رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ما ظنك باثنين الله ثالثهما

ضاقت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم ذرعاً، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق، لا تملك لها دفعاً، ولا تطيق عليها صبراً، فائتمرت به، وقررت أن تتخلص منه؛ فأطلعه الله على ما ائتمرت، وأوحي إليه بالخروج، فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصدّيق، لا جيش ولا عدة، وأعداؤه كثر، وقوتهم إلى قوته ظاهرة. وفي الهجرة من الدروس ما ينبغي التوقف عنده: - التخطيط بداية الظفر أعد النبي صلى الله عليه وسلم خطة محكمة في إشارة مفادها أن قوة الحق لا تحجب حق القوة، فالبذل والتضحية والتخطيط جالب للإعانة الإلهية. وضعت الخطة بكل تفاصيلها فالقائد: محمد، والمساعد: أبو بكر، والفدائي: علي، والتموين: أسماء، والاستخبارات: عبدالله، والتغطية وتعمية العدو: عامر، ودليل الرحلة: عبدالله بن أريقط، والمكان المؤقت: غار ثور، وموعد الانطلاق: بعد ثلاثة أيام، وخط السير: الطريق الساحلي. وهذا أول درس ينبغي أن يكون عالقا في ذهن كل مسلم، فهذا النبي وهو النبي لم يرتكن على الحق الذي معه، ولم ينتظر ملكا يحمله من مكة إلى المدينة، بل خطة بذل فيها كل ما عليه صلى الله عليه وسلم. -اليقين في الله معين الصالحين على طريق التمكين: كانت الهجرة أعظم درس في التوكل على الله والاعتصام بحبل الله:فقد كانت الرحلة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس.فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب.. والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار.. وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته.. والرسول صلى الله عليه وسلم في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره. يقول للصديق في ثبات ويقين: ما ظنك باثنين الله ثالثهما. - العناية الإلهية تعمل في الخفاء متى ما بذل المسلمون الأسباب: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعزل محاصر، خرج إلى المجرمين واخترق صفوفهم وهو في أمان من أعينهم أو سيوفهم وتلك عناية الله. يقفون عند الغار ويقفون على بابه فلا يطأطئ أحدهم رأسه لينظر في الغار، وتلك هي الرعاية فرس سراقة يمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماه في الأرض وكأنما هي تسير في الطين، وتلك هي الحماية. شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن، وغير ذلك من المعجزات التي تدل على معية الله لعباده متى ما أخذوا بالأسباب. في إشارة بينة مفادها أن الله إذا أراد نصر المؤمنين خرق القوانين، وقلب الموازين {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} ولعلنا في مقال قادم نكمل تلك الدروس والفوائد.

465

| 14 يوليو 2024

ملحمة أم غنيمة؟

أراد المسلمون في بدر أمرا وأراد الله غيره، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، هذا ما سجله القرآن في سورة الأنفال: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ). لقد أرادها الله ملحمة لا غنيمة؛ ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، ويتخذ من المجاهدين شهداء يرفعهم بها. فأين ما أراده المسلمون مما أراده الله لهم؟ لو كانت ذات الشوكة لهم؛ لما كانت إلا قصة غنيمة وفقط! لكن (واقعة بدر) شأن آخر! نصر حاسم وفرقان ظاهر، وخلود دائم. تكررت تلك الواقعة عبر عشرات القصص لتؤسس لهذا المعنى، فالحق منتصر ولو بعد حين. من تلك الأمثلة ما كان يوم الأحزاب حين حوصرت المدينة بعشرة آلاف مقاتل مشرك من قريش وغطفان وبني سليم وغيرهم، وكان الصحابة ثلاثة آلاف لا أكثر. معركة غير متكافئة لا في عتاد ولا عدد، فكان شأن بعض المتأسلمين حاضرا وسؤالهم قائما: لم يدخل هؤلاء حربا مع عدو أكبر حجما منهم؟! وكأن العدو ليس في ديارنا؟! وكأنهم ليسوا محتلين باغين! حوصر النبي وأصحابه شهرا كاملا، والشدة تزداد يوما بعد يوم، ومعسكر التخذيل لا يترك مجالا للتفاصح إلا وبرز، حتى كانت المصيبة الأدهى؛ خيانة يهود بني قريظة في الجنوب الشرقي للمدينة، وتلك خيانة شديدة الخطورة عميقة الأثر! التقى حيي بن أخطب بزعيم بني قريظة كعب بن أسد، واتفقا على الغدر، ليس فقط بفتح باب للمشركين لدخول المدينة، بل ولتجهيز فرق عسكرية تقاتل معهم {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}. كان زلزالا مقصودا بل ومرادا؛ فالنصر يسبقه تنقية الصف المسلم من المنافقين فيه، لذا بدأ التسرب العملي {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} بعدها كان النصر بحبل من الناس وحبل من الله. - نعيم بن مسعود يسلم فجأة ويخبر النبي أنه يريد الإعانة، فيقول له: «إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ». يذهب- مخفيا إسلامه- إلى بني قريظة محذرا من خطورة التحالف، فيسألون: ما العمل؟ فيقول: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. ثم يذهب إلى قريش قائلا: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمدٍ وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم! نجحت خطته ودبت الفرقة بين الفريقين، وكان هذا أول الفرج. ثم جاء الحبل الثاني: ريح شديدة قاسية لم تترك في معسكر أهل الكفر خيمة إلا اقتلعتها، ولا قِدرًا إلا قلبته، ولا نارًا لهم إلا أطفأتها! حتى اندحروا وعادوا. كان يمكن أن يسلم نعيم أول الحرب، وأن تأتي الريح من اليوم الأول، لكنها إرادة الله يمتحن بها الناس، فيميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق. حال الأحزاب ليس بعيدا عنه حال أهلنا في غزة، امتحان للجميع ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حيي عن بينة، والله ناصر دينه ولو كره الكافرون.

489

| 08 يوليو 2024

يقلب الله الليل والنهار إِن في ذلك لعبرة

يعمد القرآن دائما إلى إيقاظ الحس الغافل، وتنبيه النفس الشاردة عبر وسائل إيضاحية مقروءة ومعاشة (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) إنها عبرة التأمل في هذا النظام الذي لا يختل ولا يفتر! تأمل يوقظ في القلب الحساسية ويدفعه دفعا إلى تدبر هذا الناموس الكوني ليتزود من تلك العظات إلى يوم آخر هناك حيث الحقيقة لا المثال (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ). اليوم ونحن نعيش حرارة تلك الشمس ونختبئ منها عبر المكيفات التي ألفناها - والتي هي من نعيم الله علينا - لكن كيف أنستنا الرفاهية مواطن العظة والعبرة المرادة! يبدو أن القلب البشري صدئ وهمد، فلم يعد يخفق لها، والأنس بالموجود العارض أنسانا ثمرة التفكر في الصيف وواجب التعامل معه، وكم ذا نفقد من حياتنا حين نمر غافلين بهذه الظواهر. ها هو القرآن يجدد حِسَّنَا الخامد، ويوقظ حواسنا الملول. ويلمس قلبنا البارد. ويثير وجداننا الكليل؛ لنرتاد هذا الكون دائماً كما ارتدناه أول مرة. نقف أمام كل ظاهرة نتأملها، ونسألها عما وراءها من سر دفين، ومن سحر مكنون. ونرقب يد الله تفعل فعلها في كل شيء من حولنا، ونتدبر حكمته في صنعته، ونعتبر بآياته المبثوثة في تضاعيف الوجود. إن الصيف اليوم هو الخطيب النحرير والواعظ الأريب لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. رأى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قومًا في جنازة قد هربوا من حَر الشمس إلى الظل، وتوقَّوا الغبار، فأبكاه هذا المنظر، وحال الإنسان يألف النعيم والبهجة، حتى إذا وُسِّد قبره فارقهما إلى التراب والوحشة، فأنشد قائلا: مَنْ كانَ حِينَ تُصيبُ الشمسُ جبهتَه*** أو الغبارُ يخافُ الشَّيْـنَ والشَعَثـا ويألفُ الظـــلَّ كي تبقَى بشاشتُه *** فسوفَ يسكنُ يومـًا راغمًا جَدَثًا في ظـِـــلِّ مُقْفِرَةٍ غبراءَ مُظْلِمَةٍ *** يُطيلُ تحت الثَّرى في غمها اللُّبُثَـا تجهَّـزِي بجَهَــازٍ تبلُغيـن بــه *** يا نفسُ قبْلَ الرَّدَى لم تُخْلَقِي عَبَثَـا هكذا هو المسلم المتنبه لآيات الله التي تأتيه تباعا، إنه يتفاعل معها وهو مدرك أنها رسالة لابد من قراءتها والوقف عندها، فمصدر شدة الحر عنده معلوم: نفس ينبيك أن الآخرة أقرب من حبل الوريد فلا تغفل قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ». هكذا يوقظنا القرآن المرة بعد المرة، ويوجه حِسَّنا وروحنا إلى شتى مشاهد الوجود الباهرة، كي لا نمر عليها غافلين مغمضي الأعين، فنخرج من رحلة الحياة على ظهر هذه الأرض برصيد قليل أو هزيل.

1011

| 30 يونيو 2024

ومن يعظم شعائر الله فإِنها من تقوى القلوب

جعل الله بعض الأيام مستودعا لمضاعفة الطاعات ومحلا للقربات، ومن تلك الأيام: عشر ذي الحجة الأول، التي أعلى الله شأنها، وعظم أمرها، فليس في الأيام ما يماثلها، ولا في أجور الأعمال ما يعدلها، أقسم الله بها، ولا يقسم الله إلا بمعظم فقال: (وَالفَجرِ وَلَيَالٍ عَشرٍ) وهي الأيام المعلومات التي أخبر الله عنه بقوله: (لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الأَنعَامِ) قال ابن عباس هي أيام العشر. وجاءت السنة كاشفة أجرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلى اللهِ مِن هَذهِ الأيَّامِ العَشرِ. قَالوا: يا رَسُولَ اللهِ! ولا الجِهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ: ولا الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرجِع مِن ذَلِكَ بِشَيءٍ». وقد خصت تلك الأيام بهذه المزايا لعدة أمور: 1- اجتمعت فيها أمات العبادة: من صلاة وصيام وصدقة وحج وهذا لا يجتمع إلا في هذه الأيام. 2- فيها يوم (التروية) وهو مبتدأ أعمال الحج، ولا يكون إلا في العشر. 3- وفيها يوم عرفة قال عنه صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ يَومٍ أَكثَرُ مِن أَنْ يُعتِقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ عَبدًا مِن النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» وخير الدعاء فيه كما قال صلى الله عليه وسلم: «خَيرُ الدّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ، وَخَيرُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ». 4- وفيها يوم النحر وهو أعظم أيام الدنيا قال صلى الله عليه وسلم «إِنَّ أَعظَمَ الأَيَّامِ عِندَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَومُ النَّحرِ». هذه الأيام المباركة يجب على المسلم أن يستغل كل أوقاتها بفعل الطاعات ومنها: 1- الحج والعمرة لمن استطاع: وهما أفضل ما يعمل في عشر ذي الحجة. 2- الصيام: وهو يدخل في جنس الأعمال الصالحة، «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وآكد الصيام: صوم يوم عرفة: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ». 3- الصلاة: قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ». 4- كثرة التكبير والتحميد والتهليل والذكر: قال البخاري: «كان ابن عمر وأبوهريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكبّران ويكبر الناس بتكبيرها. 5- الصدقة: قال صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مال» فهنيئا لمن استغلها في تلك الأعمال وغيرها كقراءة القرآن وتعلمه، والاستغفار، وبر الوالدين، وصلة الأرحام والأقارب، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والإصلاح بين الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

753

| 09 يونيو 2024

نقطة نظام.. من الأحق بالأرض المقدسة؟!

كثيرا ما يدور حديث عن أحقية الأرض الموعودة لمن؟ لليهود أم العرب؟! وتلك مقدمة فاسدة لصراع فكري يراد له أن يكون أرضي الهوية ثانوي المعتقد! وهنا لابد من تبيين بعض الحقائق: الحقيقة الأولى: الإسلام دين الأنبياء جميعا الأنبياء سلسلة متصلة خاتمتها محمد- صلى الله عليه وسلم- وكلهم كانوا على دين واحد هو الإسلام قال الله (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) وهو منهج الأنبياء جميعا فنوح يقول لقومه: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). وإبراهيم (كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وبهذا وصي إبراهيم ويعقوب أبناءهم: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). وتمت الوراثة إلى عهد نبينا محمد خاتم هذه السلسلة المباركة والوريث الأخير وأتباعه لها وبهذا سماهم الخليل عليه السلام قال تعالى (..هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ). الحقيقة الثانية: الوراثة عقدية لا عرقية الأرض المقدسة خاصة - وغيرها عامة - إرث للعقيدة لا شأن لها بعرق ولا جنس قال الله (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). وهذا عين ما قرره موسى عليه السلام: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). الحقيقة الثالثة: التاريخ يستشهد له لا يستشهد به التاريخ لا يمنح حقا ولا ينزع ملكا، وعليه فلا مجال للاستشهاد به في مثل تلك القضايا، بل التاريخ هنا مرآة كاشفة تظهر لك سنن الله القائمة التي لا تتبدل ولا تتغير وفق قواعد القرآن الكلية ومحكماته القطعية. وقصة دخول بنو إسرائيل بيت المقدس - والتي لم تكن أرض أجدادهم- تثبت ذلك، فقد كتبها الله لهم حين حاد ساكنوها عن شرع الله، فاستحق بنو إسرائيل بإيمانهم هذه الوراثة: (يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ). وقد فهِم بنو إسرائيل ذلك، وأيقنوا أن الوراثة عقدية لا عرقية ولا أدل على ذلك من موقف موسى من السامري وعبدة العجل. فالسامريّ - وهو من بني إسرائيل - حاد عن هذا المنهج أثناء غياب موسى (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) واتبعه اليهود في ذلك، فكان حكم الله فيه (..فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ) أيّ لا أمسَّ ولا أُمسّ، أضحى منفياً عن الأرض المقدسة وعن الناس عقوبةً له، ولم ينفعه نسبه! ثم جاء الدور على من اتبعه من بني إسرائيل لتنالهم كذلك عاقبة الانصراف عن منهج الله (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) ففطِن القوم لما حدث فقالوا:(لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين). أمرهم موسى ساعتها بالرجوع(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) فتضاربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر. وهذا يفسد قضيتهم القائمة على الأحقية بالإرث لا العقيدة. لقد منح بنو إسرائيل الوعد حين استحقوه إيمانًا بالله ثم انتقل الوعد عنهم حين غيروا منهج الله . وأحبارهم يعلمون ذلك فقد ذكر ابن كثير أن أرميا قال لبخت نصر: (إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه، لم يخافوك ولا غيرك، ولم يكن لك عليهم سلطان. فلما سمع بخت نصر هذا القول منه، تركه، فأقام أرميا مكانه بأرض إيلياء). إن الوارث لهذه الأرض المقدسة هم المسلمون متى استقاموا على المنهج، واليهود والنصارى وغيرهم من أمم الأرض جميعا غير محرومين منها متى دخلوا في الإسلام واعتقدوه دينا.

732

| 02 يونيو 2024

يا بني اركب معنا

أبصر الوالد - بحكم ما منحه الله من عطاء - وجه الطبيعة الزائف، وخطر ما تقدمه لأهلها من مهالك، فأراد أن ينقذ أولاده من بحار الشهوات بسفينة النجاة، لكنهم أبوا ذلك! ليس ما مضى قصة مقتصرة على نبي الله نوح بقدر ما هي قصة صراع ممتد بين الأبوة الملهوفة والبنوة المخطوفة! الأول: لا يهدأ. والثاني: لا يفهم. إنها تبرز لنا طبيعة العاق حين تتحدث فيه الغفلة الموتورة والفتوة المغرورة! حين يغرق ويأبى أن يلتقط يد أبيه حتى ينتصر أو ينقذ نفسه! لقد تعاظم شر العقوق ونما حتى انتقل بعض الأبناء من دور المخالف إلى دور المعاند، فلا يكتفي بعدم الانصياع بل يزداد صلفا وغرورا ليقول: سآوي إلى عقلي! يمر على والده ساخرا من صنعته سرا أو جهرا تلميحا أو تصريحا، ولسان حال الأبوة المتألم: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون). لكنها الأبوة التي لا تهدأ ولا تتوقف عن محاولة الإنقاذ وإن كان الغرق حتميا! سيظل يدعوه ويعظه حتى وإن أيقن هلاكه. هذا نوح عليه السلام ينادي على ولده والطوفان يتحدث وسفينته تعبر بهم في موج كالجبال! {يا بني اركب معنا} قالها نوح بلغة رقراقة: يا بني، وهي وحدها كافية في حثه على الاستماع والانقياد، ثم أتبعها بقوله: معنا. وفيها الطمأنينة؛ لأنها معية مأمونة. لكن الإجابة كانت صادمة: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء}. لم ييأس الأب المكلوم من صنيع ولده، ولم تلن قناته، فأرسل له النداء الآخر: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} لا جبال، لا مخابئ، لا حامٍ فانتبه لكلامي وأنقذ نفسك يا ولدي قبل الطوفان! لكنه العناد والإباء! هكذا حال الوالد في وعظه، وذاك حال الولد في عناده، إلى أن تأتي اللحظة التي تتغير فيها صفحة المشهد كاملة. فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء ليكون المشهد الأخير: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}. نوح كان يعلم يقينا أن ولده لن يؤمن به، ولن يركب سفينته، لأنه سمع الله يقول: «لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ» لكنه ظل يعظ وينصح حتى حال الموج! ولعلها رسالة مزدوجة إلى الآباء والأبناء معا، أما الآباء: فلا تيأسوا من روح الله. وأما الأبناء: فلا تغتروا بالفتوة وإن طغت؛ فالطوفان لا يعرف أعالي الجبال.

696

| 26 مايو 2024

فلا تظلموا فيهن أنفسكم

كان المشركون على ما بهم من انحراف عقدي، وما فيهم من ظلم اجتماعي؛ يعظمون الأشهر الحرم، حتى إن أحدهم ليتوقف عن أخذ حقه من الثأر من ظالمه تعظيما لهم، لذلك لم يتجسروا على تحليل القتال فيه بل عمدوا إلى تغيير مواقيتها وبدلوا تواريخها بما يتناسب وأهوائهم. هذا رجل بني كنانة يقال له (القلمس ) كان يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول: أيها الناس: إني لا أعاب ولا أخاب، ولا مرد لما أقول، أنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر! ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم يفعلون ذلك (ليواطئوا عدة ما حرم اللّه فيحلوا ما حرم اللّه) من تأخير الأشهر الحرم، حتى حسم الإسلام ذلك فنزل قوله الله (إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم. ذلك الدين القيم). بهذا رد الله معيار الزمن إلى طبيعة الكون التي فطره اللّه عليها، وإلى أصل الخلقة ووفق قانون الكون الثابت، وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم حين خطب في حجة الوداع بمنًى في أوسط أيام التشريق، فقال: يا أيها الناس، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، أوّلهن رجبُ مُضَر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. إلى أن قَالَ:...»فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلالا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا هَلْ بَلَغْتُ؟ أَلَا لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ مِنْكُمْ، فَلَعَلَّ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ يَسْمَعُهُ) إن الظلم محرم لكنه في الأشهر الحرم أشد، لذا قال الله (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) والمظالم متنوعة فظلم الأخ لأخيه ظلم لنفسه، وخذلان المسلم لأخيه من ظلم النفس، والتفريط في حق الزوجة والأولاد ظلم للنفس، والتقصير عن تعليم الأولاد دينهم كذلك من ظلم النفس، ومرتع الظلم وخيم لذا من أراد الخير والتوفيق والحفظ والسداد فليعظم في هذا الشهر حرمات الله ﴿ ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ﴾ وتعظيم حرمات الله وحدوده يكون بالقلوب والأعمال والابتعاد من حماها، ومن أرتع قلبه وعينه فيها قادته للوقوع فِي الْحَرَامِ (كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ) كما أن تعظيم شعائر الله وحدوده سمة للمتقين؛ ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾. قال الإمام الطبري (لإن العمل الصالح مانع للإنسان من الانزلاق في مهاوي الظلم والظلمات ومساوئ الشهوات والشبهات، أعاذنا الله منها). ومن الأعمال الصالحة: استحباب الصوم فيها، يقول الإمام النووي (676هـ) رحمه الله: “ومن الصوم المستحبّ صوم الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وأفضلها المحرم).

1401

| 19 مايو 2024

رب كلمة قالت لصاحبها: دعني

قديما قالت العرب: البلاء موكل بالمنطق. ومرادهم من ذلك: أن الكلام الذي لا خطام له مورد المهالك، وأن العاقل عليه إحكام لسانه وضبط ما يتفوه به، أي: ليقل خيرا أو ليصمت. لكن البعض مولع بالاستشراف السلبي أو بالحديث غير الموزون، وغاب عنه قول عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستشرفوا البلية، فإنها مولعة بمن تشرف لها». وقول الشاعر العربي صالح بن عبد القدوس: لا تنطقنْ بمقالةٍ في مجلسٍ... تخشى عواقبَها وكن ذا مَصْدقِ واحفظْ لسانكَ أن تقولَ فتبتلى... إِن البلاءَ موكلٌ بالمنطقِ إن العاقل لا يستدعي البلاء أبدا، بل يتفاءل ويفترض الخير ويحسن الظن ويعمل وفق الأسباب المشروعة له، ويأخذ من التاريخ زاد الحذر ممن أطلق لسانه فابتلى. هذا عبد الله بن مسعود يحكى قائلا: إِنَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا، فَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وَإِنْ قَتْلَ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، وَاللَّهِ لأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتْلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، قَالَ: « اللَّهُمَّ افْتَحْ «، وَجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ أَيَّةُ اللِّعَانِ؛ فَابْتُلِيَ بِهِ الرَّجُلُ بَيْنَ النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَلاعَنَا « فانظر كيف قاده النطق والاستشراف السلبي إلى الوقوع مما خشيه! وآخر يرفض دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالعافية، وينطق بما لا ينبغي فماذا حدث ؟ في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، وكان النبي إذا دخل على مريض قال:»لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ « ؛ فَقَالَ الرجل: قُلْتَ طَهُورٌ ! كَلَّا، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ - أَوْ تَثُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: فَنَعَمْ إِذًا. الأول ابتلي بما ذكر وكان يسعه الصمت، والثاني لم يقبل دعاء رسول الله فقال بلسانه ما وجده أمامه، وهكذا تقع الدواهي. ومن تأمل التاريخ جيدا وجدا كثيرا من المواقف تدلل على أن البلاء موكل بالمنطق، من ذلك ما قاله المؤمل الشاعر في امرأة من الحيرة كان قد تعلق بها: شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحيرةِ النَّظرُ... ليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ وكذلك مجنون ليلى حين قال: فلو كنتُ أعمى أخبطُ الأرضَ بالعصا... أصمَّ فنادتْني أجبتُ المنادِيا فعمي المؤمل وكذا مجنون ليلى، وكلاهما وقع عليه ما تفوه به، والعاقل من اتعظ بغيره.

2016

| 12 مايو 2024

اللهم صيبًا نافعًا

من آيات الله تعالى العظيمة إنزاله المطر بقدرته بين برق ورعد ليحي به موات الأرض، ويرد به شوارد الأنفس قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(الروم: 24) وأيا كان سب البرق هل هو من انطلاق شرارة كهربائية بين سحابتين محملتين بالكهرباء، أو بين سحابة وجسم أرضي كقمة جبل مثلاً مما ينشأ عنها تفريغ في الهواء يتمثل في الرعد الذي يعقب البرق، فإن القرآن الكريم لا يتوقف عند تلك الظواهر أو العلل، وإنما يتخذ من الظاهرة أداة ليصل القلب بالرب. ولذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يوجه الأمة إلى طريقة التعامل مع تلك الظواهر فقد روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سُرِّي عنه فعَرَّفته عائشةُ ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(ما أدري لعله كما قال قوم عاد {فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم}. هكذا أراد النبي أن يذكر أمته بنبي الله هود وإنذاره قومه بالأحقاف، ليذكرهم ويذكر المشركين في مكة بمصير الغابرين من زملائهم وأمثالهم، وقد كانوا على مقربة منهم. أنذر نبي الله هود قومه الذين عاشوا النعيم والسؤدد دون أن يشكروا المنهم، أنذرهم بالعذاب الأليم لكنهم ظلوا في طغاينهم يعمهون، استخفوا بهود وقالوا له ( أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) تبجح ظاهر، واستكبار واضح، وغرور بنعم لا يملكونها بل هي محض فضل الله عليهم، فلما استحقوا العذاب أرسل الله عليهم الحر الشديد، وحبس عنهم المطر، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف. ثم ساق الله إليهم سحابة، ففرحوا بها فرحاً شديداً، وخرجوا يستقبلونها في الأودية، وهم يحسبون فيها الماء (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) غرورهم بعد كل ما ابتلوا به لا يزال قائما، فظنوا العذاب بقية النعم التي هي حقهم من دون الناس، فكان الجواب ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ). لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى ناشئًا من أفق من آفاق السماء ترك عمله وإن كان في صلاته، ثم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه)، فإن كشفه الله (حمد الله) وإن مطرت قال: (اللهم صيبًا نافعًا).

615

| 21 أبريل 2024

واعبد ربك حتى يأتيك ليقين

لم يجعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، فما دام فيه نفس يتردد وعقل يفكر وقلب ينبض فهو عبد مسؤول عن صلاح نفسه وإصلاح محيطه أملا في نهضة شاملة لأمّته، هذا حال المؤمن المسؤول، أما (من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) فقد أوضح القرآن مآله (خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين). وما أجمل التعبير القرآني حين يصوره في عبادته (على حرف) عبادة هشة وعابد غير متمكن في العقيدة، ولا متثبت في الطاعة، يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى. ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب. هذان نموذجان أمام المسلم، وهو وحده من يقرر أي الطريقين يسلك حتى يسلم أو يهلك، وأمام عينه وهو يختار الطريق تحذير القرآن من الانتكاسة بعد الاستفاقة ومن الهدم بعد البناء (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم» [النحل:92]. وهو مثل ضربه الله لمن ينقض العهد وقد قيل في شأنه أنه مثل مضروب لامرأة حمقاء ملتاثة، ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها ثم تنقضه وتتركه مرة أخرى قطعاً منكوثة ومحلولة ! وكل جزئية من جزئيات التشبيه تشي بالتحقير والترزيل والتعجيب. وتشوه الأمر في النفوس وتقبحه في القلوب وهو المقصود. وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مثله كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة الملتاثة العقل، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه! واليوم وبعد انتهاء رمضان يقف كل مسلم أمام نفسه ليقول لها ما قاله الإمام الشبلي حين سئل: أيهما أفضل رجب أم شعبان؟ فقال: « كن ربانياً ولا تكن شعبانياً». ونحن نقول: كن ربانيا ولا تكن رمضانيا. رمضان كان وسيلة خير لإرضاء الله، وقد مضى، وبقي لك الاستمرار على الطاعة، مقتديا بنهج النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان عمله ديمة، كما قالت عائشة رضي الله عنها وقد سئلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص يوماً من القيام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع). وهذا لا يكون إلا بمحاسبة دقيقة للنفس والتعامل معها تعامل الحذر منها، الذي لا يأمن غوائلها، هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عمر: « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه أيسر وأهون لحسابكم، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتجهزوا للعرض الأكبر «يومئذ ٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية».

2139

| 14 أبريل 2024

تفريج الكربة

من القضايا التي أصلها الإسلام وجعلها أحد أهم البنيان الاجتماعي هو قضاء حوائج الناس والإحسان إليهم وتفريج كربهم، وهذا الفضل لا يُحسِنه كُلُّ أحدٍ، ولا يوفق إليه كل الناس، ورسولنا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كان من ضمن شمائله الكريمة: قضاء حوائج الناس، فقد قالت خديجة رضي الله عنها له يوم أن جاء فزعاً من الغار: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق». ومن تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه ما ترك سائلا إلا أعانه ولا فقيرا إلا أعطاه ولا صاحب حاجة إلى سعى في قضاء حاجته، وما توفيته غُرماء جابر وقضاءه دين بلال رضي الله عنهما، إلا غيض من فيض. إن الإحساس بآلام الناس والقيام بخدمتهم وقضاء حوائجهم من تمام رحمته صلى الله عليه وسلم، وكمال جُودِه وسَعيِه، وحسن أخلاقه وجميل صفاته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وليس عنه هذا بغريب فقد قال الله تعالى عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. فكانت حياته كلها تجسيدا لتلك الرحمة، عن جابر بن عبد الله - رضِي الله عنه - قال: (ما سُئِل رسول الله - صلّى الله عليه وسلَّم - شيئًا قطُّ فقال: لا). وقد قعد النبي صلى الله عليه قواعد ثابتة في فضل تفريج الكرب في أحاديث كثيرة منها ما جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (من نفَّس (أزال) عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). ومن فضل تفريج الكربات أنها من أعظم أسباب إجابة الدعوات. عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن تُستجاب دعوته وأن تُكشف كُربته فليفرج عن معسر». وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: (سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي له ديناً، أو تطعمه خبزاً). إن من سعى في تفريج كربات الآخرين يسعى – في واقع الأمر وحقيقته – لتفريج كربة نفسه، قال تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنْفُسِكُمْ). وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنفسهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ). فالجزاء من جنس العمل، واعمل ما شئت كما تدين تدان، فعائد العمل يعود على صاحبه أول ما يعود، اعمل ما شئت فإنك مجزيّ به.

654

| 07 أبريل 2024

فضل كفالة اليتيم

التكافل الاجتماعي في الإسلام باب أصيل من أركان هذا الدين، ومكانة الضعيف فقيراً أو مسكيناً أو مريضاً أو مشرداً لها موقعها من الشريعة حتى تقدم أحياناً على بعض النوافل، ومن بين هؤلاء جاء في الشريعة التأكيد على حق اليتيم وهو: مَن مات أبوه وهو دون البلوغ. والمستعرض للقرآن يدرك جلياً تأكيد الإسلام على حق اليتيم قال الله عز وجل: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى). وبين القرآن أن الطبيعة البشرية لا تكرم ولا تهتم بهذه الفئة فقال: {كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}. وكأن القرآن يشير إلى أن هذا هو المعهود في البشر ولا ينبغي أن يكون بين جماعة المؤمنين. لذا جاء عظم حق اليتيم في الشريعة حتى إن تغافل حقوقه يعد تكذيباً بيوم الدين (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} وهي التفاتة عجيبة، لأن من يصدق بالدين لا يفعل هذا الفعل الشنيع. إن الإسلام قد رغّب في كفالة الأيتام ووعد عليها خيراً كثيراً رحمة بهذا اليتيم وبالمجتمع الذي ينشأ فيه، فكان الأجر العظيم أن بشر الكافل بمرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في جنة عرضها السماوات والأرض فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا « وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً». وقد قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، فلا منزلة أفضل من ذلك. وهذا دليل واضح على أهمية كفالة اليتيم ومكانته الرفيعة في الإسلام. وكيف لا وكفالة اليتيم من أعظم أبواب الخير،ـ بل هي أحد مفاتيح الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ». ولا شك أن أي كفالة لليتيم مهما كانت مدتها يترتب عليها الأجر العظيم للكافل إذا أخلص النية لله سبحانه. كما أن من عناية الإسلام باليتيم أن جعل المسح على رأسهِ والحُنو عليه مذهبا لقسوة القلب؛ فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-:» أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ». وفي المقابل عليه أن يحذر من التفريط في حقه فإن ذلك من الذنوب العظام الموجبة لدخول النار: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}. هذا في التعرض لمال اليتيم فكيف بمن يتعرض له بالأذى من ضرْبٍ وشتم ونَحوه أشدُّ حرمة، فهذا والله جرمه خطير، فالإسلام حرم إذلال اليتيم أو التَّسلُّط عليْه، أو التَّعرُّض له بشيء يسوؤه بغير حق: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}.

858

| 06 أبريل 2024

alsharq
هل سلبتنا مواقع التواصل الاجتماعي سلامنا النفسي؟

ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...

4068

| 15 فبراير 2026

alsharq
«تعهيد» التربية.. حين يُربينا «الغرباء» في عقر دارنا!

راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...

1944

| 12 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1668

| 10 فبراير 2026

alsharq
الطلاق.. جرحٌ في جسد الأسرة

الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...

906

| 12 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

873

| 10 فبراير 2026

alsharq
التحفظ على الهواتف في الجرائم الإلكترونية

لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...

732

| 16 فبراير 2026

alsharq
المتقاعدون.. وماجلة أم علي

في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...

726

| 16 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

705

| 11 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

621

| 11 فبراير 2026

alsharq
بين منصات التكريم وهموم المعيشة

في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...

540

| 12 فبراير 2026

alsharq
الموظف المنطفئ

أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...

522

| 16 فبراير 2026

alsharq
الصحة في قبضة الخوارزميات

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...

465

| 10 فبراير 2026

أخبار محلية