رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التحصُّن بالقوة من دون الله ضعف، والتحصن بالمال من دون الله فقر، والتحصن بالعِزْوة من دون الله عُزلة، والذين يفضِّلون الضلالَ على الحلال، والكفر على الإيمان، والخير على الشر، والعمى على الهدى - يحيطهم غضبُ الله وانتقامه ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. لا تنفع قوة من دون الله، ولا تبقى حياة ناعمة أو طاعمة مطمئنَّة بغير الله، لكن القوة أحيانا ما تعمى صاحبها فيظن أنه على كل شيء قدير، ونسي أخذ العبرة من التاريخ أجداده من اليهود. في سورة الحشر، وقعت حادثة بني النضير وهو -حي من أحياء اليهود ـ في السنة الرابعة من الهجرة. وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة. فاستقبله اليهود بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم، بينما كانوا يدبرون أمراً لاغتياله ومن معه. قال بعضهم لبعض: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمن رجل منكم يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟. فانتدب لذلك عمرو بن جَحاش بن كعب. فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فأُخبر رسول الله بغدرهم، فقام كأنما ليقضي أمراً. فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم، ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم، وفق قاعدة محكمة سجلها القرآن فقال: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}. تواصل بنو النضير مع مناصريهم من اليهود والمنافقين فأجابوهم: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم. وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. بلغ الحصار ستاً وعشرين ليلة، وقد يئس بعض المسلمين في خروج بني النضير لقوّتهم ومنعتهم قال الله: (ما ظننتم أن يخرجوا). وبنو النضير غرتهم قوتهم الداخلية وتحالفاتهم الخارجية (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله). غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قوة الله التي لا تردها الحصون! فكان الجواب لهم ولكل متكبر ومتغطرس (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب). قد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم، لا من خارج حصونهم، من قلوبهم لا من قصورهم، لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها. وهكذا حين يشاء الله أمرا يأتي به من حيث لا يحتسب أهل البغي، فاللهم يوما كهذا اليوم.
1746
| 13 أكتوبر 2024
اللهُ مَولانَا وَلا مَولى لَكُم، من كان الله مولاه وناصره؛ فحسبه ذلك فيه الكفاية والغناء؛ وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير، لا تخليا من الله عن ولايته له، ولا تخلفا لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ). في يوم (أحد) أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أفي القوم أحد محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُجِيبُوهُ)، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُجِيبُوهُ)، فقال: أفي القوم عمر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُجِيبُوهُ). فالتفت أبو سفيان إلى أصحابه فقال: أَمَّا هَؤُلاءِ فَقَد قُتِلُوا، لَو كَانُوا أَحيَاءً لأَجَابُوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك. فقال أبو سفيان: اعل هبل! اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَجِيبُوهُ)، فَقَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللهُ أَعلَى وَأَجَلُّ»، فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: أَلا لَنَا العُزَّى وَلا عُزَّى لَكُم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَجِيبُوهُ « قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللهُ مَولانَا وَلا مَولى لَكُم». إن علو أهل البغي اليوم لا يعد انتصارا لهم ولا خذلانا للحق، بل هو لون من ألوان الابتلاء من الله لعباده تمحيصاً لهم: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ثم العاقبة لهم بعد التمحيص ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فالابتلاء مقصود قبل أي نصر مرتقب، ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾. في تاريخ الإسلام الممتد كفار حاربوه كأبي جهل، وأبي لهب، وزنادقة خلعوا عباءة الإسلام على عقائد باطلة كالحلاج، وابن الراوندي، وابن الفارض، ومنافقين- لا يحصون- أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفار! ثم ماذا؟ هلكوا جميعا وبقي الإسلام شامخا. فليفعل الصهاينة اليوم ما شاءوا فعله من سفك وقتل وتشريد، فالعاقبة لنا والله مولانا ولا مولى لهم. الله أقوى من هدير سلاحهم أنعم برب العالمين وكيلا وسيعلم الباغي مغبة مكره ولسوف يعلم من أضل سبيلا فليحرقوا كل النخيل بساحنا سنطلّ من فوق النخيل نخيلا فليهدموا كل المآذن فوقنا نحن المآذن فاسمع التهليلا إن يبتروا الأطراف تسعى قبلنا قدماً لجنات النعيم وصولا نحن الذين إذا ولدنا بكرة كنّا على ظهر الخيول أصيلا نحن الشهادة والشهيد وشاهد ولأسدنا قد فصلت تفصيلا فالعيش تحت الاحتلال جهنم زقومها غسلينها المرذولا يا من صبرتم للحصار طويلاً في عزة تعلو المجرة طولا تحت القذائف والحريق جهنم لم تقطعوا التكبير والتهليلا لقنتم الدنيا الدروس صريحة لا تقبل التزييف والتدجيلا إن الأعز محمد وجنوده والله أكبر ناصراً ووكيلا ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا.
744
| 06 أكتوبر 2024
النفس حين تنصرف عنها هداية الوحي؛ تبور وتتصحر تماما كالأرض حين يحجب عنها عطاء السماء، فترى الضلال هدى، والهدى ضلالا، وتسير إلى الوراء تظن أنها للأمام متقدمة، وتقيس بالحواس ما لا ينبغي أن يقاس إلا بالنصوص، ويأتيها من الأعوان ما يزيدها فسادا {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ*وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}. هذه قصة واقعية لواحد أكرمه الله ورزقه من الخير أضعاف ما كان يهوى أو يتمنى، مع أن صلته بالله مبتورة، وجسور الهوى قائمة موصولة! لم يقابل نعم الله عليه بالشكر؛ بل قابلها بمزيد من الغرور والكبر، وكأنه يتمثل بقول الأول: أوتيته على علم! وحدث أن خسر في صفقة تجارية نصف ماله أو يزيد! فكان شخصا آخر غير الذي يعرفه الناس، فلا هذه الصورة صورته، ولا تلك الهيئة هيئته! ولا الصوت صوته، تغير جذريا أنكر من يعرفه! غارت عيناه، وثقل لسانه، وشحب وجهه، وذبل بدنه، حتى كأن الموت يجري بين عينيه! إن سبب شقاء بعضنا بالحياة: جهلنا بها، فنحن لا نعرفها كما ينبغي بل نعرفها كما نحب أن تكون لنا: ناعمة الملمس، باسمة الثغر، جميلة جذابة مغرية، نعرف جانبها المشرق البراق ولا نتعرف على جانبها المظلم القاتم ولعل هذا سر التشبث بها. لو عرفنا الحياة كما عرفها الأنبياء والحكماء لهان علينا كل ما فيها من نعيم وبؤس، وسعادة وشقاء، وفرح وترح، فلا نأمن لها إذا أقبلت، ولا نجزع إذ هي أدبرت، وهذا سر المعرفة الحقة بها، ولله در المتنبي حين قال: عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا … فلما دهتني لم تزدني بها علما يا لها من حياة لا يهزم خيرُها شرها، ولا يفي سرورُها حزنها، ولا يذهب عطاؤها شقاءها! وإلا فما التفسير لمن ارتحل عنه نصف ماله مخلفا له مثله! ومعه فوق ذلك العافية التي بها قوام حياته! لقد أنساه ما حلّ به من مصاب جميل ما أنعم الله عليه من عطاء، وأفقده ما رحل عنه التلذذ بما بقي لديه! حتى لكأنا نقرأ من حاله قول أبي العلاء: إن حزنا في ساعة الموت أضعا … ف سرور في ساعة الميلاد كان يكفي صاحبنا آية توقظه وتردعه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير} وحديثا لصالح الأعمال يدفعه: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب- مرض- ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» لكنه للأسف غابت عنه هداية الله فلم يتخذ من مصابه رادعا ولا واعظا! فاللهم أيقظ قلوبنا من غفلة حلت بنا، وأكرمنا بالرضا، واصرف عنا ما يغضبك عنا.
519
| 24 سبتمبر 2024
إن النفس الإنسانية متى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، ومن أخس الصفات التي لا يستقيم معها حياة ولا يقام بها ولاء صفة الخيانة. والمتتبع لصدر الإسلام وعلاقاته مع خصومة يدرك أن الإسلام يعاهد ليصون عهده، فإذا خاف الخيانة وأدرك الغدر، لم يخن ولم يغدر، ولم يغش أو يخدع، بل ينبذ العهد علانية، ويسقط الحلف جهرة، ولا يترك خائنا في موقعه عملا بقوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). وقد عرف اليهود بالغدر والخيانة وهذه صفة أضحت لازمة لهم، والتعامل مع الخائنين بالود والسلم عواقبه مدمرة، وآثاره مرعبة على الأمة كلها، بل لابد من حزم وحسم يحافظ بها المسلمون على الهوية والأمة والحياة. وخير مثال على ذلك ما كان من بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة، بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب. حين ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد، فاستقبله اليهود بالبشر وأضمروا اغتياله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه! قالوا لبعضهم: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل منكم يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جَحاش بن كعب. فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يبيت اليهود من غدر. فقام كأنما ليقضي أمراً. فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. ثم لما كان التبييت للغدر برسول الله في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم، فتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصر محلة بني النضير، وأمهلهم ثلاثة أيام - وقيل عشرة - ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في العالم الموازي ومن ساندهم - وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق - أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة، وقالوا لهم أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم. وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولما بلغ الحصار ستاً وعشرين ليلة، يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم ويكف عن دمائهم، كما سبق جلاء بني قينقاع على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. فأجابهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانتهت بذلك فتنتهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1533
| 15 سبتمبر 2024
ذهب عتبة بن ربيعة - وهو سيد من سادات قريش الكبار- إلى منتدى قريش قائلا: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ - وذلك حين أسلم حمزة - رضي الله عنه – فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا بن أخي. إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمعمني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « قل يا أبا الوليد أسمع «. قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا; وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك; وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا; وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.. أو كما قال.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه قال: « أفرغت يا أبا الوليد؟ « قال: نعم. قال: « فاستمع مني «. ثم قرأ أول سورة فصلت. وهنا نريد أن نقف وقفة قصيرة أمام صورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدب النفس الكبيرة وطمأنينة القلب المؤمن. وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر التائهة التي يعرضها عليه، ولا يثنيه عن الاستماع إليه هوان ما يقول ولا سذاجة معانيها، بل يتلقى الكلام وهو حليم الفؤاد، كريم النفس، لا يعجل على عتبة حتى استكمل حديثه ثم في هدوء قال له: « أفرغت يا أبا الوليد؟ كناه بأحب الأسماء إليه على اختلاف المنهجين جدا، وانتظره حتى أفرغ ما عنده مع قبح الحديث، ثم استنطقه بالتلميح حين قال: أفرغت؟ حتى يطمئن إلى أنه قد أنهى كل ما في جعبته وحين قال عتبة: نعم. قال له - صلى الله عليه وسلم - « فاستمع مني « ولا يفاجئه بالقول حتى يقول: أفعل. وعندئذ يتلو - صلى الله عليه وسلم - في ثقة وفي طمأنينة وفي امتلاء روح قول ربه. كم نحتاج في مجالسنا وأحاديثنا بل ومنتدياتنا العلمية وحواراتنا الفكرية إلى مثل هذا الأدب النبوي، الذي سيقضى عند صفاء النفس وإرادة الحق على الخلاف أو على الأقل على العصبية عند الاختلاف.
882
| 08 سبتمبر 2024
ما الفرق بين سارق يمد يده إلى مال الغير ليسلبه إياه عنوةً، أو يشهر سلاحه في وجهه قاصدا حياته، وبين من يطال بلسانه أعراض الآخرين وحرماتهم! بالطبع كلا الأمرين شر لكن أشدهما على كل حر النهش في الأعراض والحديث عنها بسوء، صدق المتحدث في ذلك أم كذب. ذلك أن المال في حقيقة أمره حجابٌ يتخذه المرء بين شرفه وبين ألسنة الطّاعنين فيه. أو حاجز يمنع المتطفلين والخائضين من الدّنو من عرضه، أو الحاق الضّرر به. فهو إذاً وسيلة لحفظ الشرف وصيانة النفس. لكن وللأسف نرى البعض قد أحال مجلسه أو بيته أو مكان إقامته إلى حانوت يباع فيه الأعراض في سوق أشد وقاحة من أسواق النخاسة! وهذا بابُ فتنةٍ ومحنةٍ على المجتمع، يحمِل المفاسِدَ العُظمى، ويتضمَّن الآثامَ الكبرى التي تُفسِد وتمزق المجتمع، وتجُرُّ من الويلات ما لا يُحصَى، ومن الشرور ما لا يُستقصَى. لذا جاء النهي الصريح عن مجرد الحديث فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ كَرٍهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ). وجعل مجرد الحديث بكل ما سمع كذب، فقال: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) وجعل مجرد التنقيب أو تتبع الأخبار السيئة والتفتيش والتتبع خللا في دين المرء فقال صلى الله عليه وسلم: (يا مَعْشَرَ مَن أسلم بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه لا تُؤْذُوا المسلمينَ، ولا تُعَيِّرُوهم، ولا تَتَّبِعُوا عَوْراتِهِم، فإنه مَن تَتَبعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَه ومَن يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَه يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه). العاقل لا يشغل نفسه بما يخدِش دينه ويُعرِّضَه لغضب ربه، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنَه الله رَدْغَة الخَبال حتى يخرج مما قال). ورَدْغَة الخَبال: عصارة أهل النار. إن حرمة الأعراض عظيمةٌ في الإسلام كحرمة الدماء والأموال، ومن البهتان العظيم الولوج فيها ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾.
1800
| 01 سبتمبر 2024
آية في كتاب الله تبرز لنا دخيلة النفس وصحيح استقامتها، ناطقة بأن من جاهد ليصل واحتمل الطريق ومشاقه، وصبر على الفتن ولم ينتكس؛ لن يتركه الله وحده ولن يضيع إيمانه، ولن ينسى جهاده. بل سينظر إليه من عليائه فيأخذ بيده ويهديه سبيل الرشاد. فقاصد الحق لن يتعب كثيرا في معرفته، ذلك أن الطريق إلى اللّه واضح بيّن مستقيم، متى صح قصد سالكه فإنه مدرك غايته. ولا يتردد عن الحق ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق، أو يعرفه ويتنكبه اتقاء متاعبه! وهذا ينطبق على كل من يتعامل مع قضايا الأمة سلبا أو إيجابا، فالذي يعرف الحق يدرك أن عليه واجبا لابد أن يؤدى، فلا ينتظر إذنا ولا حثا، بل يبادر بفعل ما أوجبه الله عليه. أما المتردد فإنه دائم البحث عن معاذير يرطب بها خاطره، أو يضحك بها على بقايا ضمير يظنه قائمة؛ قال ربي:(لا يستأذنك الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم واللّه عليم بالمتقين*إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر وارتابت قلوبهم، فهم في ريبهم يترددون). المؤمن بالله واليوم الآخر ماض في طريقه، مساند لقضايا أمته، ملتمس طرق الهداية، لا يتلكأ في تلبية نداء دينه بل مسارع كما أمره سيده: طاعة لأمره، ويقيناً بلقائه، وثقة بجزائه، وابتغاء لرضاه. لذا ضع هذه القاعدة أمام كل من يتعامل مع الأحداث القائمة اليوم في (غزة) وما تفرضه العقيدة على كل مسلم مؤمن بالله واليوم الآخر، من وجوب مساندتهم في قضاياهم بالدعاء والمال ومقاطعة عدوهم ونشر قضيتهم، والمدافعة عنهم في كل محفل ينبغي فيه الدفاع. إنك ناظر فواجد الناس ساعتئذ قسمين: قسم لا يستأذن فيما يجب عليه، وآخر لا يفعل ولا يترك من يفعل!انطلاقا من عقيدته التائهة ودخيلته الفاسدة. ولسائل أن يقول: أليس خروج هذه الطائفة الأخيرة من الصف خسارة للأمة؟ والجواب: بل وجودهم في الصف هو الخسارة؛( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ). لكن أليس لو كانوا في الصف لكثر بهم المسلمون واستفادوا عددا أمام عدواهم؟ ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ). هل بين لنا القرآن علامات يعرفون بها؟ (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ). ما الواجب على أهل الإيمان معهم، وبم يجيبونهم؟ (لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا، فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ). أي والله صدق ربي وهلكوا وكذبوا، وإنا لها قائلون: فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُون.
1485
| 25 أغسطس 2024
لأبي تمام بيت خالد صار حديث العرب في منتدياتهم ومساجلاتهم، يقول فيه: لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَومِهِ لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابي قَد ذَلَّ شَيطانُ النِّفاقِ وَأَخفَتَت بيضُ السُيوفِ زَئيرَ أُسدِ الغابِ وقد نسج كثير من الشعراء هذا المعنى في قصائد باقية، لأهميته وواقعيته: فأحدهم يقول: نَزْرُ الْكَلامِ مِنْ الْحَيَاءِ تَخَالُهُ ** صَمْتًا وَلَيْسَ بِجِسْمِهِ سَقَـمُ وغيره يقول: كَرِيمٌ يَغُضُّ الطَّرَفَ دُونَ خِبَائِهِ ** وَيَدْنُو وَأَطْرَافُ الرِّمَاحِ دَوَانِـي وكُثَيِّرٌ يظهر بعض آثار غياب خلق التغافل فيقول: وَمَنْ لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ ** وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهْوَ عَاتِبُ وَمَنْ يَتَطَلّـَبْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ ** يَجِدْهَا وَلا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صَاحِبُ وفي مَنَاقِبِ الإِمَامِ أحمدَ يقول عُثْمَانَ بن زَائِدَةَ: «الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ». فحدَّثتُ به أحمد بن حنبل فقال: «العافيةُ عشرةُ أجزاءٍ كُلُّهَا في التَّغَافُلِ». إن السكوت عن عيوبِ النَّاسِ من أخلاقِ الكبارِ، وهو أعلى درجات التغافل ففيه حفظ النفس من النقائص، وحفظ للمجتمع من شيوع الفساد واستمرائه بين الناس، وقد قيل: إذا أنت عِبْتَ النَّاس عابوا وأكثروا ** عليك وأبدوا منك ما كان يُسْتَرُ فإن عِبْتَ قومًا بالذي ليس فيهمُ ** فذلك عنــدَ الله والنّـــَاسِ أكبرُ وإن عِبْتَ قومًا بالذي فيك مثله ** فكيف يَعِيب العُورَ من هو أعورُ ومن تتبع تاريخ الأمم يجد أنه لا يسود أحد إلا وخلق التغافل بارز ظاهر جلي، هذا مثلا صلاح الدين يصفه ابن الأثير فيقول: «وكان - رحمه الله - حليماً حَسَنَ الأخلاقِ، ومتواضعاً، صبوراً على ما يَكْرَهُ، كثيرَ التَّغافُلِ عن ذُنُوبِ أصحابِهِ، يَسمعُ من أحدِهم ما يَكْرَهُ، ولا يُعلِمُهُ بذلك، ولا يَتَغَيَّرُ عليه». وتلك شارات السيادة وأخلاق الكبار، وهي من حسن إسلام العبد كما قال صلى الله عليه وسلم: «مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه مَا لا يَعنِيهِ». أما المدقق أو المتتبع عورات الناس فشأنه خطير، وهو مورد المهالك لا محالة، يكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تَتَبَّعَ عورةَ أخيه تَتَبَّعَ اللهُ عورَتَهُ، ومن تَتَبَّعَ اللهُ عورَتَه يَفضَحْهُ ولو في جَوفِ بَيتِهِ». هذا الوعيد مستحق لعدة أسباب منها: أن تتبع عورات الناس لا يقع إلا من أراذل الخلق أشباه الرجال. شرُّ الورى بمساوي النَّاسِ مُشْتَغلٌ ** مثلُ الذُّبابِ يُراعِي موضعَ العللِ لله در الإمام مالك بن أنسٍ - رحمه الله - حين يقولُ: أدركتُ بهذه البلدة - يعني المدينة - أقواماً لم تكن لهم عُيوبٌ، فعابوا الناسَ؛ فصارتْ لهم عُيوبٌ. وأدركت بها أقواماً لهم عُيوبٌ، فسكتوا عن عُيوبِ النَّاسِ؛ فنُسيتْ عُيوبُهم».
849
| 18 أغسطس 2024
الصبر مر مذاقه لذا يحتاج إلى مقاومة للانفعال، وضبط للعواطف، وكبت للفطرة، ولذا فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ}.. فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس، ويأتي الإيمان بالله ليصنع الفارق حين يجف القلب أو يرتجف كيان الإنسان من مصاب ألمَّ به أو طارئ طرأ عليه. يأتي الإيمان بلمسة قريبة عميقة تصادف القلب القلق فيسكن الجسد كله، لمسة تصادف الظلام الجاثم على الصدر فينبعث منه النور وينفلج فيه الصباح، لمسة تحيل القلب في لحظة أو أقل إلى سكون وطمأنينة وبشر، وكأن المحنة صارت منحا تستوجب الشكر! وكأنما هذا المصاب الجلل شراب حلو المذاق مع الإيمان، والإيمان وحده. ثم هذا لا يكون إلا للمؤمن كذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ). يدرك ذلك جيدا من سمع سحرة فرعون وقد كانوا عبيد هوى لفرعون، لا يجرؤ أحدهم أن يتحدث في حضرته فضلا عن أن يرد عليه، وهم يقولون له في تحد واضح (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا). ويعلم ذلك يقينا من يسمع بلال بن رباح وقد كان مولى لأمية بن خلف وهو يقول - والحبال في رقبته وصبيان مكة يطوفون به في جبالها بلا طعام أو شراب ورمضاء مكة تفعل فعلها فيها، والصخر على صدره – أحد أحد. ويرى ذلك جليا من يشاهد خباب بن الأرت وقد تعرض لشتى ألوان العذاب من وضع الحديد المحمي على جسده وهو صابر محتسب، يقول خباب: لقد أوقدت لي نار، وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري (أي دهن الظهر). و»الزِّنِّيرة» وقد عذبت حتى ذهب بصرها من شدة العذاب، وقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى! فقالت: (وما تدري اللات والعزى من يعبدهما، ولو شاء الله لرد علي بصري) فرد الله عليها بصرها. وخبيب حين عذب فقال له أبو سفيان: أتحب أن محمدا عندنا نضرب عنقه وأنت بين أهلك؟ قال: لا والله ما أحب أني في أهلي وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه. وفي عصرنا نراه واقعا ملموسا اليوم في (غزة) حيث الولد يصلي على عائلته، والوالد يودع أسرته، والقلب لقضاء الله ساكن، والأجر المرتقب واللقاء المنتظر يهون كل صعب ويذهب كل ألم. اللهم فرج عن أهلنا في غزة، وتقبل شهداءهم، وانصرهم نصرا مؤزرا.
573
| 11 أغسطس 2024
حوار دائر بين بنوة ملتاعة وأبوة غاشمة في خمس آيات مشتملة على إحدى وخمسين كلمة، لكنها في حقيقة أمرها أنموذجا علميا وعمليا وواقعيا في أدب الولد مع أبيه وإن كان كافرا، بل وإن كان رأسا من رؤوس الكفر، في رسالة للأبناء مفادها: أن اتقوا الله في آبائكم، واستوصوا بهم خيرا، وتأدبوا بأدب القرآن معهم، فإن رضاهم مقرون برضا الرحمن عنكم. هذا نبي الله إبراهيم يناصح والده مستخدما كل الوسائل التي تبين له الحق وترشده إليه، والمقال سيتجاوز العاطفة الجياشة، والحوار البناء، والحب العميق، والحرص الشديد، ويتوقف عند الأسلوب في النصح، ذلك أن كثيرا من أولادنا ربما لا تنقصه العاطفة بقدر ما ينقصه لغة الخطاب الآثر مع الأب. حوت النصيحة خمسة أساليب تضم فنوناً من التربية متنوعة، وأساليب للدعوة بديعة باهرة، نقف عند ثلاثة منها: ١-أسلوب استثارة العاطفة: ببيان راق وأسلوب مبهر كرر الخليل كلمة (يا أبت) في بداية كل معنى أراد إيصاله له، كررها أربع مرات في أربع آيات: (يا أبت) تعبير يستثير به عاطفته ويذكره بأنه زرعه الذي زرع وسنده الذي يتكئ عليه، وكأنه يقول له: أنت (أبي) وإن عظم ذنبك حتى وصل إلى الكفر البين. أنت (أبي) وإن خالفتني في أعظم قضية مصيرية. أنت (أبي) ولن يحجب برك في قلبي عظم ما فعلت. ٢-أسلوب الاستفهام الاستردادي: وهو من الأساليب العلمية الحديثة، ويعنى بها طرح استفهام جوابه فيه لأجل أن ينتبه السامع إلى فساد معتقده من خلال السؤال ذاته، يقول الخليل لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر؟ سؤال صادم أشبه بزلزال أتى على غير توقع لا يملك إنكاره ولا النجاة منه. ٣- أسلوب التوكيد الذي يحمل الثقة بقوة الحق المعتقد: «يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك» ثقة مؤكدة ويقين جازم لا يملك المخالف أمامه إلا التسليم لقوة الحق أو المكابرة حق القوة والتي قد ينتصر بها المخالف في جولة لكن لا يكتب له دوام السيادة، فأضعف الناس حجة أكثرهم صراخا وتهديدا. لجأ أبوه الي القوة الباطشة فقال: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا) وهي حجة كل عاجز حين لا يقدر على رد المنطق أو لا يحسن أدواته، لابد أن يستدعي مباشرة من الأرشيف الفرعوني عضلاته لأنها مريحة له عند العجز. بهذه الجهالة تلقى الأب دعوة الوالد إلى الهداية. وبهذه الغلظة قابل لين الخطاب، لكن شتان بين قلب هذبه الإيمان وقلب أفسده الطغيان! لم يغضب الخليل ولم يفقده ذلك بره وعطفه وأدبه مع أبيه، فقال: سلام عليك..لا جدال ولا أذى ولا رد للتهديد والوعيد. هذه رسالة لكل متطاول على أبيه بالحق أو بما يراه حقا: لن تكون قطعا في مقام إبراهيم وأبوك ليس كأبيه، فاتق الله فيه.
573
| 28 يوليو 2024
تذكرت وأنا أسمع لبعض المتفيهقين- الذين يتحدثون عن الله بغير علم - قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقبة: (أَمْسِكْ عليك لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيتُك، وابْكِ على خَطِيئَتِكَ) ألا ليت من يتعرضون للدين أو لقضايا الأمة أن يتأدبوا بذلك، وأن يكفوا عن الناس أذاهم وتخذيلهم! هؤلاء جماعة يفسرون قول الله تعالى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) على غير وجهه الصحيح، ثم يسقطون الفهم الخاطئ على ما يحدث لأهلنا في غزة! ويحملونهم التبعة لأنهم أقل عتادا وعدة! ألا والله ما أسعد الصهاينة بأمثال هؤلاء الفسدة وأقوالهم! ألا سحقا ثم سحقا ألف سحق على مثل هذه الأراجيف المثبطة، والأفكار المضللة، فلا نص ولا فهم ولا عقل ولا صمت! كيف يقول مسلم هذا الكلام وهو يقرأ قول الله: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) كيف يفهم هذا الفهم السقيم وهو يسمع الله يقول: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ). ثم كيف يفسر لنا خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لملاقاة عدوهم في أكثر المعارك! - في (بدر) كانوا قريب الثلاثمائة، والمشركون ألفا منهم مائتا فارس. - في (أحد) كانوا سبعمائة - بعد انسحاب المنافقين - والمشركون ثلاثة آلاف. - في (الأحزاب) كانوا ثلاثة آلاف والمشركون عشرة! إن هذه الآية فسرها أبو أيوب بقوله: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَار؛ لمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ) ولو سألوا لعلموا! الحديث عن الله بغير علم مورد المهالك، والله يقول محذرا ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾. فبدأ بأصول المحرمات: الفواحش من الزنا واللواط وما شابهها، ثم ارتقى تدريجيا إلى الأشد فالأشد، فأعظم من الفواحش ﴿وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إذ ضرره متعد على الغير. وأشد خطرا منهما: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾وأخطر مما سبق: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ اللهم انصر أهلنا في فلسطين ومكّن لهم، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم.
486
| 21 يوليو 2024
ضاقت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم ذرعاً، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق، لا تملك لها دفعاً، ولا تطيق عليها صبراً، فائتمرت به، وقررت أن تتخلص منه؛ فأطلعه الله على ما ائتمرت، وأوحي إليه بالخروج، فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصدّيق، لا جيش ولا عدة، وأعداؤه كثر، وقوتهم إلى قوته ظاهرة. وفي الهجرة من الدروس ما ينبغي التوقف عنده: - التخطيط بداية الظفر أعد النبي صلى الله عليه وسلم خطة محكمة في إشارة مفادها أن قوة الحق لا تحجب حق القوة، فالبذل والتضحية والتخطيط جالب للإعانة الإلهية. وضعت الخطة بكل تفاصيلها فالقائد: محمد، والمساعد: أبو بكر، والفدائي: علي، والتموين: أسماء، والاستخبارات: عبدالله، والتغطية وتعمية العدو: عامر، ودليل الرحلة: عبدالله بن أريقط، والمكان المؤقت: غار ثور، وموعد الانطلاق: بعد ثلاثة أيام، وخط السير: الطريق الساحلي. وهذا أول درس ينبغي أن يكون عالقا في ذهن كل مسلم، فهذا النبي وهو النبي لم يرتكن على الحق الذي معه، ولم ينتظر ملكا يحمله من مكة إلى المدينة، بل خطة بذل فيها كل ما عليه صلى الله عليه وسلم. -اليقين في الله معين الصالحين على طريق التمكين: كانت الهجرة أعظم درس في التوكل على الله والاعتصام بحبل الله:فقد كانت الرحلة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس.فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب.. والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار.. وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته.. والرسول صلى الله عليه وسلم في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره. يقول للصديق في ثبات ويقين: ما ظنك باثنين الله ثالثهما. - العناية الإلهية تعمل في الخفاء متى ما بذل المسلمون الأسباب: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعزل محاصر، خرج إلى المجرمين واخترق صفوفهم وهو في أمان من أعينهم أو سيوفهم وتلك عناية الله. يقفون عند الغار ويقفون على بابه فلا يطأطئ أحدهم رأسه لينظر في الغار، وتلك هي الرعاية فرس سراقة يمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماه في الأرض وكأنما هي تسير في الطين، وتلك هي الحماية. شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن، وغير ذلك من المعجزات التي تدل على معية الله لعباده متى ما أخذوا بالأسباب. في إشارة بينة مفادها أن الله إذا أراد نصر المؤمنين خرق القوانين، وقلب الموازين {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} ولعلنا في مقال قادم نكمل تلك الدروس والفوائد.
465
| 14 يوليو 2024
مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...
15174
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1638
| 10 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
1257
| 12 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
846
| 10 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
648
| 11 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
567
| 09 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
546
| 11 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...
534
| 12 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
513
| 09 فبراير 2026
لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...
486
| 08 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
465
| 12 فبراير 2026
يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...
447
| 10 فبراير 2026
مساحة إعلانية