رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الذي يحتفل العالم باستقبال عام جديد وسط أفراح وألعاب نارية ومهرجانات يعيش السودانيون وسط فوضى الحرب ويفقدون في كل يوم يمر الأمل في إمكانية العودة، ويقضون وقتهم في النحيب والبكاء على الفقد اليومي للأحبة والأهل والصغار. من لا يموت بالرصاص في السودان يموت بالمرض أو الجوع أو القهر، للموت ألف طريق وألف سبب وسط استمرار النزاع المسلح الذي طال معظم ولايات السودان والمناطق التي لم يصل لها حريق الحرب وصلها البؤس المتمثل في غلاء الأسعار وتكدس النازحين في المدارس والمراكز الصحية والعراء. يكاد الأمل يكون منعدما في نهاية الحرب والاستقرار مع فشل كافة محادثات السلام ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الثاني، بات صوت الحرب هو الأعلى، وكل من ينادي بالسلام ووقف الحرب يُوصَم بالعمالة والخيانة للوطن! على الرغم من تاريخ السودان الطويل مع الحروب التي تطاولت لعقود في جنوب البلاد وغربها، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، لم يحدث أن انتهت حرب بالحسم العسكري مهما تطاول أمدها، كانت دائما تنتهي في طاولات المفاوضات وهو تاريخ على ما ترك ندوبا في جسد البلاد التي فصلت جزءا كبيرا منها من الأجدى الاعتبار به والاستفادة منه في رسم ملامح مستقبل يختلف عن الماضي الأليم! مناخ الحرب يجعل أصوات المطالبة بالانفصال تتعالى وتصدح بلا استحياء لوضع مشرط التقسيم مرة أخرى في جسد البلاد العليل والدعاية الحربية تزيد إشعال النيران، وتزيد الفرقة بين أبناء الوطن الواحد الذين عاشوا طوال تاريخ السودان الحديث منذ الاستعمار في مناخ جغرافي ونفسي متقارب مع تداخل في الأنساب والعلاقات الاجتماعية والثقافة والتقاليد بصورة تجعل من المستحيل على أمهر جراح أن يجد موضعاً لقطع مكان معزول لا يوجد فيه تداخل وتصاهر. التنوع من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على أهل السودان، تنوع في السحنات والقبائل والألسن والمطبخ، ويوازي هذا التنوع البشري اختلاف بيئي ومناخي مثير للدهشة بين الصحراء وشبه الصحراء والمناخات المطيرة، الجبال والسهول مع وفرة في المحاصيل الزراعية والمواشي والحيوانات المفترسة والكثير من مناطق السياحة. صحيح هناك أطماع كبيرة في الموارد السودانية على رأسها الذهب الذي كان يغذي الحرب الروسية الأوكرانية إلى جانب الأنظار التي تتقافز على ساحل البحر الأحمر الاستراتيجي والأراضي الزراعية الضخمة خاصة مع الحدود الأثيوبية كلها موارد وخيرات تجعل لعاب دول كثيرة تسيل ويحفزها على التدخل في الشأن الداخلي؛ مما جعل كثيراً من الدول تمول طرفي الحرب طمعا في التسلط على الحكومة وتسييرها وفق رغبتها أو دعما للتنظيم الإسلاموي الذي حكم البلاد طوال ثلاثة عقود لينتعش ويستطيع العودة إلى كرسي الحكم بعد أن أسقطته ثورة شعبية جارفة وبعض الدول تنظر لقوات الدعم السريع على أنها سيفها الباتر الذي تستطيع أن تصفي عبره خصومها الإقليميين، وتتمكن عبره من التوغل في البلاد والتحكم في مواردها، وكل هذا التمويل الحربي يدفع فاتورته المواطن السوداني البسيط المغلوب على أمره. عام جديد يطل على العالم والسودانيون يرزحون تحت وطأة الجوع والعازة وسط إنكار رسمي لوجود أزمة ومتاريس في طريق الإغاثة الإنسانية تمنعها من الوصول لمناطق سيطرة أحد طرفي الصراع فيما تحصد البراميل المتفجرة التي يسقطها الطيران الحربي أرواحا بلا حساب، وتحرق مناطق واسعة، ومن جهة ثانية تقضي المدافع التي تطلقها قوات الدعم السريع على كل ما يصادفها. بدلا عن الألعاب النارية التي تتألق في سماوات الدول الهادئة يستقبل السودانيون أمطار الرصاص والأسلحة الثقيلة والقصف يموتون بلا حساب فيما ينتظرهم شتاء طويل بلا مأوى ولا غطاء. وسط كل هذه المآسي التي تحيط بحاضر الشعب السوداني هناك مخططات تلوح في الأفق لتشكيل حكومة مدنية في مناطق سيطرة الدعم السريع ومخاوف من تكرار النموذج الليبي في انقسام البلاد بين مناطق سيطرة خاصة وأن السودان سلفا به مناطق سيطرة خارج يد الحكومة المركزية لأعوام طويلة في جبال النوبة ما يعرف بالمناطق المحررة تحت سيطرة الحركة الشعبية شمال، ومناطق جبال مرة أيضا بها إدارة مدنية منفصلة عن الحكومة المركزية إلى حد كبير، وتقع تحت سيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور. وجود حكومة جديدة في مناطق سيطرة الدعم السريع ستخلق حالة وجود 4 حكومات في بلد يعيش صراعا مسلحا هو الأعنف من نوعه منذ الاستقلال؛ لأنه شل حركة الدولة، ونقل الحكومة من العاصمة الخرطوم لولاية البحر الأحمر، وأغلق معظم المصانع والأعمال التجارية، وأوقف الحركة الزراعية في كثير من المشاريع، وبينما كان يتم زرع أكثر من مليون فدان تحتفل حكومة بورتسودان بزرعة 17 ألف فدان فقط!. [email protected]
552
| 10 يناير 2025
هذا السؤال الذي وضعته في العنوان يدور في أذهان الكثير من أبناء وبنات الشعب السوداني الذي أعياه الدوران في حلقات مفرغة من الانتهاكات التي تتم تحت بصر الدولة فيما لا يتم تقديم أي شخص للعدالة، ولم يحدث أي نوع من الإنصاف للضحايا الذين تتردى حياتهم وهم يعيشون في مخيمات لجوء ونزوح طوال عقود من الزمان. سؤال العدالة كبير ومعقد لجهة كبر نطاقات الانتهاكات والعدد الضخم للمتضررين وحتى الفترات الزمنية الطويلة التي تعرض فيها الناس للبطش وحرق قراهم وانتزاع أراضيهم فيما تقف الدولة التي سلحت سابقا المليشيات، ودعمتها لتهجير القرويين في موقف الجلاد والحكم! وسط إحباطات متراكمة لعقدين كاملين من الزمان جاء اختتام المرافعات الختامية في محاكمة المتهم علي محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ «علي كوشيب» أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي كبريق أمل للضحايا الأحياء من أحداث وادي صالح غربي البلاد التي يحاسب بسببها المتهم، بعضهم يعيش في معسكرات النزوح في دارفور منذ العام 2003 وبعضهم في معسكرات اللاجئين في الحدود مع دولة تشاد. * «كوشيب» أحد المتهمين المطلوبين لدى المحكمة منذ العام 2007، فيما شملت قائمة المطلوبين الرئيس المعزول عمر البشير واثنين من قيادات حكومته هما عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون الذي أُعِيد انتخابه مؤخرا رئيسا لحزب المؤتمر الوطني! ولم يتم تسليم المطلوبين، على الرغم من وجودهم في مناطق سيطرة الجيش متنقلين بين ولايات الشرق والشمال، ويخضع كوشيب وحده للمحاكمة؛ لأنه سلم نفسه في العام 2020 للمحكمة طواعية خوفا من الاستهداف والقتل بعد سقوط نظام البشير ومنذ ذلك الوقت يحاول إنكار هويته، وختم ذلك الإنكار ببيان طلب تقديمه أمام القضاة قال فيه «أنا لست كوشيب!» الأمر الآن متروك أمام القاضيات ليحددن هل هو الشخص المطلوب وفق الأدلة التي قدمها مكتب الادعاء أم هو رجل بريء! وبينما ينتظر السودانيون بصفة عامة النطق بالحكم في هذه القضية يتعلقون بأمل أن المحاسبة ستحدث، وأن العدالة ستتحقق وإن طال الزمن! * كنت من ضمن مجموعة من السودانيات حظينا بحضور المرافعات الختامية في محاكمة كوشيب من مقاعد الجمهور داخل المحكمة، كانت لحظة تاريخية نادرة تقول إن الطغاة سيمثلون أمام القضاء، ويدفعون ثمن ما فعلوه في حق المدنيين العزل يوما ما الأمر الذي يرسل رسالة قوية لكل من يرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الـ 15 من أبريل التي اندلعت في الخرطوم، وتمددت مثل النار في ولايات سودانية أخرى شردت أكثر من 13 مليون مواطن، وقتلت عشرات الآلاف، واُغْتُصِبَت عشرات النساء فيما يحاصر الجوع 25 مليون سوداني، ويموت الأطفال بسبب سوء التغذية! * ما يحدث الآن لا يختلف كثيرا عما حدث في ذلك الوقت في العام 2003 مسرح الجرائم كان قرى دارفور التي عانت التهجير القسري والقتل والإعدام خارج نطاق القانون والاغتصاب والاضطهاد، ذات الفاعلين في تلك الأحداث هم نفسهم الذين يتقاتلون الآن، اختلفت المسميات قليلا، وتغير الزي العسكري ربما، لكنها ذات الأيادي الباطشة بالمدنيين العزل! فأحداث دارفور كان الفاعل الرئيس فيها قوات «الجنجويد» التي سُلِّحَت من حكومة «البشير» واليوم ذات العناصر التي كونت حكومة البشير هي التي تقاتل في الأرض، وتقاتل تلك القوات التي قام نظام البشير بمنحها الشرعية وتحويلها لقوات نظامية بموجب قانون مجاز عبر البرلمان في العام 2017. * «كوشيب» متهم بارتكاب 31 جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ووفق شهادات الشهود احتجز رجال من قبيلة الفور قبل أن ينقلهم من مركز الشرطة، ويأمر بإعدامهم جميعا، ويدفنهم في مقابر جماعية، وكان يجعل المعتقلين يستلقون على الأرض، ويمشي على ظهورهم فيما حدثت اغتصابات واسعة للنساء. وقال بعض شهود عيان التقيتهم إنه قام بجمع عدد ضخم من الأطفال في منزل واحد وأشعل فيهم النيران! نقلت ممثلة الضحايا في المحكمة الجنائية رسائل عدد كبير من الضحايا الذين حكوا كيف تبدلت حياتهم، وكيف منعت الوصمة النساء من مواصلة دراستهم، وكيف استمروا في حياة النزوح يفتقرون لأقل مقومات الحياة لعقدين من الزمان، وتحدث الكثيرون منهم عن رغبتهم في استعادة «كرامتهم» والعودة إلى أراضيهم. * في أروقة المحكمة حضر بعض أبناء وبنات دارفور ممن كانوا هم أنفسهم شهودا على تلك الانتهاكات البشعة، وقالت إحدى الشاهدات إنها التقت في مستشفى بمدينة نيالا جنوب دارفور بشابتين دون سن العشرين اضطر الفريق الطبي لبتر أعضائهن التناسلية بالكامل؛ بسبب الالتهابات الفظيعة التي أصابتهن؛ لأن المغتصبين لم يكتفوا بالاغتصاب فقط، بل وجهوا طعنات بسكين حادة يستخدمها العسكريون تعرف بـ «السونكي» فيهن ! حكى شاب آخر عن تذكره مشاهدة المقابر الجماعية، نجا بحياته بأعجوبة، وفقد الكثيرين من أسرته، فيما انفجر رجل آخر في البكاء بعد أن وقف كوشيب لمخاطبة المحكمة لجهة تذكره حادثة مقتل والده على يد كوشيب وجنوده. كتب على السودانيين أن يعيشوا حياة مليئة بالقهر، انتهاكات وقتل بالجملة مع غياب تام للعدالة، لا يطلب الناس المال بقدر ما يطلبون الإنسانية والكرامة والعودة إلى أراضيهم؛ لأنهم منتجون ومزارعون ورعاة وسط حياتهم القديمة لم يشتكوا ولم يحتاجوا إلى أحد. * الإفلات من العقاب في جرائم حرب الجنوب أدت إلى ظهور جرائم أكبر في حرب دارفور ثم واصلت حلقة الإفلات من العقاب طوال عقدين من الزمان برفض النظام السابق تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية والامتناع من محاكمتهم داخليا، ذات الأيادي الملطخة بالدماء طوال عشرين سنة واصلت في القتل والترويع والتشريد فيما تطورت جرائم الاستعباد والعنف الجنسي واتسعت دائرة الانتهاكات ويبقى الإجابة عن السؤال في العنوان لا بد أن تكون «نعم» فلا بد أن تكسر محاكمة كوشيب حلقة الإفلات من العقاب، ويُسَلَّم المطلوبون جميعهم لدى الجنائية ليحاكموا ولا بد أن تُؤَسَّس منظومة عدلية ومحاسبية تمنع تسلط الحكومات على الرقاب، وتكون متاحة لرقابة الشعب الذي لا يستحق سوى الكرامة. سينتظر السودانيون النطق بالحكم في محكمة كوشيب على جمر وحال تمت محاكمته سيتنفس الكثيرون نسيم العزة والكرامة.
399
| 20 ديسمبر 2024
عندما تم إعلان المجاعة في معسكر زمزم للنازحين في شمال دارفور؛ انتشرت صور الأطفال الذين يعانون سوء التغذية الحاد، ضلوع بارزة من جسد يكسوه الهزال، كأن العظم سيخرج في أية لحظة يشق ذلك الجلد المهترئ الشفاف، أما العيون الجاحظة الشاخصة فلا يمكنك النظر إليها لأكثر من لحظة، كأنها تنظر إلى الموت، وتنشر ظلاله في محيطها! هذه حال أكثر من 4 ملايين طفل دون سن الخامسة في سودان الحرب، يعانون الجوع الشديد الذي تسبب لهم في سوء التغذية الحاد، الوسيط الذي يسلمهم للموت! فيما لا يجد الملايين الآخرون من الأطفال في أعمار مختلفة ما يسدون به رمقهم، فكل ما يحصلون عليه وجبة واحدة في اليوم، وربما لا شيء، ولا تجد أجسادهم المنهكة ملهاة باللعب من قعقعة البطون الفارغة! تبحث الأمهات في بعض مناطق دارفور عن الحشرات خاصة الجراد لتضع شيئا في تلك الأفواه الجائعة، البعض يأكل صفق الشجر والبعض الآخر يتغذى على المحاصيل الجافة التي كانت تقدم سابقا للحيوانات! تحولت حياة الأطفال في السودان إلى فيلم رعب كبير لا يستطيعون تبين تفاصيله، فهم لا يفهمون لماذا تلقي الطائرات تلك البراميل المتفجرة التي تحرق منازلهم وأهلهم فقط يعلمون أنه يجب عليهم الركض حال سمعوا صوت هدير محركات إحداها، اختفت تلك التلويحات البريئة للسماء، فما عادت طائراتها تحمل الأحبة الذين يجب التوقف لتوديعهم، بل باتت تجلب الموت في أبشع صورة! القذائف التي تُطْلَق بدون تمييز للمدنيين هي أيضا باتت خطرا داهما يحاصر المناطق التي ما زال بها مواطنون لا يملكون ثمن الرحيل لمجهول آخر بعيدا عن هذه الأهوال! أكثر من ١٧ مليون طفل هم خارج العملية التعليمية، بحسب منظمة اليونسيف، لم يعد الصباح يرتبط برن جرس الطابور الصباحي، ولم يعد العلم يرفرف في سلام وسط ساحات المدارس ليهتفوا له حتى تقفز عروق حلوقهم، لم يعد هناك كراس للرسم أو قلم، بل لم يعد هناك فراش ينامون عليه، ويحلمون بقصص خيالية، فملايين الأطفال الذين اضطروا للفرار مع أهلهم يسكنون في العراء ويلتحفون السماء تحت الهجير والمطر والعواصف لا ملابس تقي ولا حوائط تستر! فمعظم الأسر اضطرت للركض بحياتها وحياة أطفالها بالملابس التي عليهم سيرا على الأقدام لمسافات تصل لأيام، في بعض الحالات يموت هؤلاء اليفع الذين لا طاقة لهم بمجابهة كل هذا الرهق. المستقبل المظلم وغياب المدارس دفع عددا من الأطفال في سنوات المراهقة الأولى لحمل السلاح والانضمام إلى أحد طرفي النزاع، وظهرت صور كثيرة وفيديوهات لأطفال لم ينبت شعر شواربهم بعد؛ يقودون سيارات قتالية تتبع لقوات الدعم السريع، أو يظهرون في فيديوهات من داخل العمليات العسكرية، وهم يحملون بنادق يقترب حجمها من طولهم، وفي الناحية الأخرى تظهر فيديوهات لأطفال ينشدون أناشيد جهادية، ويربطون على جباههم شرائط الجهاديين بعضهم يحمل السلاح، لكنهم لم يظهروا في ساحات المعارك. هكذا يتراوح حال الأطفال في السودان بين الجوع والمرض والعوز والمستقبل المجهول! هناك أطفال كثر تحولوا لأيتام بفقد المعيل، أطفال آخرون انفصلوا عن أسرهم وسط الركض المجنون من الخطر يظهرون في مدن بعيدة عن مدنهم الأصلية لا يعرفون معلومات كافية عن ذويهم أو أرقام الهواتف لا بد أن البعض يتعرض للابتزاز والاستغلال الجنسي. مشاهد الموت والدمار وعسف العسكر والعنف والقتل والدماء التي تعرض إليها هؤلاء الأطفال صنعت لديهم ذاكرة مؤلمة عن الحياة لا أعتقد بأنهم يملكون القدرة على التشافي منها يوما، ووسط انعدام أساسيات الحياة بات الحديث عن العلاج النفسي مجرد رفاهية بعيدة المنال. واقع الصراع العنيف الذي اجتاح معظم الولايات السودانية؛ منع فرصة تلقي اللقاحات الضرورية للمواليد والأطفال، فعادت الأمراض التي قضى عليها العالم منذ عشرات السنين للظهور، ومع التردي البيئي وانتشار الجثث التي لم تجد قبرا يسترها مع استهداف طرفي الحرب لمصادر المياه النظيفة والكهرباء إلى جانب المخلفات الحربية، خلق بيئة مواتية لانتشار الأمراض الجديدة، فمات الأطفال بالكوليرا والحميات، وانتشرت أمراض غريبة في العيون! الأطفال المحظوظون الذين استطاعت أسرهم الفرار خارج السودان يعانون صدمات نفسية كبيرة فبين ليلة وضحاها غادروا منازلهم التي يعتادونها وفارقوا أصدقاءهم، وانتقلوا إلى بيئات جديدة ومدارس جديدة ومعلمين جدد، وجدوا أنفسهم في مقابل تغييرات هائلة لا تستطيع عقولهم التعامل معها وأيضا يعتبر العلاج النفسي رفاهية لأغلب الأسر التي اضطرت للانتقال إلى دول جديدة ترتفع فيها متطلبات الحياة. المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع محكوم على طلاب المرحلة الثانوية؛ خاصة الذين يريدون الالتحاق بالجامعة بتوقف التعليم؛ لأن الدولة لن تعد مراكز امتحانات فيها، وعندما حاول أحد الطلاب الانتقال من مناطق سيطرة الدعم السريع بولاية كردفان مدينة النهود ليحاول الجلوس لامتحان الشهادة السودانية قُبِض عليه؛ لأنه من "حواضن" الدعم السريع، وحكم عليه بالسجن ٥ أعوام كانت كافية لأن يتخرج من الجامعة، ويغير الظروف التي لم يخترها! لا يعرف الأطفال لماذا يتقاتل هؤلاء العسكريون، ويدمرون منازلهم ويقتلون أهلهم؟ لماذا تقفل المدارس؟ ولماذا مات أحد الأصدقاء مقطعا لأشلاء؟ لا يفهمون أين ذهب الطعام والشراب ولماذا تبكي الأمهات دون توقف؟ الكثير من الأسئلة التي لا يملك حتى الأهل الإجابة عليها، أما السؤال الأكبر الذي يعجز الجميع عن الرد عليه متى يتوقف كل هذا الجنون الذي يدفع تكاليفه ملايين الأطفال، ويتحمل تبعاته وطن سيفقد السواعد التي ستبنيه غدا؛ لأنها اليوم حرمت من الطعام والتعليم، مصيرهم الموت والجهل ما يرجح استمرار دوائر الصراعات المسلحة؛ لأن الأطفال سيرثون عبئا ثقيلا متمثلا في الغبائن القبلية، وتطفو روح الانتقام التي ستلقيهم في دوامات حروب أهلية لا متناهية.
795
| 12 ديسمبر 2024
من أقسى قصص الحرب التي نضطر لكتابتها كصحفيات هي توثيق حالات الاعتداء الجنسي، تختلط لديك المشاعر، وأنت تسأل ضحية عما تعرضت له بين الغضب والحزن والألم والإحباط في مجتمع محافظ مثل السودان تعتبر فيه النساء «عورة» يجب ألا يخرج صوتها، ولا تتحدث وعندما تتعرض لانتهاك وعنف جنسي تعامل كأنها جانية في كثير من الأحيان، وتسلب حقها في الدفاع عن نفسها، وفي الحصول على العدالة، وتمنع حتى من التبليغ عن الجريمة، حتى لا ترتبط الوصمة والعار باسم العائلة لأزمان طويلة. في كافة الحروب التي اندلعت في السودان؛ منذ حرب الجنوب وحروب دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، كانت تتعرض النساء لانتهاكات تشمل كافة أنواع العنف الجنسي من تحرش وعنف لفظي وصولا للاغتصاب، وظهر بصورة ممنهجة في حرب دارفور بهدف إضعاف المجتمعات وإذلالها، وربما بهدف إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة. كل اتفاقيات السلام التي وُقِّعَت مع فصائل دارفور لم تنصف ضحايا العنف الجنسي؛ آخرها اتفاقية سلام جوبا التي وُقِّعَت بعد الثورة السودانية، ومع شمولها على بروتوكولات حول العدالة، إلا أن القيادات العسكرية للحركات الموقعة تزاحمت على كراسي السلطة واقتسام الثروة، ولم تتم محاكمة أي جندي أو قائد عسكري في جرائم الانتهاكات الجنسية. هذا الإفلات المتكرر من العقاب جعل الجرائم تتطور وتزيد رقعتها لتشمل معظم ولايات السودان في الحرب الحالية، هناك نساء في دارفور تعرضن للاغتصاب إبان حرب 2003، ثم تعرضن للاغتصاب مرة أخرى بعد عشرين عاما، والبعض ممن خضن تلك التجربة المريرة عادت بناتهن لعيشها مجددا! في حلقة مستمرة من الإذلال والإهانة للكرامة الإنسانية. لم تنحصر جرائم العنف الجنسي في الاغتصاب فقط في حرب 15 أبريل؛ بل تطورت لتشمل العبودية الجنسية حيث تحبس النساء، ويُغْتَصَبْن بصورة متكررة، ذات الألم والقرف مرات ومرات. وهناك تقارير تتحدث عن عمليات بيع وشراء للنساء أعادتنا قرونا للوراء لزمن أسواق النخاسة!. هناك فتيات يجبرن على الزواج في سنوات صغيرة تضيع حياتهن وآمالهن بليلة الزفاف والثوب الأبيض، وترهن حياتها بالعيش مع عسكري في وقت صراع، ولا تعرف ماذا يحدث غدا، وربما ينتج عن هذا الزواج القسري أطفال يعيشون بلا هوية. وبالفعل تم تسجيل ولادة 26 طفلا نتيجة الاغتصابات وفق منظمات نسوية فيما يعتبرون أن الرقم الحقيقي يمثل خمسة أضعاف الرقم الحالي، لكن النساء المحاصرات في مناطق الحرب لا يتمكن من الوصول لمناطق الخدمات الطبية؛ وبالتالي لا يمثلن رقما في الإحصاءات. هذا الوضع ينطبق أيضا على إحصاءات العنف الجنسي والاغتصاب، تم تسجيل أكثر من 300 حالة اغتصاب في السجلات الرسمية، لكن التوقعات تقول إن هذا الرقم لا يمثل أكثر من 1% من الأعداد الحقيقية وعدم توفر الخدمات يمثل حاجزا أمام تسجيل هذه الحالات من جهة فيما تمثل عقبة العادات والتقاليد حاجزا منيعا ضد التبليغ وحتى البحث عن العلاج الذي يُمْنَح بعد الاغتصاب لمنع الأمراض وحدوث حمل. أما العلاج النفسي للضحيات، فهو يعتبر رفاهية وسط ما يدور من حروب مستمرة وانتقال ملايين المواطنين إلى دور إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة والغذاء والدواء ما يراكم العذابات النفسية في نفوس الفتيات والنساء، ويسبب الإحباط والاكتئاب في صمت. أشارت التقارير إلى وفاة فتيات نتيجة تهتكات في الرحم، وذلك لأن هناك الكثير من عمليات الاغتصاب الجماعية، حيث تنقض الذئاب العسكرية في جماعات تصل إلى سبعة أفراد على جسد فتاة صغيرة متهالكة يتناوبون على اغتصابها حتى الموت!. من أكثر الأشياء المؤلمة هو تراوح أعمار المغتصبات بين 6 أعوام و70 عاماً! الطفلات يواجهن هذا الانتهاك الكبير كما تمر بهذه التجارب نساء كبيرات في السن في عمر الجدات ما يكشف عن عدم ارعواء القوات المقاتلة وعدم مراعاة أي حرمة؛ لا رأفة بصغير ولا احترام لشيب. الاتهامات تطول بصورة أكبر قوات الدعم السريع التي تقول وحدة مكافحة العنف ضد المرأة إنها تتحمل نسبة 97 % من حالات العنف الجنسي بحسب الإحصاءات ووصف الملابس التي يرتديها الجنود وغيرها من المؤشرات، فيما يتحمل الجيش السوداني ومدنيون مسلحون نسبة 3 % من تلك الحالات، هذا وقد كشفت تقارير إعلامية تورط عاملين في المجال الإنساني في استغلال النساء وتقديم المساعدات مقابل الجنس!. العنف الجنسي المرتبط بالنزاع هو ليس تفلتات جنود، بل هو عمليات ممنهجة يقصد بها إذلال المجتمعات وإضعافها وإضعاف الجنود المقاتلين في الطرف الآخر، وفي بلد مثل السودان يعتبر سلاحا فتاكا يستطيع أن يؤثر في استمرار القتال وتطويره وتحويله من صراع بين قوات مسلحة إلى حرب أهلية يسعى فيها المواطنون للثأر؛ مما تعرض له العرض، وكان هذا ظاهرا في ظهور قوات مسلحة جديدة من ولاية الجزيرة بعد الاجتياح الواسع الذي قامت به قوات الدعم السريع. الحرب تنتهي في آخر الأمر، ما دُمِّر من مبان وجسور يُرَمَّم، لكن تأثير العنف الجنسي على المجتمعات يمتد لأعوام طويلة، ويرتبط بأجيال وأجيال في مجتمعات متقاربة متضامنة مثل الشعب السوداني، إذ لا يوجد بينها ما يعرف بالسر، وعلى الرغم من التكتم الكبير الذي تحيط به المنظمات توثيق حالات العنف الجنسي، والأسماء المستعارة التي نمنحها نحن في الإعلام للضحايا، إلا أن الأخبار تنتشر والوصمة ترتبط بالعائلة، وفي حالات الإنجاب يكون الأمر واضحاً وهو ما يفتح سؤالا كبيرا حول واقع ومستقبل هؤلاء الأطفال، كيف سيعيشون في هذا المجتمع؟ وهل ستكتب لهم النجاة؟ هل ستقوم أمهاتهم بإرضاعهم؟ هل سيحصلون على أوراق ثبوتية؟ هذه الأسئلة وغيرها تتطلب شجاعة كبرى من المجتمع لمواجهتها والرد عليها لرسم مستقبل هؤلاء الذين لا ذنب لهم لولادتهم من أب منتهك وأم ضحية!.
990
| 03 ديسمبر 2024
عرفت منطقة الجزيرة في وسط السودان بطيبة أهلها، حتى سميت (أرض المحنة)، فالولاية التي اشتهرت باحتضانها لأكبر مشروع مروي في إفريقيا «مشروع الجزيرة» جعلها منطقة خيرات وخضرة وجمالاً، واشتهر ساكنوها بالكرم، فالبيوت الواسعة مشرعة مستعدة لاستقبال الضيوف، وفي شهر رمضان يقفون في الطرق الرئيسة يجبرون العابرين على النزول من سياراتهم والمواصلات العامة لتناول وجبة الإفطار في جلسات توضع على الطرق العامة في مشاهد مؤثرة تملؤها النخوة والشهامة والكرم الأصيل. بعد اندلاع الحرب في الخرطوم استقبلت الجزيرة التي تقع غير بعيد عن ولاية الخرطوم وتعداد سكانها يقدر بـ 5 ملايين نسمة أغلبهم يعملون في الزراعة، استقبلت عشرات آلاف الفارين من العاصمة الذين وجدوا أنفسهم وسط نيران المتقاتلين من الجيش والدعم السريع خاصة قاطني أحياء جنوب الخرطوم، اقتسموا معهم اللقمة، وأسكنوهم في منازلهم، وعاشوا آمنين حتى دخول الدعم السريع في ديسمبر من العام الماضي، فبدأت رحلات نزوح جديدة ومضنية لأهل الجزيرة والمحتمين بها من ولاية الخرطوم. بعض مناطق شرق الجزيرة التي ينتمي إليها القائد أبوعاقلة كيكل، القائد الأول للدعم السريع بالجزيرة، الذي انشق مؤخرا كانت مستقرة إلى حد ما؛ فيما عانت القرى التي تقع في غرب الولاية من انتهاكات واسعة تشمل القتل والسرقات وإهانة كبار السن والنساء اللاتي يُهَدَّدْن بوضع السلاح على رؤوس أطفالهن ليخرجن الذهب والأموال. هناك صمت رهيب حول حوادث العنف الجنسي في منطقة تعتبر من أكثر الولايات المحافظة، ووفق رئيسة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة سليمى إسحاق يرفض الأهالي التبليغ أو طلب الخدمات الصحية لبناتهن خوفا من الوصمة، فلم تُسَجَّل حالات الاغتصاب التي حدثت فيها بصورة رسمية في قائمة تضم حتى آخر إحصائية 306 حالات عنف جنسي فيما كشفت منظمات عن ولادة 26 طفلا من عمليات اغتصاب، في أكتوبر الماضي أعلن القائد «كيكل» الذي كان ضمن قوات درع الشمال انضمامه رسميا للجيش وهنا بدأ فصل جديد من الوحشية والبربرية من قوات الدعم السريع ضد سكان القرى التي اعتبروها مناطق قبيلته وعشيرته، فتم تهجير أكثر من 400 قرية بالكامل، ووفق شهود عيان يُمْنَحُون فرصة 48 ساعة لإخلاء منازلهم، وفي بعض الأحيان يُرَوَّعُون بإطلاق الرصاص العشوائي واستهداف الأطفال والنساء، فيفر الأهالي بصورة جماعية سيرا على الأقدام في رحلات طويلة تصل لأيام يموت خلالها من لا يستطيع التحمل من كبار سن وأطفال في اتجاه الولايات الشمالية والشرقية في مسافات تتراوح بين 60-100 كلم. في قرية تسمى السريحة يقول المواطنون إنه تم استهداف الذكور بالقتل، وكانت النتيجة أن أقدم عدد من النسوة على الانتحار خوفا من المصير المجهول والاستهداف بالاغتصاب! امتلأت الوسائط الاجتماعية بفيديوهات صورها جنود الدعم السريع بأنفسهم لرجال يُحْتَجَزُون في المساجد، ويمنعون من المغادرة، إهانات لكبار سن بجذبهم من لحاهم والسخرية منهم. «أنتم أهل كيكل» هكذا يقولون لهم؛ ولهذا جاء الانتقام عنيفا ووحشيا! أما قرية الهلالية، فتشهد حصاراً محكما من القوات التي جمعت المواطنين الذين يبلغ تعدادهم حوالي ٣٠ الف نسمة في مساجد المدينة مثل مسجد الشيخ الطيب ود المرين أكبر رجال الطرق الصوفية في السودان. ولقي أكثر من 500 شخص حتفهم بينهم 93 طفلاً و293 امرأة وفق إحصاءات نشرها «مؤتمر الجزيرة»، ليس الرصاص هو الحاصد الوحيد للأرواح، لكن انتشرت حالة من التسمم يتهم فيها «مؤتمر الجزيرة» غذاء، وزعته قوات الدعم السريع يشتبه في أنه مسموم، فيما تحصد الكوليرا التي انتشرت وسط انعدام مصادر المياه النظيفة كل يوم أعدادا كبيرة من الأرواح. في أكثر من 400 قرية قصص مروعة تقشعر لها الأبدان، لكن قصة الطفل «مهند» الذي انتزعته القوات من حضن أمه، وألقته في مياه خزان الشريف مختار، مجرى مياه رئيس عمقه أكثر من 5 أمتار هزت أهل قريته «التومسة» وزلزلت قلب كل أم! أما مياه «الترع» «ممرات مائية واسعة إلى حد ما تستخدم لري المشاريع الزراعية» اُسْتُخْدِمَت لإغراق منازل المواطنين في بعض قرى جنوب الجزيرة منها «الزناندة جبارة» و»الزناندة فضل السيد». لكل قرية قصص مأساوية مؤلمة تحولت الجزيرة من أرض «المحنة» التي تغنى لها المغنون إلى أرض محنة كبيرة، كخنجر يشق قلب المحبين لها وعارفي فضلها، فيبكون عليها بدل الدموع دما! الكثير من الوسوم في وسائط التواصل الاجتماعي تصرخ طلبا للمساعدة ووقف النزيف، لكن صوت الرصاص هو الأعلى فلا مجيب ولا مستجيباً!
969
| 26 نوفمبر 2024
أكملت حرب السودان عاما ونصف العام، دون أن تلوح في الأفق بادرة للسلام لوقفها مع إصرار قوات الجيش والدعم السريع على الحسم العسكري الذي تؤكد خريطة الحراك العسكري استحالته واقعيا! فطوال عام ونصف العام تتقدم قوات الدعم السريع نحو مناطق، ثم يستعيد الجيش سيطرته عليها وغالبا ما تكون تلك التحركات في مناطق جغرافية محصورة مثلما حدث من استرداد الجيش لمباني الإذاعة السودانية بمدينة أمدرمان وبعض الأحياء المحيطة بها، لكنه لم يتمكن من بسط سيطرته الكاملة على المدينة التي تعد واحدة من مدن العاصمة الثلاث فيما يتشارك الطرفان السيطرة على مرافق استراتيجية مثل مطار الخرطوم الدولي الذي تنشر القوات المسلحة السودانية صورا وفيديوهات من داخله، وتبادلها قوات الدعم السريع بنشر فيديوهات من إحدى حظائر الطائرات! هذا هو واقع الحال في العديد من مناطق السودان التي وصلتها الحرب. * حرب الجيش والدعم السريع أجبرت ١٣ مليون سوداني على الفرار من مدنهم وقراهم والنزوح داخليا من ولاية لأخرى بعضهم نزح مرتين وثلاثا في رحلات طويلة بعضها على الأقدام وبعضها على ظهر الدواب خاصة مع سرقة قوات الدعم السريع للسيارات في أي منطقة تدخل إليها، وبعض المواطنين يضطرون لقطع الأنهر الموسمية سباحة؛ حيث أفادت شابة من مدينة الدندر بقطع ١٧ فتاة من عائلتها الممتدة لنهر الدندر سباحة هربا من قوات الدعم السريع فور دخولها المنطقة في يوليو الماضي لجهة انتشار أخبار جرائمها الجنسية التي ارتكبتها في كل المناطق التي استباحتها. وفر ٣ ملايين آخرين إلى دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان ومصر وليبيا وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا، البعض يسافر بطرق غير قانونية يتعرض خلالها لمخاطر الموت عطشا في الصحراء، أو يقع فريسة لتجار تهريب البشر. وبالنسبة لمن نزحوا للولايات السودانية الأخرى يواجهون ظروفا بالغة التعقيد متعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الإيجارات، فيلجأ البعض للسكن في مدارس أو مبان إدارية يواجهون فيها نقص المرافق الصحية وانعدام الخصوصية خاصة بالنسبة للنساء! * فقد معظم أفراد الشعب السوداني وظائفهم الحكومية، أو في القطاع الخاص، وباتوا مواجهين بالجوع في انتظار الإغاثات التي تباع في الأسواق حينا، وتتعرض للنهب أحيانا أخرى، مع انعدام المياه النظيفة والرعاية الطبية وسط تردي بيئي بالغ السوء تسببت فيه الجثث التي انتشرت في الطرقات لأسابيع، وربما أشهر قبل أن تُدْفَن إلى جانب تأثير المخلفات العسكرية ما جعل الأوبئة مثل الكوليرا وأمراض العيون الغريبة والحميات والملاريا تنتشر مثل النار في الهشيم. تحول السودان الذي كان يسمى في كتب الجغرافيا المدرسية «سلة غذاء العالم» إلى مكان مغفر يعاني نصف سكانه من الجوع الشديد، وأُعْلِنَت المجاعة بالفعل في معسكر زمزم للنازحين في دارفور حيث صور الأطفال الذين تحولت أجسادهم لهياكل عظمية، جلدا على عظم تهز الضمائر الحية التي يتساءل عنها أهل السودان: أين العالم مما يعانيه هذا الشعب الذي عرف بكرمه وأخلاقه وكبريائه وسط شعوب العالم؟ تجمع النساء في بعض مناطق دارفور الحشرات مثل الجراد لتقديمها غذاء لأطفالها، بينما يعتمد عدد هائل من السكان على المخلفات الزراعية في الغذاء، تلك التي كانت تقدم علفا للحيوانات! * العبء الأكبر في هذه الحرب تتحمله النساء؛ يحاولن المحافظة على أرواح أفراد العائلة بشتى الطرق، يؤدين أدوارا ويتحملن مسؤوليات لم تكن جزءا من أعبائهن سابقا، يواجهن ظروفا قاسية في النزوح والحركة والعيش في مخيمات ودور إيواء يفتقرن فيها لأدنى مقومات احتياجاتهن الخاصة، ففي بعض مناطق دارفور استخدمت النساء أوراق الشجر للتعامل مع عاداتهن الشهرية! فيما لا تجد الحوامل والمرضعات الغذاء المناسب والكافي ولا أي نوع من الرعاية الصحية حتى في أثناء الولادة أحيانا! غطت الحروب الأخرى، الأوكرانية وحرب غزة ولبنان على أخبار الحرب السودانية، وربما يعود السبب أيضا إلى تعريفها وفق القانون الدولي الذي يسميها نزاعا مسلحا غير دولي، فأبناء الوطن الواحد يتقاتلون ويضيع المواطن السوداني الذي لا حول ولا قوة له !!
519
| 18 نوفمبر 2024
مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين...
3129
| 22 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من...
939
| 24 أبريل 2026
جبل الانسان بالفطرة على نبذ العنف وكره الظلم...
681
| 25 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو...
651
| 27 أبريل 2026
بدأت ملامح التحولات التي قد تُحدثها الحرب الأخيرة...
606
| 26 أبريل 2026
أبارك لشبكة الجزيرة إطلاق قناة الجزيرة 2-المخصصة للبرامج...
588
| 25 أبريل 2026
خلقنا الله تعالى بفطرة سليمة وقلوب نقية، ومنحنا...
555
| 21 أبريل 2026
يعتقد الكثيرون منا أن وجود عدو في حياتنا...
528
| 21 أبريل 2026
يدخل مسار إسلام آباد 2 لحظة مفصلية لا...
441
| 21 أبريل 2026
في لحظة مفصلية يشهدها قطاع التدريب في دولة...
432
| 23 أبريل 2026
في ذاكرة مجتمعنا الخليجي، هناك صورة نمطية جميلة...
411
| 21 أبريل 2026
أتساءل أحيانًا: كيف كان يمكنني مواجهة هذا كله...
408
| 26 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل