رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

228

روضة مبارك راشد العامري

كيف ننقذ وعينا من الزحام الرقمي؟

26 أكتوبر 2025 , 06:59ص

لقد تحول الضجيج إلى سمة العصر: ضجيج الصورة، ضجيج المنصات، ضجيج المؤثرين، وضجيج الخطابات المتنافسة على تشكيل وعينا الجماعي. وبينما كنا نظن أن التكنولوجيا ستمنح الإنسان صوتًا أوسع، وجدنا أنفسنا أسرى لأصوات تتكاثر حتى لا يبقى صوتٌ لنا.

فأين موقع الذات الحرة في كل هذا؟ أين مساحة التأمل؟ أين تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام المرآة لا ليتأكد من «مظهره»، بل من «معناه»؟

لقد أدرك عبد الوهاب المسيري، كمفكر ومؤرخ للفكرة الغربية، أن الخطر الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل المستسلم. حين نخاف من الصمت ونطلب باستمرار صوتًا خارجيًا يرشدنا، نكون قد فقدنا القدرة على الإصغاء لصوت الفطرة، والضمير، والهوية الأصيلة.

هذا ينطبق تمامًا على جيلنا الرقمي الجديد. فالشباب الذين كانوا يُنظر إليهم كمشاريع وعي وحوار، باتوا مشاريع استهلاك وتكرار. لم يعد السؤال: «ماذا أؤمن؟» بل «من أتابع؟» و»بماذا أعلّق؟»

في هذا الزحام، يفقد الإنسان بوصلته. يركض خلف «الترند» ويغفل عن الاتجاه. وبدلاً من أن يكون الفضاء الرقمي امتدادًا لحريته، يغدو مساحة انصهار في المألوف، وتبعية ناعمة لما هو شائع، لا لما هو عميق.

إننا اليوم أمام معركة صامتة بين من يحتفظ بقدرته على التفكير، ومن يتنازل عنها لصالح شاشةٍ ترشده، وتختار له ما يحب، وتقرر عنه كيف يشعر. وهنا يكمن التحدي الأخلاقي والثقافي والوجودي: أن نستعيد الإصغاء لما هو جوهري، لما هو داخلي، في زمن تسكنه الأصوات العالية التي لا تقول شيئًا.

فلنعد إلى أنفسنا. ليس هربًا من العالم، بل لإنقاذ ما تبقى فينا من قدرة على الفهم، والحب، والانتماء، والتساؤل. لأن من ينسى صوته الداخلي، لن يعرف كيف يتكلم حين يسكت الجميع. 

فكلما تعالت أصوات العالم وضجيجه، ازدادت حاجتنا إلى الإنصات لصوتنا الداخلي، حتى لا نذوب في زحامٍ لا يشبهنا.

مساحة إعلانية