رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل محمد الحسن

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

1062

أمل محمد الحسن

حرب على أجساد النساء

03 ديسمبر 2024 , 02:00ص

من أقسى قصص الحرب التي نضطر لكتابتها كصحفيات هي توثيق حالات الاعتداء الجنسي، تختلط لديك المشاعر، وأنت تسأل ضحية عما تعرضت له بين الغضب والحزن والألم والإحباط في مجتمع محافظ مثل السودان تعتبر فيه النساء «عورة» يجب ألا يخرج صوتها، ولا تتحدث وعندما تتعرض لانتهاك وعنف جنسي تعامل كأنها جانية في كثير من الأحيان، وتسلب حقها في الدفاع عن نفسها، وفي الحصول على العدالة، وتمنع حتى من التبليغ عن الجريمة، حتى لا ترتبط الوصمة والعار باسم العائلة لأزمان طويلة.

في كافة الحروب التي اندلعت في السودان؛ منذ حرب الجنوب وحروب دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، كانت تتعرض النساء لانتهاكات تشمل كافة أنواع العنف الجنسي من تحرش وعنف لفظي وصولا للاغتصاب، وظهر بصورة ممنهجة في حرب دارفور بهدف إضعاف المجتمعات وإذلالها، وربما بهدف إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة.

كل اتفاقيات السلام التي وُقِّعَت مع فصائل دارفور لم تنصف ضحايا العنف الجنسي؛ آخرها اتفاقية سلام جوبا التي وُقِّعَت بعد الثورة السودانية، ومع شمولها على بروتوكولات حول العدالة، إلا أن القيادات العسكرية للحركات الموقعة تزاحمت على كراسي السلطة واقتسام الثروة، ولم تتم محاكمة أي جندي أو قائد عسكري في جرائم الانتهاكات الجنسية.

هذا الإفلات المتكرر من العقاب جعل الجرائم تتطور وتزيد رقعتها لتشمل معظم ولايات السودان في الحرب الحالية، هناك نساء في دارفور تعرضن للاغتصاب إبان حرب 2003، ثم تعرضن للاغتصاب مرة أخرى بعد عشرين عاما، والبعض ممن خضن تلك التجربة المريرة عادت بناتهن لعيشها مجددا! في حلقة مستمرة من الإذلال والإهانة للكرامة الإنسانية.

لم تنحصر جرائم العنف الجنسي في الاغتصاب فقط في حرب 15 أبريل؛ بل تطورت لتشمل العبودية الجنسية حيث تحبس النساء، ويُغْتَصَبْن بصورة متكررة، ذات الألم والقرف مرات ومرات. وهناك تقارير تتحدث عن عمليات بيع وشراء للنساء أعادتنا قرونا للوراء لزمن أسواق النخاسة!.

هناك فتيات يجبرن على الزواج في سنوات صغيرة تضيع حياتهن وآمالهن بليلة الزفاف والثوب الأبيض، وترهن حياتها بالعيش مع عسكري في وقت صراع، ولا تعرف ماذا يحدث غدا، وربما ينتج عن هذا الزواج القسري أطفال يعيشون بلا هوية.

وبالفعل تم تسجيل ولادة 26 طفلا نتيجة الاغتصابات وفق منظمات نسوية فيما يعتبرون أن الرقم الحقيقي يمثل خمسة أضعاف الرقم الحالي، لكن النساء المحاصرات في مناطق الحرب لا يتمكن من الوصول لمناطق الخدمات الطبية؛ وبالتالي لا يمثلن رقما في الإحصاءات.

هذا الوضع ينطبق أيضا على إحصاءات العنف الجنسي والاغتصاب، تم تسجيل أكثر من 300 حالة اغتصاب في السجلات الرسمية، لكن التوقعات تقول إن هذا الرقم لا يمثل أكثر من 1% من الأعداد الحقيقية وعدم توفر الخدمات يمثل حاجزا أمام تسجيل هذه الحالات من جهة فيما تمثل عقبة العادات والتقاليد حاجزا منيعا ضد التبليغ وحتى البحث عن العلاج الذي يُمْنَح بعد الاغتصاب لمنع الأمراض وحدوث حمل.

أما العلاج النفسي للضحيات، فهو يعتبر رفاهية وسط ما يدور من حروب مستمرة وانتقال ملايين المواطنين إلى دور إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة والغذاء والدواء ما يراكم العذابات النفسية في نفوس الفتيات والنساء، ويسبب الإحباط والاكتئاب في صمت.

أشارت التقارير إلى وفاة فتيات نتيجة تهتكات في الرحم، وذلك لأن هناك الكثير من عمليات الاغتصاب الجماعية، حيث تنقض الذئاب العسكرية في جماعات تصل إلى سبعة أفراد على جسد فتاة صغيرة متهالكة يتناوبون على اغتصابها حتى الموت!.

من أكثر الأشياء المؤلمة هو تراوح أعمار المغتصبات بين 6 أعوام و70 عاماً! الطفلات يواجهن هذا الانتهاك الكبير كما تمر بهذه التجارب نساء كبيرات في السن في عمر الجدات ما يكشف عن عدم ارعواء القوات المقاتلة وعدم مراعاة أي حرمة؛ لا رأفة بصغير ولا احترام لشيب.

الاتهامات تطول بصورة أكبر قوات الدعم السريع التي تقول وحدة مكافحة العنف ضد المرأة إنها تتحمل نسبة 97 % من حالات العنف الجنسي بحسب الإحصاءات ووصف الملابس التي يرتديها الجنود وغيرها من المؤشرات، فيما يتحمل الجيش السوداني ومدنيون مسلحون نسبة 3 % من تلك الحالات، هذا وقد كشفت تقارير إعلامية تورط عاملين في المجال الإنساني في استغلال النساء وتقديم المساعدات مقابل الجنس!.

العنف الجنسي المرتبط بالنزاع هو ليس تفلتات جنود، بل هو عمليات ممنهجة يقصد بها إذلال المجتمعات وإضعافها وإضعاف الجنود المقاتلين في الطرف الآخر، وفي بلد مثل السودان يعتبر سلاحا فتاكا يستطيع أن يؤثر في استمرار القتال وتطويره وتحويله من صراع بين قوات مسلحة إلى حرب أهلية يسعى فيها المواطنون للثأر؛ مما تعرض له العرض، وكان هذا ظاهرا في ظهور قوات مسلحة جديدة من ولاية الجزيرة بعد الاجتياح الواسع الذي قامت به قوات الدعم السريع.

الحرب تنتهي في آخر الأمر، ما دُمِّر من مبان وجسور يُرَمَّم، لكن تأثير العنف الجنسي على المجتمعات يمتد لأعوام طويلة، ويرتبط بأجيال وأجيال في مجتمعات متقاربة متضامنة مثل الشعب السوداني، إذ لا يوجد بينها ما يعرف بالسر، وعلى الرغم من التكتم الكبير الذي تحيط به المنظمات توثيق حالات العنف الجنسي، والأسماء المستعارة التي نمنحها نحن في الإعلام للضحايا، إلا أن الأخبار تنتشر والوصمة ترتبط بالعائلة، وفي حالات الإنجاب يكون الأمر واضحاً وهو ما يفتح سؤالا كبيرا حول واقع ومستقبل هؤلاء الأطفال، كيف سيعيشون في هذا المجتمع؟ وهل ستكتب لهم النجاة؟ هل ستقوم أمهاتهم بإرضاعهم؟ هل سيحصلون على أوراق ثبوتية؟ هذه الأسئلة وغيرها تتطلب شجاعة كبرى من المجتمع لمواجهتها والرد عليها لرسم مستقبل هؤلاء الذين لا ذنب لهم لولادتهم من أب منتهك وأم ضحية!.

اقرأ المزيد

alsharq النحاس.. الحلقة المفقودة في سلسلة الصناعات المعدنية

يتركز الاهتمام عند الحديث عن الصناعات المعدنية دائماً على الحديد والألمنيوم، بينما يبرز معدن آخر تتسارع أهميته الإستراتيجية... اقرأ المزيد

159

| 23 يونيو 2026

alsharq أخلاقنا تعكس إنسانيتنا

نادتها لحمل الأكواب المتكدسة أمامنا فجاءت على عجالة، وقد استغربت شخصياً السرعة التي حضرت بها العاملة، وفجأة سمعنا... اقرأ المزيد

51

| 22 يونيو 2026

alsharq حينما يصبح التدخل «حقاً» والانكفاء حصانة

تعد ظاهرة "الازدواجية في المعايير" إحدى أعقد المشكلات التي تواجه النسيج الاجتماعي والفكري المعاصر، وتتجلى بوضوح في ميل... اقرأ المزيد

57

| 22 يونيو 2026

مساحة إعلانية