رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن الأزمة السورية تعد من أعقد الأزمات العربية الراهنة، لأسباب كثيرة، لعل أهمها أزمة الثقة بين النظام السوري والمعارضة التي لها حضور دولي وإقليمي في الأشهر الماضية، ذلك أن هذه المعارضة التي تضم كل أطياف الشعب السوري، عدا جماعات التطرف والإرهاب التي ترفض بالأساس الحلول السلمية ، فلم تعد هذه المعارضة المعتدلة قابلة ببقاء هذا النظام في الحكم، بسبب غياب الحريات منذ فترة طويلة، والقبضة الشمولية على سوريا منذ ما يقرب من 60 عاما على كل مفاصل سوريا بالقوة العسكرية، دون أن يتنازل عن بعض الإصلاحات الداخلية التي وعد بها في 2005، وأصبحت هذه الإصلاحات من ضرورات هذا العصر وتحولاته السياسية والفكرية، وهذه الثقة المعدومة بينهما، تجعل تقارب وجهات النظر شبه معدومة بين الطرفين في المباحثات الأخيرة التي جرت جنيف3، وهذا ما جعل هذا المؤتمر، حسب ما قال دي ميستورا، إن على الفرقاء "القيام ببعض الإجراءات قبل أن يبدأوا مفاوضات حول المسائل إنسانيةـ وأضاف دي ميستورا ،كما سمعت من المعارضة أن الحلول (الإنسانية) ملحة بالنسبة للشعب السوري. واستنادا إلى ذلك، فإنني توصلت إلى استنتاج صريح مفاده أنه بعد أسبوع من المحادثات التمهيدية، بقي هناك عمل كبير لا بد من إنجازه، وليس علينا وحدنا القيام به بل على الأطراف المعنية أيضا".
وقد تأجل اللقاء إلى الخامس والعشرين من الشهر الحالي لمزيد من المشاورات السياسية بين الفرقاء، لكن الأوضاع زادت من حدة هذه الأزمة وتعقدها كثيرا للأسباب التالية:
أولا: دخول روسيا عسكرياً في هذه الحرب، داعمة للنظام القائم، من خلال الهجمات العسكرية الجوية، تعرضت لها المعارضة المعتدلة، وعلى جماعة داعش، لكن المواطنين السوريين في كثير من المدن السورية لحقهم القتل والتدمير والهجرة أيضا، وهذا يكشف أن روسيا تقف مع بقاء النظام، بحكم أن روسيا ترى أن النظام السوري هو من بقي لها من الحلفاء السابقين، أيام الاتحاد السوفيتي، وفترة الحرب الباردة الذي كانت سوريا ضمن المعسكر المعادي للغرب الليبرالي الرأسمالي، وهذا ما جعل الرئيس بوتين يتحرك سياسياً وعسكرياُ، يعتقد البعض أنه يسعى لإعادة مجد الاتحاد السوفييتي، بعد الانهيار الذي أصاب المعسكر الاشتراكي، وتداعياته وأدت إلى تفكك الاتحاد السوفيتي إلى دول منفصلة عن هذا الاتحاد، لكن البعض يرى أن روسيا تريد أن تعلب دوريا سياسياً في المنطقة، بعدما أصبح الغرب بقيادة الولايات المتحدة، هي المهين والمؤثر في المنطقة، بعد غزو العراق في 2003، وسقوط النظام العراقي السابق الذي كان حليفاً للاتحاد السوفيتي، لكن روسيا تعرف أن الرغبة الأمريكية في سقوط النظام في العراق، فوق استطاعة روسيا إيقافه أو الوقوف في وجهه، أو حتى مساعدة الرئيس صدام في صد هذا الغزو واحتلاله! لكن بالنسبة لسوريا وعدم اتخاذ موقف قوي مثلما فعل الغرب في دول عديدة، له أسبابه عند الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وهذا له حديث آخر.
ثانيا: أما الموقف الدولي من الأزمة السورية، فلم يكن بذلك الموقف القوي الحاسم، وهذا يرجع إلى الدول الكبرى المؤثرة في مجلس الأمن، والمتمثل بالولايات المتحدة وبعض الدول الغربية التي لها حق الفيتو (النقض)، وهذا يرجع إلى موقف الغرب من التحولات في العالم العربي قبل عدة سنوات. ويرى بعض المحللين أن إسرائيل تتخوف من أن يأتي حكم إسلامي راديكالي أو عنيف يأتي بديلا للنظام الحالي، فيما لو رحل هذا النظام من الحكم، أو أسقط بالقوة المسلحة من قبل المعارضة، والذي لم يكن معاديا عنيفاً للاحتلال الإسرائيلي، منذ احتلال الجولان في عام 1967، كما لم يكن له نشاطات عسكرية على الحدود مع إسرائيل بعد هذا الاحتلال، عدا مساعدته لحزب الله من خلال السلاح الذي يمر عبر سوريا خلال العقود الماضية، وهي المنفذ الوحيد للسلاح الذي يمرر إلى لبنان، ولا شك أن الموقف الغربي يتأثر من الموقف الإسرائيلي وانزعاجه من النظم حوله، وفق ما تمليه النظرة الإسرائيلية للمنطقة ونظمها، والغريب أن روسيا، عرفت الموقف الغربي جيدا وخاصة الولايات المتحدة من الأزمة السورية، ولذلك تأكد لدى روسيا أن الموقف السياسي الأمريكي والغربي من النظام السوري، ليس قويا، بالمقارنة بما جرى في العراق، قبل 2003، وأن روسيا رأت الفرصة مناسبة للتدخل لمساعدة للنظام السوري، تحت مسمى محاربة الإرهاب، لكنها تقاتل حتى المعارضة المعتدلة في العديد من المدن التي تسيطر عليها، وهذا ما جرى الحديث عنه والنقد من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية. ومن هنا فإن الوضع في سوريا في غاية الصعوبة في هذه الفترة، بسبب المسافات الكبيرة غير المتقاربة بين المعارضة والنظام، وأيضاً فإن روسيا وبقية الدول الكبرى لهم وجهات نظر مختلفة في كيفية إحلال السلام بعد وقف القتال، فالمعارضة السورية مع بعض الدول الإقليمية، تطالب بترتيبات جديدة، لا يكون للرئيس بشار الأسد أي دور في هذه الترتيبات، والتي تعد فترة انتقالية، تجري بعدها الانتخابات، ويختار السوريون ما يرونه عبر صناديق الاقتراح، لكن روسيا وإيران، تريان أن الرئيس بشار جاء عن طريق إرادة شعبية، ومن خلال انتخابات شعبية تقول المعارضة إنها مزورة، وإن هذه الترتيبات يجب أن لا تستبعد الرئيس بشار من هذه الفترة الانتقالية، وهذه إشكالات لا يتم حلها سريعا في مؤتمرات تجمع كل الأطراف في عشرة لقاءات، بسبب أن هناك أزمة ثقة كبيرة بينهما، كما أشرنا آنفا بين النظام والمعارضة، وهذه سوف تسهم في تأخير الحل النهائي للأزمة في سوريا ربما لأشهر مقبلة إلا إذا اقتنع الجميع بالحل خاصة النظام، فإن استبعاد الرئيس بشار ربما يكون العقبة الكبيرة في الحل المرتقب، وهذا قد يدفع بعض الدول مع المجتمع الدولي إلى الحل العسكري الذي ربما يصبح حلاً لابد منه لإنهاء الأزمة السورية وتغيير النظام القائم والقضاء على الجماعات.
ليس الفتى من يقول كان أبي
ليس من الخطأ أن يعتز الإنسان بقبيلته، ولكن هذه الأيام كثر العزف على وتر القبيلة والقبلية، وأصبح البعض... اقرأ المزيد
57
| 14 يونيو 2026
ما الذي يبقى منّا؟
في إحدى الأمسيات الشعرية القديمة، اقتربت مني شابة تحمل ديوانًا مهترئًا من كثرة القراءة كما يبدو. قالت إن... اقرأ المزيد
42
| 14 يونيو 2026
الاستثمار في رأس المال البشري بين الواقع والمأمول
أصبح مفهوم رأس المال البشري أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها رؤى التنمية الحديثة، حيث لم تعد الثروة... اقرأ المزيد
33
| 14 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2850
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2613
| 09 يونيو 2026
يعتقد كثيرون أن القانون هو العدو الأول للأسرة، وأن دخوله في الخلافات الزوجية أو شؤون الأبناء دليل فشل، بينما الحقيقة أن القانون لا يطرق باب الأسرة إلا بعد أن يُغلق باب الوعي، ويُهمل الحوار، وتضيع المسؤولية. الأسرة في أصلها ليست عقدًا فقط، ولا أوراقًا رسمية، بل منظومة قيم، ووعي متبادل بالحقوق والواجبات. غير أن المشكلة تبدأ حين يُختزل الزواج في مشاعر مؤقتة، أو تُختصر المسؤولية في طرف واحد، أو يُربّى الأبناء دون إدراك أن كل تصرّف اليوم قد يصبح قضية غدًا. القانون لا يصنع الخلافات الأسرية، بل يكشفها. فالخلاف الذي يُدار بالجهل يتحول إلى نزاع، والنزاع الذي يُدار بالعناد يتحول إلى ملف قانوني، والملف القانوني لا يعرف العاطفة، بل ينظر إلى الوقائع والالتزامات. كم من أسرة لم تكن بحاجة إلى قاضٍ، لو كانت تعرف منذ البداية معنى القِوامة، وحدود الطاعة، ومسؤولية النفقة، وحق الرعاية، وواجب الاحترام المتبادل. وكم من طفل وجد نفسه وسط نزاع قانوني لا لأنه بلا والدين، بل لأن وعي والديه غاب قبل أن يغيب أحدهما. لقد كفل الشرع الحنيف للأسرة مكانة عظيمة، وجعل العلاقة بين الزوجين قائمة على المودة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. لكن المودة لا تُبنى بالجهل، والرحمة لا تعيش في بيئة تُدار بلا وعي. المشكلة ليست في الطلاق بحد ذاته، ولا في اللجوء إلى القضاء عند الضرورة، بل في الوصول إلى هذه المرحلة دون فهم حقيقي لما يترتب عليها قانونيًا ونفسيًا واجتماعيًا، خصوصًا حين يكون الأبناء هم الحلقة الأضعف. فالطفل لا يفهم مواد القانون، لكنه يعيش نتائجها. ولا يدرك معنى الحضانة، لكنه يشعر بالتمزق. ولا يعرف من المخطئ، لكنه يدفع الثمن. إن الوعي الأسري اليوم لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة قانونية. فالمعرفة بالحقوق لا تعني التمرد، كما أن فهم الواجبات لا يعني التنازل، بل يعني حماية الأسرة من نفسها قبل أن تحتاج إلى حماية القانون. القانون وُضع ليُنظم، لا ليهدم، وليحمي، لا ليعاقب. لكن الأسرة الواعية هي التي لا تجعله الخيار الأول، ولا تخشاه إن أصبح الخيار الأخير. وحين نُدرك أن بناء الأسرة يبدأ بالوعي قبل العقد، وبالمسؤولية قبل الخلاف، وبالحوار قبل المحكمة، عندها فقط يبقى القانون في مكانه الصحيح: حارسًا للعدالة… لا شاهدًا على انهيار البيوت.
846
| 11 يونيو 2026