رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الانتماء الوطني ومسؤولية الكلمة

لا يعد الانتماء الوطني مفهوماً عاطفياً يُختزل في شعارات أو عبارات حماسية، بل يعتبر في جوهره موقفاً أخلاقياً ومسؤولية واعية تتجلى في السلوك اليومي وفي طريقة التعامل مع المعلومة والكلمة. وفي زمن تتدفق فيه الأخبار بسرعة غير مسبوقة، يغدو الحفاظ على صدقية الخطاب جزءاً أساسياً من معنى الولاء الوطني، فالشائعة ليست مجرد خبر غير دقيق يُتداول على عجل، بل قد تتحول إلى عامل إرباك اجتماعي يزرع القلق ويضعف الثقة بين الناس. ولهذا فإن التعامل المسؤول مع الأخبار والمعلومات لا يعد مسألة فردية بسيطة، بل يعتبر واجباً وطنياً يفرض على كل فرد أن يتحلى بالوعي والحذر قبل إعادة نشر أي خبر أو تعليق. لذلك، فإن الانتماء الوطني الحق، هو إدراك أهمية الكلمة، وأنها قد تبني وقد تهدم، وأن تداول الأخبار غير الموثقة قد يضر بالمجتمعات أكثر مما يبدو في الظاهر. ومن هنا يصبح التثبت من المعلومة قبل نشرها، والرجوع إلى المصادر الرسمية والموثوقة، سلوكاً يعكس قدراً عالياً من المسؤولية الوطنية، إن لم يكن ذلك تجسيداً للوطنية في عمق تعريفها. وهنا، يقتضي الحال، مراعاة المسؤولية المهنية والأخلاقية التي تستدعي أن يكون التطلع للمعرفة، مبنياً على معلومات دقيقة وليس على تخمين، مع التوقف طويلاً عند الترويج لخبر غير موثق أو تفسير متسرع للأحداث. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوعي الإعلامي لدى الأفراد، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي التي جعلت من كل مستخدم ناقلاً محتملاً للمعلومة، إذ إنه بمجرد إعادة نشر خبر دون التحقق منه قد يساهم في انتشار الشائعة بشكل واسع، حتى وإن كان ذلك بحسن نية. ومن هذا المنطلق، فإن التريث، والتحقق، والاعتماد على المصادر الموثوقة، تعد ممارسات تعكس وعياً جمعياً متقدماً، يحمي المجتمعات من الشائعات، الأمر الذي يعد مسؤولية مشتركة يتشارك فيها الجميع، انطلاقاً من مسؤولية كل فرد، في ظل عالم يموج بمنصات رقمية يمتلكها ويديرها أفراد، يمكن أن يصل محتواهم إلى الكافة، بفعل عنكبوتية الشبكة الإلكترونية. وتتجلى إحدى أهم صور الولاء في المسؤولية الأخلاقية تجاه الكلمة والمعلومة، ما يجعل التثبت من المعلومات قبل نشرها، والامتناع عن ترويج ما يفتقر منها إلى الدقة أو المصداقية، سلوكاً وطنياً يعكس احتراماً حقيقياً وحباً صادقاً للوطن ومؤسساته. وإجمالاً، يمكن القول إن الامتناع عن نشر الشائعات، والحرص على تداول المعلومات الدقيقة من الجهات المختصة، ليس مجرد سلوك فردي سليم فقط ، بل تعبير راقٍ عن الانتماء الحقيقي للوطن، فالوطن القوي يقوم على الثقة المتبادلة بين أفراده، وعلى خطاب عام يتسم بالصدق والمسؤولية، وعندما يصبح الوعي بالكلمة جزءاً من ثقافة المجتمع، تتحول المسؤولية الفردية إلى قوة جماعية تحمي الاستقرار وتعزز الثقة، وتؤكد أن الولاء للوطن لا يظهر فقط في المواقف الكبرى، بل في التفاصيل اليومية التي تبدأ بكلمة صادقة ومعلومات موثوقة من مصادرها.

144

| 11 مارس 2026

وعي المثقف

حين يكون الوطن حاضراً في الوجدان، يصبح وعي المثقف أكثر صفاءً واتساقاً، فالوطن ليس إطاراً خارجياً يتحرك فيه الإنسان فحسب، بل هو المعنى الذي يمنح الفكرة جذورها، والكلمة صدقها، والموقف ثباته. وفي حضرة الوطن، يتخذ الوعي بعداً مختلفاً، بعداً يتجاوز المعرفة المجردة إلى شعور عميق بالانتماء والمسؤولية. ولذلك فإن وعي المثقف في هذا السياق يبدأ بالإدراك بأن الثقافة نفسها إحدى ركائز بناء الوطن، فالفكر، واللغة، والفنون، والبحث العلمي، ليست أنشطة هامشية، بل هي عناصر تُسهم في تشكيل صورة المجتمع وتعزيز تماسكه. والمثقف الذي يستحضر وطنه في كتابته لا يضيق أفقه، بل يتسع، لأنه يرى في كل فكرة إمكانية للإسهام، وفي كل نص لبنة في صرح أكبر، كما أن حب الوطن، حين يقترن بالوعي، يتحول إلى طاقة إيجابية تدفع نحو العمل والبذل. وليس المقصود بذلك العاطفة العابرة، بل الشعور الراسخ بأن هذا المكان، بتاريخه وإنجازه وإنسانه، يستحق أن يُكتب عنه بصدق، وأن يُمثل بصورة تليق به، ومن هنا، يصبح حضور الوطن في وعي المثقف مصدر إلهام، وليس مجرد موضوع للحديث. ولا يمكن بحال أن يكون وعي المثقف معزولاً عن فكرة الوطن، ولا منفصلاً عن معنى الانتماء، فالوطن ليس جغرافيا تُحدد على الخريطة، ولا شعاراً يرفع في المناسبات، بل هو الإطار الذي تتشكل داخله الهوية، وتصاغ فيه اللغة، وتختبر فيه القيم. وحين نتحدث عن وعي المثقف، فإننا نتحدث، في أحد أبعاده الجوهرية، عن وعيه بوطنه: تاريخه، تحدياته، طموحاته، وتحولاته، فحب الوطن، في مفهومه الناضج، لا يقوم على الانفعال وحده، بل على المعرفة، فأن تحب وطنك يعني أن تعرفه حق المعرفة، أن تلم بسرديته التاريخية، وأن تفهم تركيبته الاجتماعية، وأن تدرك طبيعة التحولات التي يمر بها. وحب الوطن لا ينفصل عن الإيمان بمستقبله، فالمثقف الواعي لا يعيش في حنين دائم إلى الماضي، ولا يستسلم لتشاؤم سهل تجاه الحاضر، بل ينظر إلى المستقبل بوصفه مشروعاً مشتركاً، يقرأ ما يرافقه من خطط للتنمية، فضلاً عن متابعته لما يدور حوله من مجريات. والانتماء الحقيقي يظهر كذلك في العناية باللغة والثقافة المحلية، فالمثقف الذي يعتز بوطنه يحرص على صون ذاكرته الثقافية، وعلى توثيق منجزاته، وعلى إبراز رموزه الفكرية والفنية، فلا ينظر إلى ثقافته بوصفها هامشاً في سردية كونية، بل باعتبارها مساهمة أصيلة في هذا العالم، وهو وعي يحمي المجتمع من الذوبان، ويمنحه في الوقت ذاته قدرة على الحوار. ولا شك أن وعي المثقف يتعزز حين يدرك أن انتماءه لا يتعارض مع استقلاليته، ولذلك، فإن وعي المثقف وحب الوطن ليسا مسارين متوازيين، بل خطاً واحداً يتقاطع فيه الفكر بالمسؤولية، والمثقف الواعي هو الذي يرى في وطنه مشروعاً دائم البناء، ويضع كلمته في موضعها الصحيح داخل هذا البناء، وقد لا يكون صوته الأعلى، لكنه حين ينطلق من معرفة صادقة وانتماء راسخ، يكون الأصدق أثراً، والأبقى حضوراً.

162

| 03 مارس 2026

مجلة الدوحة.. نافذة قطر على الثقافة العربية

بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى المشهد الثقافي القطري والعربي، يكون المشهد قد اكتملت أركانه، بعدما افتقدت الساحة الثقافة محلياً وإقليمياً هذا المشروع المعرفي الجامع لسنوات. لذلك، لا تعد عودة مجلة الدوحة مجرد حدث صحفي أو إعلامي عابر، بل خطوة استراتيجية تعكس رؤية ثقافية لمستقبل الثقافة في قطر والعالم العربي، بعدما أصبحنا أمام منبر ثقافي يشكل منصة للوعي والمعرفة والهوية، بكل ما له من عراقة وتاريخ يمتد إلى عام 1969. واستناداً لهذا الإرث المعرفي لمجلة الدوحة، وما حققته من تفعيل للمشهد الثقافي العربي، واستقطابها لأقلام العديد من النخب الثقافية على امتداد خمسة عقود تقريباً، تكون عودة «الدوحة»، خُطوة مهمة في المشهد الثقافي، لتعيد الاعتبار إلى منبر فكري كان يوماً رائداً في العالم العربي. لذلك، لا تشكل عودة مجلة الدوحة ترفاً أو مبادرة رمزية، بل لتجسيد رؤية واضحة لدولة قطر في دعم الثقافة باعتبارها قيمة حضارية ومعرفية، إيماناً بثقافة الاستمرارية، دون الاكتفاء بأعداد تصدر من حين إلى آخر، وذلك في تأسيس رسمي يحول المجلة إلى منصة دائمة، لتغذية المشهد الثقافي محلياً وعربياً. هذا التأسيس المؤسسي يمنح المجلة فرصة، لتكون منبراً جاداً للنقاش، عبر استقطاب أقلام مبدعة، تملك ناصية القلم، تمنح المجلة فرصة جديدة، لتجديد عهدها مع القارئ، لتصبح قادرة على إعادة تنشيط الذاكرة العربية، نظراً لدور الثقافة اللافت في بناء الوعي. لذلك، لا يمكن وصف إعادة إصدار المجلة بأنه عودة لطبعة قديمة فحسب، بل لانطلاق منبر فكري معاصر يتماهى مع التحولات التقنية والزمنية، في ظل انفتاح المجلة المرتقب على الفضاء الرقمي، بكل ما يحويه من أدوات العصر لتوسيع دائرة القراء، وتفعيل حضورها ضمن توجه ثقافي معاصر. وما يمنح هذا المشروع أبعاداً أعمق هو الرؤية بأن الثقافة ليست عنواناً إعلامياً، بل ركيزة للهوية، وبوابة للتواصل بين قطر والعالم العربي، وبين الماضي والحاضر، وبين القارئ التقليدي والجمهور الجديد. من هنا، تعكس العودة الحالية لمجلة الدوحة رؤية واضحة تسعى إلى الجمع بين إرثها التاريخي وهويتها الثقافية الأصيلة من جهة، وبين أدوات العصر الحديث من جهة أخرى، لتصبح كما كانت جسراً للتواصل بين الثقافة القطرية ونظيرتها العربية، انطلاقاً من ماضيها العريق، الذي استحقت على إثره أن تكون نافذة ثقافية لدولة قطر تسطع من خلالها على الثقافة العربية والعالمية، ما يؤهلها بالتالي لاستعادة دورها، وهى ترتدي حُلة جديدة، تستند فيها إلى هذا الإرث، وتنطلق منه إلى مشروعها المعرفي الرائد. وختاماً، يمكن القول إن المجلة اليوم أمام فرصة نادرة: أن تصبح منصة تلتقي عندها الأصوات الواعدة مع الأسماء الرصينة، لتفتح باباً لتجارب شابة تبحث عن فضاء النشر والحوار، بالشكل الذي يجعلها تتجاوز الإصدار الدوري إلى المشروع الفكري بمعناه الواسع، ولتضحى كذلك جسراً ثقافياً، يربط المشهد الثقافي المحلي بالآخر العربي والعالمي.

540

| 06 يناير 2026

قطر تنقل اللغة العربية من الذاكرة إلى المستقبل

ليس من السهل على الدول أن تترك أثرها في الذاكرة الحضارية للأمم، ولا أن تقاس إنجازاتها بما يتجاوز اللحظة الراهنة، غير أن ما فعلته قطر حين أنجزت مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية يضعها في موقع مختلف؛ موقع الدولة التي اختارت أن تكتب اسمها في تاريخ اللغة، لا في هوامش الخطاب العابر. هنا لا نتحدث عن دعم ثقافي تقليدي، بل عن رؤية معرفية طويلة الأمد، أدركت أن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل بنية تفكير وهوية وذاكرة. وفي عالم تتسارع فيه المشاريع قصيرة العمر، اختارت قطر أن تستثمر في مشروع لا يقاس بالسنوات وحدها، بل بالأجيال، وكان هذا هو الخيار الذي اختطته الدوحة في رعايتها وإنجازها لهذا المشروع العملاق، الذي لا يدركه سوى الغيورين على هويتهم وأمتهم ومستقبلهم. اللافت في هذا الانجاز، أن قطر لم تختزل المشروع في بُعد رمزي، بل على العكس أتاحت للباحثين العمل في هدوء، ووفق منهج علمي، ما منح معجم الدوحة مصداقيته العالية، وجعله مشروعاً لغوياً لا يقف عند حدود الذاكرة، بل يتجاوزها إلى الحاضر، لينطلق بهما إلى المستقبل. لقد فهمت قطر أن أعظم خدمة يمكن أن تقدمها للغة العربية هي أن تضعها في يد المختصين، وتوفر لهم البنية اللازمة، والبيئة الحاضنة، فضلاً عن الوثوق بالمنهج، وأثمر هذا الفهم العميق، هذه المدونة اللغوية الفذة، وهى رؤى نفتقدها- للأسف- في مشاريع ثقافية عديدة في عالمنا العربي، تبدأ بالاحتفاء وتنتهي بالشعارات! وما يميز هذا المشروع اللغوي الكبير، والذي يعد إنجازاً لكل العرب، وإهداءً إلى حُماة اللغة في العالم، أنه راهن على العمق، وليس على الواجهة، فلم يكن إنجاز معجم الدوحة التاريخي عملاً استعراضياً، ولا مادة سهلة للتداول الإعلامي، بل كان عملاً شاقاً تقنياً في العديد من مجالات إنجازه، ما جعله من المشاريع الناجزة، التي تعكس وعياً نادراً بقيمة ما لا يُرى فوراً، وبأهمية ما يبقى بعد انطفاء الأضواء. هنا تتجلى قطر بوصفها دولة تفهم أن القوة الثقافية تقاس بالقدرة على إنتاج معرفة مرجعية، على نحو ما يعكسه معجم الدوحة التاريخي، لما يرسخه من قوة هادئة، لا تصخب، لكنها تغير المعادلات على المدى الطويل، فضلاً عن تعامله مع العربية بوصفها لغة حضارية مشتركة، تستحق أن تُخدم بأعلى درجات المهنية. هذا الإدراك جعل من معجم الدوحة التاريخي مشروعاً عربياً بمعناه العميق، لا القُطري الضيق، فحين تُخدم اللغة على هذا المستوى، فإن المستفيد هو الوعي العربي بأسره، من الباحث إلى القارئ، ومن المدرسة إلى الجامعة، ومن النص التراثي إلى السؤال المعاصر، في انعكاس واضح لجدارة قطر بأن تقود هذا العمل، ليرى النور، وتستحق معه الدوحة أن يُنسب إليها هذا الانجاز، وهي العاصمة، التي تدرك بُعدها العربي، كما تدرك عمقها الثقافي والتراثي.

399

| 24 ديسمبر 2025

أمة التطور

تتزامن هذا العام الذكرى الخمسون لتأسيس متحف قطر الوطني مع مرور عشرين عاماً على تأسيس متاحف قطر، فضلاً عن مرور 15 عاماً على تأسيس المتحف العربي للفن الحديث «متحف»، في حدث ثقافي يجمع بين دلالات الماضي ورهانات المستقبل. هذه المحطات لا تختصر مسيرة مؤسسات فحسب، بل تعكس خياراً إستراتيجياً جعل من الثقافة عنصراً محورياً، ومصدراً أساسياً من مصادر ترسيخ الهوية الوطنية ما عزز حضور ومكانة دولة قطر ثقافياً وفنياً في المشهد العالمي. ومن خلال حملة متاحف قطر، التي أطلقتها بهذه المناسبة، بعنوان «أمة التطور»، وتستمر على مدى 18 شهراً، تُطرح هذه الذكرى بوصفها لحظة تأمل في مسار طويل من الاستثمار في الذاكرة والإبداع، من أجل بناء الإنسان، والاستثمار في طاقاته الكامنة. ولا يقف الاحتفاء هنا عند حدود الاستحضار، بل يضع الثقافة في صميم المشروع التنموي، باعتبارها فضاءً للتعلم والتواصل والتجديد، دون إغفال الماضي، وربطه بالحاضر، لبناء المستقبل، تأكيداً - بما لا يدع مجالاً للشك - أن التنمية الحقيقية لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرة الأمة على صون إرثها وصياغة مستقبلها بثقة ووعي واقتدار. وإن كانت هذه الذكرى متجاورة في الزمن، إلا أنها تمتد في المعنى، بما يفوق الأرقام، ما يجعلها ذكرى للتأمل في كيف تبني أمة معاصرة سرديتها الثقافية، وكيف تُحوّل الثقافة من صورة نمطية إلى فعل إبداعي، ينبض بالحيوية في قلب المشروع الوطني. ولم يكن متحف قطر الوطني، منذ بدايات تأسيسه في منتصف السبعينيات من القرن الفائت، مجرد جدران تحفظ القطع الأثرية أو تحمي الذاكرة من النسيان، بل كان فضاء لتثبيت هوية تعزز ذاتها في ظل زمن يشهد تحولات متسارعة. واليوم، بعد مرور نصف قرن، ما زال المتحف، وهو يرتدي حُلة جديدة، يؤدي الدور نفسه ولكن بأدوات أخرى، كفضاء تفاعلي، يضع الزائر في قلب الإرث القطري، ليضخ حيويته إلى الحاضر، لتتجسد القصة الكبرى، في إعداد الفرد، وربطه بمجتمعه، لبناء حاضره، وصنع مستقبله. وعلى الضفة الأخرى من الزمن، تأتي متاحف قطر قبل عقدين، كخيار إستراتيجي يضع الثقافة في صدارة الرؤية الوطنية، بعدما غيرت هذه المؤسسة الرائدة مفهوم «المتحف» كصورة نمطية لعرض المقتنيات، إلى فضاء زاخر بالحيوية الثقافية، ليتحول العرض المتحفي، من قاعات صامتة، إلى صالات تنبض بالحياة. لذلك، فعندما تعلن متاحف قطر عن حملة «أمة التطور»، فإنها لا تكتفي فقط باستحضار الماضي، بل تعلن انفتاحاً على المستقبل، لتذكر الجميع بأن الثقافة مشروع دائم لا يقف عند حدود آنية، وأنه في الوقت الذي يتم فيه استحضار هذا الماضي، فإن الحاضر يرنو إلى المستقبل، متكيفاً معه، من أجل نهضة الأمة.

447

| 02 أكتوبر 2025

المثقف ليس انعزالياً

يسود اعتقاد لدى البعض، بأن المثقف كائن متعالٍ على واقعه، يعيش في برجٍ عاجي بعيد عن تحديات واقعه، وعن هموم أفراد المجتمع اليومية، وأنه دائم التفرغ للقراءة والكتابة والتأمل، لينتج أعماله الإبداعية. غير أن الواقع يدحض هذه الصورة النمطية، والتي إن كانت تجد جذورها في بعض تجارب المشهد الثقافي، غير أنها اليوم لم تعد صالحة لتفسير دور المثقف في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه أنماط الحياة على نحو غير مسبوق. والحق أن المثقف في جوهره ليس انعزالياً، فالمعرفة التي ينتجها والوعي الذي يحمله، لا يمكن أن يتحققا إلا في سياق اجتماعي يتفاعل معه ويؤثر فيه، إذ إنه ليس مجرد قارئ للواقع، بل ينبغي أن يكون شريكاً فاعلاً في صناعته، حتى وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، فالكلمة والموقف والفعل الثقافي أدوات تأثير لا تقل قوة عن غيرها من الأدوات، مهما كانت مجالاتها. ولقد أثبتت التجارب الحديثة أن المثقف الفاعل هو الذي يمد الجسور بين المعرفة والجمهور، وبين النظرية والممارسة، وكذلك بين القيم والمصالح، وأيضاً هو الذي يترجم رؤيته النقدية إلى مبادرات واقعية، سواء عبر العمل الأكاديمي الميداني، أو المشاركة في النقاشات العامة، أو حتى من خلال الفن والإبداع. لذلك، يمكن القول إن المثقف الذي يكتفي بالعزلة والتأمل، من دون أن يُترجم أفكاره إلى مواقف، يفقد تدريجياً قدرته على التأثير ويحول معرفته إلى ترف ذهني، خاصة أن اللحظة الراهنة، بكل ما تشهده من تحديات، تفرض عليه أن يكون حاضراً إزاء واقعه، مصغياً لواقع أفراد مجتمعه، بقدر ما يتوجه إليهم بإبداعه، بل ومبادراً بقدر ما يحلل وينتقد، ليجسد بذلك أن الوعي ليس قيمة ذاتية فقط، بل هو طاقة تغيير. من هنا، فإنه لا يمكن أن يكتمل دور المثقف إلا إذا كان طرفاً في النقاش العام حول القيم، والسياسات، والعدالة الاجتماعية، والهوية الثقافية، ما يعكس أهمية أن يكون دوره فاعلاً في محيطه، وأيضاً بقدر ما هو مفكر ناقد، وفرد مسؤول في مجتمعه، منطلقاً في ذلك من أن الثقافة قوة للارتقاء الجماعي، وليس مجرد زخرف فكري. وبهذا المعنى، يصبح المثقف الذي يرفض الانعزال نموذجاً لدور جديد يتجاوز التنظير المجرد إلى المشاركة الواعية في بناء المستقبل، الأمر الذي يجعله يقرأ الواقع، ويحلله، ويقترح البدائل، ويعيد للثقافة معناها الأصيل بوصفها أداة لتشكيل وعي المجتمع، لا مجرد رصيد معرفي مغلق. وعلى المثقف أن يدرك أنه لا يمكنه بحال الانفصال عن بيئته، والاكتفاء بإنتاج الأفكار من فراغ، بل عليه أن يسعى لتكون معرفته أداة لفهم الواقع والمشاركة في تطويره، انطلاقاً من أن الثقافة في جوهرها فعل اجتماعي يتغذى من الحوار والتفاعل، ولا يكتمل إلا بالقدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.

525

| 16 سبتمبر 2025

الجوائز القطرية.. شعاع للمعرفة

لا تمثل الجوائز للمبدعين فقط مجرد اعتراف رمزي بجهودهم، بل تعد شهادة تقدير تعزز الثقة بالنفس وتشجعهم على الاستمرار في مسار الإبداع. وحينما تُمنح الجوائز الثقافية للمبدعين، فإنها تشكل لهم دفعة معنوية تبرز قيمة أعمالهم أمام المجتمع، كما توفر لهم منصة للظهور والنقاش مع جمهور أوسع، وتتيح أمامهم فرصاً للتعاون والنشر والتطوير. من هنا، تصبح الجوائز محفزاً للتجديد والابتكار، وتشجيعاً للأجيال الجديدة على اقتفاء أثر المبدعين السابقين، فتتحول بذلك من مجرد تكريم فردي إلى عنصر فعَّال في بناء بيئة ثقافية حيوية ومستدامة. على هذا النحو، تأتي الجوائز الثقافية في قطر، لتكون إشعاعاً للمعرفة، تتجاوز فيه مجرد فعاليات احتفالية تقام في مواسم محددة لتكريم المبدعين، لتصبح ركيزة أساسية في المشروع الثقافي الوطني، وأداة إستراتيجية لتعزيز الهوية الثقافية والانفتاح على العالم. ومن خلال هذه الجوائز، تؤكد قطر أن الثقافة ليست عنصراً مكملاً للحياة العامة، بل محوراً أساسياً في بناء الدولة الحديثة وتعزيز مكانتها العالمية، ما يثري الإبداع في شتى مجالاته، فيحدث وعياً بين أفراد المجتمع. وبالأمس، نشرت ، إطلاق وزارة الثقافة لجائزة «الأخلاق»، مطلع الشهر المقبل، واليوم، تنشر الصحيفة، جائزة كتارا للرواية العربية، وما بينهما، تتابع الجريدة، مسابقات أخرى مثل جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، وجائزة الكتاب العربي، فضلاً عن جائزة «مثايل» للشعر النبطي. كل هذه الجوائز، وغيرها ، تعكس حراكاً ثقافياً، لا يقف عند حدود تكريم المبدعين، بل يتجاوزه إلى مشاريع ثقافية عملاقة، تؤكد تقدير دولة قطر لجهود المبدعين في مختلف حقوق المعرفة والإبداع، ودعم أصحاب الطاقات المبدعة، فضلاً عن إثراء حركة النشر والترجمة والتأليف والدراسات النقدية، ما يجعلها جوائز ذات نماذج يُحتذى بها في مسيرة الإنجاز الثقافي والمعرفي. ولا شك أن مثل هذه الجوائز مجتمعة تسهم في بناء بيئة تنافسية محفزة، تشجع على الابتكار والتميز، وتوفر منصة لاكتشاف المواهب الجديدة، فضلاً عما تمثله من توثيق للإنتاج الأدبي والفني والبحثي من خلال أرشفة أعمال الفائزين، لتشكل رصيداً معرفياً وثقافياً للأجيال القادمة. إضافة إلى ذلك، فإن الجوائز القطرية تعكس التقاء الأصالة بالمعاصرة، فكما تحتفي بالتراث والقيم الوطنية، فإنها في الوقت نفسه تنفتح على القضايا الإنسانية الكبرى. وبهذا المعنى، فإنها لا تكتفي بدعم الأفراد، بل تسهم في صياغة هوية ثقافية معاصرة تستند إلى جذور راسخة وتطلعات مستقبلية. وهنا، تكمن القيمة الأعمق لهذه الجوائز في كونها رسالة حضارية للعالم، والتأكيد على أن الثقافة القطرية، ليست نشاطاً ثانوياً أو مناسبة تقليدية، بل مشروع مستمر لتأصيل المعرفة، ودعم المبدعين، وإبراز مكانة الدولة كمركز إشعاع ثقافي وفكري. من هنا، تصبح الجوائز - مع تزايد الحراك الثقافي الذي تشهده الدوحة عبر المعارض والمهرجانات والفعاليات المختلفة- رافعة حقيقية لترسيخ هذا الدور وتعزيزه، ليكون الاستثمار في المبدع الحقيقي، وفي صورة الدولة الثقافية أمام العالم، علاوة على ما تتيحه الجوائز من فضاءات أوسع للثقافة القطرية، بهدف التفاعل مع محيطها العربي والدولي. وبذلك، يمكن القول إن الجوائز القطرية تحولت إلى ركيزة مؤسسية لصناعة المشهد الثقافي، تجمع بين التحفيز الفردي والبعد الحضاري، وتؤكد أن الثقافة خيار إستراتيجي لا يقل أهمية عن غيرها، ما يمنحها عمقاً إنسانياً وحضارياً.

276

| 20 أغسطس 2025

الهوية في مشهدنا الثقافي

في ظل تعدد تعريفات الهوية، والحديث عن تنوعها، فإن الغالب والمستقر عليه، أن الهوية هي جوهر الذات، أو الإطار الذي يشير إلى «من نحن»، و«ما الذي يجعلنا مختلفين عن غيرنا»، ما يجعلها مجموعة من العناصر التي تُمنح لأفراد المجتمع، بشكل يعكس تماسكهم، واستمرارهم عبر الزمن، وفق مقومات، تتباين بين اللغة، والتاريخ، إلى غير ذلك. كما أنها، ووفق تعريف مماثل، هى إحساس داخلي بالذات المتفردة بكل ما تحمله من جذور ومعان وتراكمات، ما يخرجها بالتالي عن الإطار التقليدي، بأنها بطاقة تعريف أو شكل خارجي. وفي إطار ما يدور النقاش من وقت لآخر عن تعدد الهويات، فإنه حري بنا التوقف- عبر هذه السطور- عند الهوية الثقافية، والتي تنظر إلى الفرد من زاوية الإنتاج القيمي، بكل ما تحمله القيم من عادات وتقاليد وفنون ولغة وأنماط تفكير، إلى خلافه. وخلال السنوات الأخيرة، نجد المشهد الثقافي القطري يشهد حراكاً لافتاً، يعيد صياغة مفهوم الهوية بأسلوب يراكم التقليدي ويصقلها بالمعاصرة، دون أن يسمح لأحد منهما بابتلاع الآخر، ما يعكس نجاح الثقافة القطرية، في أن تجعل الهوية كياناً ديناميكياً، يتحرك مع المجتمع، ويعيد تعريف نفسه مع كل انفتاح جديد، يعيشه على المستويات الثقافية والفنية المختلفة. وهنا، يتجلى أحد مفاهيم الهوية، وهو مفهوم «الهوية المتحركة»، لتبدو واضحة في المشهد الثقافي القطري، عبر ما نراه من سياسات ثقافية متجذرة، تنتهجها المؤسسات المعنية بالفعل الثقافي، بالتوسع في إنشاء المتاحف، وإقامة المزيد من الصروح الثقافية، وطرح العديد من البرامج والمهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية المختلفة ، اعتماداً على رؤى ثقافية أكثر عمقاً، وإبرازها للمجتمع وللآخر في آن، انطلاقاً من جذور ثقافية راسخة. هذه الحالة تعكس أن الثقافة القطرية الراهنة استطاعت أن تحافظ على الهوية، وتؤكد رسوخها في أوساط أفراد المجتمع، انطلاقاً من مرتكزات ومقومات تعتمد عليها الهوية خصيصاً، على نحو ما سبقت الإشارة إليه، مستندة في ذلك إلى ماضٍ عريق، وانفتاح على الحاضر، واستشراف للمستقبل في آن. لذلك، تمكن الفعل الثقافي في قطر على مدى السنوات الماضية، من خلق بيئة حاضنة لأي منشط ثقافي، دون انغلاق على الداخل، بل تعزيز في الداخل، وانفتاح على الخارج، بتنظيم فعاليات ثقافية عالمية، تجمع بين المثقف المحلي بنظيره الدولي، علاوة على إضفاء البعد العربي والعالمي، على الكثير من الفعاليات الثقافية والتراثية والفنية. وأمام هذا الحضور الثقافي، برز جيل من الفنانين والمبدعين القطريين الشباب، الذين وظفوا عناصر من الذاكرة والتراث، داخل أعمال معاصرة، تجاوزت جانب التجميل، إلى طرح مقاربات نقدية، وصياغىة رؤى جديدة، تؤكد أن الهوية بقدر ما هي وفاء للأصل، فهي أيضاً مشروع مفتوح نحو المعاصرة، لمواكبة الحاضر، وبناء المستقبل.

321

| 06 أغسطس 2025

رقي الإنتاج الفكري

طرحت هذه الزاوية، خلال الأسبوع الماضي، المعارك أو الاختلافات الثقافية، التي كانت تنشب بين المبدعين في مشهدنا العربي، والتي نأى أصحابها عن الذاتية، فكانت نبراساً لإنتاج فكري وأدبي غزير، أصبح إرثاً لكل الناطقين بالضاد. وعبر السطور التالية، نلتقط رشفة، من رشفات إرثنا العربي، حول الرسائل التي كان المثقفون يتبادلونها بينهم، فكانت تعكس رقياً فكرياً، وإنتاجاً أدبياً، وحواراً نقدياً، يبني ولا يهدم، ما جعلها تشكل نافذة فريدة تطل على عوالم الفكر، والتأمل في قضايا الإنسان والحضارة، فكانت كل رسالة من حوارات المثقفين تفتح أبواباً للنقاش المتجدد، وتشكل فضاءً للتفكير المستقل، بعيداً عن كافة القيود، فضلاً عما كانت تتسم به من جماليات الحوار وروعة الأسلوب، ومنهجية التفكير، وعمق ما تحمله من دلالات ثقافية وفكرية. لذلك شكلت حوارات المبدعين عبر الرسائل المتبادلة بينهم، جسوراً متينة تربط بين العقول، وتبرز رقي الإنتاج الفكري، وتعكس في الوقت نفسه عمق تأملات أصحابها الثقافية والاجتماعية، ما جعلها تفوق الكلمات المكتوبة، إلى مشاريع ثقافية ناجزة. وحينما نتوقف بالمقارنة بين عصرين، فإن عصر ما قبل الاتصال الرقمي، كانت الرسائل المكتوبة أداة للتواصل الرئيسية بين كبار المفكرين والمبدعين والكُتَاب، تتيح لهم التباحث بعمق بعيداً عن ضجيج الحياة العامة. أما اليوم فإن الحال يغني عن كثرة كل ما يُكتب ويُقال، ففي ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا نستذكر أهمية العودة إلى فضاءات الحوار الهادئ والبناء، حينما كانت تُصقل الأفكار، لتصبح أكثر عمقاً، بما يعزز من ثقافة التأني والتفكير، ويدفع إلى إنتاج معرفي وفير. ومن أبرز الرسائل الثقافية، التي يمكن استحضارها من إرثنا العربي، تلك المتبادلة بين الأديب نجيب محفوظ والناقد محمد مندور، حينما تبادل الكاتبان رسائل ناقشا فيها قضايا الأدب، والمجتمع، والتحديث، ما أضاف إلى المشهد الثقافي العربي عمقاً وحيوية، لا يقل عن تلك الرسائل بين عميد الأدب العربي طه حسين والأديب توفيق الحكيم، والتي عكست حواراً فكرياً حول قضايا التعليم، والأدب، والتجديد، ما جعلها تشكل نموذجاً للحوار الثقافي الراقي في عالمنا العربي. كما أن الرسائل المتبادلة بين الشاعرين أحمد شوقي وخليل مطران، عكست حوارات حول الشعر العربي، والتراث، وأهمية النهضة الثقافية، بينما أظهرت رسائل الشاعرين سميح القاسم ومحمود درويش، الصداقة الفكرية والسياسية بين اثنين من أبرز شعراء فلسطين، حيث ناقشا قضايا الهوية، والمقاومة، والحرية، ما جعلها شاهدة على عمق ثقافي عريق. مثل هذه الرسائل لم تكن مجرد تبادل للكلمات، أو حوارات ثنائية، بل شكلت وثائق ثقافية بارزة عكست هموم عصرها، ووثقت لحظات تحول فكري وثقافي، ما جعلها منابر للحوار والنقاش، أفضت إثر ذلك إلى إنتاج فكري غزير، ساهم في تطور الفكر الإنساني، فضلاً عن أهميتها في تسليط الضوء على نُبل الحوار الثقافي العربي، لما عززته من أسلوب المثقفين في التواصل، والذي لم يغب عنه الاحترام المتبادل والتفكير النقدي العميق.

234

| 29 يوليو 2025

اختلافات الكبار

لم تخلُ الساحة الثقافية العربية يوماً من النقاشات المحتدمة بين كبار مبدعيها، سواء في الشعر أو الفكر أو النقد، أو غيرهم. غير أن ما يميز هذه الاختلافات، على اختلاف حدّتها، أنها كانت امتداداً لحيوية المشهد الثقافي، إذ لم تكن سبباً لعداوات شخصية أو قطيعة كاملة بين أصحابها، إدراكاً من جلّ المثقفين بأن الجدال بين العقول لا يعني بالضرورة افتراق القلوب، بل قد يكون دليلاً على حيوية المشهد، واحترام كل طرف لما يمثله الآخر من مشروع معرفي مستقل. لذلك، كانت اختلافات الكبار تعبيراً عن الاختلاف في سبيل المعرفة، وهو درس لا يزال صالحاً، وربما أكثر إلحاحاً، في زمن تتآكل فيه القدرة على الاختلاف الرصين، وتتعاظم فيه لغة الإقصاء باسم الفكر والإبداع! واللافت أن الاختلاف بين كبار المثقفين، أو بالأحرى جدالهم، على الرغم من حدته، إلا أنه كان بمثابة وقودٍ لحيوية فكرية نادرة، دون أن يكون دافعاً لقطيعة أو إقصاء متبادل. ومن أبرز هذه الاختلافات، تلك التي دارت بين طه حسين وعباس محمود العقاد في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث اختلف الراحلان جذرياً في الرؤية والمنهج؛ فبينما كان حسين من دعاة المدرسة الكلاسيكية الفرنسية ذات النزعة العقلانية، تمسك العقاد بنزعته التجريبية الذاتية والفردية الصارمة. ورغم هذه الهوة، ظل الاحترام المتبادل حاضراً في كتاباتهما، ولم ينزلق أي منهما إلى مستوى التهجم الشخصي أو التقليل من قيمة الآخر. وفي المشرق العربي، شكلت العلاقة بين ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران نموذجاً دقيقاً لاختلاف الرؤى ضمن رابطة أدبية واحدة، هي «الرابطة القلمية». ورغم صداقتهما الطويلة، لم يتردد نعيمة في نقد بعض ما رأه «نزعة غنوصية مغالية» في أعمال جبران، خاصة في نصوصه الأخيرة، ومع ذلك، ظل يصفه بأنه «أعذب الأرواح التي أعرفها». أما في المغرب العربي، فقد نشب اختلاف فكري شهير بين المفكر محمد عابد الجابري والفيلسوف طه عبد الرحمن حول مناهج قراءة التراث، إذ اتخذ الجابري منحى عقلانياً بنيوياً، بينما سلك عبد الرحمن مساراً أخلاقياً تداولياً، يستلهم الأصول الإسلامية. ورغم أن النقد كان أحياناً قاسياً، فإن ما يُحسب للطرفين أنهما لم يُنزلا اختلافهما إلى مستوى الشخصنة، بل ظلا ينطلقان من التزام معرفي صارم. مثل هذه النماذج وغيرها تؤكد أن الاختلاف بين الكبار لا يقاس بعلو الصوت أو قسوة العبارات، بل بقدرتهم على تحويله إلى فرصة لمساءلة الذات، وتغذية الفكر العربي بجدل ناضج يليق بتاريخهم ومكانتهم. ولعل هذا ما نفتقده اليوم، وهى الحاجة إلى ثقافة الاختلاف النبيل، لا الخصومة العقيمة، لتكون المعارك الفكرية للمثقفين في عالمنا العربي تعبيراً عن اتساع أفق، وإدراك عميق بأن الثقافة الحية لا تنمو إلا عبر التصادم الخلاق بين رؤى متعارضة، ما دامت لا تهوي إلى التبخيس أو الإقصاء في مختلف صوره.

528

| 22 يوليو 2025

أهمية الفكرة الأدبية

ليست الكتابة الأدبية تراكما لغويا أو تأنقا أسلوبيا، بل هي استجابة لفكرة، لوميض أول يُقلق الكاتب قبل أن يُدهش القارئ. كما أن الفكرة ليست مجرد ذريعة للقول، بل النبض الذي يمنح النص حياته، ومبرره، ومجاله الخاص للامتداد والتأويل. قد تنشأ الكتابة من مشهد عابر، أو انفعال لحظي، أو حتى تعثّر لغوي، لكن ما يجعلها أدبا لا سردا عابرا هو تشكّل فكرة تفتح الواقع على احتمالاته الكامنة. لذلك، ليست الفكرة أطروحة جاهزة، بل سؤال مستتر، وقلق خافت، وانحراف مقصود عن المألوف. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة النشر، وتغري المنصات الرقمية بالإنجاز الفوري، تصبح الحاجة إلى الفكرة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فغيابها لا يعني انعدام النص، بل حضوره في هيئة لغوية قد تُدهش ظاهريا، لكنها تفتقر إلى العمق والإقناع. وقد تبدو الكتابة حينها كمنشور عابر لا كسؤال ممتد. الفكرة تمنح النص بصيرته، وتمنح الكاتب مسؤوليته الأخلاقية والجمالية، فهي ليست مجرد مضمون، بل شكل للتفكير، وطريقة في الرؤية. ولذلك فإن مستقبل الأدب لا يقاس بعدد النصوص المنشورة، بل بقوة الأسئلة التي تطرحها، وحدّة التوتر الذي تخلقه داخل القارئ. وعليه، لا ينبغي أن يفهم الحديث عن نضوب الأفكار بوصفه نعيًا أو تبكيتًا، بل كفعل تفكيك لمرحلة تشهد تحولا في الذائقة والأسلوب والإيقاع. فالأفكار لا تموت، لكنها أحيانا تتخفى، وتتريث، وتبحث عن زمنها الخاص كي تظهر في لغتها المناسبة. وفي المشهد الأدبي القطري، تبرز ملامح هذا التحول. حيث نرى تجارب سردية تتلمس هويتها، وتخرج عن القوالب، وتغامر بالاقتراب من الذات والهامش والأسئلة الكبرى. صحيح أن هذه المحاولات ما تزال متفاوتة في النضج، لكنها تشي بولادة ممكنة لكتابة لا تكتفي بالتمثيل، بل تسعى للفهم. ولعل أعظم ما تقدمه الفكرة الأدبية أنها لا تمنحنا أجوبة، بل تجرؤ على طرح السؤال، وهذا وحده كافٍ لتبرير وجود الأدب.

390

| 15 يوليو 2025

قراءات المثقفين في صيف التحولات

في ظل التحولات العديدة والمتسارعة التي يشهدها عالم اليوم، وتواكب حرارة الطقس، والذي تعيشه العديد من البلدان، تقف القراءة حصناً منيعاً لتنمية الوعي، لتظل فعلاً جوهرياً، ونافذة يطلّ منها القارئ إلى الذات والآخر في آن. وبالنسبة للمثقف، لا يعدو الصيف مجرد استراحة موسمية، بل فسحة للتأمل، فضلاً عن المساءلة بعيداً عن ضوضاء المواسم الثقافية الصاخبة، ليشكل لحظة لإعادة الاتصال بالقراءة، دون أن يتوقف الحال عند استهلاك المعرفة، ليكتشف المثقف خلال رحلته مع القراءة معارف جديدة، تربطه بشكل أعمق مع جذور الفكر والتاريخ، ومختلف أشكال الإبداع والعلوم. وعادة ما ينظر المثقفون إلى أوقات فراغهم، بنظرة ثقافية، يلوذون فيها إلى الكتاب، ليكون عاصماً لهم في وقت التحولات والتحديات، لتصبح القراءة أولوية لهم، لاسيما وأن الوقت المتاح خلال العطلة يتيح لهم مساحة أرحب للتعمق في كتب مؤجلة، أو العودة إلى أعمال كلاسيكية بعين جديدة. وعادة ما تستحوذ قراءات كتب السير الذاتية على اهتمامات عُشاق القراءة، لاستجلاء تجارب الآخرين في مواجهة التحولات العاصفة التي يشهدها عالم اليوم، بالإضافة إلى كتب الفكر النقدي، فضلاً عن الروايات، التي أصبحت تستحوذ على المشهد الإبداعي، تأليفاً وقراءةً، وكلها كتب تجعل من القراءة ملاذاً لأصحابها، تنتشلهم من ضجيج الواقع إلى عوالم جديدة، لتفتح لهم آفاقاً أكثر رحابة. وهكذا، يتحول الصيف لدى المثقفين من عطلة إلى مختبر للتفكير الهادئ، حيث تُقرأ الكلمة لتُنضج، لا لتُستهلك، وحتى لا تصبح ضجيجاً بلا طحين، لتثمر أشجاراً باسقة، خاصة وأنه ينظر إلى القراءة كتقليد راسخ ينمي الذات، ويثري المعرفة لديه، دون أن تقف عنده كهواية موسمية. وإذا كان ما سبق يخص الفرد المثقف، فإنه على صعيد المؤسسات الثقافية، نجدها في مقاومة لحالة الركود الثقافي بفعاليات وأنشطة، تعكس رغبتها في استمرار التوهج الثقافي، حيث نجد العديد من الجهات القطرية قد أعلنت عن حزمة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، التي تناسب طبيعة العُطلة الصيفية، لتخلق منها حراكاً، يقودها إلى استمرار مسيرتها في خلق مجتمع معرفي، يطلق العنان لفضاء الإبداع، والمبادرات. وأمام هذا المناخ، وحضور الفرد المثقف، والدور الفاعل للجهات الثقافية، يصبح المجتمع شريكاً في إنتاج المعرفة، بين ورشة أدبية هنا، ونقاش فكري هناك، ومعرض يستقطب أصحاب الذائقة الفنية، ما يجعلنا أمام مجتمع، يدرك تحديات واقعه. هذا المشهد، حتماً سيؤدي إلى تحقيق التوازن بين واجب المثقف، ودور المؤسسات والجهات الثقافية، في ثنائية تعزز من انتماء الفرد للمجتمع، ليتشارك معه كل ما يقوده إلى كسر صيام المعرفة، ليتحول الطقس بذلك، من صيف ساخن، إلى درب جديد من دروب المعرفة، لفهم الواقع، وصُنع المستقبل.

420

| 08 يوليو 2025

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

5190

| 09 مارس 2026

alsharq
من سينهي الحرب؟

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

2220

| 16 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1500

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1257

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1095

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

963

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

855

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

774

| 12 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

738

| 14 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

723

| 12 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

699

| 15 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

663

| 13 مارس 2026

أخبار محلية