رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكون - بعد ساعات - ينتظر حدثا جللا، فجنان أبوابها تفتح، ونيران أبواها تغلق، وشياطين مصفدة عاجزة عن الإغواء كما كانت في غير رمضان، وحسنات مضاعفة لا حد لها، كل هذا لأجلك، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا). فيا من طالت غيبته، وعظمت مخاصمته، أما قربت أيام المصالحة؟ اليوم قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، فيا سعد من اغتنمها!. شهر أيامه معدودة، فبادر قبل أن تنصرم دون أمل في تكرار اللقاء! فكم من مؤمل صيامه؛ خانه أمله فصار بين ظلمة القبر مقيدة فعاله، مقبورة أمانيه! وكم من مستقبل يومًا لا يستكمله، ومؤمل غدًا لا يدركه، ولو أبصرنا بصدق الأجل ومسيره؛ لأبغضنا الأمل وغروره! فيا أخي أما آن الرجوع، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) - قد أتاك رمضان وفي جوفه من العطايا ما لا مزيد عليه، وأنت من أحوج الناس إليه، فلا تكسل، وتذكر قول حبيبك: - «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» - «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادى مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة». - «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مكفِّرات ما بينهنَّ إذا اجتنبَت الكبائر». - وفيه ليلة خير من عمرك كله {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} من حرمها فقد حرم الخير كله. فالله الله في رمضان لا تضيع دقائقه، ولا تستكثر أيامه، ولا تتخذ من التسويف وسيلة لحرمانك، واعمد إلى خمس: 1- من لم يخطط للنجاح خطط للفشل، ومن لم يخطط لفاز وربح خطط لخاب وخسر، فابدأ شهرك بتخطيط لكل يوم، واجعل في نهاية كل يوم محاسبة دقيقة لما أنجزت وما أبقيت. 2- بين الفجر والشروق: حجة وعمرة فلا تبرح مصلاك حتى تبلغ مرادك(مَن صلى الفجرَ في جماعةٍ، ثم قَعَد يَذْكُرُ اللهَ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، ثم صلى ركعتينِ، كانت له كأجرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ تامَّةٍ، تامَّةٍ، تامَّةٍ) وبين الوقتين(الفجر والشروق) يمكنك ختم القرآن في شهرك مرتين، فهل بعد هذا من فضل. 3- عمرة رمضان تعدل حجة فاجتهد أن تنال هذا الخير، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عُمرة في رمضان تعدل حَجَّةً» ومن نوى بصدق فقد أخذ الأجر. 4- الصدقة معراج القلوب لعلام الغيوب، فاجعلها في كل يوم ولو قليلة، حتى لا يصعد عمل يوم إلا وكتبت فيه من المتصدقين، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يُكثر فيه مِن الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف. 5- الدعاء عبادة جلية يحبها مولاك، وقد قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) فأكثر من الدعاء ومن قولك: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. تقبل الله طاعتكم، وبالخير أسعدكم، وكل عام وأنتم إلى طاعة الله أقرب.
870
| 10 مارس 2024
قالوا وصدقوا: دعوا الأمر يغب، وله قصة مفادها أن عبدالله بن وهب الراسبي الأزدي لما عزم الخوارج على بيعته فقال: «يا قوم استبيتوا الرأي»؛ أي: دعوا رأيكم تأتي عليه ليلة، ثم تعقبوه. وقال: «إياكم والرأي الفطير، والكلام القضيب، دعوا الرأي يَغِبُّ، فإن غُبوبه يكشف للمرء عن فَصِّه. وليس الرأي بالارتجال، ولا الحزم بالاقتضاب». وهذه حكمة بالغة وأفضل منها ما اشتهر على ألسنة العامة والخاصة مما روي عن أبي يعلى من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التأنِّي من الله والعجلةُ من الشيطان) فالتأني جسر لا يقوى عليه إلا أهل الحكمة ولا يفرز غالبا إلا أصوب الرأي. ولذلك ذم الله العجلة في كل شيء قال تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}. وقوله تعالى: {وَيَدْعُو الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} يدعو الإنسان على نفسه بالشرِّ إذا ما أصابته مصيبة من فقر أو مرض، لأنه بفطرته عجول. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد أسباب منع الإجابة العجلة فقال: (يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل يقول: دعوتُ فلم يستجب لي). إن التأني صفة يحبها الله عز وجل كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأشجِّ عبد القيس: (إن فيك خَصْلَتين يُحِبُّهما الله: الحِلْمُ والأناةُ) وهي كذلك من صفات النبوة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (السَّمتُ الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة). وفي قصة نبي الله يوسف -عليه السَّلام- كان التأني عنوان إجابته حين طُلب منه الخروج مِن السِّجن فأبى إلا أن يتحقَّق الملك ورعيَّته من براءة ساحته، ونزاهة عرضه، (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ). قال ابن عطيَّة: (هذا الفعل مِن يوسف -عليه السَّلام- أناةً وصبرًا وطلبًا لبراءة السَّاحة). قال زهير: منا الأناة وبعض القوم يحسبنا أنَّا بِطاءٌ وفي إبطائنا سرع ومن روائع أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة يتناول فيها قصة إحدى العصافير، وهي تعلم ابنها الطيران، يقول فيها: رأيتُ في بعضِ الرياضِ قُـبَّرَةْ --- تُطَيِّرُ ابنَها بأَعلى الشَّـجَرة وهْيَ تقولُ: يا جمالَ العـُشِّ --- لا تعتَمِدْ على الجَناح الهَشِّ وقِفْ على عودٍ بجنبِ عودِ --- وافعل كما أَفعلُ في الصُّعودِ فانتقلَت من فَننٍ إلى فَنَنْ --- وجعلتْ لكلِّ نقلة زمنْ كيْ يَسْتريحَ الفرْخُ في الأَثناءِ --- فلا يَمَلُّ ثِقَلَ الهواءِ لكنَّه قد خالف الإشـارة --- لمَّا أَراد يُظهرُ الشَّطارةْ وطار في الفضاءِ حتى ارتفعا --- فخانه جَناحُه فوقعـا فانكَسَرَتْ في الحالِ رُكبتاهُ --- ولم يَنَلْ منَ العُلا مُناهُ ولو تأنى نالَ ما تمنَّـى --- وعاشَ طولَ عُمرِهِ مُهَنَّـا لكلِّ شيءٍ في الحياة وقتـهُ --- وغاية المستعجلين فـوته!
705
| 03 مارس 2024
الأمر بتقوى الله متفهم ومعهود تكراره في القرآن، لكن الأمر بتقوى الأرحام تعبير عجيب! لا تملك إيفاء شرحه وإن كنت تستشعر ظلاله في كل أفيائه! اتقوا الأرحام أي توقوا أن تؤذوها، أن تجرحوها، أن تغضبوها لما لها عند الله من مكانة. أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال ﷺ: (إن الله –تعالى- خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك. قالت: بلى. قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله ﷺ: اقرءوا إن شئتم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) وفي صحيح الجامع من رواية الطبراني عن أبي بكرة مرفوعاً قال: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب) وهذا الزجر وحده كاف في أن يصل المرء ما انقطع حسبة لله وخوفا من عقابه، فالصلة ليست معاوضة وإنما حقيقة الصلة أن تصل المقطوع، قال ﷺ: (ليس الواصل بالمُكَافِئِ، ولكنَّ الواصل الذي إذا قَطعت رحِمه وصَلَها) ويقولﷺ: ( أفضل الصدقة؛ الصدقة على ذي الرحم الكاشح) والكاشح هو الذي يضمر العداوة، ومع ذلك يتصدق عليه ويصله؛ فكان حليا أن يأخذ الأجر مرتين قال ﷺ: (إنَّ الصَّدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحم اثنتان: صدَقةٌ وصِلةٌ). فيا سعد من وفقه الله لصلة أرحامه، ويا فوزه بعطايا الله ومنها: 1- مغفرة الذنوب ففي الحديث: (أنَّ رجلًا أتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبتُ ذنبًا عظيمًا فَهَل لي مِن تَوبةٍ؟ قالَ هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: لا، قالَ: هل لَكَ من خالةٍ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فبِرَّها). 2- تحصيل البركة في المال والعمر قال -صلى الله عليه وسلم- (مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ). 3- الوقاية من ميتة السوء فعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَن سرَّه أنْ.....يُدفَعَ عنه مِيتةُ السُّوءِ، فلْيَتَّقِ اللهَ ولْيَصِلْ رَحِمَه). 4- الفوز برضوان الله فعن أبي أيوب -رضي الله عنه- أن أعرابياً عرض لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في أحد أسفاره، فسأله عن عملٍ يُقربه من الجنة، ويُباعده عن النار، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تعبدُ اللهَ ولا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاةَ، وتُؤتي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحمَ). 5- وصل الله عز وجل للواصل، قال ﷺ: (الرَّحمُ معلَّقةٌ بالعرش تقولُ: مَن وصلني وصله اللهُ، ومَن قطعني قطعه اللهُ). فالله الله في الأرحام خاصة في هذا الشهر الذي فيه ترفع الأعمال إلى الله تعالى.
2181
| 25 فبراير 2024
نصف العلم: لا أدري، لكن الآفة أن يهرف البعض بما لا يعرف، وأن يتحدث في كل مسألة وكأنه بها أخبر، ويفهم في كله معضلة وكأنه بها أعلم! وعنده فيها - مهما عظمت - الحل الأنجع!. يقول بفيه الكذب يظنه صدقا، والجهل يراه علما، فيضل من حيث أراد الهداية! ويهوي بعد توهم نجاة! وهذا عين الضلال وأنفه ولسانه. إن كل متحدث في غير فنه، أو كل متشبع بما ليس فيه، لا يخرج عن أحد اثنين: - أفن الرأي يقول الشيء قبل أن يتبين له الأمر فيوشك أن يقول الكذب فيحسبه الناس كذابا. وفي الحديث: بـ (حسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع). - أو رجل مموه مراء يقول ما يعتقد خلافه قال تعالى (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام) وقال تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). لقد ذم الإسلام هؤلاء المتعالمين الذين يتكلمون في المسائل التي لو عرضت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. هؤلاء الذين يصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» ذلك أن التصدر قبل التأهل منهج الغافلين من الجهلة، أما التريث والصمت عند الجهل فمنهج أهل الحكمة، وهذا سلف الأمة وتلك أقوالهم: -أبو بكر رضي الله عنه (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم؟). -علي بن أبي طالب: (ما أبردها على كبدي، ثلاث مرات، قالوا: يا أمير المؤمنين، وما ذاك؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم). - عبدالله بن مسعود: من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: «الله أعلم» فإن الله قال لنبيه: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) وصح عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون. - ابن شبرمة: سمعت الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال: رب ذات وبر لا تنقاد ولا تنساق، ولو سئل عنها الصحابة لعضلت بهم. - ابن سيرين: لأن يموت الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم. - عبدالرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك، فسأله عن شيء فمكث أياما ما يجيبه، فقال: يا أبا عبدالله إني أريد الخروج، فأطرق طويلا ورفع رأسه فقال: ما شاء الله، يا هذا إني أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه. وهذه والله هي الصيانة والحماية والسؤدد.
1866
| 18 فبراير 2024
سمي (شعبان) لأن العرب كانوا يتشعبون فيه لطلب المياه، وقيل تشعبهم في الغارات، وقيل لأنه شَعب أي ظهر بين شهري رجب ورمضان، وقد ورد فيه أحاديث منها ما ورته عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان) وفي رواية صحيحة (كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا). وهذا ما جعل أهل العلم ومنهم ابن المبارك يرجحون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيامه، وإنما كان يصوم أكثره، ويشهد لذلك ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما علمته - تعني النبي صلى الله عليه وسلم - صام شهراً كله إلا رمضان) والعلة في ذلك ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال: «ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». قال ابن رجب رحمه الله: أفضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «شعبان شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان» يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان - الشهر الحرام وشهر الصيام - اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأن رجب شهر حرام، وليس كذلك. وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد منها: - أن يكون أخفى للعمل وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل إنه ليس فيه رياء، وكان بعض السلف يصوم سنين عددا لا يعلم به أحد، فكان يخرج من بيته إلى السوق ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته! وكان السلف يستحبون لمن صام أن يُظهر ما يخفي به صيامه. - كذلك فإن العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، فقد روى مسلم رقم عن معقل بن يسار: «العبادة في الهرْج كالهجرة إلي». - وشعبان قد أتى ومطلق العبادات فيه مستحبة فلا تحرم نفسك وأهلك الخير.
2127
| 11 فبراير 2024
(2) لا يزال الحديث متصلا حول فضائل المسجد الأقصى وفي هذا المقال سنركز على عدة فضائل أخرى وهي: 1- المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى لمدة ستة أو سبعة عشر شهرًا قبل نسخها وتحويلها إلى الكعبة بيت الله الحرام. 2- ثاني مسجد وُضِع في الأرض بعد المسجد الحرام؛ فعن أبي ذر رَضِي الله عنْهُ قال: قلت يا رَسول اللهِ أي مسجد وُضِع في الأرض أولًا؟ قال: «المسجد الحرام»، قال: قلت: ثُمَّ أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصلّه، فإن الفضل فيه» (رواه البخاري). 3- أرض المسجد الأقصى كلها مُباركة قال الله:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ولو لم تكن فضيلة إلا هذه الآية لكانت كافية 4- كان من تعظيم موسى عليه السلام للأرض المُقدسة وبيت المقدس أن سأل الله تبارك وتعالى عند الموت أن يُدنيه منها. روى البخاري في صحيحه مرفوعًا: «فسأل موسى الله أن يُدنيه من الأرض المُقدسة رمية بحجر، فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر». قال النووي: «وأما سؤاله -أي موسى عليه السلام- الإدناء من الأرض المُقدسة فلِشرفها، وفضيلة من فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم». 5- أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، قال صَلَى اللهُ عَليهِ وَسلَّم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذا». 6- فضل الصلاة فيه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ» 7- أرض المحشر والمنشر: فيها يُحشَر العباد، ومنها يكون المنشر، فعن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صَلَى اللهُ عَليهِ وَسلَّم قالت: يا نبي الله أفتِنا في بيت المقدس. فقال: «أرض المحشر والمنشر» 8- البُشرى بفتحه: وتلك من أعلام النبوة أن بشَّر صَلَى اللهُ عَليهِ وَسلَّم بفتحه قبل أن يُفتَح، فعن عوف بن مالِك رَضِي الله عنْهُ قال: أتيت النبي صَلَى اللهُ عَليهِ وَسلَّم في غزوة تبوك وهو في قبة من أَدم، فقال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ....» (رواه البُخاري). ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.
1410
| 04 فبراير 2024
(1) المسجد الأقصى منتهى الإسراء ومنطلق المعراج وأحد المحاور لذكرى معجزة الإسراء التي يحتفل بها البعض في السابع والعشرين من رجب. وبعيدا عن الجدل الدائر في صحة هذا التأقيت من عدمه، وهل كانت الحادثة في رجب أو ربيع، وهل كانت قبل الهجرة بعام أو أكثر، كل هذا لا ينبغي أن يشغلنا لأن الحقيقة أن الواقعة حدثت، وأن القرآن وصحيح السنة خلدا ذكرها، وأن هناك دروسا ينبغي أن يقف المسلمون عندها منها: هذا الربط العجيب الآسر بين المسجدين المعظمين، ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والأقصى أي الأبعد، والمراد بعده عن مكة، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على هذه المعجزة وكونها خارقة للعادة لكونه قطْعَ مسافة طويلة في بعض ليلة. والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد تم بناؤه بعد المسجد الحرام، ففي الصحيحين عن أبي ذر قال: قلتُ يا رسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أول ؟ قال: المسجدُ الحرام. قلت: ثم أي ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت كمْ بينهما ؟ قال أربعون سنة. فهذا دلالة الربط الأول بين المسجدين، ثم يأتي قول الله (باركنا حوله) ليضيف بعدا آخر لهذا المكان المقدس، فهي أرض مباركة، كذا نص القرآن في أكثر من موضع: ﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ قال ابن كثير: هي بلاد الشام، وقال عز من قائل: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَـٰهِرَةً ﴾ قال ابن عباس: القرى التي باركنا فيها هي بيت المقدس، وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ﴾ والقرية هي بيت المقدس كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، وقال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾. وفي قصة سليمان عليه السلام يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ وفي قصة موسى:﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة:21]، قال الزجاج: المقدسة الطاهرة، سماها مقدسة لأنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين، وهي التي أقسم الله بها فقال: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾. ووصف القرآن أرضها بالرَّبوة ذات الخصوبة وهي أحسن ما يكون فيه النبات، ومـاءها بالمعـين الجاري، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ قال الضحاك وقـتادة: وهو بيت المقدس. وليست هذه فضائل المسجد وفقط، بل غير ذلك كثير، ولعلنا نقف على بعضها في المقال القادم بإذن الله.
1461
| 28 يناير 2024
صورة قاتمة تعكس انحطاطا أخلاقيا رذيلا لجماعة أفلت فيهم الزمام؛ واختلت عندهم المقاييس، واضطربت فيهم القيم، وضاعت بينهم الأصول؛ فضعف عندهم ما حذر الله منه ، وهان عليهم ما استعظمه الله! وما يعظم عند الله إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي، وتضج منه الأرض والسماء. والحادثة وإن نزلت في أم المؤمنين المطهرة رضي الله عنها إلا أن الآفة قائمة وامتدادها حتى اليوم حادث وهذا هو الخطر. تبدأ القصة بجماعة تلقوا الشائعة بألسنتهم! {إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم} وانظر إلى بلاغة الأداء القرآني في التعبير عن السرعة في إفشاء هذا الكلام وإذاعته دون وَعْي ودون تفكير، فمعلوم أن تلقِّي الأخبار يكون بالأذن لا بالألسنة، لكن من سرعة تناقل الكلام فكأنهم يتلقونه بألسنتهم، كأن مرحلة السماع بالأذن قد ألغيت، فبمجرد أن سمعوا قالوا، لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبر ولا ترو ولا فحص ولا إمعان نظر. حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبره القلوب! وكأن لا حرمة لغائب، ولا صيانة لسامع، ولا خوف من غد يقف الخلائق فيها أمام حكم عدل في يوم ينصب فيه ميزان لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها! إن هذا السلوك الأهوج ما هو إلا صورة فيها من الخفة والاستهتار وقلة التحرج، ما ينبيك عن عقل صاحبه ومستمعه معا! فما الفارق بين من يقذف الغير بالشر ومن ينصت إليه من غير نكير أو إعراض أو ترك المكان، كلهم في الإثم سواء. إن خطر الكلمة ثقيل لا يتحمله ظهر، ولا يطيق تبعته بشر، ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم – قَالَ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَزِلُّ بِهَا في النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ) وعند الترمذي: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ). إن السلامة كل السلامة في الابتعاد عن مواطن الذلل، أو تتبع عورات الأمم، أو كشف الستور المرخاة على أصحابها؛ فالجزاء من جنس العمل، وقد قال صلى الله عليه وسلم(يا معشرَ مَن أسلَم بلسانِه ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبَه لا تؤذوا المسلِمينَ ولا تُعيِّروهم ولا تطلُبوا عثَراتِهم فإنَّه مَن يطلُبْ عورةَ المسلِمِ يطلُبِ اللهُ عورتَه ومَن يطلُبِ اللهُ عورتَه يفضَحْه ولو في جوفِ بيتِه ) ونظَر ابنُ عمرَ يومًا إلى البيتِ فقال: ما أعظَمَك وأعظَمَ حُرمتَك ولَلمُؤمنُ أعظَمُ عندَ اللهِ حُرمةً منكَ. قد كان الأولى بمن سمع الإشاعة أن يحسن بالمسموع الظن حتى يحفظ خواطره، وأن يصمت عن القول حتى يحفظ لسانه، وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وقالوا: هـذا إفك مبين} {ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهـذا. سبحانك! هـذا بهتان عظيم} هذا درب السلامة لمن أرادها، فاللهم احفظنا وسلمنا.
2703
| 21 يناير 2024
وحده الإيمان هو الذي يصنع الفارق حين يجف القلب أو يرتجف كيان الإنسان من مصاب ألم به أو طارئ طرأ عليه. يأتي الإيمان بلمسة قريبة عميقة تصادف القلب القلق فيسكن الجسد كله، لمسة تصادف الظلام الجاثم على الصدر فينبعث منه النور وينفلج فيه الصباح، لمسة تحيل القلب في لحظة أو أقل إلى سكون وطمأنينة وبشر، وكأن المحنة صارت منحا تستوجب الشكر! وهذا لا يكون إلا للمؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) يدرك ذلك جيدا من سمع سحرة فرعون وقد كانوا عبيد هوى لفرعون، لا يجرؤ أحدهم أن يتحدث في حضرته فضلا عن أن يرد عليه، وهم يقولون له في تحد واضح (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) من يسمع بلال بن رباح وقد كان مولى لأمية بن خلف وهو يقول -والحبال في رقبته وصبيان مكة يطوفون به في جبالها بلا طعام أو شراب ورمضاء مكة تفعل فعلها فيها، والصخر على صدره – أحد أحد. وخباب بن الأرت: وقد تعرض لشتى ألوان العذاب من وضع الحديد المحمي على جسده وهو صابر محتسب، يقول خباب: لقد أوقدت لي نار، وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري (أي دهن الظهر). و«الزِّنِّيرة» وقد عذبت حتى ذهب بصرها من شدة العذاب، وقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى! فقالت: (وما تدري اللات والعزى من يعبدهما، ولو شاء الله لرد علي بصري) فرد الله عليها بصرها». وخبيب حين عذب فقال له أبو سفيان: أتحب أن محمدا عندنا نضرب عنقه وأنت بين أهلك؟ قال: لا و الله ما أحب أني في أهلي وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه. هذه نماذج قليلة من صور كثيرة ذخرت بها تاريخ أمتنا تبرز مكانة الإيمان وموقعه في القلوب المشربة به، وهذه النماذج لا تزال حية حتى يوم الناس في قلوب من نحسبهم من أهل الطاعة والاستقامة، وأحدث تلك النماذج المشرقة ما حدث يوم الخميس الفائت مع الشيخ عبد الرشيد صوفي -حفظه الله- حين تلقى وهو في (المدينة المنورة) نبأ وفاة ولده الشاب الخلوق الحافظ لكتاب الله تعالى عبد الحميد -رحمه الله- فما زاد على قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم توجه إلى قبر رسول الله صلى الله وعليه وسلم، وتذكر مصاب الأمة كلها فيه؛ ثم قال: فأذهب الله عني الهم والحزن! إنها صورة عملية تطبيقية معاصرة لمن سكن – كما نحسب والله حسيبه- الإيمان قلبه وأشرب اليقين فؤاده تُظهر بجلاء أن الإيمان وحده هو من يصنع الفارق. اللهم ارحم عبد الحميد عبد الرشيد صوفي رحمة واسعة، واجعل مقامه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وصبّر أهله ومحبيه، اللهم آمين.
972
| 14 يناير 2024
إن النفس الإنسانية متى ما استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، ومن أخس الصفات التي لا تستقيم معها حياة ولا يقام بها ولاء صفة الخيانة. والمتتبع لصدر الإسلام وعلاقاته مع خصومه يدرك أن الإسلام يعاهد ليصون عهده؛ فإذا خاف الخيانة وأدرك الغدر؛ لم يخن ولم يغدر، ولم يغش أو يخدع، بل ينبذ العهد علانية، ويسقط الحلف جهرة، ولا يترك خائنا في موقعه عملا بقوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). وقد عرف اليهود بالغدر والخيانة وهذه صفة أضحت لازمة لهم، والتعامل مع الخائنين بالود والسلم عواقبه مدمرة، وآثاره مرعبة على الأمة كلها، بل لابد من حزم وحسم يحافظ بهما المسلمون على الهوية والأمة والحياة. وخير مثال على ذلك ما كان من بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة، بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب، حين ذهب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي ـ رضي الله عنهم ـ إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد، فاستقبله اليهود بالبشر وأضمروا اغتياله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه!. قالوا لبعضهم: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمن رجل منكم يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جَحاش بن كعب. فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فألهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يبيت اليهود من غدر، فقام كأنما ليقضي أمراً، فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. ثم لما كان التبييت للغدر برسول الله في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم، فتجهز رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحاصر محلة بني النضير، وأمهلهم ثلاثة أيام ـ وقيل عشرة ـ ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في العالم الموازي ومن ساندهم ـ وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق ـ أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة، وقالوا لهم: إن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم. وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولما بلغ الحصار ستاً وعشرين ليلة، يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، كما سبق جلاء بني قينقاع على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. فأجابهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، وانتهت بذلك فتنتهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1086
| 07 يناير 2024
دفاع الله عن المؤمنين مشروط بقيامهم بما عليهم (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) فما لم يتم الشرط لن يأتي المشروط؛ وذلك حتى يتم نضجهم في معركة الصراع بين الحق والباطل الممتد إلى قيام الساعة. إن السنن الكونية والتاريخية معا حاكمة بأن النصر السريع الذي لا يكلف عناء ولا تعبا، أو الذي يتنزل هينا لينا على القاعدين المستريحين؛ يعطل كل الطاقات المذخورة، ثم هو بعد ذلك سهل فقدانه وضياعه؛ لأنه رخيص الثمن، لم تبذل فيه من التضحيات ما يؤمن له بقاءه. من أجل هذا جعل الله دفاعه عن المؤمنين مشروطا بجهدهم وإن قل (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ).. وهذا الإعداد ليس خاصا بفئة دون أخرى، بل هو إعداد للأمة كلها، مقاتل مستعد، وطبيب يقظ، وغني باذل، وأم تعد، وعامل يصنع ويزرع، وإعلام يرصد وينقل، ومدرس يعلّم، وعالم يجمّع، وأطفال يعيشون أحداث أمتهم، هذا هو الإعداد المطلوب، أن تعمل الأمة كلها في سبيل رفعة دينها ونصرة قضاياه، كلٌ في المجال الذي يحسنه. وهذا لا يتأتى إلا في ظل عقيدة جامعة وبأمور منها: 1- إعلاء أخوة الدين على ما سواها: وهذا كان أول ما أسسه الإسلام في وجدان الأمة المسلمة: الأخوة العقدية التي تفوق أخوة الحسب والأرض، قال الله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) وقال مخاطبا الأمة في شخص نوح عليه السلام حين قال: ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) فكان الجواب: (لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) مفهوم آخر للولاء والإخوة تجاوز به العصبيات القائمة أو القاتمة فــ(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله..) 2- الإيمان بأن الدفاع عن المظلوم واجب مقدس، وأن الله ناصر صاحبه: فالله لا يقدس أمة أسلمت المظلوم للظالم، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (لما رجع مهاجرو البحر (الحبشة) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة» ؟! قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينما نحن جلوس، إذ مرت عجوز مِن عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قُلَّةً مِنْ ماء، فقام إليها فتىً مِنْ فِتْيانهم فوضع إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت (وقعت) على ركبتيها، فانكسرت قلتُها، فلما ارتفعت، التفتت إليه فقالت: سوف تعلم، يا غُدر (يا غادر، يا ظالم)، إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف يكون أمري وأمرك عنده غداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت.. صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم مِن شديدهم» ؟!). 3- الله غالب على أمره، وانتقام الله من المجرمين قريب {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. 4- الدماء التي تراق في سبيل الحق ليس هدرا وإنما هي ثمن لما هو أعظم (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) ثم إن الآجال مكتوبة وموقوتة، فمن مات شهيدا لم يتنقص من عمره دقيقة بل هذا وقت أجله وقد شرفه الله بتلك الفضيلة، ولا عبرة بتلك الأصوات النشاذ أو المنافقة التي قالت قديما (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) لأن القرآن رد إفكهم فقال:(...لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ). إن كل مسلم عليه واجب تجاه إخوانه المسلمين وقضاياهم الكبرى بحسب قدرته وطاقاته، وكل مسؤول عن نفسه يوم الدين.
1785
| 31 ديسمبر 2023
آية ختم الله بها سورة العنكبوت، وأجاب بها على سؤال طرح في بداية تلك السورة ليرسم الطريق لمن أراد الحق واستشعر الخطر فبحث عن النجاة. يقول الله في بداية السورة (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) الحياة دار ابتلاء ولابد، والامتحان فيها واقع لا محالة ليميز الله أهل الصدق من أهل الكذب، وأهل الحقيقة من أهل الادعاء، فما أسهل الدعوى وما أقل الصادقين فيها. (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) ابتلاء ينكشف به المجاهدون والصابرون ويتميزوا وتصبح أخبارهم معروفة، ولا يقع الالتباس في الصفوف، ولا يبقى مجال لخفاء أمر المنافقين ولا أمر الضعاف والجزعين. «إن الله - جلت حكمته - يأخذ البشر بما هو في طوقهم، وما هو من طبيعتهم واستعدادهم. وهم لا يعلمون عن الحقائق المستكنة ما يعلمه. فلا بد لهم من تكشف الحقائق ليدركوها ويعرفوها ويستيقنوها، ثم ينتفعوا بها. والابتلاء بالسراء والضراء، وبالنعماء والبأساء، وبالسعة والضيق، وبالفرج والكرب.. كلها تكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس، وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها. لذا كان ختام سورة العنكبوت مبرزا لمريد الحق: وجهة الطريق ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) وهنا تقرر الآية حقيقة شرعية وسنة إلهية مفادها: أن الخلاص من الفتن لا يكون إلا بالمجاهدة، هذا هو المخرج على هذا الطريق الصعب، هذا الطريق الذي «تعب فيه آدم, وناح لأجله نوح, ورمى في النار الخليل, وأضجع للذبح إسماعيل, وبيع يوسف بثمن بخس, ولبث في السجن بضع سنين» وهم من هم مكانة عند الله تعالى، لكنهم جميعا ابتلوا وكان البلاء شديدا نظرا لتك المكانة العلية التي تنتظرهم. إن الإيمان بالله «ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب» الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه؛ وليتصلوا به، الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا، الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس، الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب؛ أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع إيمانهم. بل سيرضيهم ويهديهم ويأخذ بأيديهم، فيجازيهم خير الجزاء، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
2436
| 24 ديسمبر 2023
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
6576
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
999
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
855
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
810
| 16 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
627
| 16 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
621
| 20 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
492
| 19 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
474
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
468
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
444
| 20 فبراير 2026
حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...
420
| 15 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...
411
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية