رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين تفتح لنا قطر أبواب الخُضرة.. عام جديد بنَفَس الطبيعة

مع مطلع عام 2026، لا نحتاج إلى وعود كبيرة بقدر ما نحتاج إلى لحظة وعي. وعيٌ بما نملكه، وبما نعيش فيه، وبما وهبنا الله إيّاه دون مقابل. في ثقافات بعيدة، وُلد مفهوم يُعرف باسم شنرين-يوكو، أي المشي البطيء في الطبيعة، والانغماس في الأصوات والروائح والمشهد الأخضر بوصفه علاجًا للنفس والجسد. أما هنا، في دولة قطر، فإن هذا المفهوم لا يُقرأ في الكتب فقط، بل يُمارس يوميًا بسهولة، وحرية، وكرامة. في قطر، لا تحتاج إلى تذكرة، ولا إلى عضوية، ولا إلى موعد؛ فالحدائق مفتوحة، نظيفة، وآمنة، وقريبة من الأحياء السكنية، وبعضها مهيأ بممرات مظللة ومكيّفة جزئيًا، لتكون الخُضرة حقًا يوميًا لا ترفًا موسميًا. من أسباير بارك بقلبه الواسع ومساحاته الممتدة، إلى حديقة الأكسجين بتصميمها العصري الذي يحتضن المشي والتأمل، إلى حدائق لوسيل الحديثة المطلة على البحر، وصولًا إلى الممرات الخضراء على كورنيش الدوحة. تمنحنا المدينة مساحات نتنفس فيها بهدوء. هذه الحدائق ليست مجرد أشجار. إنها رسالة دولة تقول للإنسان: لك حق في الراحة، لك حق في الجمال، لك حق في أن تمشي دون ضغط. تؤكد الدراسات العلمية أن ساعة واحدة من المشي الهادئ بين المساحات الخضراء تخفّف من التوتر، وتعيد توازن الجسد، وتنظّم ضغط الدم، وتحسّن المزاج العام. لكن الأهم من العلم هو الإحساس. أن تشعر بأنك مُرحّب بك في الطبيعة، لا مُطارَد بالخرسانة. في عام 2026، ونحن نفتح صفحة جديدة، لعلّ أجمل نية نبدأ بها هي أن نُحسن استخدام هذه النعمة: أن نزور الحدائق، أن نعلّم أبناءنا حب الشجر، أن نتمهّل، وأن نشكر الله على وطن جعل الخُضرة جزءًا من الحياة اليومية. إنها نعمة من نعم الله علينا في قطر، نعمة تستحق أن تُعاش لا أن تُؤجَّل. ودمتم بخير وسعادة.

540

| 06 يناير 2026

السعادة في 2026: أن نعيش متصلين... لا مشغولين

لا تبدأ السعادة مع تغير الأرقام في التقويم، ولا تُصنع بقرارات سريعة تُكتب ليلة رأس السنة. السعادة في عام 2026 ستكون، أكثر من أي وقت مضى، فعل وعيٍ هادئ، لا ضجيج أمنيات. نستقبل هذا العام ونحن نعيش مفارقة العصر الحديث: نحن الأكثر اتصالًا تقنيًا، والأكثر شعورًا بالانفصال إنسانيًا. نتواصل طوال الوقت، لكننا نادراً ما نشعر بأننا مسموعون حقًا. نمتلك السرعة، ونفقد الطمأنينة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نكون أكثر إنجازًا في 2026؟ بل: كيف نكون أكثر صِلة؟ السعادة هذا العام لن تأتي من المزيد، بل من الأصدق. من إعادة وصل ما انقطع داخل الإنسان قبل أن نحاول إصلاح العالم من حوله. تبدأ الصلة من علاقة الإنسان بربه؛ لا كطقسٍ مؤدى، بل كمساحة أمان. حين يشعر الإنسان أن له ملاذًا روحيًا ثابتًا، يخفّ قلقه، حتى وإن لم تتغيّر الظروف. ثم تأتي صلة الإنسان بنفسه؛ أن يتوقف عن جلد ذاته، وأن يتصالح مع فكرة أنه إنسان، لا مشروع كمال. السعادة لا تنمو في القسوة الداخلية، بل في الرحمة. أما العلاقات، فلا تُقاس بعدد الأسماء في الهاتف، بل بصدق الحضور. في 2026، نحتاج إلى علاقات أقل، وأعمق. إلى أشخاص يفهمون صمتنا كما يشاركوننا الكلام. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الزعل؛ ذلك الشعور الذي غالبًا ما يُساء فهمه. فالزعل ليس فشلًا في العلاقات، بل رسالة. بعضه يحتاج حوارًا، وبعضه يحتاج حدودًا، وبعضه يحتاج شجاعة الانسحاب دون خصومة. السعادة في 2026 أن نعرف متى نُصلِح، ومتى نترك، ومتى نكتفي. أن نعيش بخفّة، لا بسطحية. أن نحب دون استنزاف. وأن نمرّ بعامٍ كامل ونحن متصلون… لا فقط مشغولون.

153

| 02 يناير 2026

معجم الدوحة.. حين تكتمل الذاكرة وتستعيد العربية صوتها

ليس اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية حدثًا لغويًا عابرًا، بل لحظة وعي حضاري، تتقدم فيها اللغة العربية من موقع الدفاع عن ذاتها إلى موقع الشهادة على تاريخها، ومن حدود الاستعمال اليومي إلى فضاء التراكم المعرفي العميق. هو إعلان هادئ بأن العربية لم تكن يومًا لغة جامدة، بل كائنًا حيًا، يتنفس الزمن، ويتحوّل مع الإنسان، ويحتفظ بذاكرته دون أن يفقد قدرته على التجدد. ففي هذه المناسبة، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أن اكتمال المعجم يُعد مظهرًا من مظاهر التكامل العربي المثمر، مشددًا على أن قطر تفخر بهذا الإنجاز الحضاري الذي يعزز تمسك الشعوب العربية بهويتها، وانفتاحها على العصر ووسائله الحديثة بثقة واقتدار. ولم يكن هذا التأكيد مجرد إشادة سياسية، بل قراءة واعية لدور اللغة بوصفها الجسر الأعمق بين الماضي والمستقبل، وبين الخصوصية والانفتاح. إن معجم الدوحة التاريخي لا يقدّم تعريفًا للكلمة فحسب، بل يروي سيرتها. يتتبع ميلادها، وتحولاتها الدلالية، وسياقاتها الحضارية، ويكشف كيف تفاعلت مع الفكر والعلم والدين والسياسة والأدب عبر أكثر من عشرين قرنًا. إنه معجم لا يشرح اللغة من الخارج، بل يدخل إلى قلبها، ويعيد ترتيب علاقتنا بها، بوصفها سجلًا حيًا للتجربة العربية والإنسانية. ويكتسب هذا المنجز قيمته الأعمق من كونه ثمرة عمل مؤسسي عربي مشترك، شارك فيه باحثون من مدارس فكرية وخلفيات علمية متعددة، اجتمعوا حول هدف واحد: خدمة العربية بمنهج علمي صارم، بعيدًا عن النزعة الفردية أو الموسمية التي أرهقت المشهد الثقافي العربي طويلًا. هنا، تتحول المعرفة إلى فعل جماعي، ويصبح الاختلاف مصدر ثراء لا انقسام. إن اكتمال معجم الدوحة التاريخي يبعث برسالة تتجاوز حدود اللغة، مفادها أن المشروع النهضوي العربي ما زال ممكنًا، حين تتوفر الإرادة، وتُصان بيئة الحوار، ويُستثمر في العلم بوصفه ركيزة للهوية لا نقيضًا للحداثة. فاللغة التي تعرف تاريخها، لا تخشى المستقبل، والأمة التي تحفظ ذاكرتها، قادرة على صناعة معناها في العالم. من الدوحة، حيث تلتقي الرؤية السياسية بالاستثمار المعرفي، ينهض هذا المعجم شاهدًا على أن العربية ما زالت قادرة على أن تكون لغة علم، وفكر، وحياة… وأن التكامل العربي، حين يُبنى على المعرفة، لا يكون شعارًا، بل أثرًا باقياً.

234

| 25 ديسمبر 2025

المثقف العربي بين السلطة والجمهور: مأزق الدور والضمير

يعيش المثقف العربي اليوم على حافة المعادلة الصعبة: بين أن يكون صوت الضمير العام، أو أن يتحوّل إلى صدى باهتٍ للسلطة أو الشارع. وفي هذه المنطقة الرمادية يتجلّى مأزق الوعي، حيث تتحوّل الثقافة من رسالةٍ إلى مهنة، ومن نقدٍ إلى تبرير، ومن مقاومةٍ فكرية إلى اصطفافٍ سياسيٍّ مؤقت. فالمثقف في العالم العربي، كما كتب إدوارد سعيد، هو "الهاوي لا المحترف"، الذي يختار أن يقول الحقيقة لا أن يبيعها. غير أن هذا الموقف الأخلاقي لم يعد سهلًا في زمنٍ تتداخل فيه المصالح بالمنابر، وتتحوّل فيه الفكرة إلى سلعةٍ تُستهلك سريعًا. فبين سلطةٍ تريد التهذيب لا النقد، وجمهورٍ يريد الإثارة لا الفهم، يجد المثقف نفسه محاصرًا بين المطرقة والسندان. لقد تغيّر دور المثقف العربي مع تحوّل الإعلام ووسائل التعبير؛ فبعد أن كان الكاتب والمنظّر والمعلم ضمير الأمة، أصبح في زمن السرعة منافسًا للترند، ومُطالبًا بأن يختصر الفكرة في جملةٍ تُثير الإعجاب لا التفكير. وهكذا، تحوّل جزء من النخبة إلى نجومٍ رقمية، فيما اختار آخرون الانسحاب بصمتٍ مهيب، إدراكًا منهم أن الصخب لا يصنع الوعي. لكن رغم هذا التيه، لا يمكن إنكار أن ثمة مثقفين ما زالوا يؤمنون بدور الكلمة، وينحتون في صخر الوعي العربي بإصرارٍ يشبه المقاومة. فالثقافة ليست رفاهية، بل هي جبهةٌ من جبهات الكرامة الإنسانية، والمثقف الحقيقي هو الذي يبقى خارج الاصطفاف، متحررًا من غواية القرب من السلطة، ومن إغراء الشعبية المزيّفة. إنّ مأزق المثقف العربي ليس في غيابه، بل في محاولته التوفيق بين الصدق والبقاء. فقول الحقيقة في زمن الالتباس يحتاج إلى شجاعةٍ لا تقلّ عن شجاعة الميدان. والمثقف، في نهاية المطاف، هو صوت الأسئلة لا الأجوبة، وضمير الأمة حين ينام الجميع. ربما تعب المثقف من الكلام، وربما أرهقه الانتظار، لكنّ صمته أحيانًا أبلغ من خطاباتٍ طويلة. فطالما بقي في الأمة من يكتب بحرية، ومن يفكر دون إذن، ومن يقول “لا” بلغةٍ جميلةٍ ومسؤولة، فإن الوعي العربي سيبقى حيًا، ولو تحت الرماد.

309

| 13 ديسمبر 2025

الدوحة تُعيد صياغة العقد الاجتماعي العالمي

استضافت الدوحة أعمال القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية 2025 في لحظة مفصلية يمر فيها العالم بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تفرض إعادة النظر في مفهوم “التنمية الاجتماعية” كمرتكز أساسي للاستقرار والسلام. وتُشكل هذه القمة- التي جاءت بعد ثلاثين عامًا على قمة كوبنهاغن 1995-منصة دولية لمراجعة ما تحقق، وتحديد الثغرات، وصياغة رؤية عالمية جديدة تُعيد الإنسان إلى مركز العملية التنموية. تطرح مسودة الإعلان السياسي Zero Draft وورقة Food for Thought الصادرة عن الأمم المتحدة إطارًا طموحًا يتجاوز الخطابات التقليدية، ويركز على ثلاثة محاور رئيسية: القضاء على الفقر، والعمل اللائق، والإدماج الاجتماعي. وتعيد الوثيقة التأكيد على أن الفقر لم يعد مجرد “ظاهرة اقتصادية”، بل نتاج اختلالات بنيوية في السياسات، وتتطلب معالجته مقاربة شاملة تستند إلى حماية اجتماعية قوية، تعليم جيد، صحة شاملة، فرص عمل منتجة، ونظم بيانات قادرة على التنبؤ بالاحتياجات الاجتماعية. وتأتي قضية العمل اللائق في قلب النقاش العالمي، حيث تُبرز الوثيقة أهمية الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الرسمي، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للعمال، وخاصة النساء والشباب. أما محور الاندماج الاجتماعي فيقدم رؤية تقوم على بناء مجتمعات لا يُقصى فيها أحد بسبب الإعاقة، أو النوع الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي، أو الفجوة الرقمية. لا تكتفي الوثيقة بالحديث عن الالتزامات، بل تفتح بابًا واسعًا للتفكير في تأثير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على التنمية الاجتماعية، وتدعو إلى استخدام التكنولوجيا كأداة للعدالة الاجتماعية، وليس مصدراً لزيادة الفوارق. كما تطرح نموذجًا جديدًا للحوكمة الاجتماعية يقوم على المتابعة والتقييم والشراكات الواسعة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. بالنسبة لقطر، فإن استضافة هذه القمة ليست مجرد حدث دولي يُضاف إلى سجل النجاحات، بل تأتي كترجمة عملية لرؤية قطر الوطنية 2030، وللاستراتيجية الوطنية للتنمية الاجتماعية والأسرة (2024–2030) التي تضع الإنسان والأسرة في قلب التنمية. وتتيح القمة فرصة لعرض التجربة القطرية- في تمكين المرأة، حماية الأسرة، رعاية كبار السن، دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، وتمكين الشباب- كمرجعيات إقليمية في بناء سياسات اجتماعية مستدامة. إن ما يجري في الدوحة اليوم ليس اجتماعًا دوليًا عابرًا، بل تأسيس لعقد اجتماعي عالمي جديد يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية، ويمنح الدول فرصة لإعادة بناء تنمية تضع الإنسان قبل كل شيء. وبذلك، تُكرس قطر دورها كرافعة فكرية وحضارية في صياغة مستقبل التنمية الاجتماعية في العالم.

189

| 26 نوفمبر 2025

فلسطين.. وطن يولد من الفكرة قبل الخريطة

ليست الدولة مساحة جغرافية فحسب، بل هي سرديةٌ تنبض في وجدان من يناضلون من أجلها. وفلسطين، قبل أن تُعترف بها في عواصم القرار، كانت معترفًا بها في قلب كل حرّ، وكل مَن رأى العدالة في عين الطفل لا في فوهة البندقية. فما معنى أن تُعلن بريطانيا - التي هندست نكبة فلسطين - نيتها الاعتراف بدولتها؟ وهل يُداوي الاعتراف جرحًا عمره قرن؟ أم أن المعنى الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا الاعتراف إلى اعتذار ضمني عن جريمة اسمها «وعد بلفور»؟ الاعتراف بدولة فلسطين ليس نهاية طريق، بل بدايته الحقيقية. لكنه سيكون بلا معنى إن لم يُسأل الفلسطيني أولاً: ماذا تعني لك الدولة؟ هل هي حدود ما قبل 1967؟ أم حق العودة؟ أم الكرامة التي لا تُختصر في علمٍ على مبنى، بل في أن تبقى اللغة، الأرض، الذاكرة، وحتى الحزن... فلسطينيًا؟ في هذا العصر الذي نعيشه، صار الاعتراف عملة سياسية، تُمنح في صفقات، وتُسحب في لحظات. ولهذا فإننا - كعرب، وكقطريين على وجه الخصوص - لا يمكن أن نكتفي بالتنظير للحقوق من خلف الميكروفونات، بل علينا أن نعيد بناء المفهوم من الجذور: فلسطين ليست شعارًا، بل مشروعًا للعدالة والحرية والهوية. الدولة لا تُولد من الاعترافات، بل من الإرادة، والإرادة تحتاج إلى أفق. هل نرى اليوم هذا الأفق؟ ربما ليس بعد. لكنه يظهر كلما صمد طفل في خان يونس، أو غنّت أمّ شهيد لابنها، أو كتبت قطر، مرة أخرى، بيانًا لا يُباع ولا يُساوَم. فلسطين ليست مجرد جغرافيا نطالب بها في المحافل، بل هي مرآة أخلاقية نُختبر من خلالها. ومن لا يرى وجهه فيها، سيظل تائهًا في خرائط لا تشبهه.

408

| 17 نوفمبر 2025

الاعتراف بفلسطين في موازين السياسة الدولية

عندما أعلن كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، عن نيّة بلاده الاعتراف بدولة فلسطين، بدت الخطوة للبعض بمثابة صحوة ضمير. لكنها في ميزان السياسة العالمية لا تُقرأ فقط بمنظار القيم، بل بلعبة المصالح. ولأن قطر كانت دائمًا في طليعة من ناصروا الحق الفلسطيني دون حسابات براغماتية، يصبح من المشروع أن نقارن: من يعترف من باب الالتزام، ومن يعترف من باب التوازن؟ من يضع الاعتراف كتصحيح للتاريخ، ومن يضعه كورقة تفاوض مع إسرائيل؟ فرنسا، وكندا، وأستراليا، انضمت إلى نداء «خريطة الطريق» الدولية للاعتراف بفلسطين، في لحظة سياسية حرجة. لكنها لم تصحب اعترافها بعقوبات على الاحتلال، ولا بإجراءات لمساءلة إسرائيل على جرائمها، بل بقي الاعتراف في إطار «الإعلان الأخلاقي الناعم»، دون أن يمس جوهر المعادلة. أما قطر، فلم تنتظر تغير الرياح في لندن أو باريس. فمنذ بدايات الصراع، ثبتت مواقفها، دعمت الفلسطيني سياسيًا وإنسانيًا، واستثمرت في غزة لا لتكريس الانقسام، بل للتخفيف عن شعب محاصر. والمفارقة أن الدول التي تتحدث اليوم عن الاعتراف، هي ذاتها التي سلّحت الاحتلال لعقود، وسكتت عن المجازر، وتبنت رواية المنتصر. في المقابل، الدول التي اعترفت بفلسطين من الجنوب العالمي، من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، فعلت ذلك خارج الضجيج، وأحيانًا على حساب علاقتها بالمحور الغربي. فما جدوى الاعتراف إذا لم يقلب موازين الهيمنة؟ ما معنى خريطة طريق تُكتب في نيويورك ولا تُسلك على أرض القدس؟ الفرق بين الموقف القطري والمواقف الأخرى، يكمن في الثبات، في عدم الارتهان، في اتساق القول مع الفعل. الموقف القطري لم يكن موسمياً، ولا استجابةً لصورة طفل، بل رؤية مبنية على وعي أخلاقي عميق بقضية عادلة، وبشعب له الحق لا في الدولة فقط، بل في الحياة. الاعتراف الذي لا يُترجم إلى تغيير في معادلة الصراع، يظل صوتًا في هواء كثيف. أما الاعتراف الذي تحمله اليد النظيفة، فيصير وعدًا للحرية، لا رشوة للسكوت.

378

| 11 نوفمبر 2025

المثقف في محكمة التاريخ.. الحقيقة أم الولاء؟

منذ أقدم الأزمنة، كان المثقف يقف على خط النار بين السلطة والجماهير، بين إغراء الولاء وضغط الضمير. وفي كل مرة يواجه التاريخ لحظة حاسمة، يجد المثقف نفسه أمام سؤال قاسٍ: هل يقف إلى جانب الحقيقة، أم ينحاز إلى الولاء الذي يضمن له الحماية والمكانة؟ جوليان بندا رأى في بداية القرن العشرين أن خيانة المثقفين تجسدت حين تحوّلوا من حماة للعدالة الكونية إلى أبواق تردد خطابات قومية ضيقة. لقد اتهمهم بأنهم شاركوا في «التنظيم الفكري للإكراه السياسي»، وأنهم استبدلوا قيم الحرية والإنسانية بشعارات تبرر الحروب. في المقابل، وجد مفكرون آخرون مثل: (إرنست جيلنر) أن هذا الحكم متشدد، وأن المثقف لا يستطيع أن يحمل عبء البشرية كلها وهو يتجاهل التزاماته المحلية. لكن التاريخ لا يرحم. فحين ننظر إلى القرن العشرين، نرى بوضوح أن المثقفين الذين التزموا بالصمت أو التبرير كانوا شركاء في مآسٍ كبرى: من دعم بعض المفكرين للفاشية والنازية، إلى أولئك الذين غطّوا على جرائم الاحتلالات الحديثة. وفي كل مرة، كان الولاء يغلب الحقيقة، والنتيجة كوارث إنسانية لا تحصى. إنّ المثقف، في نهاية المطاف، لا يُقاس بما يكتبه فقط، بل بموقفه حين تُختبر القيم. فالتاريخ لا يسجل المقالات البراقة التي تلمّع وجه السلطة، بل يذكر الأصوات القليلة التي قاومت ودفعت ثمن الصدق. ولهذا يظل المثقف الحقيقي من يُصرّ على أن يجعل من كلمته شهادة في محكمة التاريخ، لا وثيقة دفاع عن جلاّد أو سلطة عابرة. الولاء للسلطة قد يمنح المثقف مجدًا وقتيًا، لكنه يتركه منبوذًا في ذاكرة الأجيال. أما الولاء للحقيقة، وإن كان طريقه محفوفًا بالعزلة والمخاطر، فهو الذي يمنح الكلمة قوتها الخالدة. في النهاية، لن يُسأل المثقف: لمن واليت؟ بل سيُسأل: ماذا قلت حين كان الصمت خيانة؟

510

| 29 أكتوبر 2025

كيف ننقذ وعينا من الزحام الرقمي؟

لقد تحول الضجيج إلى سمة العصر: ضجيج الصورة، ضجيج المنصات، ضجيج المؤثرين، وضجيج الخطابات المتنافسة على تشكيل وعينا الجماعي. وبينما كنا نظن أن التكنولوجيا ستمنح الإنسان صوتًا أوسع، وجدنا أنفسنا أسرى لأصوات تتكاثر حتى لا يبقى صوتٌ لنا. فأين موقع الذات الحرة في كل هذا؟ أين مساحة التأمل؟ أين تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام المرآة لا ليتأكد من «مظهره»، بل من «معناه»؟ لقد أدرك عبد الوهاب المسيري، كمفكر ومؤرخ للفكرة الغربية، أن الخطر الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل المستسلم. حين نخاف من الصمت ونطلب باستمرار صوتًا خارجيًا يرشدنا، نكون قد فقدنا القدرة على الإصغاء لصوت الفطرة، والضمير، والهوية الأصيلة. هذا ينطبق تمامًا على جيلنا الرقمي الجديد. فالشباب الذين كانوا يُنظر إليهم كمشاريع وعي وحوار، باتوا مشاريع استهلاك وتكرار. لم يعد السؤال: «ماذا أؤمن؟» بل «من أتابع؟» و»بماذا أعلّق؟» في هذا الزحام، يفقد الإنسان بوصلته. يركض خلف «الترند» ويغفل عن الاتجاه. وبدلاً من أن يكون الفضاء الرقمي امتدادًا لحريته، يغدو مساحة انصهار في المألوف، وتبعية ناعمة لما هو شائع، لا لما هو عميق. إننا اليوم أمام معركة صامتة بين من يحتفظ بقدرته على التفكير، ومن يتنازل عنها لصالح شاشةٍ ترشده، وتختار له ما يحب، وتقرر عنه كيف يشعر. وهنا يكمن التحدي الأخلاقي والثقافي والوجودي: أن نستعيد الإصغاء لما هو جوهري، لما هو داخلي، في زمن تسكنه الأصوات العالية التي لا تقول شيئًا. فلنعد إلى أنفسنا. ليس هربًا من العالم، بل لإنقاذ ما تبقى فينا من قدرة على الفهم، والحب، والانتماء، والتساؤل. لأن من ينسى صوته الداخلي، لن يعرف كيف يتكلم حين يسكت الجميع. فكلما تعالت أصوات العالم وضجيجه، ازدادت حاجتنا إلى الإنصات لصوتنا الداخلي، حتى لا نذوب في زحامٍ لا يشبهنا.

228

| 26 أكتوبر 2025

الهوية العربية بين الذاكرة والمستقبل

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ — المتنبي حين يعانق هدير الموج همس الرمال، وتصافح المآذنُ ظلالَ الأبراج الحديثة، تبقى الهوية العربية كوكبًا مضيئًا في ليل السؤال: من نحن في قلب هذا الكون الصاخب؟ الهوية ليست قطعة جامدة من الماضي، بل كائن حيّ يتنفس في حواسنا، يتحرك معنا، يتلون بتجاربنا. هي عبق القهوة في فجر بيت قديم، ورعشة القلب عند سماع المآذن، وهي تلك القصص التي كانت الجدات تحيكها كخيوط ذهبية حول نار الشتاء. لكن الهوية أيضًا ليست خائفة من رياح التغيير، فهي قادرة على أن تمد يدها نحو الغد، تحمل في الأخرى تراثها، وفي الأولى أدوات العصر. لقد أدركت الأمم الناهضة أن سرد الحكاية حقٌ لا يُمنح، بل يُنتزع. فإذا تركنا لغتنا تُهمَل، أو تاريخنا يُختزل، أو ملامحنا تُطمس، كنا كمن يسلّم دفتر ذكرياته ليد غريبة تعبث فيه. العربية ليست مجرد حروف، بل هي ذاكرة متحركة، نافذة نطل منها على العالم، ومرآة يرى فيها العالم ملامحنا الفريدة. نقف اليوم على تخوم التناقض: بين إرث حضاري عميق، وإيقاع كوني سريع لا ينتظر المترددين. لا نريد أن نكون متحفًا للماضي ولا نسخة بلا ملامح من الحاضر. التحدي أن نصير جسرًا بين الأصالة والحداثة، أن نمتلك فنّ التوازن بين الجذور والرياح. إن الهوية العربية، في جوهرها، ليست حنينًا إلى زمن مضى، ولا رفضًا للغد المجهول، بل هي فعل مستمر من الصياغة الذاتية. كما يلتقي البحر بالصحراء في وطن يشبه قطر، علينا أن نلتقي نحن مع ذواتنا، فنحمل روحنا الأصيلة، ونفتح نوافذنا لرياح العالم، بلا خوف ولا ذوبان.

282

| 09 أكتوبر 2025

بين جذور المجالس وتيارات الشاشات

في قطر، كما في غيرها من مجتمعات الخليج، لم تكن الهوية يوماً مجرد رواية موروثة، بل كانت دومًا نسيجًا حيًا من الروح والذاكرة والمكان. من رائحة السمر في المجالس، إلى نبرة الجدات حين يروين الحكايات، إلى سكون البحر حين كان مصدر الرزق والخوف والرجاء. ولكن ما الذي يحدث حين تتعالى فوق هذه الأصوات نغمة أكثر بريقًا، وأكثر سرعة، نغمة تصدر من شاشة صغيرة، لا رائحة لها ولا ذاكرة، لكنها قادرة على أسر القلوب وتوجيه الأنظار؟ جيل اليوم في قطر يعيش على مفترق دقيق، بين أصالة تهمس في أذنه، وحداثة تصرخ في وجهه. يرى في مجالس آبائه رمزًا للانتماء، لكنه يُغرَّى بمحتوى لحظي يشده إلى عوالم أخرى. يرى في عباءته وقارًا، لكنه يتأمل في عيون المؤثرين صورةً لما يراه «عصريًا». هل فقدنا البوصلة؟ أم أننا فقط نعيش توترنا الطبيعي بين الانتماء والتغيير؟ حين كتب إدوارد سعيد أن الهوية تُصاغ في التوتر، لم يكن يتحدث عن نفي الماضي، بل عن إفساح المجال له ليحاور الحاضر. هو لم يكن ضد التغيير، بل ضد التغييب. وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم في قطر: أن نصوغ هويتنا كحوار بين ما كنا عليه، وما يمكن أن نكونه، لا كقطيعة بين جيلين، ولا كصراع بين «تطبيق» و»تقليد». فالفتاة القطرية التي تعيش اليوم بين جامعتها المحلية ومحتوى عالمي على هاتفها، ليست غريبة على مجتمعها، لكنها تطلب فهمًا مختلفًا، لا تسطيحًا ولا وعظًا. والشاب الذي يلبس الثوب ويقتبس كلمات أجنبية في تغريداته، لا يبحث عن الفُرقة، بل عن مساحة آمنة للانتماء المعاصر. ليست المسألة في المظهر، بل في العمق. في طريقة التفكير، في نوع الأحلام، في حدود الطموح. فيما إذا كانت قصص المؤثرين ستُغني خياله أكثر من سيرة أجداده، وفيما إذا كانت لهجته القطرية ستبقى عفوية على لسانه، أم يُضطر لاستبدالها كي يُقبل صوته في عالم رقمي لا يعترف بالخصوصية. الهوية القطرية اليوم ليست في خطر لأن العالم تغير، بل لأنها لم تُصغ من الداخل بوعي كافٍ لما نريده أن يبقى، وما يمكن أن يتغير. الهوية ليست جدارًا نحتمي به من الخارج، بل طريقٌ نعبّده ونحن نسير فيه، بكل ما نحمل من وجدان وذاكرة وذكاء. علينا، كمجتمع، أن نعيد الاعتبار لهذا التوتر الخلاق بين الانتماء والتغيير. ألا نخافه، بل نصادقه. ألا نُفرّط بالجذور، ولا نتجمد أمام الأغصان الجديدة. ففي وطنٍ يشبه قطر، حيث يلتقي البحر بالصحراء، والتقاليد بالتطلعات، والذاكرة بالتحوّل، ليس أمامنا إلا أن نكتب حكايتنا بأنفسنا، لا أن نُترك ليكتبها لنا ضجيج الآخرين.

708

| 02 أكتوبر 2025

ما لا يتزحزح فينا

كلّما تبدّلت الوجوه وتسارعت الخطى، شعرتُ بأن العالم يُعاد ترتيبه بلا توقف، كأنّنا نعيش داخل لوحة لا تجفّ ألوانها. في قلب هذا الحراك المستمر، ثمّة ما لا يتزحزح، ما يبقى واقفًا كالنخيل في العاصفة، هي الثوابت التي لا تصرخ، لكنها تمنحنا سكينة الداخل وسط ضجيج الخارج، وتُذكّرنا بأن العمق لا يُقاس بالحركة، بل بالثبات المليء بالمعنى. نشأتُ على تلك القناعات كما ينشأ الطير في عشه الأول. كانت والدتي تحفظ من الشعر ما يفوق دروس المدرسة، وكان والدي لا يمرّ على جملة عربية دون أن يتوقف عند إيقاعها ودلالتها. لم نكن نردد الكلمات، بل نحملها. ولم نكن نعيش في قطر كمكان فقط، بل كامتداد لهُوية أكبر من الجغرافيا: هوية عربية وإسلامية وجمالية في آنٍ واحد. ومع تزايد الإيقاع العالمي، وتسلل التغيرات إلى منازلنا عبر الشاشات واللغات واللهجات، أدركتُ أن الثوابت ليست ما يقيّدنا، بل ما يُبقينا نحن. هي ليست جدرانًا نغلق بها النوافذ، بل جذورًا نمتدّ بها في الأرض حتى حين نحلّق. الأصالة لا تعني رفض الحداثة، بل الانطلاق منها بثقة من يعرف تاريخه. الثوابت الثقافية والاجتماعية ليست فقط طقوسًا أو رموزًا جامدة، بل منظومة قيمية متجددة، تُزرع في القلب وتُروى بالفكر والوعي. هي التي تُلهم الفن حين يفقد اتجاهه، وتوجّه الكلمة حين تتعدد المنابر. قد يبدو الحديث عن «الثوابت» في عالم سريع وكأنّه تغنٍّ بالقديم، لكن الحقيقة أنّه نداءٌ للحفاظ على ما يجعلنا بشرًا لا نسخًا. أن نكون جزءًا من التطور لا يعني أن نذوب فيه، بل أن نضيف عليه بصمتنا، بلغتنا، بوجه جداتنا، وبأملنا الذي لا ينكسر. ولهذا أكتب، لا لأعيد تعريف الهوية، بل لأحتفي بما لم يتغير فيها، ولأقول للأجيال القادمة: لا تخجلوا من الجذور، فالشجرة لا تقوى إن أنكرت أصلها.

567

| 23 سبتمبر 2025

alsharq
غدًا نرفع الهتاف لمصر الفؤاد

غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16...

1737

| 04 يناير 2026

alsharq
العرب يتألقون في إفريقيا

في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...

1257

| 08 يناير 2026

alsharq
«الكشخة» ليست في السعر.. فخ الاستعراض الذي أهلكنا

امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...

1038

| 07 يناير 2026

alsharq
حين لا يكون الوقت في صالح التعليم

في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...

990

| 07 يناير 2026

alsharq
سياحة بلا مرشدين مؤهلين... من يدفع الثمن؟

لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري...

786

| 04 يناير 2026

alsharq
وما زلنا نمرر الشاشة!

يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب...

738

| 05 يناير 2026

alsharq
عند الصباح يحمد القومُ السّرى

عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة...

603

| 04 يناير 2026

alsharq
مشاريع القطريات بين مطرقة التجارة وسندان البلدية

سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...

591

| 08 يناير 2026

540

| 06 يناير 2026

alsharq
السلام كسياسة.. الوساطة هي جوهر الدبلوماسية الحديثة

الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...

537

| 09 يناير 2026

alsharq
أبرز التطورات السياسية في تركيا لعام 2025

كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي...

498

| 05 يناير 2026

alsharq
مجلة الدوحة.. نافذة قطر على الثقافة العربية

بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى...

453

| 06 يناير 2026

أخبار محلية