رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في معاجم اللغة أن ليت حرف مشبه بالأفعال، ينصب الاسم ويرفع الخبر، وهي حرف تمن، أي له صلة بالأمنيات ولكن من النوع المستحيل غالباً، نحو قول الشاعر ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ، ومن هنا يطلق الإنسان آهات عميقة من صميم قلبه يوم القيامة: يا ليتني قدمتُ لحياتي!.
في الآية الكريمة من سورة الفجر، يخبرنا الله تعالى - كما جاء في تفسير الطبري - عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصالحات من الأعمال في الدنيا، التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له في الحياة الآخرة، يا ليتني قدمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي الحقيقية هذه، التي لا موت بعدها.
إن وصول الإنسان إلى هذه المرحلة، أمر حتمي، بمعنى أن أي أحد منا سيصل إلى هذه النقطة يوم القيامة، بغض النظر عن صلاحه أم فساده، فالإنسان يومئذ - كما جاء في تفسير ابن كثير - يندم على ما كان سلف منه من المعاصي، إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات، إن كان طائعاً، وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل قال: لو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.
هكذا إذن الأمر، تعبٌ ونصبٌ وكبَدٌ في الحياة الدنيا، سواء كان في العبادة والعمل الصالح، أم في غير ذلك، مما يوجب الخسران، سيأتي العبد الصالح ويردد ما يردده الفاجر الفاسد الذي باع آخرته بدنياه.. الكل يردد يومها: يا ليتني قدمتُ لحياتي، الصالح يندم أنه لم يبذل جهداً أكبر وصرف وقتاً أطول في عبادة الله والإكثار من الخير، فيما الفاجر والفاسق والكافر ومن على شاكلتهم، يندم أحدهم على أنه لم يعمل ما ينفعه اليوم، حيث حساب ولا عمل.
يومئذ يتذكر الإنسان
لكن قبل أن يطلق الإنسان تلك العبارة، يكون قبلها دخل في مرحلة تذكر المشاهد العديدة من حياته الدنيا الفانية، حين غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء - كما يقول الشهيد سيد قطب في ظلاله - والذي أكل التراث أكلاً لمّاً، وأحب المال حباً جما، والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين، والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى، ولكن فات الأوان (وأنّى له الذكرى)، لقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً، وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا.
حين تظهر له حقائق الأشياء يومها، تخرج العبارة من أعماق قلبه (يا ليتني قدمت لحياتي)، يا ليتني قمت بما أمرني ربي، يا ليتني ادخرت ما ينفعني لمثل هذه الساعة، ولمثل هذا الموقف، ولمثل هذه الحياة الحقيقية التي ستبدأ بعد قليل، فما كانت حياتي الدنيوية سوى رحلة قصيرة، ومع ذلك لم استثمرها بالشكل الصحيح، ولم أقم بما يجب القيام به.. هكذا يقول لسان حاله، ويواصل قائلاً: ها أنا أصل إلى ما أنا عليه الآن من أسف وندم وحسرة (ويوم يعض الظالم على يديه)، إنها لحظات لا تنفع معها حسرة، وندامة، وأمنيات، وغيرها.
لقد خلقنا الإنسان في كَبَدٍ
الإنسان منذ أن يبدأ يتنفس أكسجين الهواء بنفسه دون الاعتماد على أمه، يكون قد دخل حياة الكَبَد والمشقة، دون حاجة لأن نسرد بعض أشكالها ونشرحها، وقد يظن كثيرون أن الموت نهاية الكَبَد والمشقة، لكن الأمر يختلف بكل تأكيد، فإن انتهت مرحلة الكَبَد الدنيوي، فلا شك أن حياة أخرى بانتظار الإنسان في عالم البرزخ لا ندري كنهها، أيستمر الكَبَدْ وتستمر المشقة أم لا، لتأتي بعدها حياة أخرى ثالثة في الآخرة، هي التي نتحدث عنها، والتي يتمنى يومها البشر أن لو يعود بهم الأمر للحياة الدنيا تارة أخرى. لماذا؟ لتعويض ما ضاع منهم أو أضاعوه – إن صح التعبير – وهيهات ولات حين مناص.
الكل ينتظر يومها ضمن مشاهد عديدة لا يمكن تصورها، ولكن نؤمن بها، كلنا ينتظر القضاء الإلهي أن ينتهي، ليعرف كل منا مستقبله الدائم الخالد، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو خارجها - والعياذ بالله - إذ حينها وحينها فقط، يتقرر للإنسان إن كان سيتخلص من الكَبَد أم لا؟ وفي هذه السياق، ننوه إلى أن حُسن الظن بالله في مثل هذه المسائل، أمر محمود ومرغوب ومطلوب.
نعود لمحور الحديث، لنبين أن ما بين آية (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وآية (يا ليتني قدمت لحياتي) مفاهيم كثيرة يظل الإنسان يبتعد عن محاولات فهمها واستيعابها بشكل يثير كثير تساؤلات، كما لو أنه يتعمد عدم فهمهما!، ذلك أن التهافت والتقاتل والصراع على ما في الدنيا الحاصل الآن في كل بقاع العالم، بل منذ أن خلق الله آدم - عليه السلام - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى رغم أنها كلها توافه وهوامش، بل هي لا شيء - مقارنة بما في الآخرة – كل ذلك أمر يدعو للدهشة والاستغراب، فكيف يحرص المرء منا على شيء زائل زائل لا محالة، بل إضافة إلى حقيقة الزوال، ستكون هناك محاسبة دقيقة على الزوائل تلك، لاسيما إن كانت ستورث حسرة ونداما يوم القيامة؟.
ما قيمة حياة كلها كبد وتعب ومشقة تنتهي ظاهرياً بالموت، ثم تنتظر من عاشها محاسبة دقيقة؟ وما قيمة حياة هي عند الله لا تساوي جناح بعوضة؟ وما قيمة حياة يصفها الخالق بأنها لهو ولعب؟ وما قيمة حياة يشبّهها الخالق بالماء النازل من السماء الذي من صفاته عدم الاستقرار وعدم البقاء على حال واحدة، وهذه كلها أوصاف الدنيا؟.
إنها مسألة تدعو المرء منا إلى أهمية إدارة حياته بحكمة وفطنة، واستثمارها بأفضل ما يمكن، حتى لا يتكرر الكَبَد والعناء مرة أخرى في حياة أخرى حقيقية قادمة لا ريب فيها، فمن ذا الذي يرضى العيش في عناء ومكابدة مرتين متتاليتين من بعد أن أدرك وضوح الأمور والأشياء؟ من ذا الذي يريد تكرار قسوة وعناء الحياة الدنيا، ليجدها تارة أخرى في حياته الأخروية؟ لا أشك حكيماً عاقلاً يرضى بذلك، فضلاً أن يعمل بيديه لتلك النهاية المؤلمة، كما هو الحاصل الآن وبشكل غريب بين بني البشر!.
الكيّس من دان نفسه
لب الموضوع أو خلاصة ما أروم إليه هي كما في الحديث الصحيح المروي عنه – صلى الله عليه وسلم -: "الكيِّسُ من دان نفسَه وعمل لما بعد الموتِ، والعاجِزُ مَن أتبَع نفسَه هَواها وتمنَّى على الله الأمانيّ"، والكيّس في اللغة بشكل عام هو الإنسان الحازم الذي يغتنم الفرص، وفي موضوعنا ها هنا، الكيّسُ هو الحازم الذي يغتنم فرص الحياة الكثيرة ويستثمرها لما بعد الموت، هو الذي أدرك أن هذه الحياة الدنيا قنطرة للوصول إلى الحياة الآخرة، هو العاقل الذي يرسل الصالحات إلى خزائن أو بنوك الآخرة يودعها، كما يودع أحدنا أمواله في بنوك ومصارف الدنيا.
الكيّس الفطن إذن هو من يغتنم الفرص، ونحن نعيش أفضل الفرص التي يمنحها الله لنا كل عام، وهو رمضان الكريم، هو فرصة من فرص الدنيا الممنوحة لنا لتنمية ودائعنا في بنوك الآخرة، ومن فاته ما فات من هذا الشهر، فقد بقيت أيام فاضلة، ربما تكون من ضمنها ليلةٌ خير من ألف شهر، فهل بعد هذه الفرص نتراخى؟، أيود أحدنا أن يعيش مشهد (يا ليتني قدمت لحياتي) في مستقبلنا الحقيقي القادم؟، بالطبع لا أظن أحداً يرغب في ذلك، أو هكذا المفترض أن يكون، وطالما الحال كذلك، فلنقدّم لحياتنا الآن وقبل فوات الأوان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31764
| 20 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4536
| 21 يونيو 2026
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
3912
| 23 يونيو 2026