رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن الواقع العربي يعيش وضعًا متوترًا، أملته ظروف سياسية كثيرة واقتصادية وفكرية، وأسباب متعددة أخرى بفضل تراكمات لم تعالج المعالجة الكافية والعقلانية، حيث جعلت النظام العربي متراجعًا عما يفترض أن يكون عليهم القوة والمنعة، والقيام بالدور المفترض الذي ينبغي أن يقوم به من الوحدة والترابط والوحدة، وجاءت أحداث الربيع العربي لتفجر الكثير من التراكمات السابقة، وزاد معها التوتر والخلاف، في ظل التحولات التي جعلت السياسات العربية منقسمة على نفسها، تجاه تلك الأحداث التي جرت آنذاك، وما آلت إليه من تغييرات وصراعات لا يزال بعضها حاضرًا حتى الآن، حيث تزال بعض البلاد العربية تعيشها وبصورة مأساوية، فالبعض من المحللين يرون، أن أسباب الانقسام والصراع العربي في ظل النظام العربي، وحتى قبل أحداث الربيع العربي، هو من ضمن المؤامرات الخارجية، لإضعاف وزيادة الانقسام في العالم العربي وتفكيكه مستقبلًا إن استطاعت في ذلك، وهذا الانقسام أسهمت فيه دول كبيرة، بهدف الهيمنة وإبقاء الوضع العربي رهينة التوجهات الإستراتيجية الأجنبية، وهذه الإستراتيجية، تضع فيها مصلحة إسرائيل في المقام الأول، ويدلل هؤلاء أن روسيا وأمريكا يستطيعا أن يفرضوا الحل على النظام والمعارضة في سوريا وفي ليبيا، وتنتهي هذا الصراعات، لكن هناك حسابات وأهدافا، جعلت هذا الصراع مستمرا وربما سيطول، وهذا بلا شك في مصلحة إسرائيل في إضعاف هذا البلد أو ذاك، ومنها القطر العربي السوري، الذي يعد من الدول المهمة على حدود إسرائيل، فإذا بقي ضعيفًا ومدمرًا، فان النظام الذي سيحكم، سينتظر عقودا طويلة حتى يبني نفسه من جديد، لكن بعض الباحثين يرون أن بعض الأنظمة العربية في هذه الدول، أسهمت في هذا الانقسام وهذا الصراع، الذي سبب الخلافات والانقسامات في النظام العربي، وجعل الخلاف، هو السمة البارزة في القمم العربية الماضية الاعتيادية، بل إن بعض هذه الأنظمة، هي التي جعلت الاحتقان والتوتر الداخلي، يتحول إلى بركان دموي في بعض الدول للأسف ولا يزال الصراع فيه قائما ومدمرًا، وأنها لم تسع لتخفيف الاحتقان السياسي والمجتمعي، واتخاذ قرارات شجاعة لإيقاف هذا الاحتقان، خاصة في سوريا وليبيا، لوأد التوترات التي حصلت في ذلك الوقت، وما أدى إليه من انقسامات بسبب هذه الأوضاع التي تحتاج إلى قرارات شجاعة لإحلال السلام، والقبول بحلول وسط والتنازل عن القرارات، من أجل هدف أسمى، وهو الحفاظ على الوطن والمواطن من التدمير والدماء والصراعات الداخلية، وهذا الصراع بدأ ينحني ربما إلى الطائفية، أو إلى التقسيم.
ولذلك أصبح دور النظام العربي ضعيفًا، بل مشلولًا في لعب الدور المتوقع منه، وهو إنهاء الخلافات القائمة، بسبب الاصطفاف السياسي الذي جعل النظام العربي هامشيًا في دوره، والجامعة العربية، تمثل إرادات الدول وإجماعها، ومادام الإجماع معطلًا بسبب الانقسامات الراهنة، فإن الدور العربي المؤثر في الحل للكثير من المشكلات غائبًا، وهذا ما استدعى أن تقوم الدول الكبرى، بمهام ومسؤوليات، عندما تراجع عنها النظام العربي في ذلك، وهذا ما جعل التأزم والتوتر، يتحول إلى انقسامات كبيرة، لا ندري كيف ستنتهي هذه الأوضاع القائمة، وما ستؤول إليه. فانقسام الدول العربية، كما يرى د. عبدالمنعم المشاط، "إلى دول فاشلة ودول على أعتاب الفشل ودول أخرى متماسكة، بالإضافة إلى الضعف الشديد الذي يسم أنشطة جامعة الدول العربية، يثير التساؤل حول مستقبل النظام الإقليمي العربي، وما سوف يؤول إليه، وما إذا كانت هناك ترتيبات إقليمية أخرى تحل محله، وتشير الدراسات الإستراتيجية الحديثة إلى أن القوى الكبرى والتحالف الثلاثي بين إسرائيل وتركيا وإيران تقود إلى إقامة منظمة إقليمية جديدة تخص الشرق الأوسط وتحل محل جامعة الدول العربية وتخلق نظاما إقليميا أوسع مما هو متعارف عليه، ويمكن تصوره كالتالي، منظمة الشرق الأوسط، والتي تترأسها كل من إسرائيل وإيران وتركيا، حيث يتم توثيق التعاون الإستراتيجي بينهم، على أن يتم إعطاء الفرصة للدول العربية، إما أن تنضم إليها على نمط حلف بغداد القديم أو أن تظل عضوا في منظمة إقليمية كسيحة، وهي جامعة الدول العربية أو الخروج نهائيا منها، على أن يتم توجيه هذه المنظمة الجديدة من جانب القوى الدولية الرئيسية خصوصا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتشير هذه الدراسات كذلك إلى أن روسيا والصين لن تعارضا هذا الترتيب الإقليمي الجديد شريطة أن يسمح لهما بنفوذ تجاري وعسكري مع بعض الدول العربية، وعلى رأسها سوريا، ولا شك أن هذا الترتيب الإقليمي الجديد، والذي يقوم على التعاون الإستراتيجي والدعم الخارجي يثير تساؤلات عدة حول إعادة ترتيب وضع الأقليات في الدول العربية من ناحية، ووضع أقاليم الدول المنهارة". وهذا هو الخطر الذي نأمل عدم حصوله، كما يراه بعض الباحثين، ذلك أن استمرار هذه الصراعات والتوترات، داخل بعض هذه الدول التي تضم جماعات دينية وعرقية متعددة، ربما يجر إلى حروب وإلى مستنقع للإرهاب، إذا لم يتم الحل سياسيا لهذه الأزمات الداخلية، أو أن يتم التقسيم الإثني والعرقي والمذهبي، وقد تتحول إلى هذه الجماعات، إلى كانتونات سياسية، خاصة أن بعضها يرغب بذلك، بدعم من جهات عديدة، وهدفها تمزيق هذه الدول لمصالح وأهداف سياسية واستراتيجية، والحقيقة أن النظام العربي الراهن يعد في أصعب حالاته، وهذا ما آلت إليه السياسات للأسف، ومع أن البعض يرجع إلى خطط وسياسات الخارج، إلى ما آلت إليه أوضاعنا، فإن المنطق والعقل أن هذا الطرح عن المؤامرات الخارجية، يعفينا من مراجعة الكثير من السياسات والخطط التي جعلت في هذا الوضع يزداد توترًا وانقسامًا، فإلقاء كل الأوضاع والانكسارات والتوترات إلى المؤامرات، هروب من الواقع وسلبياته، ونكذب على أنفسنا في ذلك، عندما نعلق كل ما حصل من أزمات ومشكلات داخلية على المؤامرات الخارجية، فلو أننا أعدنا النظر في الكثير من السياسات، لما وقع النظام العربي في هذه المشكلات السياسية التي أصبحت معقدة، على كل المستويات، لذلك فإن المراجعة وإعادة النظر في السياسات، لابد منها، حتى نستطيع المحافظة على المؤسسات القائمة، ونبعد عما هو أخطر من ذلك.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4923
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
567
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3117
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026