رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كيف نختار المسؤولين ؟

حين طلب النبي يوسف –عليه السلام– من الملك، أعلى مناصب الدولة يومها، فإنما، إلى جانب كونه نبياً، كان على ثقة ودراية بالمهام التي تنتظره، إن هو تولى منصب رئيس الوزراء، في ظل ظروف كانت تتشكل لتعيشها الدولة خلال سنوات أربع عشرة قادمة. أي أن إستراتيجية ضبط وإدارة موارد واقتصاد البلد كانت واضحة في ذهن يوسف –عليه السلام– حين تقدم وطلب المسؤولية، التي عادة يتهرب منها الأمناء والمخلصون، لأسباب سنأتي عليها لاحقاً، إلا حالة يوسف –عليه السلام- الذي حين طلبها أعطيت له دون أدنى تردد من صاحب القرار يومها وهو الملك. لقد كان النبي يوسف –عليه السلام– كما يقول سيد قطب في ظلاله: "حصيفاً في اختيار اللحظة التي يُستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة؛ وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل، وشعوب كذلك تجاوره، طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا ضرع. فليس هذا غُنماً يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية، لا يقول أحد إنه غنيمة. إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم، والجوع كافر، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون". الملك لم يَـرْتَبْ في يوسف –عليه السلام– ولم يشكك في قدراته، أو بحث عن سوابق له في السجلات المدنية وخلافها، بل فكّر وقدّر من بعد أن وجد فيه أهم الصفات المطلوبة في أي مسؤول يُراد منه أن يتولى إدارة مصلحة ما، وهي صفة الأمانة التي رآها عملياً في يوسف الصدّيق. لقد أعجبته تأويلاته لرؤياه أولاً، ومن ثم أعجبته أمانته في قصته مع النسوة ثانياً، وأعجبته أكثر وأكثر خططه لمواجهة كارثة اقتصادية حقيقية قادمة، والتي خاف منها الملك وارتعب وهو يرى أمامه أربع عشرة سنة قادمة لا يدري كيف ستكون. إن مثل تلك الأزمات كما أسلف الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- يهرب منها الجميع لصعوبتها وقسوتها. إذ لا توجد ضمانات كافية للنجاح في إدارتها، وبالتالي ستكون نتائجها وبالاً على من يتولى الأمر، وقد ينتهي به الأمر إلى الإقصاء أو ربما أشد.. فأي مسؤول يطلب الفواجع والكوارث لنفسه؟ غالباً لا أحد، إلا من رحم ربي من الشجعان، وقليل ما هم. هل يمكن تقبّل هذا السلوك في زمننا؟ بشكل عام، صار المتعارف عليه في كثير من الثقافات أن الساعي إلى ولاية أو سلطة، فإنما غالباً يرجو مصلحة من وراء ذلك، أو إدارة ما يمكن الاستفادة منها والتكسب من ورائها مادياً ومعنوياً.. أموال وترقيات، ومناصب، وشهرة، وسمعة. وحتى يحقق هذا الشخص مراده، فإنه سيزكي نفسه بكل الصور الممكنة، سواء عبر تزكيات يطلبها من هذا وذاك، أو عبر وسائل إعلامية تتنوع عبر الزمان والمكان. وبسبب هذا المنطق السائد عند الناس، نجد أن طالب الإمارة أو الرئاسة لا يُلتـفت إليه، بل إن الريبة ستكون حاضرة من فورها عند صاحب القرار وهو يسمع منه مثل هذا الطلب، إلا إن كان صاحب القرار ذا فراسة سليمة وحدس حاد يدعوه إلى الاقتناع بأن هذا الإنسان، وبدلاً من تجاهله، يستحق الانتباه والإنصات إلى ما عنده، ولعل هذا هو ما حدث بين الملك والنبي يوسف عليه السلام. دعونا نتساءل ها هنا.. هل يجوز أن يزكي الإنسان نفسه لتولي مسؤولية ما كما فعل النبي الكريم يوسف –عليه السلام؟ وكيف يمكن التوفيق بين ما جرى معه من ناحية، وبين ما جرى مع الصحابي الكريم أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- حين سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم– الولاية ولم يحصل عليها؟ بل حصل على توجيه ومكاشفة ونصيحة غالية في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها". أي أن طلبه تم رفضه، وهو الأمين الورع، لكن صاحب القرار في الدولة، بفراسته ومعرفته بالرجال، رفض الأمر. في الحالة الأولى، وافق الملك على طلب يوسف –عليه السلام– وقبل أن يزكي نفسه بشكل مستفيض وقوي للملك، الذي لم يكن يعرفه بعدُ بالشكل الكافي المقنع لتولي أخطر منصب في عهده. أما الحالة الثانية فقد كان الرفض الفوري، رغم أن النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– على علم كافٍ بأبي ذر وشخصيته وصفاته، فهل يمكن تعميم التوجيه النبوي ذاك على كل الناس في كل زمان ومكان؟ إن ما جاء في الحديث صحيح لا غبار عليه، لكن مع ذلك لا يمكن تعميم ما جاء فيه من توجيه ضمني، على كل الظروف والأشخاص؛ بمعنى أن الإمارة أو طلب المسؤولية هو، فعلاً، خزي وندامة إذا سعى وراءها من هو ضعيف عليها علمياً وإدارياً وقيمياً، هذه نقطة أولى. أما النقطة الثانية، فإنه لا شيء في أن يزكي المرء نفسه عند صاحب القرار، إن كان يرى في وجوده في منصب حكومي، هو لصالح البلاد والعباد. وبالمثل يمكن القول بشأن من يتقدم لترشيح نفسه لعضوية المجالس أو البرلمانات وما شابهها. إذ لا شيء في أن يزكي نفسه للجمهور الناخب، ولكن بشرط أمانته وكفاءته وإخلاصه في مسعاه، وألا يكون ذلك السعي لجلب منفعة شخصية أو وجاهة اجتماعية وغيرها من منافع ضيقة يخطط لها. ولمزيد توضيح.. لا بأس من التقدم للمناصب والوظائف المهمة التي تمس حاجيات وهموم الناس بشكل مباشر، لمن يعتقد جازماً في نفسه أنه أهلٌ للمنصب، تشفع له سيرته الذاتية عند الناس، بالإضافة إلى خبراته، وعلمه، وأمانته، وإخلاصه.. إنه دون شك، ليس عملاً صحيحاً أن كل من تقدم لطلب المسؤولية يُرفض، بل الأصل أن يتم النظر لكل حالة على حدة، وفق آليات معينة. فإذا احترت وأنت صاحب قرار مثلاً في اختيار شخص ما لتولي مسؤولية معينة، فاحرص على جملة معايير لابد أن تتوفر كلها أو معظمها فيه. منها أن يكون تقياً نقياً، أميناً مؤتمناً، كيّساً فطناً، صالحاً مُصلحاً، نظيف اليد عف اللسان، لا يخشى في الله لومة لائم.. تلكم نقطة أولى. النقطة الثانية، نرى أنه من عدم الأمانة، التهرب من المسؤوليات الحساسة وقت الحاجة، لأن هناك الكثير من الأكفاء في أي مجتمع، جديرون بتولي المسؤوليات، لكن تواضعهم ورغبتهم في البعد عن الأضواء والشهرة وكل ما يمكن أن يخدش أمانتهم مستقبلاً، يتوارون عن الأنظار، وفي اعتقادهم أن مثل تلك المسؤوليات خزي وندامة، كما جاء في قصة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. النقطة الثالثة الأهم، تتعلق بدور صاحب القرار ومن معه في الإدارة والمسؤولية، وأهمية البحث المستمر عن الكفاءات والكوادر الأمينة المخلصة في المجتمع، بحيث يتم إسناد المسؤوليات أو الأمانات -إن صح التعبير- إليهم، ومن لم يتم استعماله بعدُ، يتم إدراجه ضمن قائمة المؤهلين لشغل المناصب والمهام الكبيرة مستقبلاً. خلاصة الحديث إن إسناد أي أمر وخاصة العظيمة، سواء على شكل مناصب ومسؤوليات في الحكومة، أو عضوية المجالس والبرلمانات، إلى أشخاص غير أكفياء مؤهلين، بناء على هوى مسؤول ما ومزاجه، أو وساطات من هذا وذاك عند صاحب القرار، أو عبر فزعات قبلية أو ما شابهها في مسائل الانتخابات مثلاً، دون أي اعتبار إلى مسائل الجدارة والتأهيل المناسب والكفاءة، وجملة من الصفات التي ذكرناها آنفاً، إنما هذا هو بالضبط ما نسميه بإضاعة الأمانة، وهي التي دفعت أعرابياً ليسأل عن معناها في قوله -صلى الله عليه وسلم: "فإذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة". قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة". [email protected]

9333

| 05 أغسطس 2021

لأغوينهم أجمعين

القصة المعروفة التي حدثت في الملأ الأعلى في زمن ما، يوم أن خلق الله آدم عليه السلام، يمكن أن نستخلص منها الكثير والكثير. فقد ذكر ابن كثير في تفسيره بصورة مختصرة، أن الله سبحانه أعلم الملائكة قبل خلق آدم - عليه السلام - بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون وتقدم إليهم بالأمر، متى فرغ من خلقه وتسويته، فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر الله - عز وجل - فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس، ولم يكن منهم جنساً، كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه - عز وجل - فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خُلق من طين والنار خير من الطين في زعمه!. وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله، وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه وحضرة قدسه، وسماه «إبليس» إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة - وأبلس هو اليأس من الرحمة الإلهية، وهو الانكسار والحزن - فأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل الله النظرة يوم البعث - أي الإمهال والخلود إلى حين - فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة، تمرد وطغى (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)!. أعلن إبليس العداوة منذ تلك اللحظة لبني آدم، فهو يدير معركته مع البشر إلى يوم القيامة، لا يهنأ ولا يهدأ حتى يسحب معه كل من صبأ عن ملته من ذرية آدم، إلى حيث قد تقررت نهايته هو، حيث جهنم وبئس المصير. «سبعون ألفاً إلى الجنة بغير حساب» كم هو مؤلم لإبليس ومن معه من أبالسة الجن والإنس أن يدخل الآلاف من ذرية آدم الجنة بدون حساب، وقد كرس جهده منذ بدء الخليقة للحيلولة دون وقوع هذا الأمر ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن له من الحيل والطرق والوسائل، الكثير الكثير لينحرف بذرية آدم عن الصراط المستقيم، ويدفعهم نحو طرق ملتوية عديدة، لا يخرج السائر عليها سوى بالخسران المبين، وهو غاية إبليس ومن معه. تأمّل معي الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه، عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يذكر صفات أوائل الداخلين إلى الجنة بقوله: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». لاحظ أن صفات السبعين ألفاً الأوائل الذين يدخلون الجنة بغير حساب، تتمثل في بعض من تلك الأعمال التي تخالف توجهات وهوى وخطط إبليس مع بني آدم، فمن الحقائق المعلومة أن أي عمل ضد توجهات ورغبات إبليس يقوم به أحدنا، تكون نتيجته إيجابية دون أدنى ريب. لاحظ مثلاً أولى صفات أولئك السبعين ألفاً الداخلين إلى الجنة رغم أنف إبليس، أنهم لا يسترقون، أي لا يسعون إلى أحد يطلبون منه الرقية، هذا المجال الذي دخل فيه من دخل، ولعب فيه من لعب، مع الشيطان أو بدونه، حتى ضلّ كثيرون وتاهوا، بعد أن زاغوا عن منهج الله في عمل بسيط مثل الرقية. الرقية لا شيء فيها، بل مطلوبة وفق ما هدانا إليه نبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم - لكن بدلاً من أن يلجأ أحدنا إلى فلان وعلان ليرقيه، فالأفضل أن يبذل أحدنا جهده لأن يهتدي بسنة أولئك السبعين ألفاً، إنهم يرقون أنفسهم بأنفسهم، وقد قال علماء كثيرون بأفضلية رقية المرء لنفسه بنفسه، اقتداء بسيد الخلق والمرسلين، وقد جاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله إذا آوى إلى فراشه، نفث على كفيه بـ»قل هو الله أحد» وبالمعوذتين جميعاً ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده»، تلك نقطة أولى حول موضوع الرقية التي وقفنا عندها قليلاً. أما النقطة الثانية، وقبل البحث عن علاج لبعض الشرور ذات المصادر الشيطانية، كالسحر والحسد وما شابه، فإن علينا الوقاية منها أولاً عبر الأذكار اليومية الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة في الصباح وأخرى بالمساء كما يعلم الجميع، فإذا قدّر الله أن يُصاب الإنسان بشر من تلك الشرور، فالعلاج هو الرقية الشرعية المعروفة عنه - صلى الله عليه وسلم - يقوم بها المرء بنفسه، فذلك أدعى للإخلاص، ولأن ذلك دليل على تمام التوكل على الله وحسن الظن به، والتوكل إحدى صفات أولئك السبعين ألفا، بدلاً من السعي هنا وهناك بحثاً عن راق يرقي، سواء كان لوجه الله أم يعمل بالدرهم والدينار. «قل أعوذ برب الفلق» في سياق الحديث عن شرور إبليس الذي لا يكل ولا يمل، لاحظ معي في سورتي الفلق والناس، وهما من أواخر سور القرآن، أنك في السورة الأولى تستعيذ بالله مرة واحدة من عدة مصادر للشر، تستعيذ برب الفلق من شر ما خلق، سواء كان من الإنس أم الجن أم الحيوان، ثم تستعيذ به من شر غاسق إذا وقب، أي من كل ما يخرج بالليل من شرور سواء من الجن أم الإنس أم بقية الأحياء، ثم أخيراً تستعيذ من مصدر ثالث للشر متمثل في النفاثات في العقد، أي تلك الساحرات أو أهل السحر عموماً، وأخيراً تستعيذ بالله من شر كل حاسد إذا حسد. ذاك الحاسد صاحب النفس الخبيثة المحبة للسوء والشر للآخرين، الذي اعتبره القرآن من مصادر الشرور التي يجب على بني آدم الاستعاذة منه. «من شر الوسواس الخنّاس» ثم لاحظ معي أنك في سورة الناس يختلف الأمر، حيث تستعيذ بالله هنا ثلاث مرات ولكن من شيء واحد، عكس ما كان في سورة الفلق، تجد نفسك وأنت تقرأ سورة الناس، أنك تستعيذ برب الناس وملك الناس وإله الناس. من ماذا؟ من شر الوسواس الخناس. إنه إبليس وبقية شياطين الشر معه ومن ضمنهم القرين الذين بين جنبيك، هذا الذي يوسوس لك بالشر والسوء ويزينهما لك على الدوام، دون كلل أو ملل، يأتيك بالخاطرة والفكرة ثم يزينها لك لتدخل مرحلة التخطيط، حتى تصل أخيراً إلى التنفيذ لتقع في الشر والخطيئة والذنب، وهذا غاية إبليس وذريته ومن معهم من الإنس كذلك!. هل سيتركك بعد كل ذلك؟ بالطبع لا، ولن يهدأ هذا القرين، لأن هدفه ليس إيقاعك مرة أو مرتين أو ألفاً وألفين، بل أن يدخلك مع كبيرهم إلى قعر جهنم، تنفيذاً للوعـد الذي قطعه إبليس أمام الله وقبل أن يسكن البشر الأرض، أن يقعد لبني آدم كل مقعد، يزين لهم الشر والسوء وينحرف بهم عن جادة الحق والصواب. ولأن الهدف الأسمى والأهم للوسواس الخناس الذي بين جنبيك لا يكل ولا يمل، هو أن يأخذك إلى تلك النهاية البائسة للإنسان، نجد أن الخالق عز وجل يدعونا ويحثنا على الاستعاذة منه ثلاث مرات في سورة قصيرة واحدة، على عكس مصادر الشر الأربعة سابقة الذكر في سورة الفلق، فتكفي مرة واحدة لصد شرورهم وأخطارهم، أما هذا الذي بين جنبيك، فكلما استعذت بالله منه أكثر، حماك الله وأبعدك ووقاك منه أكثر وأكثر. نخلص من هذا الحديث الطويل، أن علاجك ووقايتك وأمنك وأمانك في صلاتك وقرآنك وسنة نبيك، كلما جعلتها من أساسيات ومحاور حياتك الرئيسية، حفظت نفسك من شرور الإنس قبل الجن، والله خير حافظ وهو أرحم الراحمين. [email protected]

8767

| 29 يوليو 2021

من يأكل من مال الله ؟

حديث صحيح ربما لم يسمعه كثيرون من ذي قبل، جعلني أتوقف عنده وأتأمله بعمق.. فقد جاء في صحيح البخاري عن خولة بنت عامر الأنصارية، وهي امرأة حمزةَ رضي الله عنهما، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:" إن رجالاً يتخوّضونَ في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة ". يتخوّضون - كما في معاجم اللغة - أي يتصرفون في الشيء بالباطل. وهنا في الحديث، مال المسلمين، هو ذاك الشيء الذي يتعرض منذ أمد بعيد للتصرف الطائش غير المبني على أصول شرعية.. هذا التصرف الطائش قد يكون على شكل إدارة غير واعية ولا علمية ولا مدروسة لهذا المال، أو تبذيره على ما لا نفع يُرجى من ورائه، أو سرقته واستغلاله بطريقة وأخرى، أو الانتفاع به دون وجه حق، أو غير ذلك من أوجه التصرف غير الجائز شرعاً وقانوناً وعُرفاً. ملخص شرح الحديث، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يخبر عن أناس يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل، ويأخذونها بغير حق. وأموال المسلمين يدخل فيها كل ما يمكن تصنيفه تحت مصطلح ( المال العام ) أو كما جاء في الحديث ( مال الله )، وهو كل إيرادات الدولة، أو كل ما يدخل خزينة الدولة عبر مؤسساتها المختلفة، من رسوم الخدمات والضرائب والثروات العامة. ومن ذلك أيضاً، أموال اليتامى والأوقاف والزكوات والصدقات التي تقوم عليها الجمعيات والهيئات الخيرية. كما تدخل ضمن المال العام كذلك، الهبات والعطايا لموظفي الدولة. كل ما سبق ذكره يدخل تحت مسمى مال الله أو المال العام بالمصطلح المعاصر، وبالتالي ووفق الحديث الشريف، لا يجوز التصرف فيه إلا بحقه. وحقه ها هنا، إما نصوص الشرع أو ما يوضع من قوانين وتشريعات لا تتعارض مع الشرع بطبيعة الحال. وإن التخوّض في هذا المال، كما جاء في الحديث، أي الأخذ منه بغير استحقاق ولا إذن، عاقبته كما أخبرنا الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - النار يوم القيامة. المال العام مقدس هكذا منزلة المال العام في الإسلام. له حرمة، بل يكاد يكون مقدساً من شدة اهتمام الإسلام به، وأهمية إدارته بشكل صحيح، من حيث جمعه وإنفاقه والحفاظ عليه واستثماره، ومنع كل من تسول له نفسه الاعتداء عليه، حتى لا يجعله عُرضة للهدر والضياع. وحين توعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المتخوّض في المال العام أو المتصرف فيه بغير وجه حق، ليصل مصيره أن يكون من أهل النار – والعياذ بالله – فلأن الأمر شأنه عظيم، لا يتحمل استهتار وما شابه من سلوكيات تبدد ذلك المال وتضيع حقوق العباد والبلاد. المال العام في الإسلام كما يراه أهل العلم، يجب أن يقوم عليه أناس يتصفون بالأمانة والنزاهة، ولا يتصرفون من تلقاء أنفسهم، بل وفق قوانين وارشادات معينة، ومن ثم تقوم الأمة والذي يمثلها برلمان أو مجلس منتخب، بالموافقة على أوجه الصرف المتنوعة، وفق قواعد محددة وشفافية بالغة. ثم بعد ذلك تأتي المراقبة والمساءلة والمحاسبة من الجهة التي تمثل الأمة - كما أسلفنا - أو أي جهة أخرى يتم الاتفاق عليها لتقوم بمسائل المراقبة والمحاسبة، نيابة عن الأمة، من أجل منع كل المسارب التي يتسرب منها المال العام في غير وجه حق. في التاريخ الإسلامي، كان المال العام وإدارته بمثابة العلامة الفارقة بين الحكم الرشيد والحكم الفاسد. الإدارة الصارمة الشفافة النزيهة للمال العام، كانت تدل على أن الحكم رشيد، يطمئن الناس إلى أموالهم وحقوقهم ومستقبل الأجيال القادمة، فيما كان سوء التدبير أو ما نسميه بالفساد في إدارة المال العام، عبر محسوبيات ورشاوى وسرقات وأكل ذلك المال بالباطل، دلالة على أن الحكم فاسد غير نزيه، يقلق الناس على حاضرهم ومستقبلهم. نماذج خالدة يعتبر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز نموذجاً فريداً في الإدارة الصارمة العادلة للمال العام، وكيف لا وجده الأكبر هو الفاروق عمر بن الخطاب، الذي كان أول من أنشأ بيت مال للمسلمين، وأول من استحدث فكرة الذمة المالية للولاة أو المسؤولين، والذي كان - رضي الله عنه - يتعامل مع المال العام كمن يتعامل مع مال اليتيم، حيث قال يوماً: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجتُ أخذتُ منه، فإذا أيسرتُ رددْتُه، وإن استغنيتُ استعففتُ ". كان من القضايا التي اشتغل عليها عمر بن عبد العزيز، هو تطويق قضايا الفساد الإداري والمالي في الدولة - كما يقول الدكتور علي الصلابي - حيث بدأ في انتقاء ولاته والعاملين معه من أهل التقوى وحُسن التدين والأمانة. ثم التوسعة على الموظفين في معاشاتهم كأول إجراء إداري. حيث رأى في ذلك الإجراء وقاية لهم من الخيانة، رغم تقتيره على نفسه وأهله، وهو أمير للمؤمنين. ثم منع الموظفين من قبول الهدايا، وقد رد على من قال له: ألم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ؟ قال بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة. منعهم كذلك من ممارسة التجارة، إدراكاً منه أن ممارسة الموظفين والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم يكن الاثنين معاً: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتها عن أمور واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أموراً ليست له من الحق في شيء. ثم أخيراً، كان يتابع ولاته ويحاسبهم بنفسه، لاسيما في الجوانب المالية، وتطبيق مبدأ ( من أين لك هذا ). وقد كتب إلى أحد المسؤولين عنده:" لقد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما عدلت، وإما اعتزلت والسلام ". إن المحافظة على المال العام، وصيانته من النهب والهدر والاستغلال، مسؤولية الحاكم والمحكومين جميعاً. الكل يلتزم بالعمل، بحسب موقع كل شخص ووظيفته، على صيانة هذا المال والمحافظة عليه بكل الطرق والوسائل المتاحة، على اعتبار أن هذا المال في نهاية الأمر هو منهم وإليهم بالعدل.. وقد ردّ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة، كل ما زاد عنده إلى بيت المال. عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: لما احتُضِرَ أبو بكر - رضي الله عنه – قال:" يا عائشة، انظري اللِقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنةَ التي كنا نَصطَبحُ فيها، والقَطيفة التي كنا نلبسُها، فإنّا كنا ننتفعُ بذلك حين كنا في أمر المسلمين، فإذا مِتُّ فاردُديه إلى عمر ". فلما مات أبو بكر - رضي الله عنه - أرسَلت بِه إِلى عمر - رضي الله عنه - فَقال عمر:" رضي الله عنك يا أبا بكر، لقد أتعبتَ مَن جاء بعدك ". رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين. [email protected]

10202

| 15 يوليو 2021

ماذا في جحر الضب لتدخلوه ؟!

بدأت تدريجياً تنتشر في مجتمعاتنا مصطلحات من قبيل العقول المنفتحة أو كما تُلفظ بالإنجليزية " أوبن مايندد open minded "، للإشارة إلى أن من يُطلق عليه ذلك الوصف، إنسان متحضر يعيش زمانه. هكذا فريق أول يرى المصطلح، فيما آخر يراه بشكل سلبي، وأنه يوصف به الإنسان المنفلت عن دينه وثقافته وتقاليده.. إن جئنا نتعمق في الموضوع بعض الشيء، فمن المناسب أولاً أن نتعرف على رأي من جاء المصطلح من لدنهم وانتشر هنا وهناك. فقد جاء في قاموس كمبردج البريطاني أن العقل المنفتح أو open minded هو حين تنتظر لتعرف كل الحقائق قبل تكوين رأي أو إصدار حكم. وجاءت تعريفات أجنبية كثيرة لهذا المصطلح من قبيل أنه امتلاك عقل منفتح على الأفكار الجديدة؛ دون تحيز أو تعصب. وتعريف آخر هو الاستعداد للنظر في الأفكار أو الآراء الجديدة والمختلفة، أو هو تقبل الأفكار الجديدة أو آراء الآخرين المختلفة. لا يهمنا كثيراً التعمق في تعريفات الآخرين من غير ثقافتنا وديننا، فالمقصد ها هنا بحث هذا المصطلح وفق رؤيتنا وثقافتنا العربية الإسلامية ضمن ديننا الحنيف الشامل، باعتبار أننا عرب مسلمون، لنا رؤيتنا وتاريخنا وثقافتنا الأصيلة، والمفترض أن نحافظ عليها ونذود عنها أمام تيارات فكرية وثقافية متنوعة تجتاح العالم كله، وليس عالمنا العربي الإسلامي فقط. جيل الإنترنت الشاب، هو المعني بهذا الأمر أكثر من أجيال ما قبل النت. هذا الجيل الذي نشأ في فترة الانفتاح على العالم التي سُميت بالعولمة، أو الأمركة - إن صح التعبير – هو المعني في موضوع اليوم، نظراً لضحالته الفكرية والثقافية. فهو منذ أن بدأ يعي ما حوله، وهو يعيش في عالم الإنترنت مع وسائل التواصل والإعلام الحديثة المتنوعة المتجددة. يتأثر أكثر مما يؤثر. انهالت وما زالت تنهال عليه، ملايين المعلومات والأفكار، والمفاهيم، والمصطلحات، وغيرها. وقد يكون وعى القليل منها، لكن المؤكد أنه تأثر وانسجم واندمج مع الكثير منها، حتى تأثرت شخصيات أفراد هذا الجيل وأساليب حياتهم وأنماط تفكيرهم ورؤيتهم لأنفسهم ومن حولهم من الناس والأشياء. تسطيح العقول الفتاة التي تحاول التحرر من بعض القيود الاجتماعية وبعض الضوابط الدينية في علاقاتها مع الناس وتعاملاتها في المجتمع، ينظر لها كثير من هذا الجيل الشاب أنها صاحبة عقل منفتح أو Open minded فيما عكسها توصف بأنها منغلقة ومعقدة ومن جيل قديم لا يتطور أو Closed minded، وبالمثل تكون النظرة للشاب الذي يرى فارق السن بينه ووالديه من عوائق انطلاقه واندماجه مع المجتمع، أنه صاحب عقلية منفتحة ويحتاج الدعم ضد منغلقي الفكر كوالده أو والدته !! والأمثلة أكثر من أن تسعها هذه المساحة. ولا أشك أنكم سمعتم وقرأتم وعايشتم مثل هذه المواقف وتلكم الشخصيات. صار الاهتمام بكل ما يعاكس ويناقض أعراف المجتمعات المحافظة وتقاليدها وعقيدتها، والتهليل لقشور التمدن والمظهريات المادية، من علامات العقليات المنفتحة واجبة الدعم، وأي محاولات لتوعية المجتمعات بهلامية تلك القشور والمظهريات الجوفاء الخاوية، هي نوع من انغلاق العقل واجب التصدي له وضرورة تطويره، أو هكذا واقع الحال. هذا ما يمكن تسميته بتسطيح العقول. هذا التسطيح الذي بدأ يقوى وينتعش منذ أن بدأت تظهر وسائل التواصل المختلفة، وسهولة الوصول إلى أركان المعمورة بأقل وأسهل الإمكانيات والتكاليف، والتأثير البالغ الملحوظ لها. التسطيح الذي أعنيه، هو ذاك الاهتمام بالقشور في الموضوعات والقضايا، أو النظر إلى الأمور بنظرة سطحية، وترك اللب أو الغوص في الأعماق. وهي ثقافة يقوم عليها كثيرون، ويؤكدون عليها ويحرصون على تعزيزها، سواء كانوا على شكل أفراد، أم مؤسسات، أم أحياناً دول بذاتها. وهذا يؤكد خطورة ما يحدث ووجوب التصدي لعمليات تسطيح العقول، بنفس الأدوات والأساليب المتبعة، قبل أن تتعمق وتتعقد وتنتشر تلك العمليات، فإن نتائج عمليات تسطيح وتسفيه العقول مخيفة، وما مظاهر التفسخ التدريجي دينياً واجتماعياً وأخلاقياً سوى بعض أمثلة، وما خفي ربما أعظم. كيف يؤثر الإعلام علينا نفسياً ؟ صناعة تسطيح العقول هي واحدة من عشر استراتيجيات تحدث عنها المفكر الأمريكي " تشومسكي " في معرض إجابته على سؤال: كيف يؤثر الإعلام علينا نفسياً، فكانت إجابته عبارة عن عشر استراتيجيات يسلكها الإعلام الموجّه، من أجل إحداث تأثيرات نفسية وفكرية على الجمهور الأعظم المتابع لتلك الوسائل، وكانت صناعة تسطيح العقول إحداها. اليوم وبفعل وسائل الاتصال والتواصل من فضائيات وإنترنت وغيرها، تسارعت عجلات ثقافة التسطيح بين البشر، حيث تقوم وسائل إعلامية بدور عظيم وغاية في الخطورة في نشر تلك الثقافة وتناول الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة سطحية هزيلة. وعلى رغم القوة الهائلة لشبكة الإنترنت للقيام بدور الضد لهذه الثقافة وبيان الحقائق أولاً بأول، إلا أن الملاحظ هو تزايد أعداد من تتسطح ثقافتهم يوماً بعد يوم، لا سيما في القضايا المصيرية العظيمة، وشواهد ذلك كثيرة حولنا يمنة ويسرة. عملية التسطيح يمكن رؤيته عبر قيام مؤسسات رسمية ووسائل إعلامية تساندها، بنشر الثقافة الضحلة الهزيلة، والاحتفاء بأقلام وكتّاب ضحلين وتسليط الأضواء عليها، وتجاهل أصحاب الفكر والعقل وبُعد النظر، لكي ينشأ بعد حين من الدهر قصير، جيل تكون قدوته تلك العقول الهزيلة. ولقد ساعدت وسائل التواصل المتنوعة - كما أسلفنا - على ظهور فقاعات إعلامية بشرية، صارت هي الأخرى تلعب دوراً في عملية التسطيح هذه. وما يزيد الطين بلّة، أنها تنشط وتتمدد بمباركات ومتابعات شعبية غوغائية وأحياناً رسمية مرتبة مُحكمة ! الإسلام دين الانفتاح ديننا دين الانفتاح على الآخر لو فهمه الناس حق الفهم. إنه لا إكراه في الدين. لا أحد يجبرك أن تكون مسلماً. وحين يجتمع مسلم مع غيره من الملل الأخرى، فهذا لا يعني ألا يستمع إليه وينظر ما لديه، ويتحاور معه. يستفيد كل منهما من الآخر، ولكن كل أحد وفق ضوابطه الدينية والثقافية والاجتماعية. هكذا ينظر المسلم لمسألة الانفتاح. السبب الذي جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، ودوماً نكرره، هو انفتاح المسلم على الآخر. دينه يدعوه إلى ذلك ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ). هذا التعارف يزيد ويوسع أفق المسلم، بل لا شيء يُخشى منه عليه، طالما أن إيمانه راسخ في قلبه متمكن منه، وعقيدته صحيحة لا تشوبها شائبة، ويعرف الحدود بين الحلال والحرام وما بينهما من أمور مشتبهات، فلم الخوف بعد كل هذا من الآخر؟ لكن التخوف من الحاصل الآن في العالم، سببه - كما قلنا آنفاً - ظهور جيل هش مجوف، أو فارغ من العلم والإيمان، أمام سيول عارمة من التيارات الفكرية والثقافية الضحلة المنحلة، تجرف كل شيء أمامها، ما لم يكن صلباً ثابتاً راسخة جذوره في أعماق الأرض. وحين رأى النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - عمر الفاروق وبيده نسخة أو صفحات من التوراة، شد عليه في الكلام وقال:" أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب – أي أمُتَحَيِّرون أنتم في الإسلام حتى تأخذوه من اليهود – ثم قال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاءَ نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيّاً ما وسعه إلا أن يتّبعني". هذا الحديث كان في بداية تكوين وتربية الجيل المؤمن، الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - متمكناً راسخاً لا يخالط مراحل تربيتهم وتكوينهم شيء من خارج الإسلام. حتى إذا تمكن الصحابة من دينهم، سمح لهم النبي - صلى الله عليه وسلم – لاحقاً، الانفتاح على الآخرين، كما في الحديث الذي رواه البخاري:" بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار". الانفتاح له ضوابطه خلاصة ما أروم إليه: أنه لا شيء في الانفتاح على الآخر، ولكن وفق ضوابط. منها ألا يكون على حساب الدين، فيكون الانفتاح سبباً في خلخلة العقيدة والتي قد تؤدي إلى تشويش وفوضى مؤدية إلى نقطة ( لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء )، والأسوأ هو الوصول إلى الإلحاد. ثم لا يجب أن يكون الانفتاح على حساب الهوية، فينسلخ المرء بفعل الانفتاح غير المنضبط على الآخر من فكره وثقافته وعاداته، فيكون مسخاً لا يُعرف له هوية أو سمة تميزه. العقلية المنفتحة لا تعني التفسخ وتقليد الآخر في مأكله وملبسه ومشربه وعاداته، بحجة التحضر ومسايرة الواقع في العالم. لا، العقلية المنفتحة هي التي تجعل المرء صاحب قدرة على فهم واستيعاب ما يرد إليه من خير الغير أو شره، فيأخذ الخير ويدع الشر أو يصده ويمنعه عن نفسه وغيره. لا نريد أن يدخل هذا الجيل جحر ضب كريه نتن سيء التهوية، فقط لأن الآخر القادم من وراء البحار، دخله ! لا نريد أن يكون هذا الجيل جيشاً من الإمّعات، ولا نريده أن يكون هو من تحدث عنه الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – حين قال:" لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا يا رسول الله: آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ نحن المسلمين في غاية التفتح الذهني، أو العقلية المنفتحة على الآخر لقبول أي شيء " مفيد "، سواء كان من الشرق أو الغرب. لكن في الوقت ذاته، لابد أن نكون بالمرصاد لكل ما يشوش علينا فكرنا، ويبعث الفوضى على أعمالنا، ويفسد علينا ديننا.. والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [email protected]

10726

| 08 يوليو 2021

ولا ينبئك مثلُ خبير

القائد الناجح، رئيساً كان أم وزيراً أم مديراً، ودون كثير مقدمات وشروحات، هو ذاك المتواضع الذي يحترم من يعمل معه. التواضع واحترام الآخرين، صفتان رئيسيتان لابد منهما في أي قائد ناجح، أو يرغب في النجاح، تضاف إليهما قدرة أو مهارة فائقة، ليس للاستماع لمن معه وحوله فحسب، بل ينصت باهتمام حتى يعي ويفهم ما يُقال له. تقع كثير من مشكلات العمل، لاسيما بين الرئيس والمرؤوس، بسبب أن الأول لا يريد أن ينصت، بل هو لا يسمع، وبالتالي لا تجده يفهم ويعي الحديث، وهذا بالضرورة يقوده إلى اتخاذ قرارات أو إصدار توجيهات، غالباً لا تصيب الهدف، فيأتيك غاضباً بعد حين من الوقت ويتساءل عن سر تدني الأداء والمستوى والإنتاج وغيرها!. إذا أردنا ذكر صفات أخرى للقائد الناجح وبشكل سريع في هذه المقدمة، وقبل الدخول في لب موضوع اليوم، فإننا نذكر من تلك الصفات، أنه يتقبل النقد الهادف بكل رحابة صدر، ويتميز بسمعة واسعة مفادها أنه من القلائل الذين يسعدون بجلب وتعيين من هم أفضل وأقوى منه في العمل، لا يخشى منهم، بل يعتبرهم إضافة حقيقية له وقوة يستعين بها على تحقيق مقاصد وأهداف المؤسسة، أو الشركة، أو الحكومة، أو الدولة بشكل عام. ثم هو يثق في قدراته، لكنه مع ذلك يدرك قيمة العمل الجماعي أو العمل بروح الفريق الواحد، فتراه بسبب ذلك يستشير هذا وذاك، ويسأل الصغير والكبير، ويستفيد من خبرة وعلم كل من معه، فلعل أحدهم يكون معه مفتاح الإبداع دون أن يدري، فتكون مهمته كقائد أن يتعرف عليه ويتعاون معه لفتح مغاليق الإبداع، ليكون الاثنان سبباً في أي نجاح إن حدث، حيث لا تجده ينتهز الموقف والمنصب ليستولي على النجاح، وينسبه إلى شخصه، بل هو يشارك الجميع فيه. الخبير قولاً وعملاً المقدمة السابقة شبه الطويلة عن القيادات والكفاءات كان لابد منها، ونحن ندخل في موضوع بالغ الأهمية ويتعلق بالمستشارين أو الخبراء، الذين تجد أمرهم يدخل تلقائياً ضمن سياق أي حديث عن الإدارة والكفاءة والنجاح، وأهمية اختيار المستشار أو الخبير بعناية فائقة، حتى يكون صاحب مهمة معينة فعلية، لا أن يتحول إلى تحفة فنية في مكاتب الوزراء والقادة!. اختيار المستشارين أو الخبراء والمعاونين، مسألة أجدها غاية في الأهمية لمن أراد أن يدير مؤسسته، أو شركته، أو وزارته، أو دولته بكل أمانة ودقة، سواء كان يرجو بذلك وجه الله ورضاه، أو يرجو تحقيق مصالح ومكاسب دنيوية ترفع من شأنه واسمه، ولن نختلف ها هنا حول المقاصد النهائية، بحثاً عن دنيا عاجلة أو رجاء آخرة باقية، لأن الحديث يدور حول آلية اختيار المساعدين والمستشارين ومن يستعين بهم الرئيس أو الزعيم أو القائد لإدارة شؤون الدولة، أو الوزارة، أو الشركة، أو ما شابه من كيانات إدارية، صغرت أم كبرت. من هو الخبير ومن هو المستشار؟ الخبير هو ذاك المهني صاحب الدراية المتعمقة بمجال معين محدد، يعرف تفاصيل ودقائق الأمور فيه، كأن نقول: هذا خبير اقتصادي في مجال الكشف عن مواقع النفط مثلاً. أما المستشار فهو صاحب باع طويل وواسع في مجال ما، يعرف علاقات وقوانين وأنظمة مرتبطة بهذا المجال، كأن نقول: مستشار تربوي لوزير التربية والتعليم مثلاً. الخبير يُطلب منه الرأي في مجاله، فيقدمه للطالب، والمنطق السليم يقتضي الأخذ برأيه، أما المستشار، فإنه يبدي رأياً للمسؤول حين يُطلب منه أو يبادر بعرض وجهة نظره أو رأيه، لكن الفرق بينه وبين الخبير، أن المستشار قد يؤخذ برأيه أو يُرد. والمنطق الإداري السليم ها هنا أن رأيه غير ملزم للمسؤول، الذي ربما يكون محاطاً بعدد من المستشارين، في حين يكون رأي الخبير - كما يقتضي المنطق الإداري السليم – أقرب إلى الإلزام أو القبول به، إذ لا يوجد سبب مقنع وجيه لرفض رأيه من المسؤول، إلا إذا وجد رأياً أكثر وجاهة وعمقاً من خبير ثانٍ يفوق الأول، عمقاً ودقة في علمه وخبراته. من هنا تأتي الآية الكريمة تبين مكانة الخبير في قوله تعالى (ولا ينبئك مثلُ خبير) أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه، مثل خبير بها - كما جاء في تفسير ابن كثير - على رغم أن بعض المفسرين قالوا إن الله في هذه الآية، يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر بالواقع لا محالة، ولكن بعضاً آخر من المفسرين رأى في الآية إشارة مهمة إلى منزلة الخبرة، التي يصل إليها أي مشتغل وباحث في مجال محدد، والتعمق في تفاصيله ودقائقه. الرسول قدوتنا في مسألة الخبراء والمستشارين النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم – بخبرته في الحياة والتعاملات مع البشر، ومعرفة شخصياتهم وأنماط تفكيرهم وسلوكياتهم ومهاراتهم، كان دقيقاً في اختيار مستشاريه والخبراء الذين أحاط نفسه بهم، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو غيرهما من مجالات، فقد كان دقيقاً مثلاً في اختيار أمراء السرايا وقادة المعارك وغيرها من المهام الحياتية المتنوعة آنذاك، في قصة رفع الأذان المعروفة، جاءه أحد الأنصار وهو عبدالله بن زيد الأنصاري، بعد رؤية صالحة رأى فيها ما يقوله المؤذنون اليوم، وقد توافقت رؤياه رؤية عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - ورغب أن يكون له شرف القيام بمهمة رفع الأذان، لكنه – صلى الله عليه وسلم – لم يوافق له على رغبته، لعلمه أن بلالاً أندى صوتاً من الأنصاري، فاختار بلال بن رباح ليكون مؤذن المدينة. قصة غاية في البساطة، لكنها إشارة إلى أهمية أن يكون القائد على دراية بمن معه، فقد كانت له – صلى الله عليه وسلم - رؤيته الثاقبة ونظرته إلى الرجال، وكأنه يعلمنا أنه ليس دوماً وليس شرطاً أن تكون بعض المعايير التي نتفق عليها بشأن اختيار القادة والمسؤولين أو الخبراء والمستشارين، صحيحة، فلكل مهمة قائد أو شخص معين، وفي الوقت ذاته ليس بالضرورة أن ينفع هذا الشخص في مهام أخرى، أو إن نجح فلان في مهمة، فليس شرطاً أن ينجح في مهمة أخرى، وهكذا. اختيار الخبراء والمستشارين ليس مكافأة نهاية خدمة نستخلص مما سبق أهمية وضرورة التأنّي لدى أي مسؤول حين يقوم باختيار معاونيه، أو مستشاريه، أو خبرائه، إن أراد النجاح في مهمته، الأمر لا يجب أن يكون نوعاً من المكافأة أو شراءً للذمم أو أهداف أخرى، بل لابد أن يكون اختيار المستشارين أو المعاونين أو ما شابههم في المهام، بعيداً عن نظام المحسوبيات والمجاملات، سواء لمن يتم اختيارهم أو لمن قام بتزكيتهم وترشيحهم، الأمر أكبر وأخطر من ذلك بكثير. اختيار المستشارين ربما يأتي مقدماً على اختيار الخبراء، باعتبار أن المستشار يكون أقرب للمسؤول ويبدي الرأي في مجال أوسع نطاقاً من الخبير، ومن هنا لابد أن يكون اختيار المستشارين وفق معايير محددة تشمل الكفاءة والخبرات المتراكمة اللازمة في المجال الذي يتم اختياره له، بالإضافة إلى ضرورة تمكنه من كثير من المهارات الشخصية، كالتفكير الناقد وتحليل المشكلات، والقدرة والإبداع في ابتكار وتقديم الحلول بتجرد وموضوعية، دون نزوع إلى ترضية هذا وذاك على حساب المصلحة العامة أو الكبرى. المسألة في النهاية أمانة، والأمانة هي كل ما تم الائتمان عليه من قول، أو عمل، أو مال، أو علم، وأي اتباع للهوى والمزاج في تقديم الاستشارة للمسؤول، إنما هو أقرب إلى خيانة الأمانة، فقد يسير موكب الكيان الإداري، سواء كان على شكل شركة، أو مؤسسة، أو وزارة، أو دولة، بيسر وأمن وأمان ونجاح واستقرار، حين يقوم الجميع بأداء مهامهم بأمانة واقتدار، ونقيض ذلك يؤدي بالضرورة إلى التخبط وعدم استقرار، ومن خسارة إلى أخرى، وصولاً إلى انتكاسة أو أعمق من ذلك وأعقد، والأمثلة من هنا وهناك أكثر من أن نحصيها، كان للمستشارين تحديداً وربما أحياناً بعض الخبراء أو المعاونين، دورهم في النجاحات أو الانتكاسات. تقع النجاحات حين يقوم المستشارون أو الخبراء والمعاونون بأدوارهم بكل أمانة وجدارة واقتدار، فيما الانتكاسات تزلزل الكيانات إن تخلى أولئك عن أماناتهم وعهدهم، متبعين أمزجتهم وأهواءهم، بل ربما أهواء غيرهم أيضاً على حساب المنفعة العامة، وعلى رغم علمنا جميعاً أن الله يحب أن تؤدى الأمانات إلى أهلها كاملة غير منقوصة، إلا أن الواعين لمثل هذه القبسات القرآنية قليل قليل. [email protected]

9315

| 01 يوليو 2021

وما عند الله خيرٌ وأبقى

ليس هناك أدنى شك في أن ما عند الله أو ما أعده سبحانه في الآخرة لعباده الصالحين الطائعين، خيرٌ وأبقى.. خير من الدنيا وما فيها. فما هذه الدنيا إلا متاع زائل لا محالة. متاع منزوع عنه حقيقة الخلود. تلك الحقيقة التي ستكون حاضرة في كل أمور الآخرة، من جنة ونار، سعادة وشقاء. تأتي الآية الكريمة في سورة الشورى ( وما عند الله خير وأبقى) لتقرر أن ما عند الله خيرٌ وأبقى. لكن لمن ستكون تلك الخيرية أو خوالد الأمور والأشياء في الآخرة؟ إنها مقررة للذين يتصفون بصفات معينة، ويقومون بأفعال محددة، ويمتازون عن غيرهم بطبائع وسلوكيات تجعلهم مؤهلين لنيل خيرية الآخرة. فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى. السؤال الذي يطرح نفسه ها هنا: لمن هذه الخيرية يا رب؟ إنها بكل وضوح كما تقول الآية (للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) بالإضافة إلى صفات أخرى سنأتي عليها بعد قليل.. فتلك الخيرية إذن للذين وقر الإيمان في قلوبهم أولاً واستقر وتمكن منها. سلوكياتهم وأفعالهم وأقوالهم تمضي وفق ما استقر من إيمان عميق بالله في القلوب. هذا ما وجده الصحابة الكرام بعد أن انتقلوا من عالم الكفر والفوضى إلى عالم الإيمان والنظام والاستقرار. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي - رحمه الله - في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن هذا الإيمان:" وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع، لا يخضعون لسلطان، ولا يقرون بنظام، ولا ينخرطون في سلك، يسيرون على الأهواء، ويركبون العمياء، ويخبطون خبط عشواء. فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان، والأمر والنهي، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة، وأعطوا من أنفسهم المقادة، واستسلموا للحكم الإلهي استسلاماً كاملاً ووضعوا أوزارهم، وتنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم، وأصبحوا عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله، ولا يرضون ولا يسخطون، ولا يعطون ولا يمنعون، ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره". ومن يتوكل على الله فهو حسبه ثم متى استقر الإيمان في القلب، اطمأنت النفس قبل الجسد، وصار بالتالي مفهوم التوكل على الله في كل الأمور واضحاً لا ريب فيه، وهو الصفة الثانية بعد الإيمان، للذين أعد الله لهم ما بالآخرة من خير لا مثل له في الدنيا (ومن يتوكل على الله فهو حسبه). إن تخلى الناس عنك فتوكل على الله، وإن عاداك الخلق فتوكل على الله، وإن تآمر عليك متآمرون فتوكل على الله، وإن أردت النصر من الله فتوكل عليه.. ليكن توكلك على الله بشكل خاص في عظائم الأمور، تنال صغائرها دون أن تشعر، ولتكن همتك عالية وتوكلك على الله عظيماً، ولا تكن مغبوناً في توكلك. في هذا يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله:" ترى بعض الناس يصرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، مع أنه يمكنه نيلها بأيسر شيء، وفي المقابل ينسى أو يغفل عن تفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان، والعلم، ونصرة الدين، والتأثير في العالم خيراً، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة. كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين". والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش لا شك أن القلب المتمكن منه الإيمان الصحيح، ليس به تلك الفراغات التي يمكن أن يقذف فيها الشيطان ما يعكر صفوه ونقاءه. ذلك أن قلب المؤمن الصادق، المتوكل على الله في كل أموره وشؤونه، لا يتوافق أو يتآلف مع الآثام والمنكرات، صغيرها وكبيرها. حتى وإن ضعف بحكم فطرته البشرية، فإنما يظهر الضعف في الصغائر، التي تمحوها بإذن الله الحسنات، التي يُذهبن السيئات. إن طهارة القلب، ونظافة السلوك من كبائر الإثم ومن الفواحش - كما يرى صاحب الظلال - أثر من آثار الإيمان الصحيح، وضرورة من ضرورات القيادة الراشدة. وما يبقى قلبٌ على صفاء الإيمان ونقاوته وهو يقدم على كبائر الذنوب والمعاصي ولا يتجنبها. وما يصلح قلبٌ للقيادة وقد فارقه صفاء الإيمان وطمسته المعصية وذهبت بنوره. ثم تواصل الآية الكريمة ذكر الصفات الواجبة لنيل خيرية الآخرة، لنجد صفة ضبط النفس والتحكم فيها عند أشد أنواع الانفعالات الفطرية سهلة الإثارة، وهو الغضب (وإذا ما غضبوا هم يغفرون ). الوصية الذهبية التي خرج بها أعرابي من عند الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين قال: أوصني، قال: لا تغضب. فردد مراراً، قال: (لا تغضب) لما في الغضب من انفعالات ومشاعر تفصل الإنسان ولو للحظات قليلة عن الواقع، قد يقوم أثناءها بسلوكيات وأفعال، ربما لن ينفع معها بعد ذلك ندم طوال عمره، ولات حين مناص. إن الغضب ينقص من الدين، ويؤثر على المظهر العام للشخص، بالإضافة إلى تأثيراته السلبية على الصحة بشكل لا خلاف عليه، كما يقول بذلك السادة الأطباء وخبراء النفوس الإنسانية. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة صفة أخرى عظيمة من صفات أولئك المستحقين لخيرية الآخرة، والخلود فيها. إنها الاستجابة لأوامر الله ونواهيه، وطاعته والسير على صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. استجابة خالصة نقية لا تشوبها شائبة، ولا يخالطها تردد أو شك قيد أنملة. وكيف يكون التردد وقد ارتقت نفوسهم وصفت وتعالت على كبائر الإثم والفواحش، صغيرها وكبيرها، حتى صارت مهيأة لأي أمر أو نهي من لدن العلي القدير، ومن ذلك إقامة الصلاة، عماد الدين، لحديث جابر قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة. من يقيم الصلاة في أوقاتها، محافظاً على أدائها بالصورة الصحيحة المعروفة، غير متكاسل ولا متهاون في أمرها، فإنه مع سائر العبادات والتعاليم الأخرى أحفظ، وإلى التحلي بصفات أهل الآخرة أقرب. ومن ذلك الإنفاق في سبيل الله، زكاة أو صدقات، فإن الإنفاق هو أحد الأعمال المزكية للنفس، تخلصها من حب المال وملحقاته من طمع أو جشع أو اسراف وتبذير وغير ذلك مما تعطل النفس التواقة للآخرة من المضي قدماً في مسعاها. وأمرهم شورى بينهم تأتي بعد استقرار الإيمان في القلوب والاستجابة لأوامر الله ونواهيه، وضبط النفس وقت الشدائد، صفة أخرى راقية من صفات المؤمنين الصادقين، وهي المشورة أو الشورى في الآية الكريمة - مدار حديثنا اليوم - (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم). أي لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم - كما جاء في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي – مضيفاً إلى أن هذا لا يكون إلا فرعاً عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمراً من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لمهمة أو قضاء أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عموماً، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية. تلكم كانت بعض صفات من وعدهم الله ما عنده من خير أعظم وأجلّ وأزكى وأرقى وأبقى. خيرية دائمة خالدة، جزاء وفاقاً لمن آمن بالله صدقاً وعدلا، واستجاب لله وأطاعه سراً وعلانية، وأقام الصلاة وزكى نفسه بالإنفاق، وسار مع الجماعة، يشاورهم لا يفرق أمرهم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. [email protected]

8595

| 24 يونيو 2021

لأحتنكنّ ذريته إلا قليلاً منهم

ما إن رأى إبليس ذاك التكريم الإلهي للمخلوق الجديد، حتى أخرج ما بنفسه من مشاعر وصفات وأخلاق. أظهر الكبر والحسد والغيرة ونكران الجميل. أخلاق تجمعت سريعاً فكانت كفيلة بطرده مما كان فيه، وتنزيل رتبته من الملائكية الرفيعة إلى الشيطانية الدونية، وهذا ما حدث في الملأ الأعلى في زمن من الأزمان. لكن هل انتهى مشهد طرد إبليس من المقام الملائكي الرفيع إلى الشيطاني الوضيع بالسرعة التي يمكن تخيلها؟ لا، لم ينته سريعاً، بل استمر في الخصام والجدال العقيم، ورأى أن يطلب من الله العلي القدير، الطلب الأخير قبل الرحيل. طلب الخلود في الحياة الدنيا، ليس للتوبة والإنابة بالطبع، بل لبدء مرحلة جديدة مع هذا المخلوق وذريته، والعمل على تأسيس صناعة العداوة لهذا الذي كرّمه الله عليه وذريته إلى يوم القيامة، فاستجاب الله له. فهل رحل سريعاً؟ بالطبع لم يرحل إلا بعد أن أخرج ما بنفسه التعيسة من حقد تكوّن سريعاً، وأعلنه صريحاً أمام القدير.. من جملة ما قال وتعهد بتنفيذه إلى يوم الدين ( لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ). تقول العرب احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله. وفي قول آخر، حنك الدابة يحنكها: إذا شد في حنكها الأسفل حبلاً يقودها - كما في تفسير البغوي - أي: لأقودنهم كيف شئت. وقيل لأستولين عليهم بالإغواء ( إلا قليلا ) يعني المعصومين الذين استثناهم الله عز وجل في قوله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان). بعضكم لبعض عدو بدأت سريعاً رحلة العداوة بين الإنسان والشيطان إلى ما شاء الله لها أن تكون، بعد أن ارتكب آدم - عليه السلام - خطيئته الأولى وأكل وزوجته من الشجرة - رمز المحظور - من بعد أن خفت عزيمته وإرادته للحظات معينة، وسار وراء شهوته وغريزته البشرية، حتى كانت الخطيئة الأولى التي أخرجتهما من الجنة إلى الأرض، حيث ستكون هذه الأرض ميدان المواجهة، والمعركة بين الخير والشر، والحق والباطل إلى قيام الساعة. لكن على رغم أن آدم - عليه السلام - ارتكب المحظور بفعل الفطرة البشرية، عاد سريعاً بحسب الفطرة ذاتها، حيث تاب وأناب، فغفر الله له. ثم أرشده الله وبين له مصدر الغواية، وعرّفه بعدوه وعدو ذريته إلى يوم الدين. فأدرك تمام الإدراك أن وجوده وخلافته في الأرض، تستلزم منه وذريته فهم حقيقة الأمر، وأن هناك طريقين في هذا الوجود لا ثالث لهما. إما الله وإما الشيطان - كما جاء في ظلال القرآن - وإما الهدى وإما الضلال. إما الحق وإما الباطل. إما الفلاح وإما الخسران. هل احتنك إبليس البشر ؟ هل وضع إبليس حباله في الحنك الأسفل لبني آدم يقودهم أينما شاء وكيفما شاء؟ هل ينفذ إبليس وعده وعهده اليوم، مع ذرية آدم الذي بسببه تم طرده من السماء إلى الأرض؟ هل نجح إبليس في صناعة الإغواء والبغضاء والعداوة بين البشر؟ الأسئلة أكثر مما يمكن أن تحتويها هذه المساحة المحدودة، والإجابات على تلكم الأسئلة لا تحتاج لكثير شروحات وتفصيلات. فأينما وجهت وجهك اليوم، ونظرت إلى حال البشر، وجدت الشيطان في التفاصيل. تلك التفاصيل التي صارت شرارات لعداوات ستدوم طويلا، أو مشاريع للشر تتسع وتنتشر، أو أساسات لعلاقات متوترة ستغلب عليها الديمومة، أو غيرها من تلك السلوكيات أو الأفعال التي يسعد بها إبليس أيما سعادة، ويطرب لها ليلاً ونهارا. طالع وتجول ببصرك وسمعك وفؤادك في عوالم السياسة والتجارة والعلاقات البشرية المتنوعة، ولاحظ كمية وعدد من احتنكهم الشيطان، وصار يقودهم يمنة ويسرة، حتى وصل الحال بكثير منهم أن يجاهر بأفعال وسلوكيات - أكاد أزعم أن الشيطان نفسه لم ولن يجهر بها – كما يقوم بني البشر بذلك ! وإلى يوم الناس هذا، يستمر الشيطان في نجاحاته مع ذرية آدم، وإن كانت هناك إخفاقات بالمثل، لكن نجاحاته أكثر، ليس لشدة ذكائه أو قدرة منه، بل لغباء الإنسان. فالشيطان لم يضرب متابعيه بالعصا – كما يقول الحسن البصري رحمه الله - ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه. كيف نكذّب ظن إبليس ؟ يعتقد إبليس منذ القدم أنه ناجح في عمله، فقد ظن ظناً معيناً، وصدّق نفسه أو ظنه. في هذا يقول الحسن البصري - رحمه الله – كما جاء في تفسير ابن كثير: لما أهبط الله آدم من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فرحاً بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. كان ذلك ظناً من إبليس. فأنزل الله عز وجل) ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ( فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعده وأمنّيه وأخدعه. فقال الله عز وجل (وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له). لقد نزل آدم وزوجه إلى الأرض، وهما يدركان طبيعة المعركة التي سيعيشانها وذريتهما مع عدوهم الواضح البيّن، والذي أعلن عداوته منذ اللحظات الأولى من ظهور هذا المخلوق البشري. ودون شك أن نتيجة هذه المعركة التي بدأت منذ الأزل، ولازالت مستمرة إلى ما شاء الله لها أن تستمر، يقررها الإنسان بنفسه هو. فإن أراد كسب المعركة ضد الشيطان، فله ذلك. أو يترك الأمر لعدوه، فتكون النتيجة بالتالي خسائر متتالية دون أدنى ريب. والقرآن الكريم واضح في هذا الأمر (فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى). وتلكم هي خلاصة حديث اليوم. [email protected]

6948

| 17 يونيو 2021

ولا تلبسوا الحق بالباطل

لا تجد في زمن من الأزمنة أو مكان من الأمكنة، إلا وقام البعض بخلط الحق بالباطل لسبب أو آخر، أو قام بتعبئة الحق بكثير شبهات، لقليل مكاسب دنيوية ينتظرها، وما ذكر الله عز وجل هذا الأمر وبيّنه في كتابه الكريم، إلا لقيام بعض بني آدم بتلبيس الحق بالباطل في مواقف حياتية متنوعة، أو يكتمه البعض الآخر أو يقوم بتشويهه بعض ثالث. التلبيس أو اللبس كما جاء في لسان العرب، هو اختلاط الأمر. نقول: لبس عليه الأمر، يلبسه لبساً فالتبس، أي إذا خلطه عليه حتى لا يعرف جهته، وإذا قلت: التبس عليه الأمر أي اختلط واشتبه. فالتلبيس لا يختلف عن التدليس. وقد شرح ابن الجوزي - رحمه الله - في كتابه تلبيس إبليس معنى الكلمة، فقال: "التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق". إذن إظهار الباطل على أنه هو الحق، هو عمل كل مدلس أو غارق في التلبيس لأجل مكاسب دنيوية محددة، قد يستمتع بها حيناً من الدهر، لكنه لن يستمر طويلا، ولا ريب في ذلك. التلبيس قد يكون على يد مشتغلين بالدين، أو مفكرين أو مثقفين أو من على شاكلتهم، كلٌ يعمل في مجاله لتحقيق أهدافه أو أهداف وغايات غيره، والقرآن أشار إلى علماء يهود، كمثال في التلبيس والتدليس، وهم يحاولون إخفاء حقائق الدين الجديد وهو ينتشر بالمدينة المنورة، فكشفهم الله. جاء في تفسير الطبري في تأويل الآية الكريمة (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) أي لا تخلطوا على الناس - أيها الأحبار من أهل الكتاب - في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من عند ربه، وتزعموا أنه مبعوثٌ إلى بعض أجناس الأمم دون بعض، أو تنافقوا في أمره، وقد علمتم أنه مبعوث إلى جميعكم وجميع الأمم غيركم، فتخلطوا بذلك الصدق بالكذب، وتكتموا به ما تجدونه في كتابكم من نعته وصفته، وأنه رسولي إلى الناس كافة، وأنتم تعلمون أنه رسولي، وأن ما جاء به إليكم فمن عندي، وتعرفون أن من عهدي - الذي أخذت عليكم في كتابكم - الإيمانَ به وبما جاء به والتصديقَ به. أحبار أو علماء اليهود، هم أكثر من تحدث عنهم القرآن في قصص متنوعة، ليبين لنا كيف كان صنيعهم مع أنبياء الله والناس في تلبيس الحق بالباطل، وأنهم لن يكونوا في قادم الأيام وحدهم في ميدان التلبيس والتدليس، حيث سيأتي زمان ترى في كل الأمم نماذج تتفنن في تلبيس الحق بالباطل، وتغليف الباطل الحاكم بأغلفة مزينة يبهرون بها العامة، إرضاء لنزوات ورغبات ساداتهم وزعمائهم، نظير متاع دنيوي فان لا محالة. لا يهمنا أحد من أولئك المدلسين من الأمم الأخرى، فلهم دينهم ولنا دين، يكفي أن نتأمل القرآن وهو يتحدث عنهم، لنتعظ ونتعلم مآلات الانغماس في التلبيس والتدليس، ذلك أن ما يحدث في السنوات العشر الأخيرة في عالمنا العربي المسلم، هو ظهور العشرات، بل ربما المئات من المدلسين، على شكل علماء دين أو - إن صح التعبير – مشتغلين بالدين، ومثلهم كثير على شكل نخب مثقفة أو مفكرة وغيرهم، وقد ألبسوا على الناس دينهم ومبادئهم وقيمهم، وبثوا في نفوسهم كثير شكوك، وكانوا من أسباب الاضطرابات الفكرية والدينية عند كثير من العامة. لاحظ بنفسك حين تقع أي مواجهة بين الحق والباطل، على شكل مواجهات عسكرية أم فكرية أم ثقافية أو ما شابه، ظهور بعض من يعتبرون أنفسهم رموزاً مجتمعية، وقد ساروا عكس معتقدات ومبادئ وقيم الغالبية العظمى في المجتمع، كأنما يريدون الأضواء في تلكم المواقع والمواجهات، وإن كانت على حساب الحق، أو أن هناك ما يدفعهم دفعاً لذلك المسلك، والذي غالباً يجانب الحق والصواب. إن مجتمعاتنا العاطفية ربما تكون سبباً رئيسياً في ظهور طبقات وفئات المدلسين، الذين يلبسون الحق بالباطل، ننخدع في أشكالهم وهيئاتهم حيناً من الزمن كما قال تعالى (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم). ننخدع بجمال ووسامة صورهم، وفصاحة ألسنتهم، وتأثيرهم على السامعين - هكذا يصفهم القرآن - وهم في حقيقة الأمر، أشبه بالبراميل الفارغة، أصواتها أعلى مما في أجوافها، أو بالتعريف القرآني لهم (كأنهم خُشب مسنّدة) أي قطع أخشاب مفرغة من الداخل متآكلة، مسنودة إلى بعضها البعض، لا حياة فيها، كما هم هؤلاء المدلسون أو المنافقون، الذين يستندون إلى إظهار الإيمان لناس، حماية لأنفسهم وتغطية ما في أجوافهم من علم لا ينفع، وأهواء لا تتوافق مع الحق وأهله. قال ابن عباس - رضي الله عنهما-: كان عبد الله بن أُبَي (رأس وزعيم المنافقين بالمدينة) وسيماً جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان. فإذا قال، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته. وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. لكنه كان رأس النفاق في المدينة، شديد التأثير في الحالة المعنوية للمسلمين، وصاحب مهارة في تفريق الصفوف، وقد نجح مرات عديدة في خلخلة المجتمع المسلم الناشئ يومها، لكن استمرار نزول الوحي ووجود النبي الكريم، وتعاضد الصحابة مع بعضهم البعض خشية الوقوع في حبائله وفتنه، حافظ على تماسك النسبة الأكبر من مجتمع المدينة. لقد ظهرت لنا الحكمة من نزول سورة كاملة في القرآن تصفهم وتبين دواخلهم وطبائعهم، حتى يكون المجتمع المسلم في كل زمان ومكان على بينة من أمر هذه الفئة التي لا تندثر، بل هي مستمرة باستمرار الحق في صراعه مع الباطل، الذي وإن تعاظم وتجبّر وتعملق هنا أو هناك، في هذا الزمن أو أزمان قادمة، إلا أنه منهزم هالك لا ريب في ذلك (وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا) فتلك هي قوانين ونواميس الكون لا تتبدل (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا). [email protected]

8515

| 03 يونيو 2021

إن الناس قد جمعـوا لكم فاخشوهم

معركة الأحد عشر يوماً التي شهدها العالم أجمع، لا تنتهي قصصها وأحداثها والفوائد والعظات والعبر منها. كانت من المعارك النادرة مع سرّاق الأراضي والأموال خلال العقود الخمسة الفائتة. ذلك أن تميزها وندرتها جاءت من قوة الصدمة على الصهاينة، الإسرائيليين منهم والعرب، بل كل من وقف معهم وظن أنها ككل المعارك السابقة أو - إن صح التعبير- معركة تحصيل حاصل، والنصر معروف سلفاً لمن سيكون. لكن ما حدث في تلك الأيام الأحد عشر، كان خارج التوقعات والحسابات. ما يدعوني وربما كثيرون مثلي للكتابة عنها مرات ومرات، هو ما حدث أثنائها وبعدها من أحداث وتفاصيل تدعو المرء إلى تأملها، وقراءتها والخروج ببعض النقاط التي أجد أنها تستحق الكتابة عنها، ومناقشتها واستخلاص الدروس والعبر منها. أكثر ما شدني إلى الكتابة عن بعض ما جرى خلال الأيام الأحد عشر بين جنود الرحمن وأعوان الشيطان، هو جرأة أعوان الأخير ومن يدور في فلكهم، وحماستهم وإصرارهم العجيب المريب، في دعوتهم لجند الرحمن إلى التوقف عن مقارعة ومنازلة الصهاينة، على اعتبار قوتهم العسكرية، وأن تلك المعارك عبثية تتضاعف بسببها مآسي ومحن أهل غزة ! قد تبدو للوهلة الأولى أن تلك الفئة المثبطة والمخذّلة، تنطق حقاً هو نتاج حكمة ودراية حياتية. لكن مع تدقيق النظر والتمعن في أقوالهم وأفعالهم، ستجد أن دوافعهم ليست سوى صناعة نوع من الوهن والتثبيط في نفوس العامة، والتركيز بشكل خاص على فل عزائم المؤمنين الصادقين عن مواصلة جهادهم ضد عدو الله وعدوهم. السيناريو نفسه يتكرر ليس بالغريب ما يحدث الآن من تخذيل وبث الوهن في النفوس على أصعدة كثيرة، لاسيما بعد المعارك الحاسمة، سواء العسكرية أم الفكرية والثقافية وغيرها من حروب بين فريقي الحق والباطل. ففي السيرة العطرة لنبي الرحمة محمد – صلى الله عليه وسلم – نجد المشهد يتكرر من بعد أن وقعت مشاهد مشابهة مع أنبياء الله الكرام، لاسيما أولي العزم منهم، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام. حيث كانت ردود أفعالهم هي نفسها لم تتغير، ولن تتغير مع أصحاب الحق والإيمان، في أي زمان ومكان. بعد أن أصاب المسلمون ما أصابهم في غزوة أحد، وكثرة من استشهدوا وجرحوا يومها، غادرت قريش بزعمائها وفرسانها أرض المعركة، على غير عادة العرب حينذاك. إذ كانت العادات الحربية تقتضي بقاء المنتصر في ميدان المعركة عدة أيام، يحتفل خلالها كنوع من تبليغ رسالة إلى كل من وضع أو سيضع في حسبانه وحساباته، الاعتداء على المنتصر بأي نوع من أنواع الاعتداءات، حتى تبقى الهيبة موجودة حاضرة له. وهكذا كانت العادة. لكن في موقعة أحد، غادر المشركون سريعاً أرض المعركة. ففي موقع ما بين مكة والمدينة، قال القرشيون لبعضهم البعض: لم تفعلوا شيئاً، وما أردفتم الأبكار، ولا قضيتم على محمد وأصحابه، فما صنعتم شيئاً. فهموا بالرجوع إلى المدينة، من أجل أن يستأصلوا المسلمين. أو هكذا زين لهم الشيطان أعمالهم. الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – لم يكن بالذي تغيب عنه مثل هذه التكتيكات الحربية. فلم تغب شمس ذلك اليوم واستراح المسلمون ليلتها، حتى نادى بالغد في كل من كان معه، أن يهيئ نفسه لمتابعة قريش وقتالهم من جديد، وردعهم من التفكير في غزو المدينة. وضرب لذلك موعداً يلتقي فيه مع قريش في موقع يقال له حمراء الأسد. ويبدو أن خبر ذلك الأمر المفاجئ وصل بصورة ما إلى أبي سفيان، قائد المشركين يومها، ومدى تأثير ذلك عليه ومن معه. ومن هنا يُفسر لجوء أبي سفيان إلى الإشاعات والحرب النفسية لأجل التوهين من عزائم المسلمين، الذين لم تبرئ جراحهم أو تبرد أجسامهم بعد، وذلك لأجل إحداث نوع من التردد عن الخروج مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. واستخدم لذلك الغرض أناساً همهم المال، والمال فقط، كعادة كثيرين اليوم، ممن يتم استخدامهم لذات الأغراض، مقابل تأجير أقلامهم أو عقولهم للغير! حسبنا الله ونعم الوكيل مرت قافلة من عبد القيس. فقال لهم أبوسفيان: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلَّغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها، وأحمِّل لكم إبلكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمرت القافلة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل. هكذا كان جوابهم على من أراد الفت في عضدهم، وصناعة فتنة في صفوف المسلمين. قالوا جميعاً ما قاله من ذي قبل، خليل الرحمن وإخوانه من الأنبياء الكرام، في الأزمات والملمات العظيمة، ويصف القرآن هذه الحادثة بقوله تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل). ولن يخيب من يلجأ إلى الله في أزماته ومشكلاته ومصائبه. لم يهتم المسلمون بخبر إعداد قريش العدة لاستئصالهم هذه المرة، بل رغم ما بهم من جراحات وآلام، لم يدعوا الشيطان يفت في عضدهم ويوهن من إيمانهم وعزيمتهم، وقالوا جميعاً بصوت واحد، حسبنا الله ونعم الوكيل. إنه الشيطان - كما قال صاحب الظلال في تفسيره - الذي يضخم من شأن أوليائه، ويلبسهم لباس القوة والقدرة، ويوقع في القلوب أنهم ذوو حول وطول، وأنهم يملكون النفع والضر.. ذلك ليقضي بهم لباناته وأغراضه، وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار ولا يفكر أحد في الانتقاض عليهم، ودفعهم عن الشر والفساد. والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل، وأن يتضخم الشر، وأن يتبدى قوياً قادراً قاهراً بطاشاً جباراً، لا تقف في وجهه معارضة، ولا يصمد له مدافع، ولا يغلبه من المعارضين غالب. المعركة بيننا والعدو لم تقف بعد إن القوة الوحيدة التي يراها المؤمنون الصادقون والتي أحق بأن تُخشى وتُخاف، هي القوة التي تملك النفع والضر، وهي بلا شك قوة الله، لا قوة الشيطان ولا قوة أوليائه. وإن ما يقوم به المرجفون والمثبطون والمنافقون على كافة صورهم، من بعد وقف العدوان على غزة العزة، هو التشكيك في جدوى المقاومة، والنيل من قادتها ومحاولات شق الصفوف وبث الإشاعات، بالإضافة إلى تضخيم قوة العدو وتصويرها على أنها لا تُقهر، في الوقت الذي تجد نقيض ذلك في إعلام ومجتمع العدو من يشيد بقوة المقاومة وتقهقر جيشهم الذي لا يُقهر، أمام ثلة قليلة العدد والعدة والخبرة العسكرية، مقارنة بجيشهم المدعوم من الشرق والغرب، والشمال والجنوب! إن التشويه المتعمد الحاصل الآن للحقائق، من قبل أقلام وأفواه عربية، على الفضائيات ووسائل التواصل الأخرى، وتحميل حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين مسؤولية ما يصيب غزة، لاشك أنه مؤثر على المزاج الشعبي العام، ولا ننكر أثر حملات التشويه في خلط المفاهيم والتشويش على العامة، وهم السند الحقيقي للمقاومة، بعد الله سبحانه. لكن هل نستسلم لذلك ؟ بالطبع لا. المعركة بيننا وعدو الأمة لم تنته بعد. فإن هي توقفت ميدانياً من الناحية العسكرية، فهي ما زالت مستمرة على أرض الواقع إعلامياً وسياسياً واقتصاديا. المعركة الإعلامية شرسة توجب على كل من لديه ذرة إيمان ألا يقف موقف المتفرج أو المشكك في جدوى المقاومة، فتاريخنا مليء بالنماذج. ولولا رعاية الله ثم صمود المماليك في مصر أمام جحافل المغول، والتصدي لهم، رغم التفاوت الكبير في العدد والعدة، ما انهزمت واندحرت تلك الجحافل المتوحشة. والأمر لابد وأن يتكرر بصورة وأخرى. هذا العدو ليس بأشرس من المغول، والمقاومة ليست أضعف همة وإيماناً من قطز وجنوده، رحمهم الله. إن التذكير بتلك الوقائع والنماذج، وسط هذا الركام البشع من الأراجيف والإشاعات العربية قبل الغربية عن المقاومة وجدواها، لاشك أنه باعث على الصمود واليقين بنصر الله القادم، فإن الله دوماً وابداً بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [email protected]

5272

| 27 مايو 2021

حماس وهي تقلب الموازين

الاستفزاز الصهيوني يزداد يوماً بعد يوم، والتغول والإجرام مستمران على شعب أعزل، ولربما ظهور عدد من المشاهد السياسية بالمنطقة، كهرولة البعض نحو التطبيع مع دولة الاحتلال، أوحت لهم أن الشعب الأعزل في غالبية مناطق فلسطين المحتلة، لم يعد له حيلة ليحتال أو يقف موقفاً يمنع العدو من التمادي، وهذا ما كان واضحاً مع بدايات التحرش بأهالي حي الشيخ جراح، والقصة المعروفة للجميع وتطوراتها. ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان، لا عند الصهاينة، ولا عند بعض العربان. ظن المقدسيون بعد تمادي العدو ووحشيته، أنهم وحدهم في الميدان، واعتقدوا أن غزة مشغولة بنفسها، وهي تواصل الصمود ضد حصار ظالم جائر أمام مرأى ومسمع العالم كله، فيما بقية الشعب الفلسطيني متناثر ومنقسم هنا وهناك، هذا كله، دفع بالصهاينة وقطعان المستوطنين إلى مزيد من الحماقات، فلا رادع أمامهم يمكن أن يردعهم، وبالتالي لم لا يستمر مسلسل الاستفزاز وارتكاب الحماقة تلو الأخرى؟. في غمرة ذلك الشعور عند المقدسيين، واقترابهم من اليأس من أي دعم أو مساندة عربية مأمولة، تدخل غزة العزة على الخط، لتبشر المقدسيين وتعلن لهم وللعالم كله أنهم، رغم ظروفهم، موجودون وعلى أتم الاستعداد لمزيد تضحيات، وأن الوقت حان لتغيير قواعد اللعبة أو قواعد الاشتباك، وأنها - أي حماس – هي من ستفرض الآن تلك القواعد، من بعد أن بلغ السيل الزبى، أو هكذا بدا الوضع في عموم فلسطين خلال الأسابيع الماضية. معركة سيف القدس تسخن الأجواء بدخول غزة في رفع الظلم الذي وقع على المقدسيين، وتبدأ كتائب القسام في ارسال رسائلها إلى الصهاينة، الواحدة بعد الأخرى، والمطالبة برفع ظلمهم عن المدينة المقدسة وأهلها سلمياً قبل اللجوء إلى حلول أخرى، قد يندم الصهاينة كثيراً في تجاهلها، ووقع التجاهل فعلاً، ورأى الصهاينة جدية رسائل غزة عبر صواريخ أضاءت سماء مدنهم، القريبة من القطاع والبعيدة، بل ودخلت المعركة صواريخ جديدة استراتيجية، أجبرت على اغلاق مطار بن غوريون الدولي، مع ما لذلك من خسائر اقتصادية كبيرة، وأجبرت أكثر من 70% من سكان دولة الاحتلال إلى العيش في الملاجئ، ما يعني تعطل الحياة الاجتماعية والاقتصادية هناك، وتأثير ذلك على الحالة المعنوية للسكان ومنهم العسكريون أيضاً. الجديد في معركة سيف القدس أن غزة دخلتها بثقة، كما لو تبدو أنها قد استشرفت هذه الحرب، وأنها قادمة لا محالة، وبالتالي هذا الاستشراف دفعهم لإعداد العدد والعُدة اللازمة، لحرب قد تكون فاصلة ومسببة لتغييرات معينة في المنطقة. بدأت الحرب ومعها حروب أخرى، إعلامية وسياسية وشعبية على مستوى عالمي مشهود، المواجهات العسكرية لم تكن بحجم توقعات وتقديرات العدو، إذ ساد الاعتقاد القديم بأن عدة ضربات جوية للقطاع يمكنها أن تحسم الأمر، وتعود الأمور إلى هدوئها المعتاد، لكن اختلف الوضع، فما إن يبدأ العدو بغارة، إلا وتبعتها زخات كثيفة من الصواريخ تجاه مناطق عديدة، عجزت عن صدها قبة العدو الحديدية، بل وأصابت صواريخ القسام مواقع استراتيجية لم تكن بالحسبان، كلفت العدو مئات الملايين حتى الآن. إن عـدتم عـدنا غارة جوية صهيونية واحدة على غزة، تدفع بزخات ومئات الصواريخ القسامية تجاه مدن العدو، ولسان حال القطاع يقول: إن عدتم عدنا، هذا مؤشر مهم يدل على تحول كبير ميدانياً، صار العدو يخشى جيش غزة أكثر من كل الجيوش العربية، بعد أن تحول هذا الجيش إلى جيش نظامي وصاحب عقيدة قتالية واضحة، وبناء تنظيمي متماسك، وتأثير واضح على أرض الواقع، أضف إلى ذلك ميزة أخرى بالغة الأهمية، هي القدرة على التصنيع العسكري والقدرة على المناورة وتحريك العدد والعتاد سريعاً من نقطة إلى أخرى. وفوق هذا كله، امتلكت حماس القدرة على فرض قرارها على العدو، فهي تختار الوقت والمكان لبدء الهجوم، وما على الطرف الآخر إلا الاستجابة، وهذا ما دفع بكثير من الإسرائيليين للقول بأن محمد ضيف هو من يتحكم بملايين الإسرائيليين، متى الدخول إلى الملاجئ ومتى الخروج منها لأمور إنسانية، في تطور لافت ومشهود. من المشاهد الملحوظة في الأحداث الجارية الآن في غزة، أن أهالي القطاع ومجاهديها لا يسألون الناس إلحافاً خارج فلسطين، سلاحاً أو مالاً أو طعاماً أو حتى دواء، بل الدعاء بظهر الغيب أن يثبت الله أقدامهم، ويزلزل الأرض من تحت أقدام عدوهم، وبالدعم الإعلامي بكافة أشكاله. ولعل الحرب الإعلامية بدأت نتائجها تظهر سريعاً حتى ضاق الأمر بالعدو أن يستنهض كل من معه ويستغل أوراقه، للوقوف أمام مد إعلامي عربي واسلامي ودولي يستنكر أفعال جيش الاحتلال، حتى تكونت صورة ذهنية جديدة غاية في البشاعة لدولة الاحتلال، وإن صناعة الصور الذهنية لتأخذ من المال والوقت الشيء الكثير، لكن بفضل الله، ثم حماقة العدو ومن يدافع عنه من صهاينة العالم، ومنهم صهاينة عرب، أن نشأت صورة ذهنية له، سيحتاج سنوات وسنوات لمحوها من أذهان العالم. أين المطبعـون؟ مشهد آخر وليس أخيراً هو موقف المطبعين العرب من الأحداث، وكأنما لسان حالهم بعد كل الذي يجري الآن يقول: وددنا لو لم نهرول نحو التطبيع، وتريثنا بعض الشيء، ها هي دولة العدو تواجه مشكلات وانقسامات ودعوات ترجو الحكومة التفاهم مع حماس وليس غيرها لوقف البؤس الذي انتشر بينهم في أيام معدودات. بل إن دعوات أخرى بدأت تتصاعد وتدعو للهجرة العكسية، باعتبار فقدان الأمن والأمان، وهما سبب هجرة اليهود إلى فلسطين فيما مضى من وقت، ألا وإن غيابهما الآن صار واقعاً، فلا شيء يدعو للبقاء، وخاصة أن غالبية المهاجرين اليهود أصحاب جنسيات مزدوجة، إذ قليل ما تجد إسرائيليا لا يحمل جنسية أخرى، لأن عنصري الأمان والثقة غائبان، رغم كل دعايات حكومة الاحتلال، فما حاجة المطبعين إلى دولة هذا حالها في أول مواجهة واختبار حقيقي لها؟. إن مثل هذا الوضع لم يكن ليحدث لولا ما يحدث الآن على الأرض من ظلم واضح بيّن، وضع لم يسع إليه الفلسطينيون بهذه السرعة، على عكس العدو ولحاجات في نفسه، وهذا ما عجّل الله بظهورها وكشفها لتتحقق الآية الكريمة تارة أخرى، بعد أن كانت الأولى في معركة بدر الفاصلة حين قال سبحانه (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة وإن الله لسميع عليم). إنه الله سبحانه يدير هذه المعركة، ليكشف حقيقة العدو، ويكشف المنافقين من الداخل والخارج، ويكشف حقيقة المجاهدين والمرابطين. ها هم أولاء وقد انكشفوا جميعاً، عدو متغطرس لا يفقه قوانين وسنن الكون، ومنافقون منتفعون لا يتعلمون دروس التاريخ، ومجاهدون عرفوا المعنى العميق للتوكل على الله، والجهاد في سبيله لا غيره، وفي الأجواء حولهم غربان تنعق وأصوات باطلة تدعوهم ليل نهار (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل). نعم، قالها أهل غزة: حسبنا الله ونعم الوكيل، وإن وقف العالم كله ضدنا، فالله أكبر وأعظم، ولن يخذلنا أبداً. فاللهم ثبت أقدامهم واربط على قلوبهم، وزلزل الأرض من تحت أقدام الصهاينة الغاصبين، ومن معهم من الحاقدين والمنافقين، إنك سميع عليم مجيب الدعوات، يا رب العالمين. [email protected]

4471

| 20 مايو 2021

الحال المرتحل

حين تقرأ القرآن لا تنقطع عنه، تتحول إلى حال مرتحل، وقد تقول ما الحال المرتحل، كما جاء في سنن الترمذي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الحال المرتحل. قال: يا رسول الله، وما الحال المرتحل؟ قال: يضرب من أول القرآن إلى آخره ومن آخره إلى أوله. إنه الذي ما أن يختم القرآن، حتى تجده بدأ ختمة أخرى جديدة، وعلى المنوال هذا مستمر إلى أن يشاء الله أمراً كان مفعولا. وهذا الذي كل أحد منا يرجوه من الله بعد نهاية شهر عظيم مثل رمضان، شهر القرآن، أن يديم نعمته عليه بالمداومة على قراءة القرآن. من هنا، إن كنت حالاً مرتحلاً، تتأمل وتتدبر الآيات في يومك وليلك، فلاشك أنك في خير عظيم، حيث ستجد نفسك بعد كل رحلة أو ختمة، وقد مررت على آيات تجدها وكأنما تقرأها للمرة الأولى، وربما وجدت نفسك تتأمل آية وتتدبر أخرى، لتخرج منها بمفاهيم ومعان لم يكن عقلك يعيها في وقت سابق. لكن بكثرة المرور على الآيات وعمق التأمل والتدبر، مع نضج عقلي ومعرفي تكوّن عندك، صرت ترى الآيات بطريقة اخرى مختلفة. فهكذا القرآن، كلما أعطيته من وقتك، أعطاك من لآلئه ودرره المكنونة. الحمد لله رب العالمين أربع كلمات. هي أول أربع كلمات قرآنية من بعد البسملة. أول أربع كلمات في بداية القرآن العظيم. أربع كلمات في آية واحدة تأتي ضمن السبع المثاني، هي عدد آيات سورة الفاتحة، التي لها أسماء كثيرة، منها أم الكتاب، الحمد، والسبع المثاني. وقد روى البخاري عن أبي سعيد ابن المعلى أنّه طلب من النبي أن يعلمه أعظم سورة في القرآن الكريم فأجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:" الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". حين تقولُ في صلاتك: الحمد لله رب العالمين، يرد عليك الله عز وجل: حمدني عبدي، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. اهدنا الصراط المستقيم ما هذا الصراط المستقيم الذي نرجوه في كل صلاة من صلواتنا، ونظل نردده أكثر من عشرين مرة بالليل والنهار؟ ما هذا الصراط الذي ندعو الله أن يهدينا إليه بعيداً عن صراط الذين ضلوا الطريق أو غضب الله عليهم؟ لابد أنه صراط مميز يجعلك، بل يلهمك الله أن تسأله مرات عديدة من الفجر إلى العشاء، في صلواتك وخارجها، وإلى ما شاء الله لك أن تسأله سبحانه، أن يجعلك عليه حتى الممات. نعم، لولا أنه صراط مميز لا يشبهه صراط أو طريق آخر، لما تكرر الاهتمام والتذكير الإلهي به وأهميته ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). الصراط المستقيم إذن في كلمات مختصرة واضحة وجامعة، هو الطريق الموصل إلى الجنة، تدخل من أي باب من أبوابها بإذن الله. الصراط المستقيم هو القرآن، هو دين الله الإسلام، هو طريق الحق، هو الطريق الذي إن سرت عليه فلا شك أنه يوصلك إلى الهدف الأسمى وتحقق الغاية الكبرى من وجودنا في هذه الحياة، وهي نيل رضا الله لدخول الجنة والنجاة من النار. هل هناك أسمى من هذه الغاية؟ لكن إن ضللت الطريق بعد حين من الدهر، طال أم قصر، وأخذت السير على صراط آخر غير الذي حدده لك رب العالمين، فاعلم أنك أنت وحدك من سيتحمل تبعات ونتائج سلوكك أو سيرك على هذا الصراط المختلف عن الذي بيّنه ووضّحه الخالق لك، ودعا إلى السير عليه وعدم اتخاذ طريق أو سبيل آخر غيره، كافة الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وآخرهم سيد ولد آدم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. إن من نتائج الخروج من رمضان، ومن بعد قيام ليله وصيام نهاره، إيماناً واحتساباً، هو شحن النفس بطاقة إيمانية تعين المرء للسير على الصراط المستقيم حتى مجيء رمضان التالي، وعلى هذا المنوال نسأل الله أن نسير إليه حتى يأتينا اليقين.. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير، وفرّج الله عن أهل فلسطين، وثبت أقدام المجاهدين والمرابطين منهم، وخذل عدوهم من الصهاينة، الإسرائيليين منهم والعرب، إنه سميع عليم مجيب الدعوات. [email protected]

30986

| 13 مايو 2021

يا ليتني قدمتُ لحياتي

في معاجم اللغة أن ليت حرف مشبه بالأفعال، ينصب الاسم ويرفع الخبر، وهي حرف تمن، أي له صلة بالأمنيات ولكن من النوع المستحيل غالباً، نحو قول الشاعر ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ، ومن هنا يطلق الإنسان آهات عميقة من صميم قلبه يوم القيامة: يا ليتني قدمتُ لحياتي!. في الآية الكريمة من سورة الفجر، يخبرنا الله تعالى - كما جاء في تفسير الطبري - عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصالحات من الأعمال في الدنيا، التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له في الحياة الآخرة، يا ليتني قدمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي الحقيقية هذه، التي لا موت بعدها. إن وصول الإنسان إلى هذه المرحلة، أمر حتمي، بمعنى أن أي أحد منا سيصل إلى هذه النقطة يوم القيامة، بغض النظر عن صلاحه أم فساده، فالإنسان يومئذ - كما جاء في تفسير ابن كثير - يندم على ما كان سلف منه من المعاصي، إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات، إن كان طائعاً، وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل قال: لو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. هكذا إذن الأمر، تعبٌ ونصبٌ وكبَدٌ في الحياة الدنيا، سواء كان في العبادة والعمل الصالح، أم في غير ذلك، مما يوجب الخسران، سيأتي العبد الصالح ويردد ما يردده الفاجر الفاسد الذي باع آخرته بدنياه.. الكل يردد يومها: يا ليتني قدمتُ لحياتي، الصالح يندم أنه لم يبذل جهداً أكبر وصرف وقتاً أطول في عبادة الله والإكثار من الخير، فيما الفاجر والفاسق والكافر ومن على شاكلتهم، يندم أحدهم على أنه لم يعمل ما ينفعه اليوم، حيث حساب ولا عمل. يومئذ يتذكر الإنسان لكن قبل أن يطلق الإنسان تلك العبارة، يكون قبلها دخل في مرحلة تذكر المشاهد العديدة من حياته الدنيا الفانية، حين غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء - كما يقول الشهيد سيد قطب في ظلاله - والذي أكل التراث أكلاً لمّاً، وأحب المال حباً جما، والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين، والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى، ولكن فات الأوان (وأنّى له الذكرى)، لقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً، وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا. حين تظهر له حقائق الأشياء يومها، تخرج العبارة من أعماق قلبه (يا ليتني قدمت لحياتي)، يا ليتني قمت بما أمرني ربي، يا ليتني ادخرت ما ينفعني لمثل هذه الساعة، ولمثل هذا الموقف، ولمثل هذه الحياة الحقيقية التي ستبدأ بعد قليل، فما كانت حياتي الدنيوية سوى رحلة قصيرة، ومع ذلك لم استثمرها بالشكل الصحيح، ولم أقم بما يجب القيام به.. هكذا يقول لسان حاله، ويواصل قائلاً: ها أنا أصل إلى ما أنا عليه الآن من أسف وندم وحسرة (ويوم يعض الظالم على يديه)، إنها لحظات لا تنفع معها حسرة، وندامة، وأمنيات، وغيرها. لقد خلقنا الإنسان في كَبَدٍ الإنسان منذ أن يبدأ يتنفس أكسجين الهواء بنفسه دون الاعتماد على أمه، يكون قد دخل حياة الكَبَد والمشقة، دون حاجة لأن نسرد بعض أشكالها ونشرحها، وقد يظن كثيرون أن الموت نهاية الكَبَد والمشقة، لكن الأمر يختلف بكل تأكيد، فإن انتهت مرحلة الكَبَد الدنيوي، فلا شك أن حياة أخرى بانتظار الإنسان في عالم البرزخ لا ندري كنهها، أيستمر الكَبَدْ وتستمر المشقة أم لا، لتأتي بعدها حياة أخرى ثالثة في الآخرة، هي التي نتحدث عنها، والتي يتمنى يومها البشر أن لو يعود بهم الأمر للحياة الدنيا تارة أخرى. لماذا؟ لتعويض ما ضاع منهم أو أضاعوه – إن صح التعبير – وهيهات ولات حين مناص. الكل ينتظر يومها ضمن مشاهد عديدة لا يمكن تصورها، ولكن نؤمن بها، كلنا ينتظر القضاء الإلهي أن ينتهي، ليعرف كل منا مستقبله الدائم الخالد، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو خارجها - والعياذ بالله - إذ حينها وحينها فقط، يتقرر للإنسان إن كان سيتخلص من الكَبَد أم لا؟ وفي هذه السياق، ننوه إلى أن حُسن الظن بالله في مثل هذه المسائل، أمر محمود ومرغوب ومطلوب. نعود لمحور الحديث، لنبين أن ما بين آية (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وآية (يا ليتني قدمت لحياتي) مفاهيم كثيرة يظل الإنسان يبتعد عن محاولات فهمها واستيعابها بشكل يثير كثير تساؤلات، كما لو أنه يتعمد عدم فهمهما!، ذلك أن التهافت والتقاتل والصراع على ما في الدنيا الحاصل الآن في كل بقاع العالم، بل منذ أن خلق الله آدم - عليه السلام - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى رغم أنها كلها توافه وهوامش، بل هي لا شيء - مقارنة بما في الآخرة – كل ذلك أمر يدعو للدهشة والاستغراب، فكيف يحرص المرء منا على شيء زائل زائل لا محالة، بل إضافة إلى حقيقة الزوال، ستكون هناك محاسبة دقيقة على الزوائل تلك، لاسيما إن كانت ستورث حسرة ونداما يوم القيامة؟. ما قيمة حياة كلها كبد وتعب ومشقة تنتهي ظاهرياً بالموت، ثم تنتظر من عاشها محاسبة دقيقة؟ وما قيمة حياة هي عند الله لا تساوي جناح بعوضة؟ وما قيمة حياة يصفها الخالق بأنها لهو ولعب؟ وما قيمة حياة يشبّهها الخالق بالماء النازل من السماء الذي من صفاته عدم الاستقرار وعدم البقاء على حال واحدة، وهذه كلها أوصاف الدنيا؟. إنها مسألة تدعو المرء منا إلى أهمية إدارة حياته بحكمة وفطنة، واستثمارها بأفضل ما يمكن، حتى لا يتكرر الكَبَد والعناء مرة أخرى في حياة أخرى حقيقية قادمة لا ريب فيها، فمن ذا الذي يرضى العيش في عناء ومكابدة مرتين متتاليتين من بعد أن أدرك وضوح الأمور والأشياء؟ من ذا الذي يريد تكرار قسوة وعناء الحياة الدنيا، ليجدها تارة أخرى في حياته الأخروية؟ لا أشك حكيماً عاقلاً يرضى بذلك، فضلاً أن يعمل بيديه لتلك النهاية المؤلمة، كما هو الحاصل الآن وبشكل غريب بين بني البشر!. الكيّس من دان نفسه لب الموضوع أو خلاصة ما أروم إليه هي كما في الحديث الصحيح المروي عنه – صلى الله عليه وسلم -: "الكيِّسُ من دان نفسَه وعمل لما بعد الموتِ، والعاجِزُ مَن أتبَع نفسَه هَواها وتمنَّى على الله الأمانيّ"، والكيّس في اللغة بشكل عام هو الإنسان الحازم الذي يغتنم الفرص، وفي موضوعنا ها هنا، الكيّسُ هو الحازم الذي يغتنم فرص الحياة الكثيرة ويستثمرها لما بعد الموت، هو الذي أدرك أن هذه الحياة الدنيا قنطرة للوصول إلى الحياة الآخرة، هو العاقل الذي يرسل الصالحات إلى خزائن أو بنوك الآخرة يودعها، كما يودع أحدنا أمواله في بنوك ومصارف الدنيا. الكيّس الفطن إذن هو من يغتنم الفرص، ونحن نعيش أفضل الفرص التي يمنحها الله لنا كل عام، وهو رمضان الكريم، هو فرصة من فرص الدنيا الممنوحة لنا لتنمية ودائعنا في بنوك الآخرة، ومن فاته ما فات من هذا الشهر، فقد بقيت أيام فاضلة، ربما تكون من ضمنها ليلةٌ خير من ألف شهر، فهل بعد هذه الفرص نتراخى؟، أيود أحدنا أن يعيش مشهد (يا ليتني قدمت لحياتي) في مستقبلنا الحقيقي القادم؟، بالطبع لا أظن أحداً يرغب في ذلك، أو هكذا المفترض أن يكون، وطالما الحال كذلك، فلنقدّم لحياتنا الآن وقبل فوات الأوان. [email protected]

6148

| 06 مايو 2021

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1557

| 23 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1317

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1116

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1092

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

741

| 24 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

729

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

705

| 21 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

642

| 20 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

570

| 22 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

567

| 19 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

555

| 19 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

555

| 23 مايو 2026

أخبار محلية