رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

540

روضة مبارك راشد العامري

العلم والخشية.. إدراك الحقيقة بين المعرفة والإيمان

29 مارس 2025 , 02:00ص

الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) من أكثر النصوص القرآنية التي تعكس العلاقة العميقة بين العلم والخشية، بين المعرفة الحقة والإدراك العميق لعظمة الخالق. هذه الآية تفتح بابًا واسعًا للتأمل الفلسفي حول دور العلم في تشكيل الوعي الإنساني، ومدى ارتباطه بالإيمان الحق، إذ لا يقتصر العلم على تراكم المعلومات، بل يتجاوز ذلك ليكون رؤيةً كونيةً تفضي إلى الخشوع والخضوع أمام الحقيقة المطلقة. وليس كل من يحمل لقب «عالم» يخشى الله، بل المقصود هنا العلماء الذين لا تتوقف معارفهم عند حدود الإدراك العقلي، بل تتجاوزها إلى إدراك القلب والروح. فالعالم الحق ليس من يجمع المعلومات ويكتنز المعارف، بل من يصل بهذه المعرفة إلى درجة الفهم العميق لقوانين الكون وسننه، فيدرك بذلك عظمة الخالق.

* هذا الفهم ليس مجرد معرفة جافة، بل هو وعيٌ يجعل صاحبه يقف بخشوع أمام هذا الاتساق العجيب في الكون، ويزداد يقينه بأن وراء هذا النظام حكمةً مطلقةً وإرادةً عليا. من المثير للتأمل أن العلم في كثير من الأحيان قد يقود الإنسان إلى الغرور، حين يتوهم أنه قادر على تفسير كل شيء، فيغرق في وهم السيطرة على الطبيعة والمستقبل. لكن العالم الحقيقي يدرك أن كل اكتشاف علمي جديد ليس إلا نافذةً على مجهول أكبر، وأن كل معرفة يصل إليها العقل البشري تقوده إلى أسئلة أعمق عن جوهر الوجود. هذا الإدراك العميق يولّد الخشية، لا بمعنى الخوف السلبي، بل بمعنى التواضع أمام عظمة الخالق. فالعالم الحق كلما ازداد علمه، ازداد خضوعه لله، لأنه يرى في كل قانون كوني بصمة إلهية تدل على الحكمة المطلقة.

* بالتأمل في التاريخ نجده مليئا بأمثلة لعلماء قادتهم أبحاثهم إلى الإلحاد والغرور، وأيضًا بعلماء آخرين جعلهم علمهم أكثر إيمانًا ويقينًا بالله. الفرق بين هؤلاء وأولئك هو في الرؤية الفلسفية للعلم: هل هو وسيلة لفهم الكون والخضوع لخالقه، أم مجرد أداة للهيمنة والسيطرة؟ من هنا نفهم أن الخشية ليست مجرد شعور عابر، بل هي موقف فكري وروحي ناتج عن إدراك حدود الإنسان أمام عظمة الله. الخشية التي يولّدها العلم ليست مجرد انفعال داخلي، بل هي مسؤولية أخلاقية وعملية. فالعلماء الحقيقيون يدركون أنهم يحملون أمانة عظيمة، وأن معرفتهم تضعهم أمام واجب نشر الخير، وحماية الحياة، والتصرف بحكمة فيما تعلموه. لذلك، فإن أعظم العلماء هم أولئك الذين لا يرون العلم مجرد وسيلة للسلطة أو التفاخر، بل كأمانة يجب أن تُستثمر في خدمة الإنسانية. العلم لا يتعارض مع الإيمان، بل يقود إليه حين يكون بحثًا صادقًا عن الحقيقة. والخشية التي تتولد عن العلم ليست خوفًا مُحبطًا، بل هي تواضعٌ أمام عظمة الوجود وإقرارٌ بحدود الإدراك البشري. وكما قال الإمام الغزالي: «غاية العلم الخشية»، فإن كل معرفة لا تقود إلى هذه الخشية هي مجرد معرفة ناقصة، تظل تدور في فلك الماديات دون أن تلامس جوهر الحقيقة.

مساحة إعلانية