رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدوحة تُعيد صياغة العقد الاجتماعي العالمي

استضافت الدوحة أعمال القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية 2025 في لحظة مفصلية يمر فيها العالم بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تفرض إعادة النظر في مفهوم “التنمية الاجتماعية” كمرتكز أساسي للاستقرار والسلام. وتُشكل هذه القمة- التي جاءت بعد ثلاثين عامًا على قمة كوبنهاغن 1995-منصة دولية لمراجعة ما تحقق، وتحديد الثغرات، وصياغة رؤية عالمية جديدة تُعيد الإنسان إلى مركز العملية التنموية. تطرح مسودة الإعلان السياسي Zero Draft وورقة Food for Thought الصادرة عن الأمم المتحدة إطارًا طموحًا يتجاوز الخطابات التقليدية، ويركز على ثلاثة محاور رئيسية: القضاء على الفقر، والعمل اللائق، والإدماج الاجتماعي. وتعيد الوثيقة التأكيد على أن الفقر لم يعد مجرد “ظاهرة اقتصادية”، بل نتاج اختلالات بنيوية في السياسات، وتتطلب معالجته مقاربة شاملة تستند إلى حماية اجتماعية قوية، تعليم جيد، صحة شاملة، فرص عمل منتجة، ونظم بيانات قادرة على التنبؤ بالاحتياجات الاجتماعية. وتأتي قضية العمل اللائق في قلب النقاش العالمي، حيث تُبرز الوثيقة أهمية الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الرسمي، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للعمال، وخاصة النساء والشباب. أما محور الاندماج الاجتماعي فيقدم رؤية تقوم على بناء مجتمعات لا يُقصى فيها أحد بسبب الإعاقة، أو النوع الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي، أو الفجوة الرقمية. لا تكتفي الوثيقة بالحديث عن الالتزامات، بل تفتح بابًا واسعًا للتفكير في تأثير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على التنمية الاجتماعية، وتدعو إلى استخدام التكنولوجيا كأداة للعدالة الاجتماعية، وليس مصدراً لزيادة الفوارق. كما تطرح نموذجًا جديدًا للحوكمة الاجتماعية يقوم على المتابعة والتقييم والشراكات الواسعة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. بالنسبة لقطر، فإن استضافة هذه القمة ليست مجرد حدث دولي يُضاف إلى سجل النجاحات، بل تأتي كترجمة عملية لرؤية قطر الوطنية 2030، وللاستراتيجية الوطنية للتنمية الاجتماعية والأسرة (2024–2030) التي تضع الإنسان والأسرة في قلب التنمية. وتتيح القمة فرصة لعرض التجربة القطرية- في تمكين المرأة، حماية الأسرة، رعاية كبار السن، دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، وتمكين الشباب- كمرجعيات إقليمية في بناء سياسات اجتماعية مستدامة. إن ما يجري في الدوحة اليوم ليس اجتماعًا دوليًا عابرًا، بل تأسيس لعقد اجتماعي عالمي جديد يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية، ويمنح الدول فرصة لإعادة بناء تنمية تضع الإنسان قبل كل شيء. وبذلك، تُكرس قطر دورها كرافعة فكرية وحضارية في صياغة مستقبل التنمية الاجتماعية في العالم.

351

| 26 نوفمبر 2025

فلسطين.. وطن يولد من الفكرة قبل الخريطة

ليست الدولة مساحة جغرافية فحسب، بل هي سرديةٌ تنبض في وجدان من يناضلون من أجلها. وفلسطين، قبل أن تُعترف بها في عواصم القرار، كانت معترفًا بها في قلب كل حرّ، وكل مَن رأى العدالة في عين الطفل لا في فوهة البندقية. فما معنى أن تُعلن بريطانيا - التي هندست نكبة فلسطين - نيتها الاعتراف بدولتها؟ وهل يُداوي الاعتراف جرحًا عمره قرن؟ أم أن المعنى الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا الاعتراف إلى اعتذار ضمني عن جريمة اسمها «وعد بلفور»؟ الاعتراف بدولة فلسطين ليس نهاية طريق، بل بدايته الحقيقية. لكنه سيكون بلا معنى إن لم يُسأل الفلسطيني أولاً: ماذا تعني لك الدولة؟ هل هي حدود ما قبل 1967؟ أم حق العودة؟ أم الكرامة التي لا تُختصر في علمٍ على مبنى، بل في أن تبقى اللغة، الأرض، الذاكرة، وحتى الحزن... فلسطينيًا؟ في هذا العصر الذي نعيشه، صار الاعتراف عملة سياسية، تُمنح في صفقات، وتُسحب في لحظات. ولهذا فإننا - كعرب، وكقطريين على وجه الخصوص - لا يمكن أن نكتفي بالتنظير للحقوق من خلف الميكروفونات، بل علينا أن نعيد بناء المفهوم من الجذور: فلسطين ليست شعارًا، بل مشروعًا للعدالة والحرية والهوية. الدولة لا تُولد من الاعترافات، بل من الإرادة، والإرادة تحتاج إلى أفق. هل نرى اليوم هذا الأفق؟ ربما ليس بعد. لكنه يظهر كلما صمد طفل في خان يونس، أو غنّت أمّ شهيد لابنها، أو كتبت قطر، مرة أخرى، بيانًا لا يُباع ولا يُساوَم. فلسطين ليست مجرد جغرافيا نطالب بها في المحافل، بل هي مرآة أخلاقية نُختبر من خلالها. ومن لا يرى وجهه فيها، سيظل تائهًا في خرائط لا تشبهه.

555

| 17 نوفمبر 2025

الاعتراف بفلسطين في موازين السياسة الدولية

عندما أعلن كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، عن نيّة بلاده الاعتراف بدولة فلسطين، بدت الخطوة للبعض بمثابة صحوة ضمير. لكنها في ميزان السياسة العالمية لا تُقرأ فقط بمنظار القيم، بل بلعبة المصالح. ولأن قطر كانت دائمًا في طليعة من ناصروا الحق الفلسطيني دون حسابات براغماتية، يصبح من المشروع أن نقارن: من يعترف من باب الالتزام، ومن يعترف من باب التوازن؟ من يضع الاعتراف كتصحيح للتاريخ، ومن يضعه كورقة تفاوض مع إسرائيل؟ فرنسا، وكندا، وأستراليا، انضمت إلى نداء «خريطة الطريق» الدولية للاعتراف بفلسطين، في لحظة سياسية حرجة. لكنها لم تصحب اعترافها بعقوبات على الاحتلال، ولا بإجراءات لمساءلة إسرائيل على جرائمها، بل بقي الاعتراف في إطار «الإعلان الأخلاقي الناعم»، دون أن يمس جوهر المعادلة. أما قطر، فلم تنتظر تغير الرياح في لندن أو باريس. فمنذ بدايات الصراع، ثبتت مواقفها، دعمت الفلسطيني سياسيًا وإنسانيًا، واستثمرت في غزة لا لتكريس الانقسام، بل للتخفيف عن شعب محاصر. والمفارقة أن الدول التي تتحدث اليوم عن الاعتراف، هي ذاتها التي سلّحت الاحتلال لعقود، وسكتت عن المجازر، وتبنت رواية المنتصر. في المقابل، الدول التي اعترفت بفلسطين من الجنوب العالمي، من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، فعلت ذلك خارج الضجيج، وأحيانًا على حساب علاقتها بالمحور الغربي. فما جدوى الاعتراف إذا لم يقلب موازين الهيمنة؟ ما معنى خريطة طريق تُكتب في نيويورك ولا تُسلك على أرض القدس؟ الفرق بين الموقف القطري والمواقف الأخرى، يكمن في الثبات، في عدم الارتهان، في اتساق القول مع الفعل. الموقف القطري لم يكن موسمياً، ولا استجابةً لصورة طفل، بل رؤية مبنية على وعي أخلاقي عميق بقضية عادلة، وبشعب له الحق لا في الدولة فقط، بل في الحياة. الاعتراف الذي لا يُترجم إلى تغيير في معادلة الصراع، يظل صوتًا في هواء كثيف. أما الاعتراف الذي تحمله اليد النظيفة، فيصير وعدًا للحرية، لا رشوة للسكوت.

519

| 11 نوفمبر 2025

المثقف في محكمة التاريخ.. الحقيقة أم الولاء؟

منذ أقدم الأزمنة، كان المثقف يقف على خط النار بين السلطة والجماهير، بين إغراء الولاء وضغط الضمير. وفي كل مرة يواجه التاريخ لحظة حاسمة، يجد المثقف نفسه أمام سؤال قاسٍ: هل يقف إلى جانب الحقيقة، أم ينحاز إلى الولاء الذي يضمن له الحماية والمكانة؟ جوليان بندا رأى في بداية القرن العشرين أن خيانة المثقفين تجسدت حين تحوّلوا من حماة للعدالة الكونية إلى أبواق تردد خطابات قومية ضيقة. لقد اتهمهم بأنهم شاركوا في «التنظيم الفكري للإكراه السياسي»، وأنهم استبدلوا قيم الحرية والإنسانية بشعارات تبرر الحروب. في المقابل، وجد مفكرون آخرون مثل: (إرنست جيلنر) أن هذا الحكم متشدد، وأن المثقف لا يستطيع أن يحمل عبء البشرية كلها وهو يتجاهل التزاماته المحلية. لكن التاريخ لا يرحم. فحين ننظر إلى القرن العشرين، نرى بوضوح أن المثقفين الذين التزموا بالصمت أو التبرير كانوا شركاء في مآسٍ كبرى: من دعم بعض المفكرين للفاشية والنازية، إلى أولئك الذين غطّوا على جرائم الاحتلالات الحديثة. وفي كل مرة، كان الولاء يغلب الحقيقة، والنتيجة كوارث إنسانية لا تحصى. إنّ المثقف، في نهاية المطاف، لا يُقاس بما يكتبه فقط، بل بموقفه حين تُختبر القيم. فالتاريخ لا يسجل المقالات البراقة التي تلمّع وجه السلطة، بل يذكر الأصوات القليلة التي قاومت ودفعت ثمن الصدق. ولهذا يظل المثقف الحقيقي من يُصرّ على أن يجعل من كلمته شهادة في محكمة التاريخ، لا وثيقة دفاع عن جلاّد أو سلطة عابرة. الولاء للسلطة قد يمنح المثقف مجدًا وقتيًا، لكنه يتركه منبوذًا في ذاكرة الأجيال. أما الولاء للحقيقة، وإن كان طريقه محفوفًا بالعزلة والمخاطر، فهو الذي يمنح الكلمة قوتها الخالدة. في النهاية، لن يُسأل المثقف: لمن واليت؟ بل سيُسأل: ماذا قلت حين كان الصمت خيانة؟

669

| 29 أكتوبر 2025

كيف ننقذ وعينا من الزحام الرقمي؟

لقد تحول الضجيج إلى سمة العصر: ضجيج الصورة، ضجيج المنصات، ضجيج المؤثرين، وضجيج الخطابات المتنافسة على تشكيل وعينا الجماعي. وبينما كنا نظن أن التكنولوجيا ستمنح الإنسان صوتًا أوسع، وجدنا أنفسنا أسرى لأصوات تتكاثر حتى لا يبقى صوتٌ لنا. فأين موقع الذات الحرة في كل هذا؟ أين مساحة التأمل؟ أين تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام المرآة لا ليتأكد من «مظهره»، بل من «معناه»؟ لقد أدرك عبد الوهاب المسيري، كمفكر ومؤرخ للفكرة الغربية، أن الخطر الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل المستسلم. حين نخاف من الصمت ونطلب باستمرار صوتًا خارجيًا يرشدنا، نكون قد فقدنا القدرة على الإصغاء لصوت الفطرة، والضمير، والهوية الأصيلة. هذا ينطبق تمامًا على جيلنا الرقمي الجديد. فالشباب الذين كانوا يُنظر إليهم كمشاريع وعي وحوار، باتوا مشاريع استهلاك وتكرار. لم يعد السؤال: «ماذا أؤمن؟» بل «من أتابع؟» و»بماذا أعلّق؟» في هذا الزحام، يفقد الإنسان بوصلته. يركض خلف «الترند» ويغفل عن الاتجاه. وبدلاً من أن يكون الفضاء الرقمي امتدادًا لحريته، يغدو مساحة انصهار في المألوف، وتبعية ناعمة لما هو شائع، لا لما هو عميق. إننا اليوم أمام معركة صامتة بين من يحتفظ بقدرته على التفكير، ومن يتنازل عنها لصالح شاشةٍ ترشده، وتختار له ما يحب، وتقرر عنه كيف يشعر. وهنا يكمن التحدي الأخلاقي والثقافي والوجودي: أن نستعيد الإصغاء لما هو جوهري، لما هو داخلي، في زمن تسكنه الأصوات العالية التي لا تقول شيئًا. فلنعد إلى أنفسنا. ليس هربًا من العالم، بل لإنقاذ ما تبقى فينا من قدرة على الفهم، والحب، والانتماء، والتساؤل. لأن من ينسى صوته الداخلي، لن يعرف كيف يتكلم حين يسكت الجميع. فكلما تعالت أصوات العالم وضجيجه، ازدادت حاجتنا إلى الإنصات لصوتنا الداخلي، حتى لا نذوب في زحامٍ لا يشبهنا.

273

| 26 أكتوبر 2025

الهوية العربية بين الذاكرة والمستقبل

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ — المتنبي حين يعانق هدير الموج همس الرمال، وتصافح المآذنُ ظلالَ الأبراج الحديثة، تبقى الهوية العربية كوكبًا مضيئًا في ليل السؤال: من نحن في قلب هذا الكون الصاخب؟ الهوية ليست قطعة جامدة من الماضي، بل كائن حيّ يتنفس في حواسنا، يتحرك معنا، يتلون بتجاربنا. هي عبق القهوة في فجر بيت قديم، ورعشة القلب عند سماع المآذن، وهي تلك القصص التي كانت الجدات تحيكها كخيوط ذهبية حول نار الشتاء. لكن الهوية أيضًا ليست خائفة من رياح التغيير، فهي قادرة على أن تمد يدها نحو الغد، تحمل في الأخرى تراثها، وفي الأولى أدوات العصر. لقد أدركت الأمم الناهضة أن سرد الحكاية حقٌ لا يُمنح، بل يُنتزع. فإذا تركنا لغتنا تُهمَل، أو تاريخنا يُختزل، أو ملامحنا تُطمس، كنا كمن يسلّم دفتر ذكرياته ليد غريبة تعبث فيه. العربية ليست مجرد حروف، بل هي ذاكرة متحركة، نافذة نطل منها على العالم، ومرآة يرى فيها العالم ملامحنا الفريدة. نقف اليوم على تخوم التناقض: بين إرث حضاري عميق، وإيقاع كوني سريع لا ينتظر المترددين. لا نريد أن نكون متحفًا للماضي ولا نسخة بلا ملامح من الحاضر. التحدي أن نصير جسرًا بين الأصالة والحداثة، أن نمتلك فنّ التوازن بين الجذور والرياح. إن الهوية العربية، في جوهرها، ليست حنينًا إلى زمن مضى، ولا رفضًا للغد المجهول، بل هي فعل مستمر من الصياغة الذاتية. كما يلتقي البحر بالصحراء في وطن يشبه قطر، علينا أن نلتقي نحن مع ذواتنا، فنحمل روحنا الأصيلة، ونفتح نوافذنا لرياح العالم، بلا خوف ولا ذوبان.

447

| 09 أكتوبر 2025

بين جذور المجالس وتيارات الشاشات

في قطر، كما في غيرها من مجتمعات الخليج، لم تكن الهوية يوماً مجرد رواية موروثة، بل كانت دومًا نسيجًا حيًا من الروح والذاكرة والمكان. من رائحة السمر في المجالس، إلى نبرة الجدات حين يروين الحكايات، إلى سكون البحر حين كان مصدر الرزق والخوف والرجاء. ولكن ما الذي يحدث حين تتعالى فوق هذه الأصوات نغمة أكثر بريقًا، وأكثر سرعة، نغمة تصدر من شاشة صغيرة، لا رائحة لها ولا ذاكرة، لكنها قادرة على أسر القلوب وتوجيه الأنظار؟ جيل اليوم في قطر يعيش على مفترق دقيق، بين أصالة تهمس في أذنه، وحداثة تصرخ في وجهه. يرى في مجالس آبائه رمزًا للانتماء، لكنه يُغرَّى بمحتوى لحظي يشده إلى عوالم أخرى. يرى في عباءته وقارًا، لكنه يتأمل في عيون المؤثرين صورةً لما يراه «عصريًا». هل فقدنا البوصلة؟ أم أننا فقط نعيش توترنا الطبيعي بين الانتماء والتغيير؟ حين كتب إدوارد سعيد أن الهوية تُصاغ في التوتر، لم يكن يتحدث عن نفي الماضي، بل عن إفساح المجال له ليحاور الحاضر. هو لم يكن ضد التغيير، بل ضد التغييب. وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم في قطر: أن نصوغ هويتنا كحوار بين ما كنا عليه، وما يمكن أن نكونه، لا كقطيعة بين جيلين، ولا كصراع بين «تطبيق» و»تقليد». فالفتاة القطرية التي تعيش اليوم بين جامعتها المحلية ومحتوى عالمي على هاتفها، ليست غريبة على مجتمعها، لكنها تطلب فهمًا مختلفًا، لا تسطيحًا ولا وعظًا. والشاب الذي يلبس الثوب ويقتبس كلمات أجنبية في تغريداته، لا يبحث عن الفُرقة، بل عن مساحة آمنة للانتماء المعاصر. ليست المسألة في المظهر، بل في العمق. في طريقة التفكير، في نوع الأحلام، في حدود الطموح. فيما إذا كانت قصص المؤثرين ستُغني خياله أكثر من سيرة أجداده، وفيما إذا كانت لهجته القطرية ستبقى عفوية على لسانه، أم يُضطر لاستبدالها كي يُقبل صوته في عالم رقمي لا يعترف بالخصوصية. الهوية القطرية اليوم ليست في خطر لأن العالم تغير، بل لأنها لم تُصغ من الداخل بوعي كافٍ لما نريده أن يبقى، وما يمكن أن يتغير. الهوية ليست جدارًا نحتمي به من الخارج، بل طريقٌ نعبّده ونحن نسير فيه، بكل ما نحمل من وجدان وذاكرة وذكاء. علينا، كمجتمع، أن نعيد الاعتبار لهذا التوتر الخلاق بين الانتماء والتغيير. ألا نخافه، بل نصادقه. ألا نُفرّط بالجذور، ولا نتجمد أمام الأغصان الجديدة. ففي وطنٍ يشبه قطر، حيث يلتقي البحر بالصحراء، والتقاليد بالتطلعات، والذاكرة بالتحوّل، ليس أمامنا إلا أن نكتب حكايتنا بأنفسنا، لا أن نُترك ليكتبها لنا ضجيج الآخرين.

780

| 02 أكتوبر 2025

ما لا يتزحزح فينا

كلّما تبدّلت الوجوه وتسارعت الخطى، شعرتُ بأن العالم يُعاد ترتيبه بلا توقف، كأنّنا نعيش داخل لوحة لا تجفّ ألوانها. في قلب هذا الحراك المستمر، ثمّة ما لا يتزحزح، ما يبقى واقفًا كالنخيل في العاصفة، هي الثوابت التي لا تصرخ، لكنها تمنحنا سكينة الداخل وسط ضجيج الخارج، وتُذكّرنا بأن العمق لا يُقاس بالحركة، بل بالثبات المليء بالمعنى. نشأتُ على تلك القناعات كما ينشأ الطير في عشه الأول. كانت والدتي تحفظ من الشعر ما يفوق دروس المدرسة، وكان والدي لا يمرّ على جملة عربية دون أن يتوقف عند إيقاعها ودلالتها. لم نكن نردد الكلمات، بل نحملها. ولم نكن نعيش في قطر كمكان فقط، بل كامتداد لهُوية أكبر من الجغرافيا: هوية عربية وإسلامية وجمالية في آنٍ واحد. ومع تزايد الإيقاع العالمي، وتسلل التغيرات إلى منازلنا عبر الشاشات واللغات واللهجات، أدركتُ أن الثوابت ليست ما يقيّدنا، بل ما يُبقينا نحن. هي ليست جدرانًا نغلق بها النوافذ، بل جذورًا نمتدّ بها في الأرض حتى حين نحلّق. الأصالة لا تعني رفض الحداثة، بل الانطلاق منها بثقة من يعرف تاريخه. الثوابت الثقافية والاجتماعية ليست فقط طقوسًا أو رموزًا جامدة، بل منظومة قيمية متجددة، تُزرع في القلب وتُروى بالفكر والوعي. هي التي تُلهم الفن حين يفقد اتجاهه، وتوجّه الكلمة حين تتعدد المنابر. قد يبدو الحديث عن «الثوابت» في عالم سريع وكأنّه تغنٍّ بالقديم، لكن الحقيقة أنّه نداءٌ للحفاظ على ما يجعلنا بشرًا لا نسخًا. أن نكون جزءًا من التطور لا يعني أن نذوب فيه، بل أن نضيف عليه بصمتنا، بلغتنا، بوجه جداتنا، وبأملنا الذي لا ينكسر. ولهذا أكتب، لا لأعيد تعريف الهوية، بل لأحتفي بما لم يتغير فيها، ولأقول للأجيال القادمة: لا تخجلوا من الجذور، فالشجرة لا تقوى إن أنكرت أصلها.

669

| 23 سبتمبر 2025

هل الاعترافات كافية؟ مقاربة نقدية لأفق الدولة الفلسطينية

في السياسة، لا تكفي النيات الطيبة، ولا حتى الاعترافات المتأخرة، حين لا تُترجم إلى التزام ميداني أو محاسبة جادة للمعتدي. إن إعلان رئيس الوزراء البريطاني عن عزم بلاده الاعتراف بدولة فلسطين خطوة إيجابية في الشكل، لكنها تبقى حبيسة الخطاب ما لم تُفتح لها أبواب الفعل.وهنا، علينا كقطريين أن ننتقل من منطق الترحيب الدبلوماسي، إلى بلورة رؤية أكثر جرأة واشتباكًا مع سؤال: ما الذي نريده من هذه الاعترافات؟ وما الذي ينتظره الفلسطيني من العالم بعد أكثر من سبعة عقود من التهجير والخذلان؟ قطر، الدولة الصغيرة بحجمها، الكبيرة بمواقفها، لطالما كانت في الصفوف الأولى دعمًا لحق الفلسطيني في أرضه وهويته وكرامته. لكن المرحلة اليوم لا تحتمل التكرار. المطلوب من العالم ــ لا سيما من الدول الغربية التي دعمت الاحتلال صراحة أو بالصمت ــ أن تنتقل من الاعتراف إلى الإدانة، ومن الإدانة إلى العقوبة، ومن العقوبة إلى الإنصاف.إن الاعتراف، مهما علا شأنه، لا يوقف جرّافات الاحتلال، ولا يطفئ نار العدوان، ولا يعيد الطفل الغائب لأحضان أمه في غزة. الاعتراف يجب أن يقترن بتجميد العلاقات، بإجراءات مقاطعة، بوقف صفقات السلاح، بإدخال الاحتلال إلى قفص الشرعية الدولية.في المشهد العربي، تبدو قطر الأصدق قولًا والأثبت موقفًا. لكن المستقبل يتطلب تحركًا جماعيًا يعيد لفلسطين مركزيتها في الوجدان العربي والسياسي. علينا ألا نُخدَع بالرمزية وحدها. الاعتراف بلا أدوات حماية يشبه رسالة حب تُلقى في صندوق بريد مغلق.«وفي وقت تنزلق فيه بعض الدول إلى تسويق التطبيع كحل، يبقى على الموقف القطري ألا يكتفي بالدعم، بل أن يتقدّم بقيادة مشروع أخلاقي جديد: فلا سلام يُبنى بلا عدالة، ولا عدالة تُقام في ظل احتلال، ولا نهاية للاحتلال دون فعل عربي جاد، ينهض على اعتراف دولي صادق لا انتقائي». هل نرحب فقط أم نحشد؟ هل نصفّق أم نتحرك؟ الجواب في ضمير أمة، وفي إرادة لا يجب أن تهتز.

495

| 15 سبتمبر 2025

«تلك العتمة الباهرة»

في روايته «تلك العتمة الباهرة»، يقدم الكاتب المغربي الطاهر بن جلون تجربة أدبية نادرة، تستند إلى شهادة حقيقية لكنها تتجاوز حدود التوثيق لتلامس جوهر الإنسان حين يُسلَب منه كل شيء. الرواية ليست فقط عن السجن، بل عما يحدث للروح حين يُطفأ النور ويُلغى الزمن. الرواية مبنية على شهادة عزيز بنبين، أحد السجناء السياسيين الناجين من معتقل «تازمامارت»، أحد أبشع السجون السرية. ولكن الطاهر لا يروي الحكاية كصحفي أو مؤرخ، بل كأديب يُصغي للداخل، يلتقط الهواجس والخوف والتأمل، ويعيد صياغة التجربة بعمقٍ إنساني مؤلم. في عتمة كاملة لا يُعرف فيها الليل من النهار، حيث الرطوبة والعفن، والجوع والقمل، تنبعث أسئلة الوجود الكبرى: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ وهل لا يزال للحياة معنى؟ تصبح الذاكرة مقاومة، وتتحول الصلاة والذكر والتأمل أدوات للبقاء، بل شرايين تمدّ الروح بما يكفي من أملٍ للصمود. اللغة في الرواية شاعرية لكن مقتضبة، مشبعة بالحزن من دون أن تنزلق إلى الخطابة. الجمل قصيرة، كأنها أنفاس مقطوعة، كأنها تحاكي السجين وهو يحاول الإمساك بخيط الحياة. كل وصف في الرواية يحمل رمزية، وكل صمت فيها يضجّ بالكلمات. «تلك العتمة الباهرة» تضع القارئ وجهًا لوجه مع وحشية السلطة حين تُمارَس في الظلام، ومع قدرة الإنسان على التشبث بما تبقى له من كرامة وإيمان، في أقسى ظروف السحق والعزلة. وكرواية عربية، تحمل أبعادًا سياسية وأخلاقية، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تطرح سؤالًا وجوديًا: ماذا يبقى من الإنسان حين يُجرد من كل شيء، ولا يُترك له سوى نفسه؟ هذه ليست فقط حكاية سجين، بل صرخة مكتومة باسم كل أولئك الذين طُمست أسماؤهم، ودُفنوا أحياء في دهاليز السياسة القمعية. «وسط زيف الحكايات وبهرجة السرد المعاصر، تشرق تلك العتمة الباهرة كنصٍ نادر، لا يُقرأ فقط، بل يُحَسّ بكل كيانه؛ رواية تُضيء الوجدان بما انطفأ فيه، وتؤكد أن الأدب العظيم لا يُولد من الضوء، بل من الصمت الذي يكاد يُفجِّر القلب.»

516

| 30 يوليو 2025

التعليم من الداخل: قراءة ثقافية في كتاب «تعليم المقهورين» لباولو فريري

لسنا أحرارًا لأننا نتكلم. نصبح أحرارًا حين تبدأ كلماتنا في تشكيل العالم من حولنا. حين قرأت لأول مرة كتاب «تعليم المقهورين» للمفكر البرازيلي باولو فريري، لم أقرأه ككتاب تربوي تقليدي، بل كخريطة لتحول داخلي. نداء لأن نتوقف عن التعامل مع الناس كأوعية فارغة، وأن نبدأ في رؤيتهم كفلاسفة، ومبدعين، وساردين لواقعهم. يرى فريري أن القهر ليس فقط سياسيًا، بل تربوي أيضًا. فعندما لا يُعلَّم الناس كيف يسألون، يتعلمون فقط كيف يُطيعون. وحين يُقدَّم لهم العلم كحقيقة جامدة، يُغلق الباب أمام الحلم، والاختلاف، والنمو. كامرأة قطرية تؤمن بقوة الكلمة، والتعبير الإبداعي، والاستقلال المعرفي، وجدت أن هذا الكتاب يُخاطب قلب رسالتي الثقافية. ففي كل مشروع أقوده سواءً فنيًا أو اجتماعيًا أو تنمويًا أنا لا «أعلّم» بالمعنى التقليدي، بل أدعو إلى التفكر، واستعادة الذاكرة، واسترجاع الصوت. يؤكد فريري أن على المقهور أن يُشارك في «تسمية واقعه» قبل أن يستطيع تغييره. نحن لا نُمكّن الناس حين نتحدث نيابة عنهم، بل نُمكّنهم حين نُنصت إليهم وهم يروون واقعهم بأصواتهم. في منطقتنا، حيث تختبئ السلطة أحيانًا خلف المجاملة، ويُخلَط الصمت بالاحترام، يذكّرنا فريري أن الكرامة الحقيقية ليست في الخضوع الهادئ، بل في الوعي المعبر عنه بصدق. لهذا، حين أُعلّم، لا أفعل ذلك من موقع السلطة، بل من موقع الدهشة والسؤال. وحين أُبدع، لا أهدف لنقل معلومة، بل إلى إشعال شرارة. لأن كل امرأة، وكل طفل، وكل صوت نُسي في زوايا الهامش، لا يستحق فقط أن يقرأ العالم، بل أن يعيد كتابته.

294

| 20 يوليو 2025

العلم والخشية.. إدراك الحقيقة بين المعرفة والإيمان

الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) من أكثر النصوص القرآنية التي تعكس العلاقة العميقة بين العلم والخشية، بين المعرفة الحقة والإدراك العميق لعظمة الخالق. هذه الآية تفتح بابًا واسعًا للتأمل الفلسفي حول دور العلم في تشكيل الوعي الإنساني، ومدى ارتباطه بالإيمان الحق، إذ لا يقتصر العلم على تراكم المعلومات، بل يتجاوز ذلك ليكون رؤيةً كونيةً تفضي إلى الخشوع والخضوع أمام الحقيقة المطلقة. وليس كل من يحمل لقب «عالم» يخشى الله، بل المقصود هنا العلماء الذين لا تتوقف معارفهم عند حدود الإدراك العقلي، بل تتجاوزها إلى إدراك القلب والروح. فالعالم الحق ليس من يجمع المعلومات ويكتنز المعارف، بل من يصل بهذه المعرفة إلى درجة الفهم العميق لقوانين الكون وسننه، فيدرك بذلك عظمة الخالق. * هذا الفهم ليس مجرد معرفة جافة، بل هو وعيٌ يجعل صاحبه يقف بخشوع أمام هذا الاتساق العجيب في الكون، ويزداد يقينه بأن وراء هذا النظام حكمةً مطلقةً وإرادةً عليا. من المثير للتأمل أن العلم في كثير من الأحيان قد يقود الإنسان إلى الغرور، حين يتوهم أنه قادر على تفسير كل شيء، فيغرق في وهم السيطرة على الطبيعة والمستقبل. لكن العالم الحقيقي يدرك أن كل اكتشاف علمي جديد ليس إلا نافذةً على مجهول أكبر، وأن كل معرفة يصل إليها العقل البشري تقوده إلى أسئلة أعمق عن جوهر الوجود. هذا الإدراك العميق يولّد الخشية، لا بمعنى الخوف السلبي، بل بمعنى التواضع أمام عظمة الخالق. فالعالم الحق كلما ازداد علمه، ازداد خضوعه لله، لأنه يرى في كل قانون كوني بصمة إلهية تدل على الحكمة المطلقة. * بالتأمل في التاريخ نجده مليئا بأمثلة لعلماء قادتهم أبحاثهم إلى الإلحاد والغرور، وأيضًا بعلماء آخرين جعلهم علمهم أكثر إيمانًا ويقينًا بالله. الفرق بين هؤلاء وأولئك هو في الرؤية الفلسفية للعلم: هل هو وسيلة لفهم الكون والخضوع لخالقه، أم مجرد أداة للهيمنة والسيطرة؟ من هنا نفهم أن الخشية ليست مجرد شعور عابر، بل هي موقف فكري وروحي ناتج عن إدراك حدود الإنسان أمام عظمة الله. الخشية التي يولّدها العلم ليست مجرد انفعال داخلي، بل هي مسؤولية أخلاقية وعملية. فالعلماء الحقيقيون يدركون أنهم يحملون أمانة عظيمة، وأن معرفتهم تضعهم أمام واجب نشر الخير، وحماية الحياة، والتصرف بحكمة فيما تعلموه. لذلك، فإن أعظم العلماء هم أولئك الذين لا يرون العلم مجرد وسيلة للسلطة أو التفاخر، بل كأمانة يجب أن تُستثمر في خدمة الإنسانية. العلم لا يتعارض مع الإيمان، بل يقود إليه حين يكون بحثًا صادقًا عن الحقيقة. والخشية التي تتولد عن العلم ليست خوفًا مُحبطًا، بل هي تواضعٌ أمام عظمة الوجود وإقرارٌ بحدود الإدراك البشري. وكما قال الإمام الغزالي: «غاية العلم الخشية»، فإن كل معرفة لا تقود إلى هذه الخشية هي مجرد معرفة ناقصة، تظل تدور في فلك الماديات دون أن تلامس جوهر الحقيقة.

645

| 29 مارس 2025

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1578

| 23 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1323

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1116

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1092

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

741

| 24 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

732

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

711

| 21 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

648

| 20 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

573

| 19 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

570

| 22 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

558

| 19 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

555

| 23 مايو 2026

أخبار محلية