رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سعد الحلبوسي

مساحة إعلانية

مقالات

240

د. سعد الحلبوسي

لماذا أُخذ مادورو حيّاً؟!

13 يناير 2026 , 12:03ص

عندما دخلت قوات دلتا الأمريكية واعتقلت مادورو واقتادته حياً إلى المحكمة وبثت هذه الصورة في الصحافة العالمية كانت توجّه رسالة مهمة، ولعلها بيان سياسي في المسرح الدولي بلا كلمات في مشهد مدروس بعناية مركزة وبشكل مكثّف لا علاقة له بالعدالة ولا بمحاربة الجريمة المنظمة بقدر ما يرتبط بحرب أكبر تُدار بصمت، بل إدارة ترامب دخلت مباشرة في قلب الصراع على شكل النظام الدولي المقبل، وتُكتب فصوله كما تشاء.

ومن هنا لا يكون السؤال: ماذا فعل مادورو ليستحق هذا المشهد المهين الذي بثّته الإدارة الأمريكية على الملأ؟ لكن السؤال الأهم والأكثر دلالة، هو: لماذا أصرّ دونالد ترامب على سحبه حيّاً؟ ولماذا الآن؟ وعلى أيّ ملف سيُحاكم فعلياً؟

بل من السذاجة السياسية اختزال القضية في ملف مخدرات أو اتهامات جنائية تقليدية، لأن الدول العظمى لا تصنع مشاهد بهذا الحجم الرمزي من أجل قضايا يمكن تسويتها في أروقة القضاء بعيداً عن الكاميرات، وحين تُبثّ الصورة بهذه الطريقة المدروسة فذلك يعني أن الرسالة هي المقصودة قبل الحكم وأن السياسة تتقدم على القانون.

الولايات المتحدة لم تعد تخوض صراعاتها مع الدول باعتبارها كيانات مستقلة، بل مع أدوار هذه الدول داخل التحالفات الكبرى، لأنّ المعركة مع تموضعهما داخل الحلف الشرقي الصاعد بقيادة الصين، فالهدف لم يعد إسقاط الأنظمة بحد ذاته وإنما تحييدها أو تفريغها من وظائفها الاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق يصبح المشهد الفنزويلي أكثر وضوحاً، لأنّ الدولة لم تسقط والحكومة لم تُحلّ والجيش لم يُفكك والمؤسسات لم تُمسّ، فلا انقلاب ولا فوضى ولا فراغ سياسي، وكل ما حدث هو إخراج رجل واحد من المعادلة، وهذا بحد ذاته كاشف؛ لأن السؤال هو لم يكن: كيف نُسقط فنزويلا؟ بل: كيف نُعطّل دورها داخل المشروع الصيني؟

وإذا كان جزء من المشهد هو تعطيل قدرتها استراتيجياً فلماذا أخذ مادورو تحديداً؟

والجواب ببساطة لا يوجد في تفاصيل السياسة الداخلية الفنزويلية بل في بكين، لأن وسائل الإعلام تناقلت أن آخر من استقبلهم مادورو قبل اعتقاله كان وفداً صينياً رفيع المستوى وفي توقيت بالغ الحساسية، حيث بلغت المواجهة بين واشنطن وبكين مرحلة إعادة تعريف خطوط الاشتباك العالمية وهذا اللقاء ليس لقاءً بروتوكولياً عابراً ولكن حلقة في سلسلة تفاهمات أعمق تتعلق بانتشار الصين في مناطق النفوذ الأمريكي التقليدي.

ذلك أن فنزويلا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية ليست دولة هامشية، وبحكم موقعها الجغرافي القريب واحتياطاتها النفطية الضخمة ومكانتها في أمريكا اللاتينية تجعلها نقطة ارتكاز حساسة في أي توازن دولي، وحين تدخل الصين إلى هذا الموقع الاستراتيجي المهم بثقل سياسي واقتصادي وأمني فإن الأمر يُقرأ في واشنطن كاختراق مباشر للخاصرة الغربية للولايات المتحدة.

ومن هنا تتضح دلالة الإصرار الأمريكي على إخراج مادورو حيّاً لا ميتاً، لأنه مهم عند ترامب وهو ليس هدفاً للتصفية، بل هدف للاستجواب وانتزاع المعلومات الصينية، ولم يُسحب إلى المحكمة بقدر ما نُقل إلى مساحة اعتراف سياسي، حيث لا تُطرح الأسئلة عن الماضي بقدر ما يُنقّب عن الحاضر والمستقبل، وما تريده واشنطن ليس صورة انتصار إعلامي بل بنك معلومات يُستخدم في معركة طويلة النفس مع الصين.

ومادورو بحكم موقعه كرئيس هو نقطة تقاطع لخطوط نفوذ معقدة، لأنه اطّلع على طبيعة التغلغل الصيني في أمريكا اللاتينية وعلى أساليب التفاوض وشبكات الوساطة وأشكال الدعم غير المعلنة وهذا النوع من المعلومات لا يُقدّر بثمن في صراع تُدار معظم فصوله بعيداً عن العلن.

أما ترامب الذي يفكر بعقلية الصفقة لا بعقلية الحروب المفتوحة فهو يدرك أن المواجهة مع الصين لا تُحسم بالقوة العسكرية المباشرة لأنّ الصين لا تُهزم بإسقاط نظام بل بإضعاف شبكاتها وكشف مسارات تمددها وتفكيك حلقات الوصل بينها وبين حلفائها، ومادورو كان إحدى هذه الحلقات الحساسة التي أصر ترامب على قطعها.

مادورو قاد دولة تقع على مقربة جغرافية مباشرة من الولايات المتحدة وعاش في قلب توازنات دولية دقيقة ويعرف ما يجري خلف الستار بين بكين وشركائها في النصف الآخر من العالم، لذلك كانت قيمته السياسية أكبر وهو حي لأنه يحمل ما لديه من معلومات من أن يُغلق الملف باغتيال أو إسقاط دموي.

وما نشهده هو ملامح حرب باردة بصيغة جديدة لا دبابات في الشوارع ولا أعلام تُنزل من فوق القصور ولكن عمليات دقيقة تستهدف الأشخاص لا الجغرافيا والمفاصل لا الواجهات عبر صراع يُدار في الظل، حيث تُسحب الشخصيات واحدة تلو الأخرى، وتُعاد صياغة الأدوار دون إعلان رسمي.

وفي ضوء هذا التحول هناك عدة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، أبرزها:

السيناريو الأول: يتمثل في توظيف ملف مادورو كورقة ضغط غير معلنة على الصين عبر رسائل محسوبة تُوجّه إلى حلفائها، مفادها أن التمادي في التموضع داخل المشروع الصيني قد يحمل كلفة شخصية على مستوى القيادات، وفي هذا السياق يتحول مادورو إلى نموذج ردعي أكثر منه قضية قانونية.

والسيناريو الثاني: يقوم على استخدام ما يتوافر من معلومات لإعادة رسم خريطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية، ثم العمل على تفكيكها تدريجياً عبر بدائل اقتصادية وسياسية وأمنية تقودها واشنطن، وهنا لا نتحدث عن مواجهة صدامية وإنما عن سباق نفوذ طويل يستهدف الدول المتأرجحة أكثر من الخصم المباشر.

أما السيناريو الثالث: وهو الأكثر تعقيداً، فيفترض أن بكين ستتعامل مع ما جرى باعتباره إنذاراً استراتيجياً فتُعيد تقييم أدواتها الخارجية وتقلّص اعتمادها على شخصيات سياسية بعينها لصالح شبكات أعمق وأقل قابلية للاختراق، وعندها قد يتحول الصراع إلى لعبة صبر طويلة بلا انتصارات سريعة ولا هزائم معلنة.

وفي كل الأحوال فإنّ ما جرى مع مادورو يؤكد أننا دخلنا زمناً مختلفاً في إدارة السياسة الدولية وهذا الزمن تُقاس فيه القوة بامتلاك المفاتيح الخفية لا باستعراض القوة وتُحسم فيه المعارك عبر الملفات والعقول لا عبر الجبهات ومن يقرأ هذه التحولات بأدوات قديمة سيبقى أسير تفسير قاصر لعالم يُعاد تشكيله بهدوء ولكن بصرامة لا تخطئها العين.

مساحة إعلانية