رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الاستفزاز الصهيوني يزداد يوماً بعد يوم، والتغول والإجرام مستمران على شعب أعزل، ولربما ظهور عدد من المشاهد السياسية بالمنطقة، كهرولة البعض نحو التطبيع مع دولة الاحتلال، أوحت لهم أن الشعب الأعزل في غالبية مناطق فلسطين المحتلة، لم يعد له حيلة ليحتال أو يقف موقفاً يمنع العدو من التمادي، وهذا ما كان واضحاً مع بدايات التحرش بأهالي حي الشيخ جراح، والقصة المعروفة للجميع وتطوراتها. ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان، لا عند الصهاينة، ولا عند بعض العربان.
ظن المقدسيون بعد تمادي العدو ووحشيته، أنهم وحدهم في الميدان، واعتقدوا أن غزة مشغولة بنفسها، وهي تواصل الصمود ضد حصار ظالم جائر أمام مرأى ومسمع العالم كله، فيما بقية الشعب الفلسطيني متناثر ومنقسم هنا وهناك، هذا كله، دفع بالصهاينة وقطعان المستوطنين إلى مزيد من الحماقات، فلا رادع أمامهم يمكن أن يردعهم، وبالتالي لم لا يستمر مسلسل الاستفزاز وارتكاب الحماقة تلو الأخرى؟.
في غمرة ذلك الشعور عند المقدسيين، واقترابهم من اليأس من أي دعم أو مساندة عربية مأمولة، تدخل غزة العزة على الخط، لتبشر المقدسيين وتعلن لهم وللعالم كله أنهم، رغم ظروفهم، موجودون وعلى أتم الاستعداد لمزيد تضحيات، وأن الوقت حان لتغيير قواعد اللعبة أو قواعد الاشتباك، وأنها - أي حماس – هي من ستفرض الآن تلك القواعد، من بعد أن بلغ السيل الزبى، أو هكذا بدا الوضع في عموم فلسطين خلال الأسابيع الماضية.
معركة سيف القدس
تسخن الأجواء بدخول غزة في رفع الظلم الذي وقع على المقدسيين، وتبدأ كتائب القسام في ارسال رسائلها إلى الصهاينة، الواحدة بعد الأخرى، والمطالبة برفع ظلمهم عن المدينة المقدسة وأهلها سلمياً قبل اللجوء إلى حلول أخرى، قد يندم الصهاينة كثيراً في تجاهلها، ووقع التجاهل فعلاً، ورأى الصهاينة جدية رسائل غزة عبر صواريخ أضاءت سماء مدنهم، القريبة من القطاع والبعيدة، بل ودخلت المعركة صواريخ جديدة استراتيجية، أجبرت على اغلاق مطار بن غوريون الدولي، مع ما لذلك من خسائر اقتصادية كبيرة، وأجبرت أكثر من 70% من سكان دولة الاحتلال إلى العيش في الملاجئ، ما يعني تعطل الحياة الاجتماعية والاقتصادية هناك، وتأثير ذلك على الحالة المعنوية للسكان ومنهم العسكريون أيضاً.
الجديد في معركة سيف القدس أن غزة دخلتها بثقة، كما لو تبدو أنها قد استشرفت هذه الحرب، وأنها قادمة لا محالة، وبالتالي هذا الاستشراف دفعهم لإعداد العدد والعُدة اللازمة، لحرب قد تكون فاصلة ومسببة لتغييرات معينة في المنطقة.
بدأت الحرب ومعها حروب أخرى، إعلامية وسياسية وشعبية على مستوى عالمي مشهود، المواجهات العسكرية لم تكن بحجم توقعات وتقديرات العدو، إذ ساد الاعتقاد القديم بأن عدة ضربات جوية للقطاع يمكنها أن تحسم الأمر، وتعود الأمور إلى هدوئها المعتاد، لكن اختلف الوضع، فما إن يبدأ العدو بغارة، إلا وتبعتها زخات كثيفة من الصواريخ تجاه مناطق عديدة، عجزت عن صدها قبة العدو الحديدية، بل وأصابت صواريخ القسام مواقع استراتيجية لم تكن بالحسبان، كلفت العدو مئات الملايين حتى الآن.
إن عـدتم عـدنا
غارة جوية صهيونية واحدة على غزة، تدفع بزخات ومئات الصواريخ القسامية تجاه مدن العدو، ولسان حال القطاع يقول: إن عدتم عدنا، هذا مؤشر مهم يدل على تحول كبير ميدانياً، صار العدو يخشى جيش غزة أكثر من كل الجيوش العربية، بعد أن تحول هذا الجيش إلى جيش نظامي وصاحب عقيدة قتالية واضحة، وبناء تنظيمي متماسك، وتأثير واضح على أرض الواقع، أضف إلى ذلك ميزة أخرى بالغة الأهمية، هي القدرة على التصنيع العسكري والقدرة على المناورة وتحريك العدد والعتاد سريعاً من نقطة إلى أخرى.
وفوق هذا كله، امتلكت حماس القدرة على فرض قرارها على العدو، فهي تختار الوقت والمكان لبدء الهجوم، وما على الطرف الآخر إلا الاستجابة، وهذا ما دفع بكثير من الإسرائيليين للقول بأن محمد ضيف هو من يتحكم بملايين الإسرائيليين، متى الدخول إلى الملاجئ ومتى الخروج منها لأمور إنسانية، في تطور لافت ومشهود.
من المشاهد الملحوظة في الأحداث الجارية الآن في غزة، أن أهالي القطاع ومجاهديها لا يسألون الناس إلحافاً خارج فلسطين، سلاحاً أو مالاً أو طعاماً أو حتى دواء، بل الدعاء بظهر الغيب أن يثبت الله أقدامهم، ويزلزل الأرض من تحت أقدام عدوهم، وبالدعم الإعلامي بكافة أشكاله.
ولعل الحرب الإعلامية بدأت نتائجها تظهر سريعاً حتى ضاق الأمر بالعدو أن يستنهض كل من معه ويستغل أوراقه، للوقوف أمام مد إعلامي عربي واسلامي ودولي يستنكر أفعال جيش الاحتلال، حتى تكونت صورة ذهنية جديدة غاية في البشاعة لدولة الاحتلال، وإن صناعة الصور الذهنية لتأخذ من المال والوقت الشيء الكثير، لكن بفضل الله، ثم حماقة العدو ومن يدافع عنه من صهاينة العالم، ومنهم صهاينة عرب، أن نشأت صورة ذهنية له، سيحتاج سنوات وسنوات لمحوها من أذهان العالم.
أين المطبعـون؟
مشهد آخر وليس أخيراً هو موقف المطبعين العرب من الأحداث، وكأنما لسان حالهم بعد كل الذي يجري الآن يقول: وددنا لو لم نهرول نحو التطبيع، وتريثنا بعض الشيء، ها هي دولة العدو تواجه مشكلات وانقسامات ودعوات ترجو الحكومة التفاهم مع حماس وليس غيرها لوقف البؤس الذي انتشر بينهم في أيام معدودات. بل إن دعوات أخرى بدأت تتصاعد وتدعو للهجرة العكسية، باعتبار فقدان الأمن والأمان، وهما سبب هجرة اليهود إلى فلسطين فيما مضى من وقت، ألا وإن غيابهما الآن صار واقعاً، فلا شيء يدعو للبقاء، وخاصة أن غالبية المهاجرين اليهود أصحاب جنسيات مزدوجة، إذ قليل ما تجد إسرائيليا لا يحمل جنسية أخرى، لأن عنصري الأمان والثقة غائبان، رغم كل دعايات حكومة الاحتلال، فما حاجة المطبعين إلى دولة هذا حالها في أول مواجهة واختبار حقيقي لها؟.
إن مثل هذا الوضع لم يكن ليحدث لولا ما يحدث الآن على الأرض من ظلم واضح بيّن، وضع لم يسع إليه الفلسطينيون بهذه السرعة، على عكس العدو ولحاجات في نفسه، وهذا ما عجّل الله بظهورها وكشفها لتتحقق الآية الكريمة تارة أخرى، بعد أن كانت الأولى في معركة بدر الفاصلة حين قال سبحانه (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة وإن الله لسميع عليم).
إنه الله سبحانه يدير هذه المعركة، ليكشف حقيقة العدو، ويكشف المنافقين من الداخل والخارج، ويكشف حقيقة المجاهدين والمرابطين. ها هم أولاء وقد انكشفوا جميعاً، عدو متغطرس لا يفقه قوانين وسنن الكون، ومنافقون منتفعون لا يتعلمون دروس التاريخ، ومجاهدون عرفوا المعنى العميق للتوكل على الله، والجهاد في سبيله لا غيره، وفي الأجواء حولهم غربان تنعق وأصوات باطلة تدعوهم ليل نهار (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).
نعم، قالها أهل غزة: حسبنا الله ونعم الوكيل، وإن وقف العالم كله ضدنا، فالله أكبر وأعظم، ولن يخذلنا أبداً.
فاللهم ثبت أقدامهم واربط على قلوبهم، وزلزل الأرض من تحت أقدام الصهاينة الغاصبين، ومن معهم من الحاقدين والمنافقين، إنك سميع عليم مجيب الدعوات، يا رب العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2967
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2541
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1617
| 29 مايو 2026