رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سوريا بين حرب قادمة أو سلام مفروض!

لاشك أن التدخل الروسي العسكري والسياسي في الأزمة السورية، أحدث خللاً كبيرا في موازين القوى بين النظام السوري والمعارضة المعتدلة خلال الأشهر الماضية، ومع أن روسيا أعلنت أن تدخلها العسكري كان يهدف لمحاربة داعش والجماعات المتطرفة، لكن ما ظهر لكل دول العالم والمراقبين والمهتمين بالشأن السوري، من الدول المؤثرة في النظام الدولي خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، أن الهدف الأساسي للتدخل الروسي، كان للدفاع عن النظام من السقوط، وليس محاربة داعش وأخواتها، ومواجهة تقدم المعارضة المعتدلة والتي تمثل غالبية المعارضة السياسية والعسكرية، والتي تحتل أجزاء كبيرة من المدن السورية، وقد انتقدت بعض الدول الغربية، قيام روسيا بقصف المعارضة المعتدلة بصورة دائمة مع تدمير وقتل العديد من الموطنين السوريين الآمنين في مدنهم وقراهم، وهي التي قبلت بالمفاوضات السلمية بعكس الجماعات المتطرفة، لكن روسيا ركزت قصفها على مواقعهم، وتركت مواقع الجماعات المتطرفة، لأنها ـ كما تقول المعارضة المعتدلة ـ كانت سبباً في خلط الأوراق في جهود وتحركات المعارضة، وأنها أسهمت في إعطاء سمعة سيئة للمعارضة السورية التي هدفها تحقيق الديمقراطية، والحرية، وإقامة نظام سياسي مدني لا يفرق بين كل المكونات السورية العرقية والمذهبية، بل إن المعارضة المعتدلة، أكدت في أكثر من مناسبة أن النظام السوري، وبعض أنصاره جماعات من العراق ومن لبنان، أفرجوا عن الكثير من المتطرفين في السجون السورية والعراقية، وأنهم أتاحوا الفرصة للتحرك لهم والنشاط، بهدف إبعاد الهدف الرئيسي للمعارضة، وربما شجعت هذه الجماعات المتطرفة على تأجيج الصراع المذهبي والخلافات الدينية في القضايا الفرعية، والقتل والتكفير دون مبررات تذكر سواء ذرائع للخلافات الفرعية، وهذا ما استفاد منه النظام،خاصة في الترويج الإعلامي أن هؤلاء الذين يقاتلون النظام السوري إرهابيون ومتطرفون وتكفيريون ..إلخ.والحقيقة أن روسيا تحركت من هذا الباب الخفي للدخول في الصراع السوري، لإبقاء نظام بشار الأسد في الحكم، ولذلك بدعوى تقاتل الإرهابيين والمتطرفين في سوريا، وهذه الأقوال كما تقول المعارضة والدول المؤيدة لها ـ مجرد شماعة ـ لتحويل ما يجري في الساحة السورية، بأنه صراع بين نظام شرعي، ومعارضة متطرفة، وهذا ما سعت إليه القوى المؤيدة للنظام من إيران وحزب الله، وبعض المليشيات من العراق التي تقاتل ع النظام القائم، ولكن المعارضة السورية سعت حثيثاً لطرح ما يسعى إليه النظام، وهو تغيير المعادلة العسكرية الراهنة لصالح النظام في سوريا، وهذا ما وضح مؤخراً للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، خاصة بعد لقاء جنيف 3، أن النظام السوري، يماطل في هذه المفاوضات بتشجيع من روسيا، بهدف تمكين القوى المؤيدة لنظام الرئيس بشار الأسد منم السيطرة على المدن التي كانت تحت سيطرة المعارضة المعتدلة قبل اللقاء المرتقب من المفاوضات في 25 فبراير من هذا الشهر، ولذلك تحركت بقوة عسكرية كبيرة مع القصف الجوي الروسي في الأسبوعين الماضيين، بهدف تمكين قوات النظام والقوى المؤدية له، من احتلال المدن التي تسيطر عليه قوات المعارضة، ولذلك جرت لقاءات سرية وعلنية من الولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لوقف هذه المخططات الروسية مع النظام وحلفائه، لتغيير المعادلة العسكرية استعدادا للمفاوضات المقبلة، تكون المعارضة في الموقف الأضعف، والنظام في المكانة الأقوى، وهذا بلا شك يهدف إلى أن النظام يبقى والمعارضة تعطى لها بعض المناصب المدنية مثل بقية السوريين ـ إن أرادت ـ ولا شيء غير هذا لمن يعارض هذا النظام القائم!! لكن هذه اللعبة التي أرادها النظام ومؤيدوه ـ كما ترى بعض الدول المتعاطفة من المعارضة ـ أصبحت مكشوفة تماماً وهذا ما صرح به مندوب سوريا في الأمم المتحدة، من حيث الشعور بتفوق النظام وهو بمقاومة النظام لما يسميه دائما بالمتطرفين التكفيريين! فأعلنت المملكة العربية السعودية وتركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة ودول أخرى، مع تأييد الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول لهذه الخطوة القبلة بضرورة التدخل البري في سوريا، وأنها سوف تعد العدة عملياً لهذا العمل، وهذا ما ظهر من خلال وصول طائرات عسكرية سعودية إلى قاعدة إنجرليك التركية منذ عدة أيام، لمحاربة تطرف داعش وأنصارها، وهذا مسعى كما تقول هذه الدول لا رجعة فيه، حتى تتحقق لسوريا الاستقرار المنشود من وجهة نظر مؤيدي المعارضة، لكن هذه الدول التي أبدت استعدادها للتدخل البري، لكنها تريد أيضاً ألا يكون للرئيس بشار أي دور في الترتيبات المقبلة في سوريا، وهذا محط اختلاف بين بعض الدول المؤيدة للنظام والمعارضة له، ولا شك أن التدخل البري وربما الغطاء الجوي، هدفه إيقاف التقدم العسكري الذي تقوم به روسيا مع بعض الدول والجماعات المؤيدة للنظام، وهذا ربما سيكون مدار أزمات سياسية بين روسيا وهذه الدول التي تؤيد التدخل في الأيام المقبلة، كما أن بعض الدول التي ستشارك في التحالف طلبت أن يكون هذا التدخل تحت قيادة أمريكية، والهدف أن تعرف روسيا والنظام، وبعض الدول والجماعات المؤيدة له، أن إعطاء قيادة التدخل البري للولايات المتحدة، رسالة لروسيا في عدم مهاجمة هذا التدخل البري، وتحسب حسابات أن ضربها لهذه القوات يعني استهداف الولايات المتحدة نفسها، والقضية أن ما فعلته روسيا أنها جاءت لمحاربة تنظيم الدولة، فغيّرت موقفها إلى قتال المعارضة السورية المعتدلة، فإن التدخل البري للتحالف ضد داعش، سيكون له أجندات أخرى، ولا شك أن هذا التدخل جاء باتفاق مع دول التحالف الدولي في دعم ومساندة القوات التي ستتدخل إلى سوريا لمقاتلة تنظيم الدولة، لكن يبدو من التصريحات أن هذا التدخل سيسعى إلى إنهاء الأزمة السورية، من خلال دعم المعارضة المعتدلة التي خسرت في الأشهر الماضية العديد من المدن السورية، وهذا ما أكد عليه وزير خارجية المملكة العربية السعودية، من أهداف هذا التدخل، هو هزيمة تنظيم الدولة وضرورة إزاحة عن الحكم، وهذا يعني أن هذا التدخل الذي ربط بين هزيمة داعش وهزيمة النظام، سيكون من ضمن استراتيجيه قادمة، إما بدعم المعارضة المعتدلة بقوات كبيرة وتقدمة، وإما بتدخل عسكري مشارك مع هذه المعارضة، مثلما فعلت إيران وحزب الله، والمشاركة الجوية الروسية.فلا أحد يعرف هذه الإستراتيجية المقبلة لإزاحة الرئيس بشار من الحكم قبل الترتيبات القادمة، لكن من خلال استقراء اللقاءات والمشاورات بين روسيا وبين بعض الدول التي أعلنت عزما على التدخل، أن هناك شيئا ما يدور في الكواليس من الصعب المعرفة الواضحة لهذه المشاورات، لكن التدخل أصبح أمراً ثابتاً من خلال وصول الطائرات الحربية إلى القوات العسكرية التركية.. والأيام القادمة ربما تكون حبلى بالمفاجآت.

476

| 21 فبراير 2016

هل هناك أفق حل للأزمة السورية؟

لا شك أن الأزمة السورية تعد من أعقد الأزمات العربية الراهنة، لأسباب كثيرة، لعل أهمها أزمة الثقة بين النظام السوري والمعارضة التي لها حضور دولي وإقليمي في الأشهر الماضية، ذلك أن هذه المعارضة التي تضم كل أطياف الشعب السوري، عدا جماعات التطرف والإرهاب التي ترفض بالأساس الحلول السلمية ، فلم تعد هذه المعارضة المعتدلة قابلة ببقاء هذا النظام في الحكم، بسبب غياب الحريات منذ فترة طويلة، والقبضة الشمولية على سوريا منذ ما يقرب من 60 عاما على كل مفاصل سوريا بالقوة العسكرية، دون أن يتنازل عن بعض الإصلاحات الداخلية التي وعد بها في 2005، وأصبحت هذه الإصلاحات من ضرورات هذا العصر وتحولاته السياسية والفكرية، وهذه الثقة المعدومة بينهما، تجعل تقارب وجهات النظر شبه معدومة بين الطرفين في المباحثات الأخيرة التي جرت جنيف3، وهذا ما جعل هذا المؤتمر، حسب ما قال دي ميستورا، إن على الفرقاء "القيام ببعض الإجراءات قبل أن يبدأوا مفاوضات حول المسائل إنسانيةـ وأضاف دي ميستورا ،كما سمعت من المعارضة أن الحلول (الإنسانية) ملحة بالنسبة للشعب السوري. واستنادا إلى ذلك، فإنني توصلت إلى استنتاج صريح مفاده أنه بعد أسبوع من المحادثات التمهيدية، بقي هناك عمل كبير لا بد من إنجازه، وليس علينا وحدنا القيام به بل على الأطراف المعنية أيضا".وقد تأجل اللقاء إلى الخامس والعشرين من الشهر الحالي لمزيد من المشاورات السياسية بين الفرقاء، لكن الأوضاع زادت من حدة هذه الأزمة وتعقدها كثيرا للأسباب التالية:أولا: دخول روسيا عسكرياً في هذه الحرب، داعمة للنظام القائم، من خلال الهجمات العسكرية الجوية، تعرضت لها المعارضة المعتدلة، وعلى جماعة داعش، لكن المواطنين السوريين في كثير من المدن السورية لحقهم القتل والتدمير والهجرة أيضا، وهذا يكشف أن روسيا تقف مع بقاء النظام، بحكم أن روسيا ترى أن النظام السوري هو من بقي لها من الحلفاء السابقين، أيام الاتحاد السوفيتي، وفترة الحرب الباردة الذي كانت سوريا ضمن المعسكر المعادي للغرب الليبرالي الرأسمالي، وهذا ما جعل الرئيس بوتين يتحرك سياسياً وعسكرياُ، يعتقد البعض أنه يسعى لإعادة مجد الاتحاد السوفييتي، بعد الانهيار الذي أصاب المعسكر الاشتراكي، وتداعياته وأدت إلى تفكك الاتحاد السوفيتي إلى دول منفصلة عن هذا الاتحاد، لكن البعض يرى أن روسيا تريد أن تعلب دوريا سياسياً في المنطقة، بعدما أصبح الغرب بقيادة الولايات المتحدة، هي المهين والمؤثر في المنطقة، بعد غزو العراق في 2003، وسقوط النظام العراقي السابق الذي كان حليفاً للاتحاد السوفيتي، لكن روسيا تعرف أن الرغبة الأمريكية في سقوط النظام في العراق، فوق استطاعة روسيا إيقافه أو الوقوف في وجهه، أو حتى مساعدة الرئيس صدام في صد هذا الغزو واحتلاله! لكن بالنسبة لسوريا وعدم اتخاذ موقف قوي مثلما فعل الغرب في دول عديدة، له أسبابه عند الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وهذا له حديث آخر.ثانيا: أما الموقف الدولي من الأزمة السورية، فلم يكن بذلك الموقف القوي الحاسم، وهذا يرجع إلى الدول الكبرى المؤثرة في مجلس الأمن، والمتمثل بالولايات المتحدة وبعض الدول الغربية التي لها حق الفيتو (النقض)، وهذا يرجع إلى موقف الغرب من التحولات في العالم العربي قبل عدة سنوات. ويرى بعض المحللين أن إسرائيل تتخوف من أن يأتي حكم إسلامي راديكالي أو عنيف يأتي بديلا للنظام الحالي، فيما لو رحل هذا النظام من الحكم، أو أسقط بالقوة المسلحة من قبل المعارضة، والذي لم يكن معاديا عنيفاً للاحتلال الإسرائيلي، منذ احتلال الجولان في عام 1967، كما لم يكن له نشاطات عسكرية على الحدود مع إسرائيل بعد هذا الاحتلال، عدا مساعدته لحزب الله من خلال السلاح الذي يمر عبر سوريا خلال العقود الماضية، وهي المنفذ الوحيد للسلاح الذي يمرر إلى لبنان، ولا شك أن الموقف الغربي يتأثر من الموقف الإسرائيلي وانزعاجه من النظم حوله، وفق ما تمليه النظرة الإسرائيلية للمنطقة ونظمها، والغريب أن روسيا، عرفت الموقف الغربي جيدا وخاصة الولايات المتحدة من الأزمة السورية، ولذلك تأكد لدى روسيا أن الموقف السياسي الأمريكي والغربي من النظام السوري، ليس قويا، بالمقارنة بما جرى في العراق، قبل 2003، وأن روسيا رأت الفرصة مناسبة للتدخل لمساعدة للنظام السوري، تحت مسمى محاربة الإرهاب، لكنها تقاتل حتى المعارضة المعتدلة في العديد من المدن التي تسيطر عليها، وهذا ما جرى الحديث عنه والنقد من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية. ومن هنا فإن الوضع في سوريا في غاية الصعوبة في هذه الفترة، بسبب المسافات الكبيرة غير المتقاربة بين المعارضة والنظام، وأيضاً فإن روسيا وبقية الدول الكبرى لهم وجهات نظر مختلفة في كيفية إحلال السلام بعد وقف القتال، فالمعارضة السورية مع بعض الدول الإقليمية، تطالب بترتيبات جديدة، لا يكون للرئيس بشار الأسد أي دور في هذه الترتيبات، والتي تعد فترة انتقالية، تجري بعدها الانتخابات، ويختار السوريون ما يرونه عبر صناديق الاقتراح، لكن روسيا وإيران، تريان أن الرئيس بشار جاء عن طريق إرادة شعبية، ومن خلال انتخابات شعبية تقول المعارضة إنها مزورة، وإن هذه الترتيبات يجب أن لا تستبعد الرئيس بشار من هذه الفترة الانتقالية، وهذه إشكالات لا يتم حلها سريعا في مؤتمرات تجمع كل الأطراف في عشرة لقاءات، بسبب أن هناك أزمة ثقة كبيرة بينهما، كما أشرنا آنفا بين النظام والمعارضة، وهذه سوف تسهم في تأخير الحل النهائي للأزمة في سوريا ربما لأشهر مقبلة إلا إذا اقتنع الجميع بالحل خاصة النظام، فإن استبعاد الرئيس بشار ربما يكون العقبة الكبيرة في الحل المرتقب، وهذا قد يدفع بعض الدول مع المجتمع الدولي إلى الحل العسكري الذي ربما يصبح حلاً لابد منه لإنهاء الأزمة السورية وتغيير النظام القائم والقضاء على الجماعات.

1030

| 14 فبراير 2016

الفكر القومي العربي وهوية الأمة

منذ ما يقرب من قرن، وقبل استقلال بعض الدول العربية من الاستعمار، برزت قبلها، فكرة القومية العربية على يد عدد من المفكرين والمصلحين العرب، وقد جاءت كدعوة كاستجابة ملحة لما أظهرته القومية الطورانية التركية، التي تماهت مع القومية الأوروبية في فكرتها العنصرية، تجاه العرب، ومحاولة جعلهم تابعين للقومية الطورانية التركية، التي انطلقت من نظرة قومية استعلائية لعنصرهم العرقي، وحاولت أن تقصي كل مقومات العرب الأساسية في الدولة العثمانية التي انهارت بعد الحرب العالمية الأولى بعد تحالفها مع ألمانيا في هذه الحرب، واقتربت من الفكر الأوروبي الذي ينطلق من تعصب عرقي للجنس الآري(سنناقش ذلك تالياً)، حيث عمل على هذا التوجه حزب الاتحاد والترقي القومي، ثم استكمل هذا التوجه أيضا بعد وصول كمال أتاتورك للحكم في تركيا بعد سقوط الخلافة الإسلامية، حيث ألغى أتاتورك اللغة العربية في المدارس ومحى الكثير مما يمثل العرب والمسلمين في تاريخهم إتباعا لما أقدمت عليه القومية الطورانية التركية وتقليدا للغرب في فكرهم، خاصة الرؤية العلمانية بعد إقصاء الكنيسة في الغرب الخ. كما أن التهديد للوجود العربي ثقافيا وفكريا، بدأ هذا أيضا كمخطط من الاستعمار الفرنسي والبريطاني في الكثير من البلدان العربية المستعمرة، خاصة في الجزائر ودول شمال إفريقيا، وشعر العرب أن قوميتهم العربية مهددة، ووجودهم كأمة ترتبط بكيان وهوية يتقلص بخطط معدة ومبرمجة، وعلى أعلى المستويات من المستعمرين بدعوى التقدم والتمدن، وهدفها الذوبان والتلاشي في الفكر الغربي، حيث تعرض الوجود العربي كأمة للإقصاء والانسلاخ بالتدريج من خلال التعليم والفكر والثقافة بوسائل متعددة، مثل إلغاء الهوية والثقافة والفكر في الكثير من بلاد العرب المستعمرة.. يقول المفكر الراحل د/ محمد عابد الجابري في كتابه(مسألة الهوية..العروبة والإسلام والغرب)، أن الدلالة التي انطلق منها العرب، لاستنهاض الهمم لعروبتهم وقوميتهم "في الأدبيات العربية النهضوية المبكرة، عبارات مثل" أيها العرب انهضوا" أو مثل" العروبة تناديكم" الخ: ومع ذلك فقد لا نخطئ كثيرا في التقدير إذا نحن قلنا إن المضمون الحديث والمعاصر لكلمتي"عرب" و"عروبة"، المرتبط بالنهضة، لم يبدأ في الذيوع والانتشار إلا بعد منتصف القرن الماضي، وقد ظهر ذلك أولاً في لبنان وسوريا وفلسطين. والأهم من هذا كله أن نلاحظ أن هذين المفهومين أنما كانا يستمدان معناهما من رد الفعل ضد "الآخر" الذي كان يهدد الوجود العربي ككيان متميز داخل الإمبراطورية العثمانية، وكان هذا الآخر هم الأتراك الذين كانوا يطمحون إلى دمج القوميات الأخرى المتعايشة داخل الإمبراطورية التركية الطورانية. مما عرف باسم سياسة "التتريك". ولعل ما يجدر التأكيد عليه،كما يرى د/الجابري، هنا أن انبعاث كلمتي "عرب" و"عروبة" كمفهومين نهضويين قوميين لم يكن موجهاً في المرحلة الأولى ضد الأتراك بوصفهم يحكمون العرب باسم الخلافة الإسلامية بل بوصفهم جماعة انبعث في صفوفها وعي قومي(جماعة تركيا الفتاة) يقوم على فصل العنصر التركي وتفضيله على العناصر الأخرى داخل الإمبراطورية العثمانية والطموح إلى تسويده عليها وجعله يحتويها احتواء". وليس صحيحاً القول إن الفكر القومي العربي ليست له أي جذور في التراث العربي وأنه مجرد فكرة غربية المنشأ بكاملها الخ كما قال أحد الكتاب الليبراليين. لأن الفكرة القومية كمصطلح لها سند متأصل في التراث العربي. فعبارة "قومية" مستمدة من "قوم"، وفي هذا الصدد يقول د/ محمد عمارة: "إن "القوم"...الذي اشتقت منه "القومية" - هو مصطلح "عربي - قرآني"، وفي القرآن الكريم حديث عن العرب، قوم الرسول (صلى الله عليه وسلم) [وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون]. فقوم الإنسان هم الدائمو الإقامة معه، والذين تربطهم به الروابط التي اصطلح على تسميتها "سمات القومية"، وهي التي تحدد اللغة دائرتها وخريطتها... فالقومية، في الرؤية الإسلامية، هي الدائرة اللغوية في إطار الانتماء الإسلامي الأكبر... وعالمية الإسلام لا بد من أن تشمل أقواماً تميزهم اللغات والألسنة [ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين]... فإذا كان اختلاف اللغات سنة وآية من سنن الله وآياته، فلا بد من أن تشمل عالمية الإسلام أقواماً وقوميات تتمايز لغوياً - أي قومياً- في إطار محيط ودائرة الانتماء الإسلامي الأول..".. فالقومية العربية لم تكن منطلقها عرقيا، ولا عنصريا، وإنما انطبق هذا المفهوم لمواجهة تهديد الوجود القومي العربي بعد ظهور النزعات القومية الأخرى، والتهديد الاستعماري أيضا، ومحاولة انصهاره في القومية الطورانية، كما أشرنا آنفاً، لكن النزعة القومية الأوروبية، تنطلق من نظرة عرقية للجنس الآري الذي اعتبر أن الجنس الأكثر تفوقا ونبوغاً وحضارة، بالقياس إلى الأمم الأخرى، وهذه للأسف قالها مفكرون وفلاسفة كبار هذه النظريات الشوفينية العرقية والقول بتفوقها على كل الأعراق والأجناس، لا تلتقي مع الفكر القومي العربي الذي جاءت كدعوة إليه من منطقات فكرية وثقافية لمواجهة الخطر الذي جاء يهدد الأمة من الذوبان والإقصاء، وأيضا من التهديد الاستعماري الذي حاول فعليا، أن يستأصل فكر الأمة وقيمها ولغتها في أغلب الدول العربية، وهذا ما استنفر العديد من المفكرين والمصلحين العرب والمسلمين، لمواجهة ما ترمي إليه هذه الدوائر التي تحركت من خلال بعض المستشرقين، الذين حاولوا أن يقللوا من أمة العرب وتاريخهم ولغتهم، كما غرس الاستعمار بعضا من أبناء جلدتنا في أن يلعبوا الدور نفسه، من خلال دعوات نفسها، والتقليل من العرب وتاريخهم وقومتهم ودينهم ـ وقد سماهم المفكر العربي أنور عبد الملك ـ بـ (العملاء الحضاريين الغرب)، فدعوا للفرعونية والفينيقية والأشورية، وغيرها من الدعوات العنصرية،وسمّى البعض من هؤلاء العرب بالمستعمرين!!:وقاموا بنبش الأفكار وتاريخ العرقيات والشعوبية، لطمس تاريخ الأمة العربية، وإعادة إحيائها مرة كرد فعل على اليقظة العربية والانتماء القومي، وتشجيع اللهجات المحلية، كبديل عن اللغة العربية الجامعة لوحدة الأمة العربية، كل هذا كان لأهداف ومرام لطمس ومحو تاريخ هذه الأمة، صحيح أن بعض المسيحيين ـ وليسوا جميعهم ـ شايعو هذه الدعوات، لكن المارونيين هم من شجعوا على الدعوة للانعزالية، والدعوات التي تلتقي مع أهداف الاستعمار ومخططاته، لكن للحق أن أغلب المسيحيين العرب، دافعوا عن العروبة والعربية، وكان لهم إسهام مشرّف في الدفاع عن القومية العربية، وعن اللغة العربية، وكان منهم علماء كبار في اللغة والتاريخ والفكر، وكان يقول بعضهم، نحن مسيحيين دينا، ومسلمين ثقافة، وهذا بحق كان له دور رائد في مواجهة الدعوات الانعزالية والعنصرية تجاه العرب والمسلمين. فالانتماء القومي عند العرب والمسلمين، جاء دفاعا عن وجود الأمة ولغتها ودينها وتاريخها، واستنهاضا للهمم من خلال اليقظة العربية، وإن كانت لم تحقق كل الأهداف المبتغاة، للخروج من الواقع العربي المتردي بعد سقوط الدولة العثمانية، وجاء الاستعمار ليكرس التخلف وتدمير مقومات الوجود وتحديات النهوض، لكن الأمة حافظت على نفسها من الانصهار والتلاشي، وحققت وجودها الفعلي كأمة لم تستطع تلك الدعوات أن تحقق أهدافها ومراميها البعيدة.

6421

| 07 فبراير 2016

المحن العربية وكيفية الخروج من المأزق! (2-2)

فتح انهيار مشروع التحديث العربي ـ كما يرى د. غليون ـ قوميا كان أم وطنيا، باب مراجعة ممزقة وبدأت المفاهيم التي ارتبطت به، سواء ما تعلق منها بتصور الذات أو التاريخ أو القيم أو البرامج، تفقد بسرعة مصداقيتها مدلولها، فلم يتردد استخدام مصطلح الأزمة في أية حقبة ماضية في المناظرة الفكرية العربية كما تردد ولا يزال يتردد منذ بداية العقد التاسع من هذا القرن العشرين، ويعكس اللجوء المتزايد إليه، فيما وراء ما يتضمنه هذا المصطلح من محتوى موضوعي، الحالة النفسية الصعبة التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، كما يعكس التخبط الذي يسم رؤية المراقبين، العرب والأجانب، وحيرتهم في فهم ما يحدث فيها من اختلالات وتقلبات واضطرابات فجائية، وأحيانا لاعقلانية. وربما لا نبالغ إذا قلنا إنها تؤكد مشاعر الإخفاق التي تسيطر على قطاعات الرأي العام المحلي، وحتى العالمي فيما يتعلق بالواقع العربي. إن أزمة الدولة ليست في نظري ـ كما يرى غليون ـ إلا مظهراً من مظاهر أزمة المشروع التاريخي الذي نذرت نفسها له، أعني تحقيق التقدم، سواء من خلال استراتيجيات قومية أم وطنية، انقلابية أم إصلاحية. إنه أزمة الحداثة ذاتها، لا من حيث هي حالة جديدة ومنظومة قيم لم تستطع أن تتغلب على مقاومة الحالة ومنظومات القيم التقليدية السائدة، ولكن بالعكس من حيث هي قراءة للتاريخ العالمي، ومرشد للعمل واستراتيجيات مبلورة، أي بما هي مشروع تاريخي وفعل منظم ومسؤول تقوده نخبة أو دولة أو قوى اجتماعية واعية. لذلك عندما نتحدث عن أزمة الحداثة في بلادنا، فنحن لا نتحدث عن الحداثة بالمطلق، أي حتمية استيعاب المكتسبات الحضارية الجديدة والمتجددة، إن أزمة الدولة ليست في نظري إلا مظهراً من مظاهر أزمة المشروع التاريخي الذي نذرت نفسها له، أعني تحقيق التقدم، سواء من خلال استراتيجيات قومية أم وطنية، انقلابية أم إصلاحية. إنه أزمة الحداثة ذاتها، لا من حيث هي حالة جديدة ومنظومة قيم لم تستطع أن تتغلب على مقاومة الحالة ومنظومات القيم التقليدية السائدة، ولكن بالعكس من حيث هي قراءة للتاريخ العالمي، ومرشد للعمل واستراتيجيات مبلورة، أي بما هي مشروع تاريخي وفعل منظم ومسؤول تقوده نخبة أو دولة أو قوى اجتماعية واعية. لذلك عندما تتحدث عن أزمة الحداثة في بلادنا، فنحن لا نتحدث عن الحداثة بالمطلق، أي عن حتمية استيعاب المكتسبات الحضارية الجديدة والمتجددة، المادية والمعنوية، ولكن عن وهن وضعف وعدم اتساق رؤى واستراتيجيات وبرامج النخبات التي أخذت على عاتقها مهمة تحقيقها، أي، في الواقع، عن أزمة نوع خاص من الحداثة، هو ما تحت الحداثة، أو حثالة الحداثة، أكثر منه حداثة بالمعنى الحقيقي للكلمة.وقد أصبحت هذه الحداثة ـ الحثالة ـ كما يرى برهان غليون ـ العقبة الرئيسية أمام استملاك الحداثة الفعلية. إن العائق الحقيقي أمام تطوير الآلة الإنتاجية اليوم ليس الإنتاج الحرفي أو الفلاحي القديم، ولكن التشوهات الكامنة في صلب النظام الاقتصادي الجديد، بما يشتمل عليه من بنى داخلية وارتباطات خارجية. وبالمثل، ليس المعوق الأول لاكتساب الحريات السياسية مقاومة البُنى الاجتماعية التقليدية، ولكن طبيعة النظم السياسية الانقلابية التي ترفض المشاركة وتداول السلطة. ولا ينبع التفاوت الفاحش بين الطبقات وما يثيره من توتر اجتماعي وصراعات أهلية من التوزيع القديم للثروة والعمل ولكن من سياسات الدولة الجديدة ونخبها.إن جذور الأزمة الحقيقية التي تعصف بالمجتمع العربي اليوم ـ كما يؤكد غليون ـ تكمن في نموذج الحداثة العربية نفسها. وليس هناك أمل في الخروج منها إلا بهذه الحداثة المسخ وتوفير شروط تجاوزها والخروج منها. وفي مقدمة هذه الحداثة الممسوخة مسخ الدولة الحديثة (الوطنية) بالذات، في مفهومها ومصدر قيمها، أعني عقيدة ارتباط التقدم التاريخي بالدولة، ومن ثم بتعظيم دور الطليعة والإدارة وتضخيم أجهزة الجمع ووسائله لدرجة أصبح معدل بناء السجون والمعتقلات ومعسكرات التجميع والمراقبة ونقاط التفتيش وأجهزة المخابرات أكبر من معدل بناء المستشفيات أو المدارس أو الخدمات الاجتماعية.

719

| 31 يناير 2016

المحن العربية وكيفية الخروج من المأزق! (1-2)

من المؤلفات التي أصدرها المفكر العربي السوري د. برهان غليون، وانتقد الوضع العربي سياسيا وفكريا، وكان نقداً قويا ودقيقاً في تشريح واقعنا العربي، كتاب (المحنة العربية: الدولة ضد الأمة)، ويعد هذا الكتاب، من الكتب الجريئة في نقد الواقع وتحولاته منذ أكثر من قرن، خاصة الأزمات العربية، السياسية والفكرية والتي أثرت على كل المجالات السياسية والفكرية والحضارية،وما تزال تداعياتها قائمة حتى الآن، والأغرب أنه في هذا الكتاب حلل الراهن العربي، وكأنه يعايش هذا الواقع الراهن بمشكلاته المؤلمة في أكثر من بلد عربي، على الرغم أن الكتاب، مر عليه أكثر من عقدين من الزمان على صدور هذا الكتاب، ومما قاله د. برهان غليون عن الجانب السياسي من المحنة في هذا الكتاب: إن الصدمة التي أحدثها اكتشاف العالم الحديث، سواء جاءت عن طريق الغزو والعنف أو بالسعي الذاتي، قد شكلت نقطة قطيعة حقيقية في التصور الثابت للذات. وارتبطت بتضييع المصداقية التاريخية، كما ارتبطت بانقطاع خيط الزمان وانكسار امتداد المكان. ولن يعرف المجتمع العربي بعد هذه الصدمة السلام أو السكينة، لا في علاقاته الخارجية ولا في علاقاته الداخلية. فبقدر ما خلخلت نهائيا وبعمق التوازنات التاريخية التي قام عليها هذا المجتمع، أصبحت أيضاً المولّد الدائم لعناصر التفكك والتحلل. ومنها وعلى هامشها سوف ينمو ويتفاقم منطق التنافس والعداء بين الجماعات المتميزة، ويعمل دون هوادة على تدمير شبكات التبادل والتواصل التاريخية بينها، كاسراً ينابيع الحياة هنا، ونافخاً في روح النزاع والصراع هناك، قاطعاً وشائج الرحم والقربى داخل القرابات الموثوقة نفسها.باختصار، لم يعد هناك أي وضع ثابت أو منطق فاعل في الفكر أو في التنظيم الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية. فمع بروز مراتبية جديدة للسلطات ونظام جديد للأشياء، تبدّل حقل التفكير بكامله، بما هو إمكانية للرؤية والكلام والفهم، أو لتوليد الخطابات وعقلنة الممارسة وإبداع الإشكاليات النظرية القادرة على كشف الواقع الموضوعي وإظهار حقيقته. أما خطاب المدرسية الإسلامية الذي كان يمحور مقولاته على المشاكل الدينية والفقهية، محيطاً إياها في الوقت نفسه بعالم من المحرّمات والحرمات، فقد بدأ يفقد بسرعة اتساقه الداخلي، ويدخل في تناقض متزايد مع الواقع الجديد. وبما هو فكر محافظة أو فكر محافظ في مجتمع فقد إلى حد كبير قدراته الإبداعية وأصبح محكوماً تاريخياً مع وقف التنفيذ، كان الخطاب الفقهي التقليدي يعمل من منطق إعادة إنتاج النظام القائم والمتدهور، أكثر مما يشكّل إطار تنمية الامتحان النقدي لمعطيات الإدراك، وهو الامتحان الذي لا غنى عنه من أجل تجديد المعارف النظرية والعلمية. لقد كان الأفغاني على حق عندما صرخ في وجه فقهاء عصره قائلاً: ((حتى لو كانت أكثر عدداً، لا تقدم مؤلفات علماء المسلمين الوسائل اللازمة لمساعدة الإنسان على الوصول إلى الكمال، والسبب في ذلك أنها مليئة بالنواقص والعيوب)).((أليس من علامات الإهمال والإخفاق ألا يندفع الفكر نحو البحث؟ أليس عيباً على العالم والحكيم أن يرى ما يزخر به العالم من العلوم الجديدة والمكتشفات والمؤلفات الحديثة، ولا يسعى إلى التعرف عليها ومعرفة علل هذه المستجدات وآثارها؟ أليس من العيب أن يطرأ على العالم هذا التحول الشامل بينما يبقى هو في غفلة تامة عنه؟)).إن صعود الهيمنة الغربية شكل وحده هزة كبرى خلخلت الهياكل الدولوية والنظم السياسية والعسكرية القديمة بقوة. وكان من نتيجة انحلال النظام التراتبي التقليدي، بما كان ينطوي عليه من شبكات ودوائر سلطة خاصة، تبدل المواقع المكتسبة للعديد من القوى الاجتماعية وانقلابها، وبالتالي انفتاح الصراع والتنافس بين هذه القوى كما لم يحصل منذ قرون. ولم يتأخر بروز نمط جديد من أنماط التركيبة الحديثة المرتبطة بالسوق العالمية الرأسمالية حتى يفجر منطقاً جديداً لتراكم الثورة في أيدي فئة قليلة من السكان، ومن ثم إلى تهميش فئات اجتماعية كانت سائدة من قبل، ورفع فئات أخرى، وإعادة تكوين الأغلبية الواسعة في وسط شعبي جديد. وبمواكبة ذلك، سوف يؤدي تدفق البضائع المصنعة من الدول الصناعية إلى تبديل أنماط المعيشة والعلائق الاجتماعية، وفي سياقها، إلى ظهور شكل جديد لتقسيم العمل والتقسيم الطبقي، وفي النهاية إلى شكل جديد من السيطرة الاجتماعية وعلاقات القسر لم تعرفه هذه المجتمعات من قبل.إن عالماً كاملاً قد تبدل فجأة وبشكل جذري من دون أن يتسنى لأناس ذلك العصر الوقت الكافي لمعرفة كيف حصل وما هو أصله ومصدره. وفي ضوء هذا التبدل اكشف العالم الإسلامي هرمه وترهل بناه، وما سوف يستمر المثقفون في وصفه لعقود طويلة بالانحطاط. ولا يعني الانحطاط في الواقع شيئاً آخر سوى التقهقر المادي والتحلل الروحي والمعنوي ولا يعكس هذا الهرم توقف التاريخ العالمي بالنسبة إلى العالم الإسلامي وتحوله نحو حضارات أخرى، ونموه بوتائر أخرى فقط، ولكنه يشير أيضاً إلى الهوة العميقة والمؤلمة التي أصبحت تفصل بين الواقع المعاش، الجديد، وبين الوعي به، بين الموضوع وتمثله. إنه التعبير عن العجز وانعدام القدرة: العجز عن المعرفة الصحيحة والفهم الصادق، وانعدام القدرة على المبادرة والفعل. وهو أيضاً منبع الجهل ومصدره وأصل الاختلاط والضعف العقلي الذي يهدد الجماعة مباشرة بين التهميش والتلاشي.. وللحديث بقية..

1785

| 24 يناير 2016

إلى متى سيصبر الشعب الفلسطيني على القتل والترويع؟

يعيش الشعب الفلسطيني منذ عدة أشهر، ما يذكرهم بالمعاناة التي سبقت الانتفاضات السابقة في الأراضي المحتلة، والتي جعلتهم يخرجون في وجه الاحتلال دون خوف أو وجل، وأن ما يجري في الداخل الفلسطيني لا يمكن السكوت عليه، وفيما يعيشونه من قتل وقمع وتدمير لبيوتهم ومساكنهم، والتهويد لمقدساتهم، في كل مدنهم الفلسطينية التي جعلها الكيان الإسرائيلي، ثكنة عسكرية، ومطاردة للشبان الفلسطينيين، وبوسائل مختلفة، لمجرد أنهم يرفضون هذا الاحتلال، وما يلاقونه من ملاحقات يومية، وهذا ما جعل الفرد الفلسطيني، يستخدم وسائل بدائية لمواجهة الجنود الإسرائيليين الذين أفرطوا في استخدام السلاح الناري، في مقابل الحجارة والسكاكين، وهذه الوسيلة لا تؤثر في الاحتلال، ولا تهديد وجوده، ولكن المعاناة دفعتهم إلى هذه الوسيلة لتوصيل رسائلهم لكل العام، أنهم لم يعد يحتملون ما يجدونه من مضايقات، ومن استفزاز، ومن طرق يستخدمها الاحتلال خانقة، ولاشك أن انتفاضة الأقصى آنذاك، جاءت استجابة للمعاناة اليومية وللتحديات التي أصبحت واقعا مراً للشعب الفلسطيني، بعد المماطلات والتسويف منذ ما يقرب من ثلاثين عاما على اتفاقية أوسلو، والتي لم تحقق الحل العادل، إلا المعاناة وزيادة المستوطنات والقمع والتهويد وغيرها من الوسائل التي جعلت الشعب الفلسطيني يثور رافضا للوضع القائم، بعد الاتفاقيات الهزيلة التي وقعت في السنوات الماضية، ولم تلامس الحل العادل الذي يحقق له طموحه في الاستقلال الحقيقي، وفي استعادة الحق السليب في القدس الشريف، وباقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، فلم تحقق هذه الاتفاقيات ما انتظره هذا الشعب، من الأحاديث والتصريحات واللقاءات بين الجانب الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية، ولذلك جاءت انتفاضة الأقصى في التسعينيات من القرن الماضي، وما سبقها من انتفاضات، لترد على الاحتلال الإسرائيلي، بأن هذا الشعب لا يرضى إلا بالحق العادل، مهما كانت التضحيات، وأنه لن يسكت عندما يجد التمادي الإسرائيلي في القمع والقتل والتهويد، عندما تتجدد المواجهات مع جنوده، بسبب قيام اليمين الإسرائيلي، باستغلال الظرف العربي الراهن، والصراعات الداخلية العربية، لينفذ المخطط في تهويد المقدسات، وطمس الهوية الفلسطينية في كل الأراضي الفلسطينية.ولا شك أن التحرك الرافض للاحتلال لها الكثير من المكاسب، لو أن القيادات الفلسطينية استثمرت هذه انتفاضات السابقة، وقد وفّرت الانتفاضة الأقصى ـ كما يقول عبدالإله بلقزيز ـ "فرصة تاريخية لإخراج الحركة الوطنية الفلسطينية من أزمتها, ولإعادة بنائها من جديد, ثم – وهذا هو الأهم- لوضع نضال الشعب الفلسطيني على مسافة حجر من نيْل حقوقه الوطنية. لكن قيادة هذه الحركة لم تغتنم هذه الفرصة بما يكفي ولا أحسنَتْ استثمار نتائجها. إذ سرعان ما دخلت في دهاليز الأوهام السياسية من جديد: من وهم التسوية في ((مدريد)) إلى وهم التسوية في ((أوسلو))! نعم.. من الإنصاف القول إن تبديد مكتسبات الانتفاضة في عمليةٍ سياسية فاسدة ((مؤتمر مدريد))، كما يرى بلقزيز، لم يكن خياراً فلسطينياً مريحاً, وإنما أتى في سياق ظروف دولية وإقليمية, وما نَجَم عنهما حاد في موازين القوى, ومن انفراد كلّي للولايات المتحدة بإدارة الأوضاع والأزمات في العالم, مثلما أتى في سياق قبولٍ عربيّ عام بالمشاركة في مؤتمر التسوية ذاك, وعلى نحوٍ كانت تخشى فيه منظمة التحرير من عزلها سياسيّاً ومن قيام غيرها بتقرير مصير قضية شعبها مستفيداً من غيابها.ومع ذلك, إذا كان ذلك يبرّر لها نسيبّاً- وهو لا يبرّر في أي حال- المشاركة في مؤتمر فرصتهْ نتائجُ حربٍ كبرى, فإن الذي لاسبيل إلى تبريره-على أيَّ نحوٍ من الأنحاء- هو دخولُها في صفقة ((أوسلو)) والحكم الذاتي.لقد سدَّد ذلك أقسى ضربة لنتائج الانتفاضة وتضحياتها, وأطال أمدَ الوصول إلى تحقيق أهداف المشروع الوطني الفلسطيني في الحد الأدنى منه: حق تقرير المصير والعودة وقيام الدولة!".. وهذا ما يتناقض مع الحق العادل. والإشكالية أن الولايات المتحدة الوسيط الوحيد في القضية الفلسطينية منذ ثمانينات القرن الماضي، ليس محايداً، وهذا ما جعل الحلول العادلة لا تجد الأرضية الحاضنة للنجاح منذ مؤتمر مدريد حتى الآن، على الرغم أن الوعود الأمريكية، بدولة فلسطينية، قابلة للحياة، وهذا ما جاء في عود الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، الذي أعلن عن الدولة الفلسطينية التي ستقام في 2005!! وهذه الوعود والتطمينات، لم تطبق على أرض الواقع، بل إن الكيان الإسرائيلي، تمادى في مخططاته، وتجاهل كل الوعود والاتفاقيات التي تمت مع الجانب الفلسطيني منذ ما يقرب من عقدين، ومنذ اتفاق أوسلو حتى الآن، ولذلك فإن الإحباط أصاب الفلسطينيين، الذين حلموا باتفاقيات عادلة تعيد لهم حقوقهم المسلوبة، التي احتلت منذ الأربعينيات، مع أن القرارات الدولية، كانت مع الحقوق الفلسطينية، سواء بعد حرب 1948، أو بعد حرب 1967، لكن هذه القرارات، لم تنفذ بسبب (الفيتو) الأمريكي وهو الوسيط أيضا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووقف إلى جانب إسرائيل في عدوانها في أحداث كثيرة في وقف قرار إدانة إسرائيل، وفي سياساتها الاستيطانية، وفي كل ما تفعله في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا نذير بقيام انتفاضة ثالثة تنهي كل المماطلات في العملية السلمية منذ مدريد حتى الآن.

632

| 17 يناير 2016

التحيز تجاه الوطن المزعوم لإسرائيل!

لا شك بعض الفلاسفة في أوروبا من أصل يهودي، تعاطفوا مع الفكرة الصهيونية، عند ظهورها، وكانوا سنداً فكرياً وعاطفياً، في طرح الكثير من الأفكار التي تناصرهم ولو بشكل خفي، وطرحت العديد من النظريات التي أشغلت العالم الآن، خاصة فكر الصراع والإقصاء ونبذ الآخر، وهي كلها عوامل وردات فعل لما لقيه اليهود من معاناة في بعض الدول الأوروبية خاصة المحارق التي وضعت من لهم من قبل هتلر، وقد ساعدهم في فكرة الوطن القومي، أن الكثير من الفلاسفة، كانوا بارزين في الغرب، لهم العديد من النظريات الفلسفية التي تحرص أن تضع الحق اليهودي الموعود في الكثير من الأفكار والدراسات، لاسيَّما حق إسرائيل في وطن قومي لهم، ولو كان هذا الوطن لشعب آخر.. وهذه التحيزات، تفسر أنها إعطاء لأمم واجهت مظالم وإقصاء عبر تاريخهم، وهذا الإقصاء، لم يكن من العرب والمسلمين، بل حصل في أوروبا وفي العديد من الدول، وأبرز هذه المظالم كما تسمى قضية المحارق النازية لليهود، لكنهم في ظل المسلمين، فقد عاشوا في ديارهم، يتمتعون بكافة حقوقهم الإنسانية، ممارسة عشائرهم الدينية، في معابدهم في مصر والعراق واليمن وفلسطين والمغرب، وغيرها من الدول الإسلامية أيضا، لكن بدلا من تقدير هذا الموقف، فقد احتلوا فلسطين من خلال وعد بلفور ربما للتخلص منهم في الغرب، ومن خلال متآمر بعض الدول الكبرى، لإقامة وطناّ لهم على حساب شعب فلسطين، الذي طرد من أرضه، وانتهكت حقوقه، ومازال يعيش الشتات بالملايين.ويروي د/ عبد الوهاب المسيري، قصة تثير العجب تجاه إشكالية التحيز لإسرائيل في المؤسسات الأكاديمية الأمريكية، التي يفترض فيها التجرد المنهجي في البحوث والدراسات، كما نسمع كثيراً للأسف، فيقول:»عندما كنت في جامعة الملك سعود [ قسم اللغة الإنجليزية وآدابها ] تقدم أحد الأساتذة بأبحاثه للترقية. وكان عدد منها يدور حول صورة الإنسان العربي في بعض الروايات الأمريكية اليهودية، ذات التوجه الصهيوني الصريح (أي التي يعلن كتابها صراحة عن ولائهم للعقيدة الصهيونية). وقررت الجامعة، إيماناً منها بالموضوعية والعلمية أن ترسل بالأبحاث لعلماء عرب وغير عرب لتقييمها. وكان رد المحكم الأمريكي مدهشاً إلى أقصى درجة، فقد أعاد كل الأبحاث مبيناً في خطابه أن الصهيونية إن هي إلا بز ورد Buzz word أي أنها تصدر طنيناً، ولكنها لا معنى لها. وهذه هي طريقته الأمريكية في أن يقول لا يوجد شيء اسمه صهيونية. وإن كان أطفال الانتفاضة (ممن فقدوا عيونهم أو أيديهم أو ذويهم) سيجدون صعوبة بالغة في تقبلها، فجراحهم لا تزال نازفة، والجراح لا تصدر طنيناً لا معنى له. فالقدس تمثل ليس فقط قطعة أرض عربية محتلة، بل ذاكرة أمة وتاريخ شعب منذ أقدم العصور دينياً ووجدانياً ولا تزال». صحيح أن إسرائيل عملت بعد احتلالها في 1967 على تزييف تاريخ هذه المدينة العربية المقدسة، حيث أقامت المستوطنات، وغيرت البنية الديموغرافية للسكان، وقامت بإزالة المعالم التاريخية التي تعطي المدينة العربية هويتها، والهدف من ذلك هو العمل على جعل مدينة القدس يهودية خالصة، بسكانها وتراثها وعمارتها وإداراتها وهي سائرة في ذلك إلى هذه اللحظات!كما أبدت عدة مؤسسات إسرائيلية استعدادها للانتقال إلى القدس العربية لممارسة نشاطاتها، من بينها منظمة هداسا الطبية والجامعة العبرية. وانتموا كما يقول د/ رفعت السيد أحمد ـ «إلى الإطار الكنعاني حوالي 2500 قبل الميلاد أو يزيد، واحتلوا التلال المرتفعة للمدينة المقدسة مع سواهم من القبائل الكنعانية، وشيّدوا على أكمتها الجنوبية أو ما أسموه الصهاينة فيما بعد «بجبل صهيون» برجاً لحمايتها والدفاع عنها ضد العبرانيين، وغيرهم من القبائل المغيرة حينئذ بزعامة مليكهم «سالم اليبوسي» الذي زاد في بنيانها وأقام تحصيناتها. وعندما زحف عليها اليهود إثر خروجهم من مصر في عهد رمسيس الثاني واحتلوها وأشعلوا فيها النيران ـ كما تقول الروايات التاريخية ـ كان سكانها ومعظم القرى المجاورة لها من أصل كنعاني، وكانت اللغة السائدة الأصلية هي الكنعانية وإلى جوارها «البابلية» وتوالى على القدس الغزاة، من الرومان إلى الفرس، حتى جاء الفتح الإسلامي، والذي كان وليداً لاعتبارات متعددة دينية، وإستراتيجية، وتاريخية. وتم الفتح في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي قدم وثيقة الأمان الشهيرة لبطريرك النصارى، الذي أعطى فيها عمر لأهل القدس عهداً وأماناً لأنفسهم، وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم.. إلخ، وهذه الحقائق التاريخية هي التي يجب أن يتوافق مع الواقعية والعقلانية، وتعمل على فضح التزييف والتحريف، لكن هذا لم يحدث، بل إننا نرى التحيز الواضح مع أباطيل إسرائيل وعدوانها. وهكذا لا نرى مصطلحات، العقلانية، والواقعية، والموضوعية كلمات لا معنى لها إذا ما أراد أصحابها أن يتنكروا لها، لكنها عند بعض أبناء أمتنا حتميات لا يمكن التنازل عنها، حتى في أقوى القضايا المصيرية».! فالتنازلات تعتبر عقلانية، ورفع المقاطعة واقعية، والتمسك بالحقوق التاريخية، أفكار بالية غير موضوعية وهكذا.. أليس اتصال أحدهم بمجلس إدارة «والت ديزني» قبل سنوات بأن حديث المقاطعة مجرد زوبعة فنجان، كعادتنا نحن العرب تأتي هذه المواقف ضمن ترسيخ مفهوم العقلانية عند أبناء جلدتنا، وهم لا يتورعون عن اغتيالها؟!

467

| 10 يناير 2016

التنظير عندما يحتك بالواقع!

قبل أيام تحاورت مع أحد الأشخاص على الفضاء المفتوح، ودار بيني وبينه نقاش هادئ، ومما قاله: إن العلمانية، هي التي أسست للعدل والمساواة وتطبيق حقوق الإنسان على أرض الواقع الإنساني، وأن غيرها من الأفكار لم تكن كذلك كما فعلته العلمانية، وفي مخلص ما قلت له تعقيباً على هذا الكلام، أن الذي أراه ـ كما قاله ـ ليس دقيقاً في عمومه، فإذا كان القول صحيحا ونهائيا، فلماذا لم يتم تطبيق العلمانية على الواقع الفلسطيني منذ ما يقرب من سبعين عاماً حتى الآن، فالشعب الفلسطيني، شعب سلبت أرضه، وانتهكت حقوقه، وقهر وسجن، ويقتل يوميا هذه الأيام، لشبهة أن معه سكيناً؟! فالكلام المعسول عن العلمانية نريده في الواقع الفلسطيني الراهن، مع أن الغرب العلماني يستخدم الفيتو لمنع قرار مجلس الأمن لتحقيق المساواة والعدل ورفع الظلم، عن الفلسطيني!! كما الفكر العلماني كما يقال عنه، وما تبعه من آراء رائعة لحقوق الإنسان والعدل والتعدد والحق في الحرية والديمقراطية... إلخ، كما صاغها فلاسفة التنوير في القرن السابع عشر والثامن عشر، لم تطبق واقعيا، ففي هذا القرن وما تبعه تم اجتياح العالم العربي والإسلامي، وانتهكت حقوقه ونهب، وزاد تخلفه.. إلخ، فالواقع الذي تم عكس ما قاله هذا الشخص، ربما سمع وقرأ في التنظير الذي يقال عنه، وليس شيئا تم على أرض الواقع، ولربما العلمانية نجحت في الغرب، لأن الديانة المسيحية، تتأقلم من هذه الرؤية الفكرية، وهذا حقهم واختياراتهم الثقافية.والحقيقة أن هذا الرأي يخالف الكثير من تطبيقات العلمانية التي تختلف تطبيقاتها باختلاف الفلسفات والأفكار التي يحملها أصحابها وهذه مسألة معروفة سواء لدى الفلسفة الليبرالية، أو النظم الشمولية، وحتى لا يعتقد الكاتب، هذا الكاتب، أو غيره أننا نقول كلاماً جزافاً مرسلاً، فإن العلمانية تغاضت عما طبقته الأنظمة القمعية كالفاشية والماركسية والكولونيالية في مراحل مختلفة لا يسمح المقام بشرحها لكنها لا تخفى على المتابع الحصيف! وهذا ما يفسّر ـ كما يقول د/ صبحي الصالح ـ في كتابه [ الإسلام ومستقبل الحضارة ] " لماذا سايرت العلمانية، وما انفكت تساير عدداً من الأيديولوجيات، ولماذا تقف أحياناً كثيرة إلى جانب اليمين، بل حتى اليمين المتطرف، وأن توهم الناس أنها لا تلتقي إلا مع أقصى اليسار!".ولذلك فإن العلمانية لم تكن حركة منافحة عن الديمقراطية، ما قال صبحي الصالح، وإنما كانت أقرب إلى الفكرة الانتهازية التي تبرر ما يفرضه الواقع القائم، ودليلنا على ذلك أن العلمانية في تركيا الكمالية، غير العلمانية في أوروبا التي خرجت منها أساسا، وعلمانية الولايات المتحدة، غير علمانية روسيا وشرق أوروبا، بل إن العلمانية في بريطانيا غير العلمانية في فرنسا، والشواهد متوافرة لا يتسع المقام لسردها.وفي مقال لأحد الكتاب منذ فترة، وهو الكاتب كرم الحلو قال: إن محمد عابد الجابري ربط العلمانية بالإلحاد وقوله إن العلمانية إنما "أريد بها التعبير عن حاجات معيّنة بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات"، لكن هذا الاقتباس مخالف مفهوما وطرحا لما قاله الحلو، فالجابري يقصد أن نزعة التتريك قابلتها ردة فعل من جانب المسيحيين العرب بالدعوة إلى العلمانية. والجابري يرى أن مطالب الاستقلال موضوعية لكن أن تتوجه إلى الديمقراطية والعقلانية، وليس إلى العلمانية لأنه لا توجد كنيسة في الإسلام لفصلها. ولا أدري لماذا قوّل كرم الحلو محمد عابد الجابري ما لم يقله أبداً، سواء في هذا الكتاب أو في كتبه السابقة التي أشار فيها أيضا إلى قضية العلمانية. بل إن الحلو اجتزأ بعض الفقرات وترك بعضها الآخر. فالجابري يقول بعد الفقرة التي اقتبسها الحلو إن الحاجة إلى الاستقلال عن "الترك" في إطار هوية قومية واحدة، والحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات، والحاجة إلى الممارسة العقلانية للسياسة، هي حاجات موضوعية فعلاً، إنها مطالب، كانت ولا تزال، مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي، ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها، بل مشروعيتها أيضاً عندما يعبّر عنها بشعار ملتبس كشعار "العلمانية". من أجل هذا نادينا، منذ الثمانينيات من القرن الماضي بضرورة استبعاد شعار "العلمانية" من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري "الديمقراطية" و"العقلانية"، فهما اللذان يعبّران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي". فأين هي مقولة الجابري للعلمانية بأنها مرتبطة بالإلحاد؟! التجربة الإسلامية، إذن مختلفة تماما عن تلك التي في الغرب، فالإسلام كما يشير الباحث المصري، حسين أحمد أمين في كتابه [دليل المسلم الحزين] ـ وهو بالمناسبة لم يكن يعادي العلمانية في كتاباته ـ قال: "إن الإسلام في صدره لم يعرف كنيسة أو نظام رجال الدين، ولا كانت في دولته وقتها طبقة منهم متميزة عن غيرها". فالأمور الدينية والدنيوية واحدة لا تمايز بينها، وإمام الجماعة في الصلاة هو قائدها في الحرب. ولا اختلاف في زيّ يحكمه اختلاف المنصب، والقرآن كتاب مفتوح، بلسان عربي مبين، بوسع الكافة أن تقرأ فيه. ولا كان ثمة من ادعى أن التفسير حكر عليه، وكان النظر في علوم الدين مرحبا به، مشجعا عليه. كما كان الاجتهاد في أموره متاحا لكل من قدر عليه، كذلك كان الإسلام أكثر الأديان اتفاقا مع المنطق والعقل وطبائع البشر، وكانت تعاليمه أقل التعاليم حاجة إلى الدخول في صراع مع النتائج التي تتوصل إليها العلوم، وبالتالي فإن السلطة في دولته لم تسع إلى الحد من حرية العلماء في أبحاثهم، ولا كانت تنكل بهم بدعوى خطر ثمار علمهم على العقيدة". فليس صحيحاً أو منطقيا أن تربط العلمانية بالديمقراطية، فالعلمانية مسألة غربية تاريخية لظروف الصراع بين الكنيسة ورجال التنوير في ذلك العصر، لكن عالمنا العربي الإسلامي لم يوجد فيه مثل هذا الصراع تاريخيا ولم تشن حرب على العلم والتطور والتقدم، وتلك قضية تستحق الفرز والانتقاء والمراجعة.

1212

| 03 يناير 2016

هل هناك تخّوف من مشروع أوسطي جديد؟

بعد بروز المشكلات والصراعات في أكثر من بلد عربي منذ عدة السنوات،وازدياد حدتها بعد دخول روسيا بشكل صريح وعنيف ،بعد استخدامها لسلاحها الجوي في الأزمة الداخلية السورية، وظهور تصريحات غربية عديدة، بأنها ستدخل في هذا الصراع لمحاربة تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، فإن بعض المحللين والمتابعين للوضع العربي في المنطقة العربية، يتخوفون من مشاريع قادمة للمنطقة ربما تحتم تغييرا جديدا للوضع القائم، خاصة أن بعض دولنا العربية تعاني من مشاكل اقتصادية، وأخرى سياسية واجتماعية ، وبعضها صراعات طال أمدها كثيراً ،ربما تجعل المنطقة مقبلة على توجه لإعادة ما سمّي بـ سايكس/ بيكو جديد، أو ما سماه أحد السياسيين الأمريكيين بـ بظهور ( الفوضى الخلاقة)! مع أن التسمية مرتبكة مفهومياً، فكيف يلتقي مفهوم الفوضى، مع مصطلح الخلاقة؟ لكن الكثير من السياسيين ينظر نظرة تشاؤمية للأوضاع في الفترة الراهنة، لكن البعض الآخر، لا يرى هذا الخطر، لكن الوضع العربي ليس مستقراً ،إلا إذا أراد ربنا عزوجل شيئا آخر لهذه الأمة.وإذا رجعنا إلى المشاريع السابقة التي جاءت بعد احتلال أفغانستان والعراق، فإن هذه المشاريع طرحت بالفعل، في ظل الانقسام العربي قبل وبعد احتلال العراق، الذي لا شك أنه أخطأ خطأ جسيما باحتلال العراق، وما تبعه من توترات، وأدت إلى الغزو تحت ذرائع ليست صحيحة، لكن الأهداف كانت معدة لاحتلال العراق..أول هذه المشاريع التي ظهرت، مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي جاء في كتاب بهذا الاسم، من الرئيس الإسرائيلي" شيمون بيريز" حيث طرح الكثير من الأفكار التي تبشر بمرحلة جديدة في الشرق الأوسط ـ كما قال ـ ويصورها بشكل مغاير كمنقذ وحمامة سلام للمنطقة , يصوغ نيابة عنا الأفكار الجديدة في الاقتصاد والثقافة والتنمية , ولننبذ الأفكار البالية العتيقة التي عفى عليها الزمن , مثل الهوية والعروبة والذاكرة التاريخية!. والأغرب أن البعض من المثقفين والكتاب صدق مقولات أن هناك نظاما دوليا تجري ولادته أو هو في مخاضه الأخير وفي طور التشكيل , إلا أن الأقدار حالت دون ولادته,أو ربما كان حَملا كاذبا , قصد به تبرير مسوغات المشاريع الإستراتيجية الجديدة التي يتحدث عنها بيريز كثيرا, لكن الواقع إنه لا يوجد نظام جديد بالمعنى المغاير للنظام الدولي القائم , إنما الذي يصاغ هو مفاهيم جديدة للمنطقة تصبح فيه لإسرائيل ما تريده ومالا تريده , حتى وإن كانت هذه الرغائب عسيرة الهضم, وثقيلة القول وجنونية المنطق ولا بأس أن تكون أيضا ( إسرائيل ) يدها مطلقة بعنجهية وغطرسة كما يحدث الآن في الأراضي العربية المحتلة، وما تفعله في المدنيين العزل مع موافقة الكيان الإسرائيلي، بمن فيهم بيريز ومع سكوت الدول الكبرى. ثاني هذه المشاريع، ظهر في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قبل احتلال العراق وبعده، وروجّت له كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، ففي فبراير 2002 تحدث الرئيس بوش في معهد " أمريكان انترابرايز "عما سماه بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ،لتطبيق ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وغيرها من الإصلاحات الأخرى في العالم العربي متجاهلاً الكثير من المفاهيم والصيغ التي يجب أن يشرك فيها أهل الاختصاص في العالم العربي ، ومما قاله الرئيس بوش في تلك الفترة أن " غياب الديمقراطية في الشرق الأوسط يمثل تحدياً للولايات المتحدة ، و أن غياب الحرية والتمثيل الديمقراطي في المنطقة أديا إلى نتائج رهيبة للمنطقة والعالم " .فالرئيس بوش لا يشغله في قضية الإصلاح سوى الإرهاب خاصة ما حدث في 11 سبتمبر 2001،والواقع أنه لا أحد يرفض الديمقراطية أو ينكر أهمية الإصلاح السياسي والاقتصادي أو غيرها من خطوات الإصلاح في عالم اليوم، شريطة أن يكون الإصلاح الذي تختاره الشعوب ويتفق مع خياراتها بعيداً عن المصالح أو الأهداف التي يبتغيها هذا الطرف أو ذاك.لكن الإشكالية تكمن في النزعة الفوقية أو التفكير الأبوي الذي يطرح مع واقع العالم العربي .. وهذا ما يجعل كل مقولات الإصلاح في مهب الريح للأسف وهذا ما تحقق فعليا وواقعيا بعد انتهاء فترة الرئيس بوش، والعراق الذي قال عنه سيكون (المثال المحتذى في الديمقراطية)، أصبح مثالا سيئاً للحروب الداخلية والطائفية وبؤر التطرف والتكفير الخ:.وتشاء الأقدار أن تأتي الردود في ذلك الوقت من أحد السياسيين والاستراتيجيين الأمريكيين هو ( بجينو بريجنسكي ) الذي انتقد هذا المشروع بشدة في صحيفة نيويورك تايمز ومما قاله هذا السياسي البارز :" أن نجاح مبادرة بوش ـ ويقصد مشروع الشرق الأوسط الكبير ـ يكمن في "انسجامها مع واقع المنطقة ومن أجل تحقيق ذلك على الإدارة أن تتخذ الخطوات التالية:أولايجب أن تصاغ المبادرة بمشاركة الدول العربية ولا تطرح عليها فقط لقبولها.ولن يقبلوا الديمقراطية إذا شعروا أن ثقافتهم وتقاليدهم الدينية تتعرض للتحقير. ويجب كذلك إشراك الأوروبيين بصورة كاملة , كما أن عليهم هم أنفسهم أن يديروا حوارا خاصا بهم مع دول المنطقة حول معنى وأهداف هذه المبادرة.وكل اختلافات تبرز في ثنايا ذلك يمكن أن تحل في قمة الثماني. منتقدا في الوقت نفسه ما قاله نائب الرئيس الأمريكي آنذاك (ديك تشيني ) في منتدى دافوس من " أن الإصلاح الديمقراطي يمثل شرطا للحل السلمي للنزاع العربي الإسرائيلي طويل الأمد" فقال بريجنسكي:"أن حجة تشيني حول أن الديمقراطية تمثل شرطا مسبقا للسلام في الشرق الأوسط , وكأنما هي للتبرير العقلاني لتعليق كل جهد لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.يضاف إلى ذلك أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر إلا في جو من الكرامة السياسية . وما دام الفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية ويتعرضون للإهانات يوميا، فإنهم لن ينجذبوا إلى محاسن الديمقراطية والشيء نفسه يقال عن العراقيين تحت الاحتلال الأمريكي".والحقيقة أن هذه المشاريع لن يكون لها حظ من النجاح في ظل المظالم والاحتلال وغياب العدل والمعايير المتناقضة وغيرها من المواقف غير العادلة، لأن الشعوب عادة لا تقبل الفرض والإلحاق والقسر مهما كانت الظروف وعوامل اختلال التوازن العسكري، أو الصراعات الداخلية، أو الخلافات السياسية.

486

| 27 ديسمبر 2015

الإعلام والسلطة بين التفاهم والاختلاف

لا يزال جدل السلطة السياسية والإعلام، قضية قائمة وملتبسة، منذ ظهور وسائل الاتصال المختلفة حتى الآن، وهذا الجدل برز مع بروز الحريات العامة، والديمقراطيات في العالم الجديد، وفي الوطن العربي عموما، صحيح أن السلطات هي التي أوجدت هذه الوسائل، لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولتنفيذ مصالحها الأخرى لكسب الرأي العام، والدفاع عن توجهاتها السياسة والإستراتيجية عند ظهور النظم السياسية، ففي كتابه (السلطة السياسية والإعلام في الوطن العربي) يرى الدكتور أحمد قراّن الزهراني أن الصحافة ارتبطت منذ صدورها بالسلطة السياسية ارتباطا وثيقا ومباشرا، وكانت تحكم هذا الارتباط الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تحكمه قوة السلطة السياسية ونفوذها من جانب، واستقلالية الصحافة وقوتها من جانب آخر. وبالرغم مما شاب هذا الارتباط من شد وجذب، إلا أن السلطة السياسية استخدمت الصحافة كأداة رئيسية في ترويج مشاريعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والوصول إلى الجمهور بكل شرائحه واتجاهاته. كما تعاملت الصحافة مع النظم السياسية على أنها مصدر مهم للحصول على الأخبار السياسية والاقتصادية التي تتبناها الحكومات، سعياً إلى كسب ثقة القارئ وبالتالي سرعة الانتشار وقوة التأثير في المجتمع. وقد حاولت السلطة السياسية إخضاع الصحافة لها والسيطرة عليها، إلا أن النظم السياسية التي تتبنى الديمقراطية والحرية الإعلامية لم تستطع حكوماتها أن تفرض سيطرتها على الصحافة، بينما استطاعت الحكومات غير الديمقراطية السيطرة على الصحافة وتوجيهها حسب رؤية الحكومة، وفرض إرادة السلطة على الصحافة في عدم الخروج عن المسار الذي رسمته الحكومة، وبالتالي التأثير في توجهات القراء وترتيب أولويات القضايا لديهم التي تتبناها الحكومات وتسعى إلى تبنيها من قبل الجمهور. فالعلاقة الجدلية ـ كما يقول الزهراني ـ التي تربط السلطة السياسية والفكرية والاجتماعية بوسائل الإعلام هي علاقة تحكمها المصالح المتبادلة بين هذه الأطراف وبين وسائل الإعلام في الدول الديمقراطية، بينما تحكم تلك العلاقة التوجهات السياسية والفكرية والاجتماعية للدول غير الديمقراطية التي لا تزال تسيطر على وسائل الإعلام بشكل مباشر أو غير مباشر.كما أن الأفكار السياسية ـ كما يرى ـ دائما ما ترتبط بالأحداث الاجتماعية وفق سياقات رمانية ومكانية، وأنساق اجتماعية واقتصادية، حيث لم تتبلور الدولة قديما بالشكل الذي هي عليه حاليا. وقد تبلورت الأفكار السياسية الحديثة وفق متغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية أثرت في مسار الفكر السياسي وأحدثت تغيرات جوهرية في الحياة العامة والبنى الاجتماعية، وبالتالي وصلت فكرة الدولة القديمة إلى ما هي عليه الآن من شكل ومفهوم وتنظيم، فأصبحت الدولة ذات مفهوم سلطوي لا يمكن قيامها من غير سلطة حاكمة تستطيع إدارة الدولة بسط نفوذها على مساحتها الجغرافية بشكل كامل.فالعلاقة بين النظامين السياسي والإعلامي كما يرى الباحث/ أحمد الزهراني، توصف بأنها علاقة تأثير متبادل، لكن حجم التأثير يختلف بين الطرفين وفق طبيعة العلاقة بينهما ووفق شكل النظام السياسي ودرجة الديمقراطية التي يتمتع بها، ودرجة الحرية السياسية المتاحة للإعلام في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية، ودرجة استجابة النظام السياسي لملاحظات وسائل الإعلام وآرائها تجاه القضايا، وتجاه الأداء الحكومي لتلك القضايا، حيث تعد وسائل الإعلام قنوات اتصالية فعالة بين النخب السياسية الحاكمة والرأي العام، انطلاقاً من تصورات النخب الحاكمة لمجريات الأحداث وعكسها للرأي العام من خلال وسائل الإعلام، كما تعكس اتجاه الرأي العام بشأن معالجة النظام السياسي للقضايا المختلفة.فالأفراد الأكثر وعيا بالسياسة يتلقون معظم الرسائل وهم على وعي بها وأكثر قدرة على انتقادها وممارسة العملية الانتقائية، لأنهم يقيمون هذه الرسائل في ضوء خلفياتهم الأيديولوجية، ولكن في المقابل فإنهم يكونون في حالات أخرى أكثر قابلية للتأثير.أما الأفراد الأقل وعياً بالسياسة فهم أقل اهتماما بها، وبالتالي فهم يتلقون قدراً محدوداً من الرسائل، ويحكمون عليها من خلال خلفياتهم السابقة، لأنهم يفتقرون إلى المعلومات ذات السياقات السياسية الآنية، فينخفض بالتالي معدل التأثر بوسائل الإعلام.أما بالنسبة إلى الأفراد ذوي المستويات المتوسطة من الوعي السياسي، فهم أكثر تأثراً بوسائل الإعلام. وفي خاتمة بحثه في هذا الكتاب، يطرح أحمد الزهراني رؤيته في مسألة السلطة السياسية والإعلام، فيقول: في ظل تحول العام من قرية كونية إلى "أيقونة كونية" يستطيع الإنسان من خلال هذه الأيقونة استحضار العام بضغطة زر في جهاز الحاسوب الآلي أو أجهزة الهواتف النقالة الذكية التي يصطحبها الإنسان في كل مكان، ويستطيع متابعة أخبار العالم أولا بأول، بل والمشاركة في صناعة الحدث والتفاعل معه. في ظل هذا التحول والانفتاح ووسائل الإعلام الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي والتفاعلي، تتعرض وسائل الإعلام التقليدية لضغوط كبيرة في المحافظة على مكانتها وتأثيرها في الجمهور، ذلك لأن وسائل الإعلام الجديد تنقل الحدث حالة حدوثه ويتفاعل معه الجمهور بشكل مباشر، بينما تحاول وسائل الإعلام التقليدية مجاراة الإعلام الجديد، لكن الأنظمة والقوانين وتبعية وسائل الإعلام التقليدية للأنظمة الحكومية أو خضوعها لرأس المال والمعلنين، يجعلها تقوم بدور أقل مما تقوم به وسائل الإعلام الحديثة.ولعل أهم القضايا التي تتحفظ وسائل الإعلام التقليدية ـ خاصة تلك التي مازالت تخضع لملكية الدولة أو تقع تحت إشرافها أو رقابتها، أو تلك الوسائل الإعلامية التي هي جزء من منظومة الدولة المركزية أو الدول غير الديمقراطية ـ عن مشاركة الجمهور والتفاعل معه في القضايا السياسية، لأن المتحكم في هذه القضايا هو الدولة والتي لا تسمح للشعب بالمشاركة السياسية فيها، وهي بالتالي تسعى إلى تركيز انتباه الجمهور نحو الاهتمام بموضوعات وأحداث وقضايا معيّنة حسب توجه حكومي، ما يؤدي إلى اهتمام الجمهور بهذه القضايا، ومحاولة ترتيب رسالة معينة من بين رسائل ومضامين مختلفة، ولهذا فإن وسائل الإعلام التقليدية، وخاصة الصحافة، وفي ظل المنافسة الكبيرة من الوسائل الجديدة، تتعرض لضغوط كبيرة للمحافظة على مكانتها وعدم فقدها للجمهور.

14659

| 20 ديسمبر 2015

الحاجة إلى سياسات تهتم بالأولويات

حضرت الأسبوع المنصرم مع جمع من الباحثين والأكاديميين، مؤتمر دراسات الخليج والجزيرة العربية بالدوحة، والذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدولة قطر، وقد طرح المنتدى محورين أساسيين في هذا المؤتمر وهما: قضايا التعليم وتحدياته بدول مجلس التعاون، وتحديات البيئة الإقليمية والدولية بدول المنطقة. ولا شك أن الظروف السياسية الراهنة، وعلاقة دول المنطقة بهذه المشكلات والتحديات، أخذت حيزا كبيرا من الاهتمام والمناقشات، على اعتبار أن السياسات الإقليمية والدولية، تعاني الكثير من المشكلات الراهنة، ولذلك اهتم لها الكثير من الباحثين لكونها منغلقة بأزمات المنطقة والتحديات القائمة في العراق وسوريا واليمن، وعلاقة الدول الكبرى بهذه الصراعات، ولاشك أن التعليم وتحدياته، لا تقل أهمية من الأزمات السياسية الراهنة، لأن التعليم الجيد، يؤسس لبيئة إيجابية طاردة للصراعات والتوترات كالهند وكوريا وسنغافورا وغيرها، فالكثير من المشكلات، سببها غياب المعرفة الصحيحة للواقع القائم بظروفه ومشكلاته، والتعليم الجيد يلعب دوراً محورياً في إبعاد الاحتقان والمشكلات السياسية التي أسبابها غياب فرص العمل الذي يتغذى منه التطرف والغلو والعنف، ويقتات منها، وتستفيد منها بعض الدول لأهداف ومرام سياسية وفكرية، لكن هذا لا يتحقق عندما تقوم الخطط والأفكار النيرة، بتأسيس رؤى إيجابية للتقدم والنجاح من خلال المعرفة العلمية والمنهجية المخططة على أسس سليمة، وهذا تحقق في دول عديدة، حققت نجاحاً كبيرا في جودة التعليم، وصعدت بأبنائها إلى مستويات كبيرة من الرقي العلمي والصناعي والمهني، وأسست تنمية مستدامة، تقترب من الدول التي سبقتها بعقود طويلة, ولذلك نحن بحاجة إلى سياسات تهتم بالأولويات، ونضع نصب أعيننا أنه لا يمكننا أن نخرج من هذا المربع الراهن، إلا بخطوات جديدة، نضع في حسباننا قضية التعليم على سلّم الأولويات، وهذا هو الذي سيحقق لنا التنمية المستدامة، والاستقرار المجتمعي، وينتهي معه التوترات والمشكلات التي تعتبر ذيول للإخفاقات، والإشكالية القائمة في بعض دول المنطقة، أن التعليم يعاني ارتباكات وأخطاء في المنهج والسياسات العامة لكيفية وضع أسس جيدة لتعليم ينقلنا إلى تنمية مستدامة، وهذا ما تحدث عنه العديد من المحاضرين في المؤتمر، القضية ليست أننا نريد أن نكون مثل دول بعينها، ونطبق مناهجها بحذافيره، ونتخلى عن الهوية والحاضنة الفكرية لمجتمعاتنا، وهذا لن يحقق نجاحاً ولن نحصل على الهدف الذي نسعى، فأي تعليم في الأمم والحضارات يحتاج إلى حاضنة فكرية، ولا يمكن أن نلغي الهوية واللغة والميراث الثقافي، ونعتقد أننا سنصل إلى أهدافنا في التعليم المنشود، فكل دول العالم التي صعدت متأخرة في العصر الحديث، لم تلغ ثقافتها، ولا لغتها، بل استفادة من التكنولوجيا المتقدمة من الدول المتقدمة مع الحفاظ على هويتها وثقافتها،وهذا تحقق مع اليابان وكوريا والهند ودول كثيرة،ويقول د. عبد الله البريدي في ورقته: (المأزق الهوياتي في مؤسسات التعليم الجامعي الخليجي)» إن ثمة شواهد وممارسات مستفيضة ودالة على حقيقة وجود «هجرة نحو اللغة الإنجليزية في السياقات البحثية والتدريسية في العلوم الإدارية والاقتصادية في مؤسسات التعليم العالي الخليجي ـ مشيرا ـ وجود عدد كبير من كليات الإدارة والأعمال والاقتصاد تتبنى الإنجليزية لغة للتدريس ومجالاً للبحث العلمي، ولم يكن ذلك مقتصراً على الكليات الخاصة ـ كما قال البريدي ـ بل يشمل تخصصات أخرى مندرجة ضمن العلوم الاجتماعية والإنسانية، فقد حولت ـ على سبيل المثال ـ بعض الجامعات الخليجية التدريس نحو الإنجليزية في تخصصات كالإعلام والاتصال الجماهيري.موضحا «نحن لسنا ضد تعلم الإنجليزية أو أي لغة أجنبية أخرى، بل إننا معه لتحصيل المنافع الكبيرة المترتبة على هذا التعلم، غير أننا نشدد على أن يكون ذلك وفق أطر مدروسة، مع اشتراط تحقيق النفع الخاص والعام في وقت لا تخل فيه بالسيادة اللغوية للضاد في سائر أراضيها وسياقاتها الوطنية والقومية والدينية والحضارية. إذن، أين المشكل؟ الإشكال يكمن في المبالغة في تحصيل اللغات الأجنبية أو في التحدث بها واستخدامها في سياقات لا تستدعيها أو لا تحقق نفعاً عاماً حقيقياً. وحذر، البريدي من اكتساح الإنجليزية لغة للتعليم بدول الخليج، قائلاً «تنبع الإشكالية البحثية من حقيقة تنامي استخدام اللغة الإنجليزية في مؤسسات التعليم العالي الخليجي، ليس في الطب والهندسة والعلوم البحتة فحسب، بل في تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية وهو الأخطر، وهو ما يعنينا أكثر في هذه الورقة، مما يخلق «مأزقاً هوياتياً»، له آثاره الفكرية والتنموية السلبية على المستويات المرحلية والإستراتيجية».

555

| 13 ديسمبر 2015

صناع القرار بالمنطقة يهمهم مثل هذه المؤتمرات !

لا شك أن اهتمام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدولة قطر، لطرح ملفات هامة في منطقة الخليج والجزيرة العربية من خلال، منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية الذي افتتح أمس بالدوحة، لهو من القضايا الأساسية لصناع القرار بالمنطقة، وهم بحاجة ماسة لمن يحدد لهم الإشكاليات القائمة وكيفية التحديات التي تواجه منطقة الخليج والجزيرة العربية، والتي تحتاج إلى حوارات ومناقشات من المهتمين والباحثين والخروج برؤى تعين أصحاب صناعة القرارـ إلى استشراف المستقبل لمواجهة السلبيات وتطويقها، لاسيما قضية التعليم والبيئة والمرأة وغيرها من القضايا التي سيناقشها المؤتمر، الذي ينعقد هذه الأيام في الدوحة من خلال (منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية). والواقع أن هذه القضايا تعتبر من أهم الموضوعات التي تحتاج إلى بحث مستفيض ومناقشات واسعة, وأهم هذه القضايا قضية (إصلاح التعليم)، وأثره وتأثيره على مجمل أوضاعنا في النهوض والتقدم والتنمية المستدامة.. فالتعليم هو المحور الذي تنعكس على أسسه كل قضايا الأخرى، سلبا أو إيجابا، فالارتقاء بالتعليم والتأهيل قضية أساسية وهامة في مسيرة دول المنطقة، وكل ما ننشده من أهداف ينطلق من التعليم، ومن بداياته التأسيسيةـ المرحلة الابتدائية ـ لأن أي بناء يحتاج إلى تأسيس، والتعليم العام في مرحلته الأولى، هو الذي يحقق لنا النجاح المأمول، ويبعدنا عن السلبيات التي قد نواجهها في هذه مسيرة أمتنا في توجهنا الحضاري والتنموي، وغيرها من الخطوات التي ننشدها في هذا الجانب. فإصلاح التعليم والنهوض به في كل المراحل، يبدأ من المراحل الأولى كما أشرنا، وهذا في اعتقادي هو الذي يرسي تعليما قويا وإبداعيا عند طلابنا، ويصحب الطالب في كل المراحل، ونحن نسمع كثيرا عن مشاكل في مستويات الطلاب في المراحل الثانوية والجامعية والتسرب وعدم مواصلة بعض الطلبة والطالبات للدراسة، ويعتقد البعض أنها كامنة في تلك المرحلة فقط، لكنني أعتقد أن الجانب الأكثر إعاقة في تعثر بعض الطلاب في هذه المرحلة، أو خلل في مستوياتهم الدراسية، يبدأ من المراحل الأولى في التعليم، صحيح أن هناك بعض من السلبيات في هذه المراحل العالية، بسب عدم كفاءة بعض الأساتذة، لكن مرحلة التأسيس هى المسئولة كثيرا جدا عن كل متاعب ومشاكل التعليم في منطقتنا، وإذا أردنا أن نحقق إصلاحا تعليميا خاليا من التعثرات والسلبيات، فعلينا أن نبدأ من المرحلة الابتدائية، فهو كما تقول الأمثال (مربط الفرس). كما أن التنمية المستدامة قضية محورية، وهذه التنمية أساسها التعليم الجيد، فالكثير من دول العالم تأخرت عن ركب التقدم والتنمية منذ القرن الماضي، لكنها الآن يشار إليها بالبنان من حيث التقدم والنهوض، بل أن هذه الدول أصبحت تنافس الدول الكبرى في التنمية المستدامة، والمنطلق الأساسي لهذا النهوض المتأخر هو التعليم، الذي انطلقت من خلاله للحاق بركب التقدم التقني والاقتصادي. ولاشك أن التراجع في مسار التعليم والتنمية المستدامة في بعض دول المنطقة في نتائج تقرير التنافسية العالمية 2015 ـ 2016،يجعل من المحتم من جهات الاختصاص في المجالات التي حددها التقرير ومنها التعليم والتدريب، إعادة النظر في سبب هذا التراجع، وهذا يدفعنا بقوة بان نعيد النظر في السياسات التي تجعل ترتيب بعض دول المنطقة متأخرا، مع أن ظروفها الاقتصادية الماضية، تجعل منها دول متقدمة في التنافسية العالمية، وهذا التراجع يزداد بصورة لافتة في السنوات الأخيرة، ومن الحق أن بعض الدول تقدمت في مجال التعليم ، منها دولة قطر ، وهذا يبعث على الارتياح لما حققته في هذا الجانب المهم من مسيرتها التعليمية، ونأمل أن تحذو بقية دول المنطقة للوصول إلى هذا المستوى المتقدم، وهذا يحتاج وقفة واستشراف لما ينبغي على هذه الدول من تبني سياسات جديدة، ترفع من مستوى السلبيات، وتحوله إلى نجاح بعد المعرفة الشاملة لأسباب التراجعات، من خلال المعرفة العلمية والمنهجية التي كانت السبب في هذا التراجع، وهذا لن يكون ثابتا، إذا قمنا بمراجعة شاملة، وإشراك كل الجهات المتخصصة في التقييم، حتى نتعرف على مكامن هذا التراجع، ونعمل على تلافي الأخطاء والسلبيات، وهذا ما نحتاجه بخطى حثيثة وجادة لإصلاح التعليم، وتأسيس تنمية مستدامة.

347

| 06 ديسمبر 2015

alsharq
العطية.. رجل الدولة الذي قاد عصر الطاقة القطري

في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها...

2937

| 30 مايو 2026

alsharq
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق

أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...

2541

| 31 مايو 2026

alsharq
لكل نهضةٍ رجالها

لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة...

1614

| 29 مايو 2026

alsharq
يؤلمهم العيد

في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة...

1047

| 27 مايو 2026

alsharq
أبشر يا أبا أحمد بالفوز

ودعت قطر أمس ببالغ الحزن والأسى والرضا بقضاء...

702

| 30 مايو 2026

alsharq
دلالات وكلفة سيطرة الرئيس ترامب على حزبه الجمهوري..!!

السؤال المهم في الدوائر السياسية الأمريكية منذ نجاح...

696

| 31 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

675

| 26 مايو 2026

alsharq
قطر والرياضة العراقية.. صفحات من الوفاء

وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...

672

| 26 مايو 2026

alsharq
كيف نتعامل مع حوادث الانتحار

مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت...

663

| 31 مايو 2026

alsharq
أين يختبئ المثقف المتواضع؟

لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف...

651

| 26 مايو 2026

alsharq
كثر خير الله وطاب

حياتنا في مساحاتها الواسعة تحتاج لمن يحفزها ويبعث...

639

| 28 مايو 2026

alsharq
دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟

في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة...

630

| 26 مايو 2026

أخبار محلية