رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في معاجم اللغة أن ليت حرف مشبه بالأفعال، ينصب الاسم ويرفع الخبر، وهي حرف تمن، أي له صلة بالأمنيات ولكن من النوع المستحيل غالباً، نحو قول الشاعر ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ، ومن هنا يطلق الإنسان آهات عميقة من صميم قلبه يوم القيامة: يا ليتني قدمتُ لحياتي!.
في الآية الكريمة من سورة الفجر، يخبرنا الله تعالى - كما جاء في تفسير الطبري - عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصالحات من الأعمال في الدنيا، التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له في الحياة الآخرة، يا ليتني قدمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي الحقيقية هذه، التي لا موت بعدها.
إن وصول الإنسان إلى هذه المرحلة، أمر حتمي، بمعنى أن أي أحد منا سيصل إلى هذه النقطة يوم القيامة، بغض النظر عن صلاحه أم فساده، فالإنسان يومئذ - كما جاء في تفسير ابن كثير - يندم على ما كان سلف منه من المعاصي، إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات، إن كان طائعاً، وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل قال: لو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.
هكذا إذن الأمر، تعبٌ ونصبٌ وكبَدٌ في الحياة الدنيا، سواء كان في العبادة والعمل الصالح، أم في غير ذلك، مما يوجب الخسران، سيأتي العبد الصالح ويردد ما يردده الفاجر الفاسد الذي باع آخرته بدنياه.. الكل يردد يومها: يا ليتني قدمتُ لحياتي، الصالح يندم أنه لم يبذل جهداً أكبر وصرف وقتاً أطول في عبادة الله والإكثار من الخير، فيما الفاجر والفاسق والكافر ومن على شاكلتهم، يندم أحدهم على أنه لم يعمل ما ينفعه اليوم، حيث حساب ولا عمل.
يومئذ يتذكر الإنسان
لكن قبل أن يطلق الإنسان تلك العبارة، يكون قبلها دخل في مرحلة تذكر المشاهد العديدة من حياته الدنيا الفانية، حين غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء - كما يقول الشهيد سيد قطب في ظلاله - والذي أكل التراث أكلاً لمّاً، وأحب المال حباً جما، والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين، والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى، ولكن فات الأوان (وأنّى له الذكرى)، لقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً، وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا.
حين تظهر له حقائق الأشياء يومها، تخرج العبارة من أعماق قلبه (يا ليتني قدمت لحياتي)، يا ليتني قمت بما أمرني ربي، يا ليتني ادخرت ما ينفعني لمثل هذه الساعة، ولمثل هذا الموقف، ولمثل هذه الحياة الحقيقية التي ستبدأ بعد قليل، فما كانت حياتي الدنيوية سوى رحلة قصيرة، ومع ذلك لم استثمرها بالشكل الصحيح، ولم أقم بما يجب القيام به.. هكذا يقول لسان حاله، ويواصل قائلاً: ها أنا أصل إلى ما أنا عليه الآن من أسف وندم وحسرة (ويوم يعض الظالم على يديه)، إنها لحظات لا تنفع معها حسرة، وندامة، وأمنيات، وغيرها.
لقد خلقنا الإنسان في كَبَدٍ
الإنسان منذ أن يبدأ يتنفس أكسجين الهواء بنفسه دون الاعتماد على أمه، يكون قد دخل حياة الكَبَد والمشقة، دون حاجة لأن نسرد بعض أشكالها ونشرحها، وقد يظن كثيرون أن الموت نهاية الكَبَد والمشقة، لكن الأمر يختلف بكل تأكيد، فإن انتهت مرحلة الكَبَد الدنيوي، فلا شك أن حياة أخرى بانتظار الإنسان في عالم البرزخ لا ندري كنهها، أيستمر الكَبَدْ وتستمر المشقة أم لا، لتأتي بعدها حياة أخرى ثالثة في الآخرة، هي التي نتحدث عنها، والتي يتمنى يومها البشر أن لو يعود بهم الأمر للحياة الدنيا تارة أخرى. لماذا؟ لتعويض ما ضاع منهم أو أضاعوه – إن صح التعبير – وهيهات ولات حين مناص.
الكل ينتظر يومها ضمن مشاهد عديدة لا يمكن تصورها، ولكن نؤمن بها، كلنا ينتظر القضاء الإلهي أن ينتهي، ليعرف كل منا مستقبله الدائم الخالد، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو خارجها - والعياذ بالله - إذ حينها وحينها فقط، يتقرر للإنسان إن كان سيتخلص من الكَبَد أم لا؟ وفي هذه السياق، ننوه إلى أن حُسن الظن بالله في مثل هذه المسائل، أمر محمود ومرغوب ومطلوب.
نعود لمحور الحديث، لنبين أن ما بين آية (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وآية (يا ليتني قدمت لحياتي) مفاهيم كثيرة يظل الإنسان يبتعد عن محاولات فهمها واستيعابها بشكل يثير كثير تساؤلات، كما لو أنه يتعمد عدم فهمهما!، ذلك أن التهافت والتقاتل والصراع على ما في الدنيا الحاصل الآن في كل بقاع العالم، بل منذ أن خلق الله آدم - عليه السلام - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى رغم أنها كلها توافه وهوامش، بل هي لا شيء - مقارنة بما في الآخرة – كل ذلك أمر يدعو للدهشة والاستغراب، فكيف يحرص المرء منا على شيء زائل زائل لا محالة، بل إضافة إلى حقيقة الزوال، ستكون هناك محاسبة دقيقة على الزوائل تلك، لاسيما إن كانت ستورث حسرة ونداما يوم القيامة؟.
ما قيمة حياة كلها كبد وتعب ومشقة تنتهي ظاهرياً بالموت، ثم تنتظر من عاشها محاسبة دقيقة؟ وما قيمة حياة هي عند الله لا تساوي جناح بعوضة؟ وما قيمة حياة يصفها الخالق بأنها لهو ولعب؟ وما قيمة حياة يشبّهها الخالق بالماء النازل من السماء الذي من صفاته عدم الاستقرار وعدم البقاء على حال واحدة، وهذه كلها أوصاف الدنيا؟.
إنها مسألة تدعو المرء منا إلى أهمية إدارة حياته بحكمة وفطنة، واستثمارها بأفضل ما يمكن، حتى لا يتكرر الكَبَد والعناء مرة أخرى في حياة أخرى حقيقية قادمة لا ريب فيها، فمن ذا الذي يرضى العيش في عناء ومكابدة مرتين متتاليتين من بعد أن أدرك وضوح الأمور والأشياء؟ من ذا الذي يريد تكرار قسوة وعناء الحياة الدنيا، ليجدها تارة أخرى في حياته الأخروية؟ لا أشك حكيماً عاقلاً يرضى بذلك، فضلاً أن يعمل بيديه لتلك النهاية المؤلمة، كما هو الحاصل الآن وبشكل غريب بين بني البشر!.
الكيّس من دان نفسه
لب الموضوع أو خلاصة ما أروم إليه هي كما في الحديث الصحيح المروي عنه – صلى الله عليه وسلم -: "الكيِّسُ من دان نفسَه وعمل لما بعد الموتِ، والعاجِزُ مَن أتبَع نفسَه هَواها وتمنَّى على الله الأمانيّ"، والكيّس في اللغة بشكل عام هو الإنسان الحازم الذي يغتنم الفرص، وفي موضوعنا ها هنا، الكيّسُ هو الحازم الذي يغتنم فرص الحياة الكثيرة ويستثمرها لما بعد الموت، هو الذي أدرك أن هذه الحياة الدنيا قنطرة للوصول إلى الحياة الآخرة، هو العاقل الذي يرسل الصالحات إلى خزائن أو بنوك الآخرة يودعها، كما يودع أحدنا أمواله في بنوك ومصارف الدنيا.
الكيّس الفطن إذن هو من يغتنم الفرص، ونحن نعيش أفضل الفرص التي يمنحها الله لنا كل عام، وهو رمضان الكريم، هو فرصة من فرص الدنيا الممنوحة لنا لتنمية ودائعنا في بنوك الآخرة، ومن فاته ما فات من هذا الشهر، فقد بقيت أيام فاضلة، ربما تكون من ضمنها ليلةٌ خير من ألف شهر، فهل بعد هذه الفرص نتراخى؟، أيود أحدنا أن يعيش مشهد (يا ليتني قدمت لحياتي) في مستقبلنا الحقيقي القادم؟، بالطبع لا أظن أحداً يرغب في ذلك، أو هكذا المفترض أن يكون، وطالما الحال كذلك، فلنقدّم لحياتنا الآن وقبل فوات الأوان.
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
459
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
381
| 26 أغسطس 2026
إن الإنسان لربه لكنود
حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة... اقرأ المزيد
339
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3045
| 24 سبتمبر 2026