رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حديث صحيح ربما لم يسمعه كثيرون من ذي قبل، جعلني أتوقف عنده وأتأمله بعمق.. فقد جاء في صحيح البخاري عن خولة بنت عامر الأنصارية، وهي امرأة حمزةَ رضي الله عنهما، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:" إن رجالاً يتخوّضونَ في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة ".
يتخوّضون - كما في معاجم اللغة - أي يتصرفون في الشيء بالباطل. وهنا في الحديث، مال المسلمين، هو ذاك الشيء الذي يتعرض منذ أمد بعيد للتصرف الطائش غير المبني على أصول شرعية.. هذا التصرف الطائش قد يكون على شكل إدارة غير واعية ولا علمية ولا مدروسة لهذا المال، أو تبذيره على ما لا نفع يُرجى من ورائه، أو سرقته واستغلاله بطريقة وأخرى، أو الانتفاع به دون وجه حق، أو غير ذلك من أوجه التصرف غير الجائز شرعاً وقانوناً وعُرفاً.
ملخص شرح الحديث، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يخبر عن أناس يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل، ويأخذونها بغير حق. وأموال المسلمين يدخل فيها كل ما يمكن تصنيفه تحت مصطلح ( المال العام ) أو كما جاء في الحديث ( مال الله )، وهو كل إيرادات الدولة، أو كل ما يدخل خزينة الدولة عبر مؤسساتها المختلفة، من رسوم الخدمات والضرائب والثروات العامة. ومن ذلك أيضاً، أموال اليتامى والأوقاف والزكوات والصدقات التي تقوم عليها الجمعيات والهيئات الخيرية. كما تدخل ضمن المال العام كذلك، الهبات والعطايا لموظفي الدولة.
كل ما سبق ذكره يدخل تحت مسمى مال الله أو المال العام بالمصطلح المعاصر، وبالتالي ووفق الحديث الشريف، لا يجوز التصرف فيه إلا بحقه. وحقه ها هنا، إما نصوص الشرع أو ما يوضع من قوانين وتشريعات لا تتعارض مع الشرع بطبيعة الحال. وإن التخوّض في هذا المال، كما جاء في الحديث، أي الأخذ منه بغير استحقاق ولا إذن، عاقبته كما أخبرنا الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - النار يوم القيامة.
المال العام مقدس
هكذا منزلة المال العام في الإسلام. له حرمة، بل يكاد يكون مقدساً من شدة اهتمام الإسلام به، وأهمية إدارته بشكل صحيح، من حيث جمعه وإنفاقه والحفاظ عليه واستثماره، ومنع كل من تسول له نفسه الاعتداء عليه، حتى لا يجعله عُرضة للهدر والضياع.
وحين توعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المتخوّض في المال العام أو المتصرف فيه بغير وجه حق، ليصل مصيره أن يكون من أهل النار – والعياذ بالله – فلأن الأمر شأنه عظيم، لا يتحمل استهتار وما شابه من سلوكيات تبدد ذلك المال وتضيع حقوق العباد والبلاد.
المال العام في الإسلام كما يراه أهل العلم، يجب أن يقوم عليه أناس يتصفون بالأمانة والنزاهة، ولا يتصرفون من تلقاء أنفسهم، بل وفق قوانين وارشادات معينة، ومن ثم تقوم الأمة والذي يمثلها برلمان أو مجلس منتخب، بالموافقة على أوجه الصرف المتنوعة، وفق قواعد محددة وشفافية بالغة. ثم بعد ذلك تأتي المراقبة والمساءلة والمحاسبة من الجهة التي تمثل الأمة - كما أسلفنا - أو أي جهة أخرى يتم الاتفاق عليها لتقوم بمسائل المراقبة والمحاسبة، نيابة عن الأمة، من أجل منع كل المسارب التي يتسرب منها المال العام في غير وجه حق.
في التاريخ الإسلامي، كان المال العام وإدارته بمثابة العلامة الفارقة بين الحكم الرشيد والحكم الفاسد. الإدارة الصارمة الشفافة النزيهة للمال العام، كانت تدل على أن الحكم رشيد، يطمئن الناس إلى أموالهم وحقوقهم ومستقبل الأجيال القادمة، فيما كان سوء التدبير أو ما نسميه بالفساد في إدارة المال العام، عبر محسوبيات ورشاوى وسرقات وأكل ذلك المال بالباطل، دلالة على أن الحكم فاسد غير نزيه، يقلق الناس على حاضرهم ومستقبلهم.
نماذج خالدة
يعتبر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز نموذجاً فريداً في الإدارة الصارمة العادلة للمال العام، وكيف لا وجده الأكبر هو الفاروق عمر بن الخطاب، الذي كان أول من أنشأ بيت مال للمسلمين، وأول من استحدث فكرة الذمة المالية للولاة أو المسؤولين، والذي كان - رضي الله عنه - يتعامل مع المال العام كمن يتعامل مع مال اليتيم، حيث قال يوماً: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجتُ أخذتُ منه، فإذا أيسرتُ رددْتُه، وإن استغنيتُ استعففتُ ".
كان من القضايا التي اشتغل عليها عمر بن عبد العزيز، هو تطويق قضايا الفساد الإداري والمالي في الدولة - كما يقول الدكتور علي الصلابي - حيث بدأ في انتقاء ولاته والعاملين معه من أهل التقوى وحُسن التدين والأمانة. ثم التوسعة على الموظفين في معاشاتهم كأول إجراء إداري. حيث رأى في ذلك الإجراء وقاية لهم من الخيانة، رغم تقتيره على نفسه وأهله، وهو أمير للمؤمنين. ثم منع الموظفين من قبول الهدايا، وقد رد على من قال له: ألم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ؟ قال بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة.
منعهم كذلك من ممارسة التجارة، إدراكاً منه أن ممارسة الموظفين والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم يكن الاثنين معاً: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتها عن أمور واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أموراً ليست له من الحق في شيء.
ثم أخيراً، كان يتابع ولاته ويحاسبهم بنفسه، لاسيما في الجوانب المالية، وتطبيق مبدأ ( من أين لك هذا ). وقد كتب إلى أحد المسؤولين عنده:" لقد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما عدلت، وإما اعتزلت والسلام ".
إن المحافظة على المال العام، وصيانته من النهب والهدر والاستغلال، مسؤولية الحاكم والمحكومين جميعاً. الكل يلتزم بالعمل، بحسب موقع كل شخص ووظيفته، على صيانة هذا المال والمحافظة عليه بكل الطرق والوسائل المتاحة، على اعتبار أن هذا المال في نهاية الأمر هو منهم وإليهم بالعدل.. وقد ردّ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة، كل ما زاد عنده إلى بيت المال.
عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: لما احتُضِرَ أبو بكر - رضي الله عنه – قال:" يا عائشة، انظري اللِقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنةَ التي كنا نَصطَبحُ فيها، والقَطيفة التي كنا نلبسُها، فإنّا كنا ننتفعُ بذلك حين كنا في أمر المسلمين، فإذا مِتُّ فاردُديه إلى عمر ". فلما مات أبو بكر - رضي الله عنه - أرسَلت بِه إِلى عمر - رضي الله عنه - فَقال عمر:" رضي الله عنك يا أبا بكر، لقد أتعبتَ مَن جاء بعدك ". رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
4752
| 23 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4578
| 21 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
2787
| 28 يونيو 2026