًا من تركيا، وتوعدت حتى بالانتقام، لكنها لا تستطيع أن تقوم بأي عمل عسكري ضد تركيا، لأن الاختراق الجوي يعد مخالفة قانونية واضحة، كما أن تركيا في حلف الناتو، وهذا ما جعل الولايات المتحدة ودولا غربية، تقف مع وجهة نظر تركيا في موضوع إسقاط الطائرة، لكن الأمر الأكثر مفاجأة للجميع، كما جاء في بعض التقارير، أن إسقاط الطائرة الروسية تم بإيعاز من جماعة فتح الله جولن، التي قامت بالانقلاب الفاشل في تركيا في 15 يوليو الماضية على النظام القائم، والسبب كما تقول بعض التحليلات، إيجاد ذرائع لتوتر علاقات النظام مع روسيا، لإثارة الرأي العام ضدها، وإظهارها بأنها تثير التوترات مع الدول الأخرى، ويكون مدعاة لنجاح الانقلاب، وتأييده، وهذا ما ظهر بعد سقوط الانقلاب، وظهور بعض التحقيقات، تؤيد نظرية المؤامرة في سقوط الطائرة الروسية، وقد قامت السلطات التركية باعتقال الطيار الذي أسقط الطائرة ومساعده، وهو ما دعا الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تقديم اعتذار رسمي للحكومة الروسية بعد ذلك، ولاشك أن العلاقات التركية - الروسية بدأت بالتحسن بعد زيارة الرئيس أردوغان لموسكو قبل عدة أسابيع، وهذا سيكون في صالح الدولتين اقتصاديًا وسياحيًا، ويتوقع البعض أن الخلاف حول سوريا، قد يتقارب بينهما، بما يسهم في الحل السلمي مستقبلًا إن تقاربت وجهات النظر، خاصة أن الشعب السوري يعاني معاناة كبيرة، من جراء هذه الحرب المستعرة منذ 5 سنوات، وهذا الدمار والقتل يوميًا، ويرى بعض المحللين، أن هناك مصلحة مشتركة في تقارب الدولتين من بعضهما البعض، لكن هناك بعض المواقف المتباعدة في الأزمة السورية التي لا تزال غير متقاربة حتى الآن، وتتعلق المطالب الروسية بضرورة إغلاق الحدود التركية /السورية، ومنع أي أسلحة إلى الجيش الحر، وبقية الفصائل السورية المسلحة، وهو ما تعتبرهم روسيا مجموعات إرهابية، بعكس تركيا التي لها موقف آخر مع المعارضة المعتدلة، وهو نفس الموقف الأمريكي والغربي عمومًا. وفي المقابل يركز الجانب التركي على ضرورة التعامل مع ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) باعتبارها فرعًا من حزب العمال الكردستاني الذي تعده تركيا إرهابيًا منذ عدة عقود ولا تزال. لكن الجانب التركي مؤيد للتعاون مع روسيا، من أجل محاربة تنظيم داعش، لمنعه من تنفيذ هجمات إرهابية في الداخل التركي، وهو ما جعل تركيا منذ عدة أيام تقوم بحملة عسكرية في الحدود السورية ومقاتلة التنظيمات الإرهابية في منطقة جرابلس، وغيرها من القرى السورية لمنعها من شن هجمات انتحارية في الداخل التركي، لكن الموقف التركي، يعتبر أن المفتاح لحل الإشكال الرئيسي يكمن في إقصاء الرئيس الأسد، والدائرة المحيطة به من السلطة في المرحلة المقبلة، وهو الأمر الذي لا تتفق معه موسكو بصورة كاملة، لكنها تحاول أن تضع بعض الأفكار التي تجعل للنظام مشاركة في الحكم مع المعارضة المعتدلة. ويرى الكتاب أحمد دياب عن الخلاف بين تركيا وروسيا "أن القوي الغربية و"الناتو"‬في حيرة من أمرهما. فهما، من جهة، ملزمان بحكم ميثاق الحلف الأطلسي بالتضامن مع تركيا، والدفاع عنها، كما أنهما بحاجة إليها في استقبال اللاجئين للحيلولة دون لجوئهم لأوروبا.‬ولكنهما في حاجة أيضا إلى روسيا في تسوية الأزمة السورية، وفي الحرب علي "داعش"، لاسيَّما أن القوي الغربية توصلت إلى اقتناع، فحواه أنه لا حل في سوريا من دون إشراك روسيا وإيران. وقد تقربت فرنسا كثيرا من روسيا، عقب هجمات باريس في‮ 13‬نوفمبر‮2015، وأصبحت تعترف بروسيا شريكا في الحرب علي "داعش"، بل وتنادي بائتلاف دولي واحد، مما يعني شرعنة التدخل الروسي في سوريا من منظور‮غربي. ومن جهة أخري، هناك دول أعضاء في‮"الناتو"‬ممتعضة من السياسة التركية حيال الأزمة السورية، ومن توظيفها لها لتصفية حساباتها مع الأكراد، ومن التوجهات التسلطية لحكومة أردوغان.‬وهكذا،‬يبدو موقف‮"الناتو"‬معقدا،‬مثله مثل موقف تركيا وروسيا اللتين أربكهما تصاعد الصراع بينهما".‬العلاقات الروسية/التركية، سوف تسير سيرًا جيدًا في قضية المصالح المتبادلة بينهما، لكن تظل المشكلة السورية، مثل الحجارة الكبيرة الصماء التي لا تستطيع إزاحتها بالسرعة المطلوبة، ولا بقاؤها سيكون مفيدًا ومريحًا.

734

| 04 سبتمبر 2016

داعش والتراجع المتوقع

لا شك أن كل التوقعات والتحليلات، تؤكد أن قوات داعش، سوف تتراجع عن احتفاظها بالأراضي التي سيطرت عليها منذ الأعوام الماضية، في سوريا والعراق وليبيا، لأن الإستراتيجية العسكرية لهذا التنظيم قد لا تستطيع السيطرة على هذه المدن، لكونها محدودة التكتيكات العسكرية والتنظيمية لكونها بيت قوات نظامية مؤهلة، إلى جانب أنها لا تملك السلاح الجوي الذي له قدرة السيطرة والتأثير في كل المعارك، صحيح أن حرب العصابات لديها قدرات على التحرك والاختفاء واتخاذ مواجهة الكر والفر، لكن تظل قدرة السيطرة على المدن والمواقع المهمة مرحلية. ليست دائمة، ولن تكون ثابتة على المدى الطويل، بسبب تفوق الجانب الآخر العسكري والإستراتيجي، وهي قوة التحالف التي تشترك فيها دول كبيرة عربية وغربية، وهذا ما سيكون متوقعًا، وأهم الأسباب التي جعلت تنظيم داعش يتراجع عن قبضته العسكرية في العراق وفي ليبيا في الأشهر والأسابيع الماضية، المشاركة العسكرية القوية لقوات التحالف من الدول الغربية لمقاتلة داعش، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وبعض الدول الأخرى، إلى جانب التدخل الروسي الثابت والواقف إلى جانب النظام السوري، الذي يعتبر كل المعارضة السورية، جماعات إرهابية متطرفة! والسبب الأساسي للتدخل القوي لقوات التحالف الغربية ضد داعش، هو الهجمات العنيفة التي شنها تنظيم داعش في الأشهر الأخيرة في فرنسا وبلجيكا وتركيا، وهذا ما جعل بعض هذه الدول تستنفر وتتحرك لمواجهة هذا التنظيم باهتمام كبير، عما كان عليه في السنوات الماضية، وبخطط جديدة ومركزة لضرب التنظيم بتكتيكات مختلفة، مع استخدام السلاح الجوي في ضرب مواقع تجمع قواتهم وتجمعاتهم في المدن التي تم السيطرة عليها، لأن التنظيم، أصبح خطرًا حقيقيًا على دولهم بعد الهجمات الإرهابية التي قتلت الكثير من الأبرياء في فرنسا وبلجيكا وتركيا خطرها ولا يزال خطرها قائما، والحقيقة أن التحالف الدولي في العالمين الماضيين، لم يقم بالمشاركة العسكرية الجدية ضد داعش، ولا تعرف الأسباب الحقيقية لذلك، مع أن تصريحاتهم تقول إنهم سيشاركون بقوة في قتالهم، لكن الأسباب الرئيسية لهذا التحرك الجديد اللافت، بروز الهجمات الانتحارية لجماعة داعش في بعض الدول الغربية، خاصة فرنسا، أوجدت رؤية أخرى للمواجهة، كما أن بعض السياسيين والخبراء لمراكز البحث في الغرب، حذرت من سيطرة داعش، واستمرار القتال في ليبيا وسوريا خصوصًا، دون تحقيق السلام الثابت، سوف يجعل الهجرة إلى أوروبا مشكلة كبيرة للمجتمعات الغربية، والأزمات سوف تنتقل لهم، بصورة، أو بأخرى! ولاشك أن قوات داعش حققت اختراقات كبيرة في العراق، والأسباب الكبيرة، أن الدولة العراقية، بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين، لم تعالج أزمة الجيش العراقي الذي تم حله المعالجة العقلانية اللازمة، وانضمام الكثير من العسكريين العراقيين إلى تنظيم داعش، بعد صدور قانون (اجتثاث البعض) وتسريح مئات آلاف من الضباط والجنود من الجيش العراقي! وهذا ما جعل تنظيم الدولة في العراق، يحقق الكثير من النجاحات الكبيرة بسبب خبرات بعض هؤلاء العسكريين، بعد سيطرته على مدن عراقية كبيرة ومهمة، كالموصل والرمادي وغيرها من المدن العراقية، وسبب تراجعًا لافتًا للقوات العراقية الرسمية، والحشد الشعبي في العام المنصرم، كما أن تنظيم داعش استفاد من خلافات السياسيين في ليبيا، وحقق الكثير من مواقع السيطرة، ومنها مدينة سرت التي تعد من المدن الليبية التي يسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي في مايو 2015، بعد انسحاب قوات فجر ليبيا من المدينة، وترجع أهمية مدينة سرت بكون أهمية موقعها الإستراتيجي شرق ليبيا، كما تعد البوابة المهمة لمناطق النفط وتم السيطرة على بعضها، ولذلك سعت قوات داعش، لأن تكون هذه المدينة ظهيرا اقتصاديا له. التي تعتبر من المواقع التي لاقت اهتماما من نظام القذافي، باعتبارها مسقط رأسه، إلى جانب الأهمية الاقتصادية. كما أن قوات داعش سعت للسيطرة على مواقع النفط في العراق وسوريا بهدف تمويل هذه القوات، لشراء السلام عن طريق السماسرة من دول كثيرة. ولكن هل استطاع تنظيم الدولة الاستقرار بعد نجاحاته الكثيرة في العامين الماضيين؟ في الواقع أن التنظيم بدأ يتراجع عسكريًا في سوريا والعراق وليبيا، وهذا التراجع، كما يقوله بعض الخبراء سوف يزداد في الأشهر القليلة القادمة، بسبب التكثيف العسكري للتحالف والقوات المتحالفة معها في العديد من الهجمات لقوات التنظيم، وبدأ التنظيم يتكبد خسائر متتالية في هذه الدول الثلاث، وتقول بعض التقارير الإخبارية، إلى أن التنظيم فقد حتى الآن، ما يزيد على نصف المساحة التي كانت تحت نفوذه، منذ إعلان ما سمّي بالخلافة الإسلامية، التي أعلن عنها زعيم تنظيمهم أبوبكر البغدادي في يونيو من عام 2014، وإن رفع الناطق باسم البنتاجون الأمريكي مؤخرًا هذه النسبة إلى 60 بالمائة، حيث أشار إلى أن التنظيم فقد 40 بالمائة من أراضيه في العراق و20 بالمائة في سوريا، ولم تؤكد مصادر أخرى هذا التقرير.. وهذا ما جعل التنظيم يحاول فتح جبهات جديدة، حتى يستطيع التخفيف من الهجمات المكثفة عليه في المواقع الإستراتيجية التي سيطر عليه، في السنوات الماضية، كما أسهم في تراجع التنظيم في الأشهر الماضية، قطع خطوط الإمداد، التي سيطر عليها، إلى جانب إضعاف قدراته العسكرية، بسبب الضربات المكثفة، وانعكس ذلك على تحركاته بين سوريا والعراق، وداخل بعض المدن التي سبق وسيطر عليها، ولذلك يعتقد بعض المحللين أن تكثيف التنظيم للعمليات الانتحارية، في الفترة الحالية، يرجع إلى الإخفاقات العسكرية، وهذا جعله يستخدم هذه الهجمات كتعويض عن الخسائر الأخرى، لكن تراجعات قوات داعش، وفقدها الكثير من المواقع العسكرية، كان متوقعًا، إلا إذا غيّر التنظيم خططه، واتجه إلى حرب العصابات التي ربما تجعل تأثيره العسكري ضئيلًا في الفترة المقبلة.

343

| 28 أغسطس 2016

ليبيا والتوتر مرة أخرى!

بعد الاتفاق الشهير في مدينة الصخيرات بالمملكة المغربية بين الليبيين، الذي رعته الأمم المتحدة في ديسمبر 2015، حيث تم الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق الهيئة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة، كما استضافت سلطنة عُمان جلسات الحوار، بين أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي بمدينة صلالة قبل عدة أشهر، كان التوقع أن الحل أصبح قريبًا بين الأطراف الليبية المختلفة على كيفية إقامة نظام سياسي جديد في ليبيا، يجمع كل التيارات والتكتلات السياسية، مع وصول الحكومة اللبيبة الجديدة إلى طرابلس برئاسة فايز السراج، المدعومة بعد اتفاق الصخيرات من الأمم المتحدة، وأكثر الأطراف الدولية تأثيرا، ومع كل هذه التحركات التي ساهمت في حل الأزمة الليبية، فإن تصاعد الخلافات والقتال في بعض المدن مؤخرًا، ومشاركة بعض الأطراف الغربية في الصراع، جعل مسألة المصالحة والتوافق الذي تم، متراجعًا عما توقعه بعض المحللين والمتابعين بالانفراج للازمة في ليبيا، ولا شك أن الرئيس الراحل معمر القذافي، ساهم في هذا الوضع المتأزم، لأن غياب النظم الدستورية، واستبدالها باللجان الشعبية، وهي التي أسهمت في عدم تأسيس دولة المفهوم الحديث، وأقصيت كل المؤسسات المعنية بهذا الجانب المهم، التي تجعل من الدولة الليبية نظامًا قائمًا، يقدر من الجميع ويتحول إلى رؤية ثابتة كمؤسسات دولة لا يستطيع أحد العبث بمقدراتها لغايات خاصة، وهذا الإقصاء، كما يقول بعض السياسيين اللبيبين وغيرهم، هو الذي مهّد لهذا الواقع القائم من التوترات والصراعات، من حيث انفراد بعض القبائل والتيارات ببعض المدن والتحكم فيها، والسيطرة على بعض مواقع النفط، والتحكم بهذه الآبار، والمطالبة بحصص معينة... إلخ. ولا شك أن الصراعات السياسية، تلعب دورًا هامًا في عدم قبول التعددية والديمقراطية، التي ستكون الباب للاستقرار والابتعاد عن لغة السلاح، لفرض التوجهات السياسية والأيديولوجية، كما أن ظهور داعش وأخواتها في المشهد الليبي مؤخرًا، ساهم في تأخر الحل الذي يجمع عليه كل الأطراف السياسية بعد الاتفاق الأخير الذي رعته الأمم المتحدة في المغرب. لكن للأسف أن الخلافات السياسية المستمرة، ساهمت في تردي الأوضاع، وعليهم المسؤولية في التدهور الأزمة، كما أن ظهور داعش هو نتيجة من نتائج الخلافات والتوترات السياسية بين الفرقاء الليبيين منذ سنوات، والإشكالية أن هناك تدخلات دولية وعربية في الشأن الليبي، وهذا التدخل من كل طرف من الأطراف، إن كل طرف يهمه النظام الجديد الذي يحكم ليبيا، أن يكون متوافقًا معه فكريًا وسياسيا، وكل طرف يتحرك وفق المصلحة الخاصة التي يراها تتناسب مع أيديولوجيته الفكرية، لكن على حساب هذا البلد واستقراره ووحدة أراضيه، إذ إن بعض المهتمين بالشأن الليبي يتخوفون من تقسيم البلد الكبير والغني، إلى كانتونات إدارية وسياسية إذا استمر الصراع والانقسام السياسي، وقد تتحول إلى صراعات وحروب داخلية، وتسهم في الهدم وليس في البناء، وهذا هو الخطر الذي يتخوف منه البعض، إن لم يتفق الجميع على رؤية واحدة، ويتوافقوا على الحل السياسي الذي يجعل من التداول السلمي للسلطة مسارًا جديدًا لليبيا. ويرى الكاتب الليبي، سنوسي بسيكري أن "من أهم أسباب إخفاق مقاربات المصالحة الوطنية هي محاولة تمريرها بمنأى عن الواقع الراهن وتجاذباته وتفاعلاته، والنتائج المريرة الناتجة عن تلك التجاذبات والتفاعلات، إذ إن التطورات على الأرض خاصة السياسية والعسكرية في مناطق البلاد كافة لا تزال في عنفوانها، أو بعض منها على الأقل، لكن مقاربة التصالح لم تكن من نوع صب الماء على الحرائق المندلعة وتحقيق التوازن في مقترحات فض النزاع، بل من قبيل تمرير النتائج المرجوة من الأزمة المشتعلة والنزاعات المسلحة هنا وهناك. وعدم استعداد الأطراف على الأرض للتصالح". ولا شك أن التدخلات الدولية ساهمت في تعكير الأجواء، لأن البلد تحتاج في الوقت إلى حلول سياسية تتوحد القوى، ثم تأتي مواجهة التطرف والتكفير، لكن مادام الخلاف لا يزال قائما، فإن التطرف يقتات على المشكلات، ويستفيد من هذه الخلافات السياسية الراهنة. ولا شك أن هناك مشكلات وتحديات قائمة، تساهم في عدم إيجاد حل دائم وثابت، من الكثير من القوى داخل وخارج ليبيا، قد لا يدرك الآثار المخاطر الكبيرة لاستمرار الصراع، والذي قدر ينذر بتدخلات دولية بشكل أوسع كما أشرنا آنفًا، وربما يجعلها إذا استمر هذا الصراع تحت الدولية بشكل أو بآخر، أو ربما لفرض حل دولي على الليبيين، ولذلك فإن المطلوب من جميع الفرقاء السياسيين الليبيين المخلصين، أن يدركوا المخاطر المحدقة بهذا الصراع الذي دخل عامه الرابع، ومن المهم أن تعرف كل القوى في ليبيا، ألا منتصر فيهم في هذا الصراع، وأن الخاسر هو البلد نفسه ومواطنوه، وأن الاتفاق والتوافق، ومصلحة الوطن الليبي يجب أن تقدم على كل المصالح الذاتية، وأن هذه الدماء التي تسفك على الأرض يوميًا هي التي ستجر الأحقاد، وربما الانتقام بعد ذلك، وهذا ما يجب النظر إليه بواقعية، وتقديم المصلحة الوطنية على كل المصالح الخاصة.

267

| 21 أغسطس 2016

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1629

| 23 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1122

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1107

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

744

| 24 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

732

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

714

| 21 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

657

| 20 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

585

| 23 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

579

| 26 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

576

| 22 مايو 2026

alsharq
معرض الكتاب.. الاستثنائي

كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...

561

| 23 مايو 2026

alsharq
وللّه على الناس حج البيت

الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب،...

534

| 24 مايو 2026

أخبار محلية