رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل محمد الحسن

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

558

أمل محمد الحسن

الحرب المنسية

10 يناير 2025 , 04:28م

في الوقت الذي يحتفل العالم باستقبال عام جديد وسط أفراح وألعاب نارية ومهرجانات يعيش السودانيون وسط فوضى الحرب ويفقدون في كل يوم يمر الأمل في إمكانية العودة، ويقضون وقتهم في النحيب والبكاء على الفقد اليومي للأحبة والأهل والصغار. من لا يموت بالرصاص في السودان يموت بالمرض أو الجوع أو القهر، للموت ألف طريق وألف سبب وسط استمرار النزاع المسلح الذي طال معظم ولايات السودان والمناطق التي لم يصل لها حريق الحرب وصلها البؤس المتمثل في غلاء الأسعار وتكدس النازحين في المدارس والمراكز الصحية والعراء.

يكاد الأمل يكون منعدما في نهاية الحرب والاستقرار مع فشل كافة محادثات السلام ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الثاني، بات صوت الحرب هو الأعلى، وكل من ينادي بالسلام ووقف الحرب يُوصَم بالعمالة والخيانة للوطن! على الرغم من تاريخ السودان الطويل مع الحروب التي تطاولت لعقود في جنوب البلاد وغربها، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، لم يحدث أن انتهت حرب بالحسم العسكري مهما تطاول أمدها، كانت دائما تنتهي في طاولات المفاوضات وهو تاريخ على ما ترك ندوبا في جسد البلاد التي فصلت جزءا كبيرا منها من الأجدى الاعتبار به والاستفادة منه في رسم ملامح مستقبل يختلف عن الماضي الأليم!

مناخ الحرب يجعل أصوات المطالبة بالانفصال تتعالى وتصدح بلا استحياء لوضع مشرط التقسيم مرة أخرى في جسد البلاد العليل والدعاية الحربية تزيد إشعال النيران، وتزيد الفرقة بين أبناء الوطن الواحد الذين عاشوا طوال تاريخ السودان الحديث منذ الاستعمار في مناخ جغرافي ونفسي متقارب مع تداخل في الأنساب والعلاقات الاجتماعية والثقافة والتقاليد بصورة تجعل من المستحيل على أمهر جراح أن يجد موضعاً لقطع مكان معزول لا يوجد فيه تداخل وتصاهر.

التنوع من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على أهل السودان، تنوع في السحنات والقبائل والألسن والمطبخ، ويوازي هذا التنوع البشري اختلاف بيئي ومناخي مثير للدهشة بين الصحراء وشبه الصحراء والمناخات المطيرة، الجبال والسهول مع وفرة في المحاصيل الزراعية والمواشي والحيوانات المفترسة والكثير من مناطق السياحة.

صحيح هناك أطماع كبيرة في الموارد السودانية على رأسها الذهب الذي كان يغذي الحرب الروسية الأوكرانية إلى جانب الأنظار التي تتقافز على ساحل البحر الأحمر الاستراتيجي والأراضي الزراعية الضخمة خاصة مع الحدود الأثيوبية كلها موارد وخيرات تجعل لعاب دول كثيرة تسيل ويحفزها على التدخل في الشأن الداخلي؛ مما جعل كثيراً من الدول تمول طرفي الحرب طمعا في التسلط على الحكومة وتسييرها وفق رغبتها أو دعما للتنظيم الإسلاموي الذي حكم البلاد طوال ثلاثة عقود لينتعش ويستطيع العودة إلى كرسي الحكم بعد أن أسقطته ثورة شعبية جارفة وبعض الدول تنظر لقوات الدعم السريع على أنها سيفها الباتر الذي تستطيع أن تصفي عبره خصومها الإقليميين، وتتمكن عبره من التوغل في البلاد والتحكم في مواردها، وكل هذا التمويل الحربي يدفع فاتورته المواطن السوداني البسيط المغلوب على أمره.

عام جديد يطل على العالم والسودانيون يرزحون تحت وطأة الجوع والعازة وسط إنكار رسمي لوجود أزمة ومتاريس في طريق الإغاثة الإنسانية تمنعها من الوصول لمناطق سيطرة أحد طرفي الصراع فيما تحصد البراميل المتفجرة التي يسقطها الطيران الحربي أرواحا بلا حساب، وتحرق مناطق واسعة، ومن جهة ثانية تقضي المدافع التي تطلقها قوات الدعم السريع على كل ما يصادفها.

بدلا عن الألعاب النارية التي تتألق في سماوات الدول الهادئة يستقبل السودانيون أمطار الرصاص والأسلحة الثقيلة والقصف يموتون بلا حساب فيما ينتظرهم شتاء طويل بلا مأوى ولا غطاء.

وسط كل هذه المآسي التي تحيط بحاضر الشعب السوداني هناك مخططات تلوح في الأفق لتشكيل حكومة مدنية في مناطق سيطرة الدعم السريع ومخاوف من تكرار النموذج الليبي في انقسام البلاد بين مناطق سيطرة خاصة وأن السودان سلفا به مناطق سيطرة خارج يد الحكومة المركزية لأعوام طويلة في جبال النوبة ما يعرف بالمناطق المحررة تحت سيطرة الحركة الشعبية شمال، ومناطق جبال مرة أيضا بها إدارة مدنية منفصلة عن الحكومة المركزية إلى حد كبير، وتقع تحت سيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور.

وجود حكومة جديدة في مناطق سيطرة الدعم السريع ستخلق حالة وجود 4 حكومات في بلد يعيش صراعا مسلحا هو الأعنف من نوعه منذ الاستقلال؛ لأنه شل حركة الدولة، ونقل الحكومة من العاصمة الخرطوم لولاية البحر الأحمر، وأغلق معظم المصانع والأعمال التجارية، وأوقف الحركة الزراعية في كثير من المشاريع، وبينما كان يتم زرع أكثر من مليون فدان تحتفل حكومة بورتسودان بزرعة 17 ألف فدان فقط!.

[email protected] 

مساحة إعلانية