رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ ما يقرب من قرن، وقبل استقلال بعض الدول العربية من الاستعمار، برزت قبلها، فكرة القومية العربية على يد عدد من المفكرين والمصلحين العرب، وقد جاءت كدعوة كاستجابة ملحة لما أظهرته القومية الطورانية التركية، التي تماهت مع القومية الأوروبية في فكرتها العنصرية، تجاه العرب، ومحاولة جعلهم تابعين للقومية الطورانية التركية، التي انطلقت من نظرة قومية استعلائية لعنصرهم العرقي، وحاولت أن تقصي كل مقومات العرب الأساسية في الدولة العثمانية التي انهارت بعد الحرب العالمية الأولى بعد تحالفها مع ألمانيا في هذه الحرب، واقتربت من الفكر الأوروبي الذي ينطلق من تعصب عرقي للجنس الآري(سنناقش ذلك تالياً)، حيث عمل على هذا التوجه حزب الاتحاد والترقي القومي، ثم استكمل هذا التوجه أيضا بعد وصول كمال أتاتورك للحكم في تركيا بعد سقوط الخلافة الإسلامية، حيث ألغى أتاتورك اللغة العربية في المدارس ومحى الكثير مما يمثل العرب والمسلمين في تاريخهم إتباعا لما أقدمت عليه القومية الطورانية التركية وتقليدا للغرب في فكرهم، خاصة الرؤية العلمانية بعد إقصاء الكنيسة في الغرب الخ. كما أن التهديد للوجود العربي ثقافيا وفكريا، بدأ هذا أيضا كمخطط من الاستعمار الفرنسي والبريطاني في الكثير من البلدان العربية المستعمرة، خاصة في الجزائر ودول شمال إفريقيا، وشعر العرب أن قوميتهم العربية مهددة، ووجودهم كأمة ترتبط بكيان وهوية يتقلص بخطط معدة ومبرمجة، وعلى أعلى المستويات من المستعمرين بدعوى التقدم والتمدن، وهدفها الذوبان والتلاشي في الفكر الغربي، حيث تعرض الوجود العربي كأمة للإقصاء والانسلاخ بالتدريج من خلال التعليم والفكر والثقافة بوسائل متعددة، مثل إلغاء الهوية والثقافة والفكر في الكثير من بلاد العرب المستعمرة.. يقول المفكر الراحل د/ محمد عابد الجابري في كتابه(مسألة الهوية..العروبة والإسلام والغرب)، أن الدلالة التي انطلق منها العرب، لاستنهاض الهمم لعروبتهم وقوميتهم "في الأدبيات العربية النهضوية المبكرة، عبارات مثل" أيها العرب انهضوا" أو مثل" العروبة تناديكم" الخ: ومع ذلك فقد لا نخطئ كثيرا في التقدير إذا نحن قلنا إن المضمون الحديث والمعاصر لكلمتي"عرب" و"عروبة"، المرتبط بالنهضة، لم يبدأ في الذيوع والانتشار إلا بعد منتصف القرن الماضي، وقد ظهر ذلك أولاً في لبنان وسوريا وفلسطين. والأهم من هذا كله أن نلاحظ أن هذين المفهومين أنما كانا يستمدان معناهما من رد الفعل ضد "الآخر" الذي كان يهدد الوجود العربي ككيان متميز داخل الإمبراطورية العثمانية، وكان هذا الآخر هم الأتراك الذين كانوا يطمحون إلى دمج القوميات الأخرى المتعايشة داخل الإمبراطورية التركية الطورانية. مما عرف باسم سياسة "التتريك". ولعل ما يجدر التأكيد عليه،كما يرى د/الجابري، هنا أن انبعاث كلمتي "عرب" و"عروبة" كمفهومين نهضويين قوميين لم يكن موجهاً في المرحلة الأولى ضد الأتراك بوصفهم يحكمون العرب باسم الخلافة الإسلامية بل بوصفهم جماعة انبعث في صفوفها وعي قومي(جماعة تركيا الفتاة) يقوم على فصل العنصر التركي وتفضيله على العناصر الأخرى داخل الإمبراطورية العثمانية والطموح إلى تسويده عليها وجعله يحتويها احتواء". وليس صحيحاً القول إن الفكر القومي العربي ليست له أي جذور في التراث العربي وأنه مجرد فكرة غربية المنشأ بكاملها الخ كما قال أحد الكتاب الليبراليين. لأن الفكرة القومية كمصطلح لها سند متأصل في التراث العربي. فعبارة "قومية" مستمدة من "قوم"، وفي هذا الصدد يقول د/ محمد عمارة: "إن "القوم"...الذي اشتقت منه "القومية" - هو مصطلح "عربي - قرآني"، وفي القرآن الكريم حديث عن العرب، قوم الرسول (صلى الله عليه وسلم) [وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون]. فقوم الإنسان هم الدائمو الإقامة معه، والذين تربطهم به الروابط التي اصطلح على تسميتها "سمات القومية"، وهي التي تحدد اللغة دائرتها وخريطتها... فالقومية، في الرؤية الإسلامية، هي الدائرة اللغوية في إطار الانتماء الإسلامي الأكبر... وعالمية الإسلام لا بد من أن تشمل أقواماً تميزهم اللغات والألسنة [ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين]... فإذا كان اختلاف اللغات سنة وآية من سنن الله وآياته، فلا بد من أن تشمل عالمية الإسلام أقواماً وقوميات تتمايز لغوياً - أي قومياً- في إطار محيط ودائرة الانتماء الإسلامي الأول..".. فالقومية العربية لم تكن منطلقها عرقيا، ولا عنصريا، وإنما انطبق هذا المفهوم لمواجهة تهديد الوجود القومي العربي بعد ظهور النزعات القومية الأخرى، والتهديد الاستعماري أيضا، ومحاولة انصهاره في القومية الطورانية، كما أشرنا آنفاً، لكن النزعة القومية الأوروبية، تنطلق من نظرة عرقية للجنس الآري الذي اعتبر أن الجنس الأكثر تفوقا ونبوغاً وحضارة، بالقياس إلى الأمم الأخرى، وهذه للأسف قالها مفكرون وفلاسفة كبار هذه النظريات الشوفينية العرقية والقول بتفوقها على كل الأعراق والأجناس، لا تلتقي مع الفكر القومي العربي الذي جاءت كدعوة إليه من منطقات فكرية وثقافية لمواجهة الخطر الذي جاء يهدد الأمة من الذوبان والإقصاء، وأيضا من التهديد الاستعماري الذي حاول فعليا، أن يستأصل فكر الأمة وقيمها ولغتها في أغلب الدول العربية، وهذا ما استنفر العديد من المفكرين والمصلحين العرب والمسلمين، لمواجهة ما ترمي إليه هذه الدوائر التي تحركت من خلال بعض المستشرقين، الذين حاولوا أن يقللوا من أمة العرب وتاريخهم ولغتهم، كما غرس الاستعمار بعضا من أبناء جلدتنا في أن يلعبوا الدور نفسه، من خلال دعوات نفسها، والتقليل من العرب وتاريخهم وقومتهم ودينهم ـ وقد سماهم المفكر العربي أنور عبد الملك ـ بـ (العملاء الحضاريين الغرب)، فدعوا للفرعونية والفينيقية والأشورية، وغيرها من الدعوات العنصرية،وسمّى البعض من هؤلاء العرب بالمستعمرين!!:وقاموا بنبش الأفكار وتاريخ العرقيات والشعوبية، لطمس تاريخ الأمة العربية، وإعادة إحيائها مرة كرد فعل على اليقظة العربية والانتماء القومي، وتشجيع اللهجات المحلية، كبديل عن اللغة العربية الجامعة لوحدة الأمة العربية، كل هذا كان لأهداف ومرام لطمس ومحو تاريخ هذه الأمة، صحيح أن بعض المسيحيين ـ وليسوا جميعهم ـ شايعو هذه الدعوات، لكن المارونيين هم من شجعوا على الدعوة للانعزالية، والدعوات التي تلتقي مع أهداف الاستعمار ومخططاته، لكن للحق أن أغلب المسيحيين العرب، دافعوا عن العروبة والعربية، وكان لهم إسهام مشرّف في الدفاع عن القومية العربية، وعن اللغة العربية، وكان منهم علماء كبار في اللغة والتاريخ والفكر، وكان يقول بعضهم، نحن مسيحيين دينا، ومسلمين ثقافة، وهذا بحق كان له دور رائد في مواجهة الدعوات الانعزالية والعنصرية تجاه العرب والمسلمين. فالانتماء القومي عند العرب والمسلمين، جاء دفاعا عن وجود الأمة ولغتها ودينها وتاريخها، واستنهاضا للهمم من خلال اليقظة العربية، وإن كانت لم تحقق كل الأهداف المبتغاة، للخروج من الواقع العربي المتردي بعد سقوط الدولة العثمانية، وجاء الاستعمار ليكرس التخلف وتدمير مقومات الوجود وتحديات النهوض، لكن الأمة حافظت على نفسها من الانصهار والتلاشي، وحققت وجودها الفعلي كأمة لم تستطع تلك الدعوات أن تحقق أهدافها ومراميها البعيدة.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4923
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
567
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3342
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1197
| 01 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1023
| 06 أكتوبر 2026