رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
باتت سياسة "تصفير المشكلات" موضع تهكم لدى معظم الكتّاب الأتراك ولاسيَّما المختصين بالسياسة الخارجية. ولا يتعلق الأمر بكتّاب مبتدئين أو غير مختصين بل بنخبة من أهم المعلقين والخبراء في السياسة الخارجية يضاف إليهم الأكاديميون وتقارير مراكز الدراسات. ويزداد التهكم كلما تناول وزير الخارجية التركي تحديدا أحمد داود أوغلو هذه السياسة بإصراره على أنها عمود السياسة الخارجية التركية. وإذا كان الوضع فعلا لا يزال كما كان قبل سنة أو سنتين أو ثلاث فإن ذلك يدعو إلى إعلان حالة طوارئ في كواليس الدبلوماسية التركية والتحقيق فعلا بمدى السلامة العقلية لمنتجي هذه السياسة. لم يقدر سامي كوهين أحد أهم المعلقين الأتراك في السياسة الخارجية من أن ينهي مقالته حول العلاقة التركية المتوترة مع العراق إلا بتذكير المسؤولين الأتراك حول مآل سياسة تصفير المشكلات. وقال إنه مهما تكن الأسباب فإن سياسة تصفير المشكلات بين تركيا وجيرانها المباشرين تحولت إلى سياسة صدام وتنازع معهم. أثناء زيارة رئيس الحكومة التركي رجب طيب أردوغان إلى قطر انفجر من جديد النزاع بين تركيا والعراق. وشن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي هجوما لاذعا على تركيا واصفا سياساتها تجاه العراق بالعدائية. وما أن وطأت أقدام أردوغان مطار اسطنبول عائدا حتى كان يذكّر المالكي بأن تركيا لا تتدخل في الشؤون العراقية بل إن تركيا وقعت 48 اتفاقا مع العراق حين لم يكن أحد يجرؤ على ذلك. لكن في المحصلة فإنه بعد سنتين من توقيع الاتفاقيات انقلبت العلاقات رأسا على عقب. ما يلفت اليوم ليس فقط انهيار سياسة تصفير المشكلات مع سوريا التي تحولت العلاقات التركية معها إلى حالة تكاد تكون معلنة من الحرب على مختلف المستويات، ولا مع إيران التي باتت العلاقات معها رهينة حرب باردة مرئية أمام الجميع رغم بعض التعاون في بعض الملفات، ولا مع إسرائيل التي تكاد تكون مجمدة، رغم أننا نرحب بأي تجميد بل قطع بل توتير للعلاقات مع إسرائيل العدو الأزلي لكل شعوب المنطقة من العرب إلى إيران وتركيا. ما يلفت أن تحالفات تركيا باتت لا تليق بدولة إقليمية كبيرة لها تأثيرها وحضورها ودورها الذي بات يتراجع ويضمر في كل الملفات. لقد تحدّت تركيا الغرب وأمريكا وأقامت علاقات إستراتيجية مع سوريا والعراق وإيران ومع روسيا. وأقامت علاقات جيدة مع جيرانها الأبعد مثل دول مجلس التعاون الخليجية. ولكن النظرة إلى المشهد الحالي وبالتحديد إلى الجيران المباشرين لتركيا نقف عند لوحة غير مألوفة، ليس فقط لا تليق كما ذكرنا، بدولة كبيرة مثل تركيا، بل لا يمكن أن تخدم أيا من المصالح المرسومة من قبل القادة الأتراك. خسائر تركيا في كل مكان ومن ثم يصر وزير الخارجية داود أوغلو على أن ما هو قائم حاليا هو سياسة تصفير المشكلات مفترضا أنه لا أحد يرى ويتابع سواء من الكتّاب والباحثين الأتراك أو الأجانب ما هو أسوأ من خسارة "حلفاء استراتيجيين " أن تستبدل هؤلاء الحلفاء، الذين صاروا"سابقين"، بحلفاء لا يمكن أن يشكلوا لتركيا أي فائدة إستراتيجية في لعبتها الإقليمية. نقصد هنا حكومة إقليم كردستان العراق التي زار رئيسها القوي أنقرة والتقى بكل المسؤولين الأتراك. تحوّل البرزاني الذي ترفع له القبعة لأنه نجح بدهائه وإخلاصه لقومه الأكراد أن يتقدم خطوات على طريق تحقيق شخصيتهم القومية والاعتراف بهويتهم وصولا إلى إعلان الاستقلال في يوم من الأيام قد لا يطول. إقليم كردستان العراق الذي كان مجرد جغرافيا يحكمها "زعيم عشيرة" كما كانت تصف أنقرة البرزاني وجلال الطالباني تحوّل كما يقول المعلق التركي قدري غورسيل في صحيفة ميللييت إلى "الشريك الوحيد" لتركيا في المنطقة. وهذا يعني أن الدولة المتطلعة لتكون مؤسسة لنظام إقليمي جديد ولاعبا عالميا في المدى المقبل، هي التي تحولت إلى دولة لا يحسدها أحد على ما انتهت إليها سياستها الخارجية الخاطئة ولاسيَّما أن المشروع الكردي يغطي المنطقة كلها ومن ضمنه تركيا. نكرر الدعوة ليكون للأكراد حقوقهم الكاملة في كل الدول التي يتواجدون فيها شأنهم شأن كل الأقليات الكبيرة والصغيرة في كل العالم العربي والإسلامي، لكن أن تتحول منطقة لا تزال تابعة لسيادة دولة العراق إلى الحليف الوحيد، المفترض رغم كل ذلك، لتركيا فهذا يوجب أن يدقّ ناقوس الخطر إلى ما آل إليه الفكر السياسي لدى النخبة الحاكمة في أنقرة.
1191
| 28 أبريل 2012
غدا الأحد يذهب الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع في جولة أولى لاختيار الرئيس الفرنسي الجديد. من المؤكد أن أحدا من المرشحين لن ينال الخمسين في المئة من أصوات الناخبين في الدورة الأولى.لذا فسوف يبقى الخيار الحاسم للناخب الفرنسي إلى الدورة الثانية في السادس من مايو حيث سيفوز من سينال النسبة الأكبر من الأصوات. تلوح الفرصة للمرة الأولى منذ سنوات لإنهاء عهد اليمين الفرنسي في الرئاسة.استطلاعات الرأي لا تزال تعطي تراجعا لشعبية الرئيس الحالي نيقولا ساركوزي في الدورة الأولى إلى حدود الـ 14 في المئة فيما يتقدمه المرشح الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي تعطيه الاستطلاعات 29 في المئة. بيضة القضبان ستكون الأصوات التي سينالها المرشحون الآخرون الذين لن ينتقلوا إلى الدورة الثانية لكن ستكون مواقفهم حاسمة في نجاح ساركوزي او هولاند. الظاهرة الأقوى في هذه الانتخابات هي تصاعد أصوات اليسار في ما يعرف بجبهة اليسار.كذلك لا يزال المرشح فرانسوا بايرو اليميني- الوسطي يحافظ على نسبة أصوات معقولة جدا تقارب الـ 11 في المئة كما أن مرشحة اليمين المتشدد مارين لوبين تحرز نسبة عالية تصل إلى 16 في المئة وربما أكثر. استطلاعات الدورة الثانية تكاد تحسم النتيجة لصالح هولاند إذ تعطيه حوالي 56-58 في المئة مقابل 42 لساركوزي. تراقب تركيا الانتخابات الرئاسية الفرنسية باهتمام.فترة ساركوزي كانت سيئة لتركيا.جمع بين البلدين فقط العداء لسوريا في مرحلة الثورات العربية.لكن هذه الثورات أيضاً فرقت بينهما. والنموذج الليبي كان مرآة مكبرة لفضيحة التنافس بين البلدين في المتوسط وفي شمال إفريقيا. وصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس كان تعزيزا للنفوذ التركي مقابل تراجع التأثير الفرنسي الذي كان حاضنا للنظام التونسي السابق. لكن تركيا التي كانت إلى جانب الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي وعارضت التدخل العسكري الأطلسي في ليبيا كانت تقف على طرفي نقيض مع الموقف الفرنسي. فرنسا كما يتذكر الجميع كانت سباقة على حلف شمال الأطلسي وعلى مجلس الأمن في إرسال طائرات وسفن حربية ودعم المعارضة المسلحة من أجل إسقاط القذافي لسببين الأول قطف حصة كبيرة لها من النفط الليبي بعد سقوط النظام والثاني تعويض فضيحة دفاعها عن نظام زين العابدين بن علي. وهي مواقف رأت فيها تركيا تفردا فرنسيا وأطماعا غير مقبولة. وبعدما كان رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان يعارض نية حلف شمال الأطلسي التدخل في ليبيا ويقول "أي شأن له هناك؟" عاد وبدل موقفه وأيد أن يتولى الحلف قيادة العمليات العسكرية في ليبيا فقط من أجل ألا تبقى فرنسا متفردة بتصدّر العمليات العسكرية في المراحل الأولى. كذلك كان التنافس الفرنسي- التركي على ليبيا واضحا عبر استباق ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون بيوم واحد زيارة قام بها أردوغان إلى بنغازي. وأنهى ساركوزي عهده أو ولايته الأولى بأسوأ ما تكون عليه في العلاقة مع تركيا عبر تحريك موضوع القضية الأرمنية في مطلع العام الحالي بالدفع بمشروع قانون يعاقب من ينكر حصول"إبادة" بحق الأرمن في العام 1915 على أيدي الأتراك. وكاد القانون الذي أقره مجلس النواب أن يتشرّع لولا إبطاله من جانب المجلس الدستوري الفرنسي. وكانت ردة الفعل التركية حادة من خلال تعليق العمل بالنشاطات المشتركة مع فرنسا والتضييق على حرية تنقل الطائرات الفرنسية فوق الأراضي التركية. لكن العقوبات التركية لم ترق إلى مستوى عال لأنها تضر اقتصاديا بتركيا. المزاج العام في تركيا اليوم لدى الشارع ولدى المسؤولين هو تمني خسارة ساركوزي رغم انه منسجم في السياسة الخارجية مع أنقرة تجاه سوريا وينسقان عبر "مؤتمر أصدقاء سوريا" الذي انعقد أولا في تونس ثم في اسطنبول وسينعقد لاحقا في فرنسا. خسارة ساركوزي ستفرح أنقرة لكن فوز هولاند، في المقابل، لن يكون مكسبا تركيا. فالاشتراكيون تاريخيا كانوا الأشد تأييدا للقضية الأرمنية وهم الذين كانوا يريدون معاقبة منكري الإبادة الأرمنية في حين كان ساركوزي يعارض قبل أن يغير موقفه أخيرا لأسباب انتخابية. لكن أنقرة لن تسر كثيرا في حال فوز هولاند الذي كان أول تصريح له، له علاقة بتركيا،هو أن تركيا لن تدخل في عهد إلى الاتحاد الأوروبي لأنها لا توفر الشروط لذلك، في إشارة ضمنية إلى أنه لا يريدها في الأساس. لذا فإن على تركيا ألا تتوقع تغييرا في موقف فرنسا من انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في حال فوز هولاند خصوصا أن أردوغان قال قبل يومين فقط في مؤتمر صحفي مع رئيس وزراء فنلندا أن الزعماء الأوروبيين غدارين وناكثي عهدهم بالنسبة لانضمام تركيا إلى الاتحاد. ساركوزي سيئ بالطبع لتركيا لكن هولاند لن يكون أفضل لها.
399
| 21 أبريل 2012
منذ الغزو الأمريكي للعراق وسيناريو تقسيم المنطقة على أسس مذهبية وإثنية بات على كل لسان. لم يخيّب الأمريكيون الظن عندما دفعوا العراق إلى صيغة الفدرالية: كردية في الشمال وعربية في ما تبقى من أراض. ولم يكتفوا بذلك فالمخطط يطال كل المنطقة وها هي سوريا تشكل التحدي الأكبر حاضرا. الفوضى في سوريا لن تجنّب أحدا. كل الأتراك يقولون ذلك وكل العرب. ومع ذلك يذهبون جميعا كما لو أنهم يتلذذون بتعذيب الذات والانخراط في المؤامرات التي لا تنتهي. تصريحان خطيران ربما يكونان من أهم ما صدر مؤخرا. الأول من جانب رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني الذي هدد بإعلان استقلال الدولة الكردية في شمال العراق والثاني من جانب صلاح الدين ديميرطاش رئيس حزب السلام والديموقراطية الكردي في تركيا والذي ينظر إليه على أنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني. قال ديميرطاش إن انفلات الوضع في سوريا يعني إقامة حكم ذاتي في المنطقة الكردية في سوريا وهي ستشكل مع كردستان العراق وكردستان إيران الحدود الجنوبية لتركيا.أي أن تركيا ستكون محاطة جنوبا بكردستان. ديميرطاش يطالب إما بمساواة الجميع في كل الحقوق والواجبات في تركيا. أي للكردي ما للتركي وعليه ما عليه وإما اعتماد صيغة الحكم الذاتي عبر تقسيم تركيا إلى عشرين إقليما على الأقل منها الإقليم الكردي. وإذا لم يوافق الآخرون على هذه الصيغة يمكن حينها الاكتفاء بمنح الأكراد حكما ذاتيا دون غيرهم. لا تستقيم كردستان السورية والعراقية والإيرانية من دون كردستان التركية. هذا واضح من كلام ديميرطاش عبر تعميمه الكلام على "كردستان" فقط. وبالتالي يضع ديميرطاش تركيا بين خيارين إما إقامة حكم مركزي قوي في دمشق يمنع خطر التقسيم وهذا قد لا يوفّره سوى النظام السوري الحالي مع بعض الإصلاحات وإما مواجهة خطر تقسيم سوريا والدولة الكردية الواحدة من إربيل إلى سوريا وما يعنيه ذلك من "هلال كردي" يضم بين ظهرانيه حتما كردستان تركيا. لا يشكل كلام ديميرطاش تطورا دراماتيكيا في القضية الكردية في المنطقة لكنه معطوفا على تهديدات البرزاني بإعلان الدولة الكردية المستقلة سيكون رسالة بالغة الخطورة على سياسات تركيا التي سترى فجأة أنها ستتعامل مع واقع كردي جديد اسمه دولة كردية مستقلة هي عمليا قائمة ولا ينقص سوى إعلانها من دون أي قدرة لنظام بغداد في مواجهتها أو منعها لا سياسيا ولا عسكريا. كذلك لن يكون في قدرة أنقرة فعل أي شيء خصوصا أنها تعكس حق تقرير المصير لمجموعة إثنية خارج أراضيها ولا حق لها بالتدخل. تماما كما ليس من حق أحد التدخل في الشأن الداخلي التركي كما في شؤون أي دولة في المنطقة. لكن كل هذا هو"من حيث المبدأ"،لأن التاريخ لا يعترف سوى بموازين القوى. تمر المنطقة لا شك بواحدة من أخطر مراحلها. وزير الخارجية التركي السابق شكري سينا غولير يقول إنه للمرة الأولى يطل الصراع السني الشيعي برأسه على هذا النحو منذ الصراع بين العثمانيين والصفويين. والأمر نفسه يتعلق بمخاطر المسألة الكردية منتقدا موقف الحكومة التركية من التدخل في الشأن الداخلي السوري في قضية لا تشكل خطرا على الأمن القومي التركي. ويقول إن تورط تركيا في قضايا الآخرين لا يجب أن يبلغ حد الإعلان أن مصير القدس هو مثل مصير إسطنبول أو أن مصير سراييفو هو من مصير أنقرة قائلا إن مثل هذه السياسة تعقد الحلول وتجذّر المشكلات. إن جانبا مهما من مستقبل المنطقة يرسم بيد تركيا وبقدر ما تكون تركيا على مسافة واحدة من الجميع تكون قادرة على ضبط الإيقاع بما فيه مصلحة جميع شعوب المنطقة. وخلاف ذلك تكون أنقرة القوية والقادرة تلعب بنار التوازنات والحساسيات ومنها الحساسية القومية الكردية التي في الأساس تعيش منذ تسعين عاما في نار مشتعلة بدأها أتاتورك ولم ينجح بعد رجب طيب أردوغان في إطفائها لا في داخل تركيا ولا في محيطها المشرقي. لذلك تبدو الحاجة ملحة للغاية لتفادي الكارثة في المنطقة العربية والإسلامية والمستفيد الوحيد منها إسرائيل والغرب وعلى تركيا المسؤولية الأكبر في هذا الأمر.
328
| 14 أبريل 2012
كشفت الدولة التركية قبل أيام قليلة أرقاما تتعلق بالاقتصاد التركي. ولا شك أنها أرقام تستحق التقدير والإعجاب. من تلك الأرقام أن النمو الاقتصادي في تركيا بلغ في العام 2011 حوالي ثمانية ونصف في المائة وهي بذلك تقفز لتكون الثانية في معدل النمو في العالم بعد الصين التي بلغ نموها تسعة ونصف في المائة. وبذلك حافظت تركيا على معدلات نمو مرتفعة في السنوات الأخيرة ودفعت بالاقتصاد التركي ليكون السادس عشر في العالم وهو لا شك سيتقدم أكثر على لائحة الاقتصاديات الأكثر قوة في الظروف الحالية ما لم تطرأ متغيرات. ذلك أن التوقعات للعام المقبل في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية تشير إلى أن النمو سيتواصل لكنه سيتراجع ليكون حوالي الأربعة ونصف في المائة. وتشير الأرقام التي أعلن عنها أن الناتج القومي قد بلغ للعام 2011 774 مليار دولار بزيادة حوالي الخمسين مليار دولار عن السنة التي سبقتها. وارتفع متوسط الدخل الفردي إلى عشرة آلاف و444 دولارا بزيادة أربعمائة دولار عن العام الذي سبقه. كما يتواصل ارتفاع حجم التجارة الخارجية. ولا شك أن تركيا عرفت ظروفا متعددة أفضت إلى اقتصاد نام وقوي. من أبرز هذه العوامل أنها شهدت استقرارا في السلطة السياسية في السنوات العشر الماضية من خلال تفرد حزب العدالة والتنمية في السلطة. كما أن سياسات الانفتاح التي عرفت بتصفير المشكلات مع دول الجوار والدول الأبعد قد أسهمت في انفتاح الحدود وتسهيل التبادلات التجارية والاستثمارات. أيضا فإن القيادة الرشيدة لمن استلموا إدارة الملف الاقتصادي كان لها دور في ذلك وإن كان الوزير السابق والقيادي في البنك الدولي كمال درويش هو الذي وضع أسس برنامج إخراج سوريا من أزمتها الاقتصادية التي بلغت ذروتها في العام 2001 عندما عين وزيرا للاقتصاد في العام 2001 قبل وصول العدالة والتنمية إلى السلطة. وبالطبع ونظرا لارتباط الاقتصاد التركي بالنظام الاقتصادي العالمي فإنه لابد أن يتأثر بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. ذلك أن 80 في المائة من الاستثمارات الخارجية في تركيا هي من منشأ أوروبي. وبسبب الأزمة في أوروبا فمن المحتمل أن تتراجع هذه الاستثمارات. كذلك فإن 55 في المائة من تجارة تركيا هي مع دول الاتحاد الأوروبي والأزمة الاقتصادية ستترك أثرا على القدرة الشرائية الأوروبية من تركيا. كذلك فإن ارتفاع أسعار البترول العالمية بسب عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بسبب الثورات العربية ولاسيَّما الصراع بين الغرب وإيران ترك أثره الكبير على الفاتورة التركية للطاقة من نفط وغاز طبيعي وحيث من المتوقع أن تصل هذه الفاتورة إلى 75 مليار دولار في العام 2012. وهذا انعكس ارتفاعا في أسعار الوقود في تركيا ما رفع نسبة التضخم فوق العشرة في المائة في آخر أرقام اقتصادية نشرت. وفي تحقيق نشرته صحيفة راديكال التركي حول تأثير "الربيع العربي" على المقاولات التركية في العالم العربي تبين تراجعها بنسبة لا تقل عن 12 في المائة. وجاءت الأزمة السورية لتشكل مصدر إزعاج وقلق للاقتصاد التركي وإن ليس بشكل كبير. حيث تراجع اقتصاد المحافظات التركية المحاذية للحدود السورية كما أن إغلاق الحدود بين البلدين أثر سلبا على حركة النقل البري التركي إلى دول الخليج والأردن وزاد من كلفة النقل عبر طرق أخرى بحرية أو جوية. إلى ذلك فإن توتر العلاقات بين تركيا ومعظم جيرانها المباشرين ومنهم اليونان وقبرص وإسرائيل سوف يترك أثرا سلبيا على اقتصادها. ثم إن تراجع الاستقرار الداخلي نسبيا مع عودة الحدة إلى المسألة الكردية في تركيا في ظل إعلان الحكومة أنها ستشطب الحزب من المعادلة الداخلية وتهديد الحزب بالمقابل بتحويل تركيا إلى جحيم، تساهم في التراجع الاقتصادي الذي لا تظهر معالمه مباشرة بل بعد فترة. تفتخر تركيا بتنميتها الاقتصادية والسياسية والسياسة الخارجية. ومع انهيار سياسة تصفير المشكلات في السياسة الخارجية وتراجع الإصلاح والعجز عن حل المشكلات الداخلية وعن إعداد دستور جديد فإن ما يبقى من مفاخر،على الصعيد الاقتصادي، هي بدورها موضع تهديد ما لم تتبدل الظروف وتتدارك القيادة التركية مواضع الخلل في نهجيها الداخلي والخارجي.
581
| 07 أبريل 2012
تمر المنطقة العربية في مرحلة عدم استقرار مريبة ومحزنة. وفي حين لم تنجح جامعة الدول العربية في أن تكون الحاضنة للقضايا العربية والولاّدة للحلول لمشكلاتها فإن الانقسام العربي والخواء في الإرادات والسيادات الوطنية بلغ ما لا يسر ناظرا ولا يفرح عينا. لم تمر الثورات العربية على خير. حيثما مرت رياح الثورات كان الخارج متأهبا للتدخل ومن ثم لرسم التطورات وفقا لإيقاعه. هكذا حدث في مصر وفي اليمن. وفي ليبيا كان المشهد الأكثر تعبيرا عن الغياب العربي. غير أن الواقع السوري كان الأبرز بما لا يقاس. تحركت جامعة الدول العربية وانتهت مساعيها إلى خفي حنين. وما لبث الملف أن أحيل إلى حيث تتوافر القدرات والقوة والحل والربط. لا يعترف العالم سوى بموازين القوة. والعرب لا تنقصهم لا الطاقات ولا القدرات لكن الإرادة غير متوافرة لا تجاه إسرائيل ولا تجاه أي أزمة يواجهونها. لقد أظهرت الأزمة السورية أن العرب لا يزالون ساحة وملعبا لصراع الآخرين سواء كانوا قوى إقليمية أو كبرى دولية. لقد بات واضحا أن الموضوع السوري خرج من أن يكون فقط داخليا يمكن أن يحله السوريون بأيديهم. النظام بات جزءا من تحالف إقليمي دولي يمتد من لبنان والعراق وإيران إلى روسيا والصين والبرازيل وغيرهم. أما المعارضة السورية بشقيها السياسي والمسلح فليست سوى شجرة دخلت خريفها قبل أن تبدأ ربيعها فتساقطت ثمارها واحدة تلو الأخرى.وبات أطرافها تتقاذفهم العواصم الأجنبية من اسطنبول إلى باريس بعد أن حطوا في تونس سابقا. ليس مستغربا أن تنسحب جميع الأحزاب الكردية من المجلس الوطني السوري عشية انعقاده الأحد في الأول من أبريل. وثيقة الإخوان المسلمين السوريين التي أعلنت من اسطنبول وتقضي بالمساواة التامة بين كل المواطنين السوريين في كل المواقع والمناصب وقطاعات الحياة بمعزل عن انتمائهم الديني والمذهبي والعرقي،لا يشجع كثيرا على أن تكون له ترجمة عملية على أرض الواقع بدليل يتيم وبسيط وهو أن المعارضة السورية التي اجتمعت في اسطنبول رفضت أن يتضمن بيانها الختامي إعطاء أي وعود بمنح الأكراد حقوقهم الثقافية والسياسية لأن المُخرج الفعلي للمعارضة يقع خارج الحدود. حيث إن أنقرة ترفض مثل ذلك لأنه سينسحب على مطالب الأكراد في تركيا وما إدراك ما موقف أنقرة من أكرادها. حتى المعارضة السورية المسلحة ليست ذات مرجعية عربية مباشرة بل تركية. لقد أظهرت مهمة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان أن القوى الكبرى وحدها تعرف حدود المصالح وحدود القوة. لتركيا حدود قوة تلعب في إطارها وتحفظ بعض مصالحها عند الاقتضاء دون خسائر كاملة وكذلك إيران. لكن هناك قوى أكبر منهما هي التي تلعب اللعبة الكبرى والنهائية. قبل أيام أعلن حزب العمال الكردستاني أنه سيحوّل تركيا إلى جحيم إذا ما عزمت على إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية وبالتحديد في المناطق الكردية في شمال سوريا. وهنا يطرح السؤال ما الذي يحول دون أن تعترف تركيا بحقوق الأكراد في تركيا لكي لا يبقوا عامل توتر وشرخ وعدم استقرار في تركيا والمنطقة؟ والسؤال الأكثر أهمية الذي على أنقرة أن تجد جوابا له: لماذا لم تمنع واشنطن مقاتلي حزب العمال الكردستاني من التمركز في شمال العراق رغم أنها كانت تحتل العراق وقادرة على ذلك؟ ولماذا تمتنع القوى الكبرى عن التدخل العسكري في الأزمة السورية فيما تواصل تركيا وضع نفسها في موضع يتعارض مع سير العملية السياسية المحيطة بالأزمة السورية من تنظيم المعارضة وتسليحها ورفض مهمة كوفي عنان؟ لقد أظهرت الأزمة السورية والتجاذبات الحادة التي أحاطت قواعد جديدة للعبة في النظام الدولي لمصلحة القوة الروسية والصينية. ولم يتردد السلوك الأمريكي من أن يأكل من رصيد حتى حلفاؤه من العرب وتركيا حين اقتضت لعبة حدود النفوذ مع روسيا والصين. وفي كل الأحوال فإن النظام العربي والإقليمي(تركيا تحديدا) بحاجة إلى إعادة تحديد دوره في الصراعات الإقليمية والدولية بما يجعله مؤثرا وليس، كما هو اليوم، ضحية.
324
| 31 مارس 2012
مر نوروز الأكراد هذا العام في تركيا بأقل قدر من التوتر والخسائر لدى الطرفين الناس الأكراد والقوى الأمنية. ومع ذلك وقياسا على السنوات القليلة الماضية فقد كان بتعبير وسائل الإعلام التركية"داميا". ولا يزال تطرح أحداث النوروز السنوية المسألة الكردية في تركيا على بساط البحث ولا سيما بعد تصاعد حدة الخطاب القومي. من مؤشرات الاحتقان أن شرطيا لم يتردد في أن يوجه لكمة إلى واحد من أبرز قيادات الأكراد النائب أحمد تورك فتورمت عينه اليسرى ونقل إلى المستشفى. وجاءت هذه الحادثة لتصب الزيت على النار على العلاقة بين الأكراد والدولة. يحدث هذا في ظل غياب أي محاولة من جانب الدولة لمعالجة جديدة لهذه المشكلة رغم أنها تتأثر بالتوترات الإقليمية ولا سيما الوضع في سوريا. يحمّل البعض الحكومة التركية مسؤولية التوتر الأخير في النوروز بأنها منعت الأكراد من الاحتفال بالنورز قبل موعده. وكانت العادة أن يقيم الأكراد احتفالات تبدأ قبل أيام من موعد العيد. لكن الحكومة هذه السنة منعتهم من ذلك نظرا لأن تقارير استخباراتية كانت تشير إلى أن الأكراد سيحوّلون الوضع على الأرض إلى جحيم. لذا كان كلام رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان قاسيا يوم الثلاثاء الماضي بالقول "إننا نعرف عبر الاستخبارات ما كان يعد لذا منعنا الاحتفالات المسبقة". يقع كلام أردوغان هنا خارج السياق الذي يفترض أن تقع فيه البحث عن حل للمشكلة الكردية في تركيا. ذلك أنه هو نفسه اعترف في العام 2005 بوجود "قضية كردية" فيما تراجع عن ذلك في العام الماضي بالقول إنه لا توجد قضية كردية في تركيا بل مشكلة مواطنين من أصل كردي. غير أن ما لفت نظرنا ما نشر في بعض الصحف التركية عن وجود خطة حكومية جديدة للتعامل مع المشكلة الكردية. وتقضي الخطة بالتخلي عن الإستراتيجية السابقة في الانفتاح على الأكراد بعدما لم يقابل الأكراد "حسن نوايا" الحكومة بالمثل المتمثلة في مباحثات أوسلو بين الاستخبارات التركية وممثلين عن حزب العمال الكردستاني وفي عملية عودة بعض المقاتلين الأكراد عبر بوابة الخابور من شمال العراق والتي حوّلها الأكراد إلى تظاهرة انتصار استفزّت التيارات القومية وأحرجت حزب العدالة والتنمية الذي قرر حينها التخلي عن الخطوة بل اعتقال من كانوا عادوا من المقاتلين. وتجيء الخطة ردة فعل على إظهار الحكومة على أنها في موقع ضعف ما دفع بها إلى تجريد حملة على قواعد المجتمع المدني الكردية أو المؤيدة لهم. وإلى اعتماد إستراتيجية جديدة تهمش كل القيادات الكردية ولا سيما زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجالان وحزب السلام والديمقراطية. ومن أهم عناصر هذه الإستراتيجية الجديدة: 1- لن تستخدم الحكومة في حل المشكلة الكردية أي قناة خارج القنوات السياسية المدنية. 2- وبالتالي إبقاء أوجالان وقيادات حزب العمال الكردستاني سواء في جبال قنديل أو في أوروبا خارج أي اتصالات. وفي هذا رد على حزب السلام والديمقراطية الذي يطالب بأن يكون أوجالان هو المخاطب في مباحثات الحل. 3- إبعاد المواطنين الأكراد في الجنوب الشرقي عن ضغوطات حزب العمال الكردستاني ومنظمة"اتحاد المجتمعات الكردية" التي هي اتحاد عام يضم ممثلين عن الأكراد في تركيا وسوريا والعراق وإيران. 4- اتخاذ الشعب الكردي مباشرة هو المخاطب. 5- عدم اعتماد أي منبر للبحث في الحل خارج البرلمان التركي. أي التباحث مع الممثلين الذين جاؤوا عبر طرق ديمقراطية والذين يتحركون في إطار مدني ولا تكون المرة عليهم من أوجالان وقنديل. 6- استمرار العمليات العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني. 7- إذا كان لا بد من مفاوضات مع حزب العمال الكردستاني فلكي يلقي سلاحه فقط. 8- عدم تضمين الدستور الجديد أي إشارة إلى الهوية الكردية والحكم الذاتي. وسوف يأخذ الدستور الجديد كأساس المساواة بين المواطنين وحقوق الإنسان. 9- تقوية السلطات المحلية واتخاذ القوانين الدولة أساسا في الحكم. إذا تأملنا هذه الخطة الجديدة فلا أعتقد، نحن المتابعين للشأن التركي منذ ثلاثين سنة أنها تختلف بشيء عما كانت تقدمه الحكومات السابقة منذ انقلاب 1980. وهو ما يعتبر برأينا انقلابا خطيرا على روح الإصلاح التي رفعها حزب العدالة والتنمية وتنبئ بنذر سوداء في سماء العلاقات التركية الكردية.
645
| 24 مارس 2012
طرحت سيطرة الجيش السوري على مدينتي حمص وإدلب وجوارهما واستمرار مطاردة منشقي " جيش سوريا الحرة" معضلة إضافية على المواقف التركية من الأزمة السورية بعد مرور عام على بدء الثورة هناك. وبدا واضحا للجميع أن أنقرة منذ بدء الأزمة كانت في طليعة المتدخلين في الشأن السوري من أجل البحث في حلول لها. ووصل الأمر برئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان إلى اعتبار الشأن السوري شأنا داخليا تركيا. ولم يعرف أحد حتى الآن كيف تترجم أنقرة هذه النظرة. هل بالتوسط بين أطراف الصراع أم بالانحياز للمعارضة أم بصيغة ثالثة؟ لم تكن تركيا غير محقة عندما حذّرت من انعكاس الوضع في سوريا على أمنها الداخلي. ولاسيَّما إذا ما تطورت الأوضاع في سوريا إلى حرب أهلية وإلى صدامات مذهبية واتنية حيث ستكون تركيا الأكثر تأثرا نظرا لتشابه البنية الاجتماعية فيها مع البنية السورية. مع تسجيل مفارقة هنا أنه رغم علمانية النظام في تركيا ورغم تقدمه على طريق الديمقراطية، وهما علامتا النموذج التركي الذي يروّج له، فإن الحساسيات الاتنية والمذهبية في تركيا أكبر وأعلى وأخطر منها في أي بلد إسلامي آخر. وإن دل هذا على شيء فعلى أن النظام في تركيا ليس علمانيا ولا ديمقراطيا بالمعنى الفعلي. تخوّف تركيا من الأزمة السورية إذا في محله. لكن المشكلة الأساسية التي واجهتها تركيا منذ البداية أنها افتقدت الصبر والحنكة والتعقل في كيفية النظرة إلى الأزمة. فكان الاستعجال سمة كل شيء في السلوك التركي تجاه سوريا ومن استعجل الشيء عوقب بحرمانه منه. أرادت أنقرة، محقة، أن يبادر الرئيس السوري بشار الأسد إلى إصلاحات شاملة في النظام، لكنها كانت تطلب المستحيل أو ما يشبهه عندما كانت تريد من نظام مؤسساته متعفنة أن يقوم بإصلاح نفسه في فترة زمنية قصيرة جدا لا تتجاوز الأسابيع أو الأشهر. وهذا يعني عمليا دفعه للانتحار وهو ما لا يقبله. فكيف تريد أنقرة من دمشق إصلاحا شاملا أو حتى جزئيا خلال أقل من سنة فيما استغرق إنهاء نفوذ المؤسسة العسكرية في السياسية في تركيا ثماني سنوات كاملة قبل أن تنجح في ذلك في استفتاء 12 سبتمبر2010 ؟ وفيما لم تنجح حتى الآن التقدم خطوة واحدة في حل المشكلتين الكردية والعلوية ولا في إعادة فتح مجرد مدرسة دينية واحدة للرهبان المسيحيين قرب اسطنبول أغلقت قبل خمسين عاما. لم تصبر تركيا على النظام السوري فبادرت وفي وقت مبكر جدا إلى الانحياز الكامل لطرف دون آخر عندما احتضنت المعارضة السورية السياسية التي في الخارج أولا بكل أطيافها ونظمت لهم مؤتمرا بعد شهر واحد على بدء الأزمة تلاها مؤتمرات متعددة حيث أبصر المجلس الوطني السوري من اسطنبول بالذات. وهو ما نزع ثقة دمشق في نوايا أنقرة. ولم تكتف أنقرة بذلك بل انحازت إلى أطراف معينة من المعارضة دون أخرى عندما تجاهلت رموز المعارضة في الداخل مثل حسن عبدالعظيم وميشال كيلو وغيرهم ولم تسع إلى التواصل معهم. فمن قال إن قادة المجلس الوطني السوري هم أكثر وطنية من عبدالعظيم وكيلو ومن شابههما؟ وأضافت تركيا إلى احتضانها المعارضة السياسية وإيوائها وتوفير كل المساعدات للجيش السوري الحر المنشق بقيادة رياض الأسعد. فكان هذا أخطر من احتضان المعارضة السياسية وتحوّلت تركيا إلى طرف مباشر في الصراع. اليوم مر عام على الثورة في سوريا التي تداخلت فيها مع الوقت كل أنواع الصراعات الإقليمية والدولية وما عاد ممكنا الحديث عن ثورة أو أزمة بل عن صراع دولي على سوريا. وهذا ما زاد الأزمة تعقيدا. حتى إذا بدأ البحث عن طرف ثالث موثوق من الجميع لم يعثر أحد عليه لا إقليميا ولا دوليا. وهو بالضبط ما كانت تركيا قادرة على القيام به نظرا لكون علاقاتها كانت جيدة مع كل الأطراف من دون أن يعني حيادها أنها ضد الثورة ومع النظام. لكن في العلاقات الدولية يبقى مكان لقوة ثالثة هو بالضبط ما كانت تركيا تقوم به قبل الربيع العربي الدامي في التوسط في النزاعات بين الدول وداخلها. اليوم بعد مرور عام على الثورة السورية تجد تركيا نفسها خالية الوفاض وفي مأزق وصبرها الذي نفذ عشرات المرات لم يجد أحد يترجمه. تنظر تركيا اليوم فتجد مجلسا وطنيا سوريا مفككا وجيشا سوريا حرا لم يستطع أن يحقق أي إنجاز. والنظام لا يزال في مكانه وهي، تركيا، غير قادرة على التحرك كطرف ذي ثقة. وإذا كان من أطراف يمكن تبرير مواقفها بالصراعات داخل البيت العربي، فهو ما ليس مبررا لتركيا التي خسرت جوارها الجغرافي المباشر من جهة فيما لا يمكن أن تؤسس لتكون لاعبا إقليميا أساسيا عبر الانخراط في اصطفافات لا تجلب سوى الارتدادات السلبية في منطقة الهشاشة هي سمة بناها الأساسية.
459
| 17 مارس 2012
لم يكن هو المؤتمر الأول الذي انعقد على مدى يومين في باكو فقد سبقه مؤتمران في اسطنبول نفسها. الفكرة جديرة بالتقدير والدعم ولكن أيضا بالتطوير. إنه مؤتمر يجمع عددا كبيرا في مراكز الدراسات في الدول التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي. ويسعى لتشكيل أرضية أو منتدى لهذه المراكز لتبادل"عصف الأفكار" كما بات المصطلح شائعا. الفكرة كما التنظيم بنات أفكار مركز "تاسام" في تركيا. وهو قريب من حزب العدالة والتنمية. المؤتمر الثالث في باكو شارك في تنظيمه مركز "سام" الأذري التابع أيضاً للسلطة في أذربيجان. من الوهلة الأولى يمكن الاعتقاد أن المؤتمر رسمي ومن تنظيم ورعاية منظمة التعاون الإسلامي. لكن هذا غير صحيح. هناك تعاون معها وتسهيلات. وربما يكون اسم المنتدى يحمل بعض "التذاكي" من خلال التسمية "منتدى مراكز الدراسات في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي". في ذلك رغبة في رعاية غير مباشرة منها. وربما استفادت مراكز الدراسات التركية المنظمة للمؤتمر من وجود تركي هو أكمل الدين إحسان أوغلو على رأس المنظمة خصوصا أن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو كان يردد أن على تركيا أن تكون حاضرة في كل المؤسسات الإقليمية والدولية عبر شخصيات تركية مباشرة أو عبر وسائل أخرى. الفكرة التركية المنشأ يمكن أن تكون فرصة لتطويرها لتتحول إلى إسلامية شاملة بمعنى أن يكون حتى التنظيم بالشراكة بين مراكز دراسات عدة في العالم الإسلامي وعدم اقتصار، أو احتكار، ذلك على فئة دون أخرى. الفكرة رغم سنتين على بدئها لا تزال في مرحلة "العصف الخجول" للأفكار. عشرات الكلمات من باحثين في مهلة زمنية لا تتجاوز الدقائق بالكاد تكفي لتمرير عنوان الفكرة. ربما يكون المؤتمر المقبل في القاهرة، وبعده في العراق ثم في باكستان، أكثر تبلورا وإبرازا للمشكلات العميقة والجديدة التي يعاني منها العالم الإسلامي وتتطلب إجابات"فكرية" من مراكز"الأدمغة". وحده مهاتير محمد كانت له مكانة مميزة في المؤتمر. كان ضيف الشرف وله "محاضرة" المؤتمر حيث تكلم بإيجاز وبلاغة وعمق خلال نصف ساعة عن التجربة المهاتيرية في الاقتصاد والإدارة والتنمية. وكان واضحا أنه لا يولي أهمية للنظريات السياسية حيث إن الصين مثلا هي مثل القط لا يهمها لونه أكان أسود أم أبيض فالمهم أن يصل إلى هدفه في القبض على الفأرة كما قال مهاتير. وهكذا نحّت الشيوعية جانبا ونجحت في تنمية لتصل إلى القوة الاقتصادية الثانية في العالم. من الواضح أن مهاتير محمد، الذي أثقلته السنين، يركّز على عاملي التصنيع الذي يستطيع أن يشغّل أكبر عدد من العمال بخلاف الزراعة والشخصية القيادية للزعيم الذي يجب أن يحمل رؤية وأن يعرف كيف ينفّذ هذه الرؤية. مهاتير محمد الذي أجاب على أسئلة الحضور كلها تجاهل الإجابة عن السؤال الوحيد المتصل بالقضية الفلسطينية حول تهويد إسرائيل للقدس رغم أن البعض ذكّره بالسؤال مرة ثانية. هذا يقود إلى فلسطين التي كانت شبه غائبة عن كلمات المشاركين خلا قلة اشمأزت من غياب فلسطين فأدخلتها عنوة في مداخلاتها. مسألة فلسطين تحتاج إلى عناية أكبر بكثير من المنظمين في الفترة المقبلة وربما يكون محور المؤتمر المقبل عن فلسطين ومن قلب القاهرة بالذات. يرى البعض أن أذربيجان تتحول إلى "قاعدة" إسرائيلية بمعنى التأثير الجيوبوليتيكي وأهميتها لإسرائيل. أذربيجان مهمة لإسرائيل طبعا في مواجهة إيران وهذا أمر مفروغ منه. لكن التغلغل الإسرائيلي في أذربيجان والقوقاز عموما يتصل أيضا بقوى أخرى على الأرض هي تحديدا أرمينيا وتركيا. تتحدث المعلومات عن وجود تحالف استراتيجي غير معلن بين باكو وتل أبيب، أولا ضد إيران من جهة إسرائيل، وثانيا ضد أرمينيا من جهة أذربيجان. مؤخرا تم توقيع اتفاق عسكري بقيمة مليار وستمائة مليون دولار بين البلدين لتزويد أذربيجان برادارات ضد الصواريخ تشبه رادارات الدرع الصاروخية الأطلسية في ملاطية بتركيا وبطائرات من دون طيار وبالطبع هذه موجهة ضد إيران وبأسلحة أخرى وتدريبات تريدها أذربيجان ضد أرمينيا التي تحتل أجزاء مهمة من الأراضي الأذرية. لكن المفارقة أن التغلغل الإسرائيلي يحمل من جهة أخرى اقتحاما لمنطقة نفوذ مادية ومعنوية لتركيا. حيث أن تركيا ترى في التعاون العسكري الإسرائيلي الأذري إضعافا للنفوذ التركي خصوصا في ظل سعي إسرائيل للبحث عن مناطق نفوذ جديدة تعوّض خسارة التحالف الاستراتيجي مع تركيا بسبب حادثة سفينة مرمرة. ومن ملامحها البارزة التحالف الإسرائيلي مع قبرص اليونانية ومع اليونان وبلغاريا ورومانيا واليوم استمرار للتعاون مع أذربيجان وجورجيا. تتحول أذربيجان إلى منطقة للصراع بين القوى الإقليمية والقوى الدولية وفي رأس الأخيرة روسيا والولايات المتحدة. إذ ليس سهلا أن تكون محاذيا جغرافيا لقوى كبيرة مثل روسيا وإيران وتركيا معطوفا على ثروة خيالية من النفط والغاز الطبيعي الذي يكاد يحيل خليج باكو إلى مياه رمادية. ولا تخجل أذربيجان من تحالفها مع إسرائيل إذ تقول إحدى الباحثات الأذريات البارزات إنه رغم اعتراض البعض من الجيران "سنواصل تعاوننا مع إسرائيل على الصعيد العسكري". والمقصود بالجيران قد يكون إيران التي احتجت رسميا لدى باكو على تعاونها مع إسرائيل، وقد يكون المقصود أيضاً أرمينيا.
499
| 10 مارس 2012
انشغلت تركيا بالأوضاع في الشرق الأوسط ولاسيَّما بعد بدء الثورات العربية. وينسجم هذا الانشغال بالنزعة المتزايدة في المجتمع والسلطة في تركيا باتجاه الفضاء الإسلامي الذي ابتعدت واستبعدت عنه على امتداد عقود. ومع أن "عودة" تركيا إلى الشرق هذه المرة كانت صارخة وتميزت باصطفافها إلى جانب أطراف ومعارضة لأخرى، ما عرّضها لارتباكات بدءا من ليبيا والبحرين وصولا إلى سوريا، فإن هذا الانشغال قد انعكس سلبا على جهود تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. نشير إلى هذا انطلاقا من خبر رفع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي بالأمس اقتراحا إلى المجلس الأوروبي الذي سيجتمع على مستوى القمة في مطلع مارس الجاري بإعطاء جمهورية صربيا صفة المرشح للانضمام إلى الاتحاد. وقد أشار وزير خارجية الدانمرك نيقولاي فامين إلى أن التوصية تعكس رغبة الاتحاد في فتح صفحة جديدة مع صربيا. وقد أيد التوصية 26 من 27 دولة هم أعضاء الاتحاد ما عدا رومانيا التي تريد الاعتراف بهوية أقلية "أولاه" الموجودة في صربيا. يذكّر الاقتراح باعتبار صربيا عضوا مرشحا للانضمام مسيرةَ عدد كبير من الدول التي كانت في عداد المعسكر الشيوعي ثم ما لبثت أن أصبحت خلال سنوات قليلة عضوا كامل العضوية في الاتحاد. مباشرة ينتقل الحديث إلى وضع تركيا التي لا تزال تصارع من أجل الانضمام منذ العام 1963.أي إذا انتظرنا سنة إضافية واحدة فقط لوجدنا أنه يكون مرَّ نصف قرن على إعلان أنقرة بين تركيا والمجموعة الأوروبية ولا تزال تركيا خارج الاتحاد. وقياسا إلى الظروف التي تحيط بعلاقة تركيا بالاتحاد عموما وببعض دوله خصوصا لسنا بحاجة لجهد كبير لنستنتج أن عضوية تركيا في الاتحاد لن تكون في المدى المنظور الذي قد يمتد لسنوات. كل الدول الأوروبية التي انضمت والتي ستنضم في كفة ووضع تركيا في كفة ثانية. وهذا بالطبع يلقي مسؤوليات على الجانبين وليس على جانب واحد. فالعلاقات بين تركيا والاتحاد تتداخل فيها عوامل متعددة تجعلها شديدة التعقيد. يمكن إعطاء مثل سريع هنا على "طبيعة" العلاقة بين تركيا وأحد بلدان الاتحاد ما حصل في شأن المسألة الأرمنية في فرنسا. حيث أن الفرنسيين سواء كانوا يمينيين أم اشتراكيين يقفون إلى جانب اعتبار أحداث 1915 في تركيا على أنها كانت "إبادة" وقد اعترفوا بذلك في العام 2001. واليوم ومن دون سبب بل لاعتبارات انتخابية يخلق الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي أزمة مع تركيا بسبب محاولته تجريم منكري حصول"إبادة". وفي هذا تلاعب بالعلاقات مع بلد كبير مثل تركيا. وما كان ممكنا ذلك لولا أن هوية تركيا الإسلامية يتخذها الأوروبيون مكسر عصا لتحقيق مآرب وحسابات ضيقة تتصل بالسياسات الداخلية. لكن هذا يمثل وجها واحدا من السياسات الأوروبية. إذ إن أوروبا لا تزال في الوقت نفسه تختزن سياسات دينية تتحكم في جانب كبير من موقفها من مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وهو أحد عوامل تأخير انضمام تركيا إلى الاتحاد رغم مرور نصف قرن على بروتوكول أنقرة. لكن، في المقابل، وكما أشرنا أعلاه، فإن ازدياد النزعة الدينية في تركيا والتوجه للاهتمام بقضايا المشرق كانت أيضا من أسباب تراجع السعي التركي الجاد لتلبية شروط الاتحاد الأوروبي. وهو إهمال لا يتعلق فقط بانفتاح فرص توسيع النفوذ في المنطقة والتعويض عن الجمود على المسار الأوروبي بل أيضاً لأن الأترك أنفسهم بكل فئاتهم الإسلامية والعلمانية يتعاطون مع الاتحاد الأوروبي لحسابات داخلية ولا يسعون جادين للانضمام حيث يدركون جميعهم أن لا مكان للهوية الإسلامية في الاتحاد. كذلك فإن الأتراك لم ينجحوا حتى الآن، رغم كل التقدم الحاصل، في تقديم نموذج متكامل على صعيدي الديمقراطية والعلمنة. لذلك سنجد أن دولا مسيحية مثل صربيا وذات تاريخ دموي ضد المسلمين يمكن أن تصبح عضوا في الاتحاد بعد سنوات قليلة من تقديم طلبها، في حين تمر خمسون عاما على طلب تركيا من دون نتيجة.
382
| 03 مارس 2012
لا يبدو أن موافقة تركيا على نشر الدرع الصاروخية على أراضيها وفي منطقة كوريجيك بملاطية سيمر مرور الكرام لا عند روسيا ولا عند إيران أو أي دولة تضع الولايات المتحدة وحلف الناتو في مصاف التهديدات لأمنها القومي. وقد كنا شاهدين على تصريحات إيرانية عسكرية وسياسية شديدة اللهجة ضد نصب رادارات الدرع في تركيا. وقد حاول وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو أن يخفف من وقع خطوة نشر الدرع في تركيا بالقول إنه لن يكون مهددا لإيران ولا في أي وقت. لكن الإيرانيين يعرفون جيدا أن هذا يبقى في الإطار النظري إذ إن الدرع هي فكرة أمريكية وتنفيذ أطلسي ومشاركة تركية وبالتالي إن تذكير انديرس فوج راسموسين أمين عام حلف الناتو من أن المادة الخامسة من نظام الحلف تقضي باعتبار أي هجوم على بلد أطلسي هجوم على كل الدول، هو رسالة إلى أن تركيا ستكون شريكة في الدفاع عن أي بلد أطلسي يتعرض لهجوم والعكس صحيح أيضاً أي أن تركيا ستحظى بحماية الأطلسي إذا تعرضت لهجوم. وفي الحالتين لن تكون رادارات الدرع الصاروخية في تركيا مجرد ديكور بل سيكون لها دور مركزي. وهي ستكون بالتالي درعا كابحا مبدئيا لإمكانات نجاح أي هجوم روسي أو إيراني على تركيا أو الغرب. نصب الغرب الدرع الصاروخية قبلا في شرق أوروبا ولم تستثر ردود فعل حادة من جانب روسيا أو إيران. لكن الخطاب الذي وجهه الزعيم الروسي فلاديمير بوتن قبل أيام من أن روسيا سوف تتسلح بقوة حتى النهاية لكي تواجه تهديدات الغرب ولاسيَّما درعها الصاروخية الذي نشرته شرقا في أوروبا وجنوبا في تركيا كان محطة بارزة في هذا الصدد. بوتن هنا يضع تركيا في فوهة المدفع وتحميلها مسؤولية الشراكة في محاولة الغرب خنق روسيا وإحاطتها بجدارات تهديدية من شبكة رادارات وصواريخ. وتركيا هنا لا شك هي التي اختارت قدرها بنفسها من خلال أنها هي التي طلبت كما كشف راسموسين نفسه نشر الدرع على أراضيها. وسياسة تركيا هذه تسهم في تهشيم سياسة تصفير المشكلات التي اتبعتها هي نفسها مع جيرانها وما لبثت أن تعرضت للإخفاق مهما تقدمت العلاقات التجارية والاقتصادية مع هؤلاء الجيران. غير أن وظيفة الدرع الصاروخية في تركيا ربما تجاوزت حدود الدفاع عن الأمن القومي التركي إلى الدفاع عن شبكة الدول المرتبطة بالغرب وفي مقدمتها إسرائيل. بالطبع ينفي المسؤولون الأتراك كما الأطلسيون أن من مهام الدرع الصاروخية مساعدة إسرائيل للتصدي لأي هجوم إيراني على إسرائيل. لكن الذرائع التركية ليست مقنعة بما فيه الكفاية خصوصا في ظل تصريحات لمسؤولين عسكريين أمريكيين من أن منظومة الدرع الصاروخية في تركيا وتلك الموجودة في إسرائيل ينتميان إلى حوض استخباراتي واحد مشترك. ومؤخرا لفتت معلومات إعلامية تركيا إلى أن الرادارت التركية في ملاطية كانت جزءا من مناورات صاروخية إسرائيلية حصلت في العاشر من فبراير الحالي. ومع أن مسؤولين رسميين نفوا أن تكون رادارات ملاطية كانت جزءا من مناورة رصد صواريح إيرانية فإن الإجابات التركية لم تبدد الالتباسات المحيطة بهذا الموضوع. اذ من جهة تقول معطيات أن الرادار بدأ بالفعل العمل منذ مطلع العام 2012 والبعض يقول إن الرادارات ليست بعد جاهزة للعمل. قد تكون الأنباء الإسرائيلية حول اشتراك الرادارات في تركيا في المناورة الإسرائيلية صحيحة وقد تكون جزءا من محاولة تخريب العلاقة بين تركيا وإيران ومحيطها. لكن مما لاشك فيه أن تركيا لا تزال جزءا من الناتو بل هي جزء مركزي منه وأن سياسات أنقرة الطرفية في الصراع مع المحور الروسي – الإيراني تحول دون استبعاد أي احتمالات في ما يجري من مناورات وفي ما قد يكون عليه موقع تركيا في أي انفجار مقبل.
424
| 25 فبراير 2012
منذ أن أجرى رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان عملية جراحية في الجهاز الهضمي في 25 نوفمبر 2011 ومن ثم العملية الاستكمالية الثانية قبل أيام تركز عبء التحركات الخارجية على وزير الخارجية أحمد داود أوغلو الذي بات "المتحرك" الرسمي باسم تركيا. ولا يخفى أن داود أوغلو أهلٌ لتحمل هذه الأعباء فهو ليس فقط لا يريح سفراء تركيا بل يكاد لا يريح تركيا من كثافة جهده وحيويته. وفي هذا الإطار كانت زيارته إلى الولايات المتحدة في مطلع الأسبوع الحالي ولقاءاته المكثفة والمطولة مع جميع المسؤولين الأمريكيين باستثناء الرئيس باراك أوباما. توقيت زيارة داود أوغلو كان على وقع التطورات في سوريا. روسيا والصين استخدمتا الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار يريان أنه سيفتح الطريق أمام التدخل العسكري في سوريا مهما كانت عباراته ملطفة وبذلك انسدت سبل التحرك ضد لنظام السوري عبر قرار دولي من أعلى سلطة أممية. لكن الهزيمة التي ألحقتها روسيا والصين بالغرب ومن معه لم توقف المحاولات لوقف حملة النظام على المعارضة وإيجاد السبل للتخلص من الرئيس السوري ونظامه. وتبدو تركيا معنية أكثر من غيرها بجهود إسقاط النظام نظرا للخطوات البعيدة التي ذهبت فيه في التعامل مع الوضع السوري وكانت في واجهة الحملات على دمشق. فهي منذ البداية كانت السباقة إلى احتضان المعارضة السورية ولاسيما الإخوان المسلمين ثم إلى تنظيمهم في "المجلس الوطني السوري" الذي أعلن من إسطنبول. وهي أول من احتضن عناصر عسكرية سورية منشقة ما لبثت أن انتظمت في ما يسمى بـ "جيش سوريا الحرة" مع توفير الملاذ والتسليح لهم والإمكانيات لهم. كما كانت تركيا أول من فرض عقوبات اقتصادية على سوريا وإلغاء اتفاقيات وما إلى ذلك. وبما أن جامعة الدول العربية تعكس الضعف العربي العام فقد كانت تركيا هي "مركز إنتاج" الأفكار للضغط على النظام السوري. واليوم بعد انهيار مهمة بعثة المراقبين العرب في سوريا كما إحباط القرار الخاص بسوريا عبر الفيتو الروسي والصيني كانت من "مهام" تركيا أن تبتكر أفكارا لمواصلة الضغوط على سوريا. ذهب داود أوغلو إلى واشنطن في مهمة تعاكس واقع العلاقات التركية الأمريكية. الإدارة الأمريكية رغم مناصبتها العداء للنظام السوري لكنها أكثر تفهما للمصالح الروسية والصينية في العالم. تحاول واشنطن الضغط هنا وهناك على روسيا أو الصين لكنها عندما ترى بأم العين وتلمس مباشرة أن موسكو وبكين سيمضيان إلى النهاية للدفاع عن مصالحهما،أو عن ما تبقى من مصالحهما، في الشرق الأوسط فإنها تنحني للعاصفة وتعرف أن العالم ليس حكرا عليها. لا تستطيع واشنطن أن تمضي إلى مواجهة مع القوتين الكبريين أعلاه في كل قضية.والمثال الكوري الشمالي المحمي من الصين ومن روسيا مثال على ذلك. تنقل بعض الكتابات التركية عن "انقلاب الصورة" في العلاقات التركية الأمريكية.كانت واشنطن هي التي تضغط على أنقرة في السنوات الأخيرة بشأن تغيير موقفها من بعض الملفات.اليوم أنقرة هي التي تحاول الضغط على واشنطن في الملف السوري تحديدا. تفسير ذلك ليس تراجع واشنطن عن هدف إسقاط النظام في سوريا فهو قائم دائما لكن مستوى التعبئة لذلك تتفاوت من مرحلة إلى أخرى تبعا للظروف فيما أنقرة لا تهدأ بعدما وضعت كل أوراقها على الطاولة ورفعت منذ وقت طويل: يا كل شيء يا لا شيء.. وهو ما يفسر "عدم الواقعية" التركية في التعامل مع الملف السوري تحديدا بخلاف البراغماتية المعروفة عن طريقة تعامل الأمريكيين مع القضايا والمشكلات. ولا شك أن الملف السوري يضيف خبرة كبيرة جدا إلى طريقة تطوير أداء الدبلوماسية التركية والاستفادة من الدروس التي فرضتها وأولها أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح ويجب أن تؤخذ في الاعتبار والتعامل معها بواقعية وليس على الطريقة اللبنانية "عنزة ولو طارت".. وزيارة داود أوغلو إلى واشنطن يفترض أن تقدم مثل هذا الدرس إلى أنقرة.
477
| 18 فبراير 2012
يتقدم النموذج العربي ليكون هو مرجعية للمجتمعات العربية بعد الثورات. منذ عصر النهضة والعرب يتطلعون إلى الخارج ليقتبسوا نموذجا لبناء الدولة والدخول في عصر الحداثة. ولم ينقطع المفكرون منذ عصر النهضة وحتى الآن في البحث عن نموذجهم في الخارج. تارة في الغرب الليبرالي وتارة في الشرق الآسيوي والأوروبي الشيوعي. ومنذ فترة بات الحديث عن النموذج التركي يتصدر كتابات المفكرين على أنه النموذج الصالح. ومع أن هذا النموذج حقق نجاحات معينة في بعض الجوانب غير أن الثورات العربية رغم كل الضجيج الذي أثير حول استلهام النموذج التركي إلا أنه بات واضحا أن أحدا لا يستطيع أن يستعير تجارب الآخرين وأن العرب عليهم أن يخلقوا نموذجهم وهو ما نطالب به منذ فترة طويلة. انطلقنا في هذا التوجه من الحوار الذي أجراه الشيخ راشد الغنوشي أحد أبرز رموز الحركة الإسلامية العربية مع ثلة من المشاركين في مؤتمر الثورات والانتقال إلى المرحلة الديمقراطية الذي انعقد في مدينة الحمامات بتونس. غالبا ما كان الغنوشي يقدم تصورات أكثر تفهما لخصوصيات الانتقال إلى الحداثة. وواضح أن الغنوشي غير مندهش بالنموذج الخارجي الغربي وغير الغربي. ويسعى لبلورة نموذج خاص بالمجتمعات العربية. وبمعزل عن بعض الآراء السياسية التي خرج بها ولاسيَّما لجهة العلاقة مع الغرب وحلف شمال الأطلسي فإنه من المفيد البناء على المنظومة الفكرية التي يقدمها الغنوشي لتلافي التوترات الاجتماعية والمذهبية. وفي حين استقبل الإخوان المسلمون في مصر رئيس وزراء تركيا بمطلب الخلافة لكنهم سرعان ما اعترضوا عليه لأنه طالبهم باعتماد العلمنة في النظام الجديد وعدم الخوف منها. وبمعزل عن طريقة تطبيق العلمنة في تركيا والتي لا يمكن أن ترقى إلى مصاف النموذج وبمعزل عن مدى إيمان أردوغان بالعلمنة حيث إن الممارسات الفعلية لحزب العدالة والتنمية التركي في الداخل وتجاه الخارج لا تستقيم مع مبدأ العلمنة فإن نظرة الغنوشي باحترام الآخر والعيش تحت سقف الحرية يجدر أن يمضي قدما إلى إقامة الدولة الحديثة التي لا يلغي فيها أحد أحدا ويعيشون كلهم معا في ظل نظام الحريات والعدالة. في اللقاء مع الغنوشي كان العقل حاضرا في منطقه "الشورى أعطاها الله لنا لكنه ترك لنا خلق الأدوات وهذا مجال العقل". يفتح الغنوشي على اجتهاد مهم. ويضيف إليه ضرورة احترام تعددية المجتمع لأنه "لا مناص سوى أن نقبل بعضنا بعضا حتى لا تغرق السفينة". تدخل الحركة الإسلامية العربية وفي رأسها التونسية منعطفا جديدا في ظل وصولها إلى السلطة ومواجهة تحديات التطبيق العملي لما كانوا يرفعونه. رفع الإسلاميون في مصر سابقا شعار أن الإسلام هو الحل. واليوم يواجهون تحدي تطبيق الشعار وإلا اعتبروا ديماجوجيين. لذا كانت الثورات أكبر تحد للحركات الإسلامية وقد تكون الفخ الأكبر لها. من هنا فإن حديث الغنوشي عن ضرورة توطين الإسلاميين وغير الإسلاميين أنفسهم على الديمقراطية والتعاون بين الإسلاميين والعلمانيين المعتدلين يجب أن يشكل مدخلا لتأسيس العرب نموذجهم الخاص بهم من دون النظر إلى نماذج الآخرين. ومع كل الاحترام لشعارات تونس أولا ومصر أولا وما شابه يبقى التحدي الخارجي المتمثل بإسرائيل والهيمنة الغربية أحد الامتحانات القاسية التي سيمر بها الإسلاميون. يرى الغنوشي أنه يجب فصل العلاقة مع الغرب عن الموقف من إسرائيل ولكن عندما سألته عن مدى ثقته باقتناع الغرب بذلك وما إذا كان الغرب سيتركه لشأنه في الموقف من إسرائيل ظهر من جواب الغنوشي أنه يأمل ذلك. لذلك إن تونس أولا أو مصر أولا لن يفيد بشيء في تطوير خطاب الحركات الإسلامية إن لم تدرك أن إحلال الديمقراطية والتنمية في الداخل لا ينفصل عن العلاقة مع الخارج. وإذا كان الخطاب الإسلامي صلبا في مواجهة المشروع الصهيوني فلن يدعه الغرب لا في إحلال ديمقراطية ولا في تنمية البلاد. وإذ نشدد على أهمية قول الغنوشي إنه لن يعترف أبداً بإسرائيل فإن الأكثر أهمية أن يدرك أيضا، وهو يدرك، أن الغرب وإسرائيل وجهان لعملة واحدة ولا يمكن الفصل بينهما. ومن هنا يبدأ الامتحان الحقيقي لحركات الإخوان المسلمين ولاسيَّما في مصر وتونس.
410
| 11 فبراير 2012
مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
2820
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
1062
| 26 فبراير 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1023
| 04 مارس 2026
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...
840
| 27 فبراير 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...
771
| 02 مارس 2026
-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...
717
| 01 مارس 2026
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...
681
| 02 مارس 2026
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...
624
| 02 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
591
| 04 مارس 2026
لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...
579
| 26 فبراير 2026
اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...
573
| 01 مارس 2026
مساحة إعلانية