رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ضمير المنفى.. حين يصبح المثقف موقفًا أخلاقيًا

في وقتنا المعاصر، لم تعد الثقافة مجرد مساحة للقراءة أو الترف الفكري، بل أصبحت محاولة مستمرة لفهم الإنسان وسط هذا العالم المتغير والمتشابك. وربما لهذا السبب ظلّ إدوارد سعيد حاضرًا في الوعي الثقافي العالمي، لا بوصفه مفكرًا عابرًا، بل بوصفه ضميرًا إنسانيًا آمن بأن الثقافة مسؤولية أخلاقية، وأن المثقف الحقيقي لا يكتفي بتفسير العالم، بل يحاول أن يقف بصدق أمام أسئلته الكبرى. حين كتبت كتابي «ضمير المنفى”، لم أكن أبحث فقط في أفكار إدوارد سعيد، بل كنت أبحث أيضًا في معنى أن يكون الإنسان وفيًا لصوته الداخلي، قادرًا على التفكير الحر، وعلى حماية استقلاله الفكري مهما اشتدت الضغوط أو تشابهت الأصوات. فقد كان سعيد يرى أن من أبرز وظائف المثقف ألا يكتمل دوره إلا عندما يكون مقرونًا بموقف نقدي أخلاقي مستقل تجاه المعرفة السائدة والسلطة والخطابات الجاهزة. وكان يؤمن بأن وعي الفرد هو الأصل في كل جهد إنساني، وأن الفهم الحقيقي لا يبدأ على المستوى الجمعي إلا عندما يبدأ الإنسان أولًا بمراجعة ذاته وأفكاره وموقفه من العالم. وربما يبدو عالمنا اليوم وكأن وعي الإنسان فيه قد تعرض للتشويش أو الإرباك أو حتى القصف المعنوي، لكن الإنسان ما يزال قادرًا على إحداث التغيير متى ما احتفظ بحريته الداخلية، وبشجاعته الأخلاقية، وبقدرته على التفكير خارج الخوف والتكرار. ومن هنا، فإن المثقف ليس فقط ذلك الشخص الذي يكتب في الصحف أو يظهر في الندوات والمؤتمرات، بل هو الإنسان الصادق مع قضاياه، الحاضر أخلاقيًا في زمن الالتباس، والقادر على تحويل المعرفة إلى موقف، والكلمة إلى أثر، والفكر إلى مسؤولية إنسانية. وفي هذه الرحلة الفكرية والإنسانية، أشعر بامتنانٍ عميق لكل من آمن بالكلمة والثقافة والمعرفة. أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى وزارة الثقافة على دعمها للمشهد الثقافي، وإلى مشروع «بذور المعرفة” الذي ما يزال في عامه الأول، لكنه يحمل روحًا واعدة تؤمن بأن المعرفة يمكن أن تكون بذرةً للجمال والتغيير والوعي. كما أتقدم بالشكر إلى معهد الدوحة للدراسات العليا الذي منحني مساحة للتفكير والبحث والحوار، وإلى جريدة الشرق التي كانت دائمًا نافذة للكلمة الحرة، لأن المثقف يحتاج دائمًا إلى أدوات ومساحات تُخرج ما في داخله من أفكار ومشاعر وأسئلة ورؤى تجاه الحياة والإنسان والعالم. والشكر الأكبر للحياة نفسها… للعائلة التي أنتمي إليها، للوالدين اللذين غرسا في داخلي قيمة العلم والصدق والمحبة، للإخوة الذين تشاركنا البدايات والأحلام، للزوج والأبناء، ولكل لحظة إنسانية جعلتني أكثر امتنانًا للوجود، وأكثر إيمانًا بأن الثقافة في جوهرها ليست انعزالًا عن الحياة، بل حبًا عميقًا لها، وإيمانًا دائمًا بأن الإنسان ما يزال قادرًا على صناعة النور مهما ازدادت العتمة.

201

| 24 مايو 2026

كيف تُدار الحياة بين القوة والحيلة؟

في تاريخ الفكر السياسي، لم يكن الحديث عن السلطة يومًا حديثًا عن الحكم وحده، بل عن الإنسان نفسه؛ عن خوفه، وطموحه، وتحالفاته، وكيف يُدير علاقاته حين تصبح الحياة ساحة مصالح لا ميدان مبادئ فقط. ولهذا، لم يكن غريبًا أن يلتقي رجلان يفصل بينهما الزمن والجغرافيا والثقافة، لكن يجمعهما سؤال واحد: كيف يتصرف الإنسان وسط عالم لا تحكمه البراءة دائمًا؟ الأول هو نيكولو ميكيافيلي، الذي كتب كتابه الأشهر الأمير، ولم يكن يقصد به مجرد نصيحة لحاكم، بل تشريحًا قاسيًا للطبيعة البشرية. أما الثاني فهو عبد الله بن المقفع، الذي قدّم في كليلة ودمنة عالمًا من الحيوانات الناطقة، لكنه في الحقيقة كان يكتب عن البشر أكثر مما يكتب عن الأسود والثعالب والغربان. ميكيافيلي رأى أن العالم لا يُدار بالنوايا الطيبة وحدها. كان يعتقد أن الإنسان يتغير وفق مصالحه، وأن الحاكم الذي لا يفهم ذلك سيسقط سريعًا. لذلك كتب عن الحذر، والقوة، وإدارة الخوف، وكيف يمكن للحاكم أن يبدو رحيمًا حتى حين يضطر إلى القسوة. لم يكن يحتفي بالخداع بقدر ما كان يقول إن السياسة ليست مكانًا للأحلام الأخلاقية الخالصة. أما ابن المقفع، فاختار طريقًا أكثر هدوءًا وذكاءً. لم يكتب مباشرة عن الملوك والوزراء، بل جعل الأسد يتحدث، والثعلب ينصح، والغراب يراقب. كان يعلم أن الحقيقة أحيانًا أخطر من أن تُقال بصوت مباشر، فاختبأ خلف الحكاية الرمزية. لكنه في العمق كان يشرح كيف تُدار البلاطات، وكيف يقترب المنافقون من السلطة، وكيف يمكن للكلمة أن تنقذ مملكة أو تُشعل فتنة. المدهش أن الرجلين، رغم اختلافهما، كانا يكتبان عن “أصحاب الخبز” في الحياة؛ أولئك الذين يتحركون وفق الحاجة والمصلحة والخوف والطموح. كلاهما فهم أن البشر ليسوا ملائكة، وأن العلاقات الإنسانية كثيرًا ما تُبنى على توازن معقد بين القوة والذكاء والمصلحة. لكن الفارق الجوهري بينهما أن ميكيافيلي واجه السلطة بواقعية حادة ومباشرة، بينما ابن المقفع لفّ الحكمة بالأدب والرمز. الأول كتب بعين السياسي الذي يرى الدولة، والثاني كتب بروح الحكيم الذي يرى الإنسان داخل الدولة. ولهذا بقي الاثنان حيّين حتى اليوم. لعل الحكمة الأجمل التي تمنحنا إياها الكتب العظيمة، هي أن فهم الإنسان لا يقود إلى التشاؤم، بل إلى مزيدٍ من الوعي، والاتزان، والقدرة على التعامل مع الحياة بعقلٍ يرى بعمق وقلبٍ لا يفقد إنسانيته. ربما لهذا لا تُقرأ كتب السياسة القديمة بوصفها تاريخًا، بل باعتبارها مرايا. فالأزمنة تتغير، لكن الإنسان… لا يتغير كثيرًا.

417

| 14 مايو 2026

الذكاء الاصطناعي والتشريع... الشورى يستبق المستقبل

في جلسةٍ لافتة تعكس نضج التجربة التشريعية في دولة قطر، لم يكن النقاش حول الذكاء الاصطناعي مجرد استعراض تقني، بل جاء بوصفه قراءة واعية لتحول عالمي يعيد تشكيل مفهوم الدولة الحديثة. فالقضية لم تعد تتعلق بتبني أدوات جديدة، بل بكيفية تنظيمها وضبطها ضمن إطار يحفظ الإنسان ويصون المجتمع. اللافت في الطرح البرلماني أنه تجاوز منطق «الفرص» إلى وعيٍ عميق بـ «المخاطر»، ومن الانبهار بالتقنية إلى مساءلتها. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الأداء، بل أصبح شريكاً في تشكيل القرار، وإعادة صياغة الوعي، وإدارة تدفقات المعلومات. وهذا التحول يضعنا أمام معادلة دقيقة: كيف نُحسن استخدام هذه التقنية دون أن نفقد السيطرة على آثارها؟ من منظور سياسي، يتحول الذكاء الاصطناعي تدريجياً إلى أحد محددات السيادة الوطنية. فامتلاك البيانات، والتحكم في الخوارزميات، وبناء البنية الرقمية المستقلة، لم تعد خيارات تكميلية، بل عناصر أساسية في قوة الدولة. ومن هنا، فإن إحالة الموضوع إلى اللجنة المختصة، مع فتح باب المشاركة أمام الأعضاء، تعكس إدراكاً مؤسسياً بأن هذا الملف يتطلب مقاربة متعددة التخصصات تتجاوز الحلول التقليدية. غير أن التحدي الأبرز يكمن في الفجوة بين سرعة تطور التقنية وبطء التشريع. فالقوانين، بطبيعتها، تميل إلى الثبات، بينما يتحرك الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة تتجاوز الحدود الزمنية والمؤسسية. وهذا ما يستدعي نماذج تشريعية أكثر مرونة، قادرة على التكيف دون التفريط في الحماية القانونية والأخلاقية. أما من زاوية ثقافية واجتماعية، فإن المسألة تتجاوز التقنية إلى التأثير العميق في الهوية واللغة والوعي الجمعي. فالخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تسهم في تشكيله وتوجيهه، ما يفرض ضرورة تطوير نموذج وطني للذكاء الاصطناعي يكون حساساً ثقافياً، ويحافظ على الخصوصية القيمية للمجتمع. لقد أثبتت دولة قطر، من خلال إستراتيجياتها واستثماراتها، أنها تدرك أهمية هذا التحول، وتسعى إلى مواكبته بوعي استباقي. لكن المرحلة القادمة تتطلب انتقالاً من التبني إلى القيادة، ومن الاستخدام إلى الحوكمة. في النهاية، لا تكمن الريادة في امتلاك التكنولوجيا فقط، بل في القدرة على تنظيمها وتوجيهها. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدول على حماية إنسانها، وصياغة مستقبلها بوعي ومسؤولية.

402

| 04 مايو 2026

بين السيف والسكينة.. التاريخ يتكلم بلسان القرآن

حين تضيق السماء بأخبار متلاحقة، ويتحول الأفق إلى شاشة ممتلئة بالتحليلات والاحتمالات، يقف الإنسان عند حافة السؤال: ماذا يحدث حقًا خلف هذا الغبار الكثيف؟ في أزمنة الاضطراب، لا تكون المعركة فقط في الميدان، بل في الوعي؛ بين رواية تُصاغ، وخوف يُزرع، وحقائق تبحث عمن ينقذها من التهويل. هناك، في المسافة الفاصلة بين الحدث وتأويله، تبدأ السياسة الحقيقية، ويبدأ الامتحان الأكبر: هل نحسن قراءة اللحظة، أم نسمح لها أن تقرأنا نحن؟، يعود الإنسان إلى سؤال قديم: أين تقف الحقيقة بين القوة والعدل؟ في تلك اللحظة يتردد في الوجدان قول الحق سبحانه: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ}. ليست الآية وعدًا بانتصار عسكري بقدر ما هي تذكير بأن النصر الحقيقي يُبنى على منظومة قيم، وأن التفوق بلا أخلاق هشّ مهما بدا صاخبًا. التاريخ العربي لم يكن خطاً مستقيمًا من الانتصارات أو الهزائم، بل موجات مد وجزر. حين وقف المسلمون عند صلح الحديبية، بدا التراجع مؤلماً، كأن الكرامة تُعلّق مؤقتًا على باب السياسة. غير أن الوحي وصفه بأنه فتح مبين، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}، لأن الرؤية كانت أبعد من لحظة الانفعال. هكذا تعلّمنا أن بعض القرارات التي تبدو تنازلاً في ظاهرها، قد تكون إعادة تموضع استراتيجية تحفظ الدم وتفتح الأفق. وفي صفحات أخرى من التاريخ، حين تفرقت الكلمة وضاعت البوصلة، سقطت مدن قبل أن تسقط الجيوش. لم يكن سقوط الأندلس مجرد هزيمة عسكرية، بل نتيجة تآكل داخلي سبق الغزو الخارجي. لذلك جاء النداء القرآني واضحًا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}. الوحدة ليست شعارًا عاطفيًا، بل شرط بقاء. وعندما توحدت الإرادة في حرب أكتوبر، استعاد العرب شيئًا من توازنهم، لا لأن الحرب غاية، بل لأن التماسك منحهم صوتًا مسموعًا في ميزان القوى. غير أن التاريخ يعلّمنا أيضًا أن نار السياسة إذا اشتعلت، لا تلتهم الظالم وحده. من بيروت إلى بغداد، دفعت الشعوب أثمان قرارات لم تصغها بأيديها. وكأن الآية تحذرنا عبر الزمن: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}. الفتنة حين تستعر لا تعترف بالحدود، ولا تميّز بين قائد ومواطن، ولهذا كانت الحكمة أثقل من السلاح، وأبقى أثراً. ثم يأتي ميزان العدل، ذلك الميزان الذي لا يسقط بالتقادم. {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. في السياسة العربية لحظات انفعال دفعت أثمانًا طويلة، لأن الغضب حين يتقدم على العقل، يختل الميزان. والعدل هنا ليس مثالية، بل استراتيجية استقرار؛ فالدولة التي تصون كرامة مواطنيها، وتحترم التزاماتها، تكتسب حصانة أخلاقية تقف بها في وجه العواصف. وفي زمن الخوف، حين يتسارع الخبر قبل أن يهدأ العقل، يبقى الأمن الحقيقي وعدًا مشروطًا بالاستقامة: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}. الأمن ليس فقط منظومات دفاعية، بل عدالة داخلية تُشعر المواطن أنه شريك في المصير، لا متلقٍ لنتائجه. هكذا يقف التاريخ العربي بين السيف والسكينة، بين لحظة الانفعال ولحظة التأمل. ليس المطلوب أن ننسحب من معادلات القوة، ولا أن نغفل ضرورات الردع، بل أن ندرك أن البقاء للأمم التي توازن بين الحكمة والشجاعة، بين العدل والمصلحة، بين الإيمان والوعي. ويبقى السؤال الذي يتردد في أروقة كل مرحلة: هل نقرأ سننُ التاريخ كما نقرأ آيات القرآن، فنفهم سنن التداول ونتجنب دوائر التكرار، أم نعيد المشهد ذاته بأسماء مختلفة وننتظر نتيجة مختلفة؟

462

| 08 أبريل 2026

بين الحرب والوكالة.. قراءة في منطق الصراع الإقليمي

في لحظات التوتر الكبرى في الشرق الأوسط، تميل الخطابات الشعبية إلى تبسيط المشهد السياسي إلى معادلة مباشرة: قوى كبرى تحرك الصراع من الخلف، وأطراف إقليمية تتصارع على الأرض. غير أن فهم ما يجري يتطلب قراءة أعمق لبنية النظام الدولي، وطبيعة المصالح التي تتحكم في قرارات القوى الكبرى. إن الفكرة التي تقول إن الولايات المتحدة قد تدخل الحرب ثم تنسحب تاركة الأطراف الإقليمية تتصارع ليست فكرة جديدة في التحليل السياسي، بل ترتبط بمفهوم معروف في العلاقات الدولية يُسمى إدارة الصراع وليس حله. فالقوى الكبرى غالباً لا تسعى إلى إنهاء الصراعات بشكل نهائي، بقدر ما تسعى إلى ضبط توازناتها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. في هذا السياق، يمكن فهم الصراعات في الشرق الأوسط من خلال ثلاثة مستويات رئيسية. المستوى الأول هو مستوى التوازن الإقليمي. فالمنطقة تضم قوى إقليمية مثل إيران وتركيا ودول الخليج، وإسرائيل ولكل منها مشروعها السياسي والأمني. وفي كثير من الأحيان تحرص القوى الكبرى على منع أي طرف من تحقيق هيمنة كاملة، لأن ذلك سيغيّر ميزان القوة في المنطقة. ولهذا يصبح استمرار التوازن - حتى لو كان توتراً - جزءاً من حسابات الاستقرار الدولي. أما المستوى الثاني فهو اقتصاد الصراع. الحروب الحديثة لا تُفهم فقط من زاوية الجغرافيا السياسية، بل أيضاً من زاوية الاقتصاد الاستراتيجي. فالصناعات العسكرية، وأسواق الطاقة، ومسارات التجارة الدولية، كلها عناصر تجعل من مناطق التوتر ساحات ذات قيمة عالية في الحسابات الدولية. لذلك فإن استمرار الأزمات، أو إدارتها بطريقة معينة، قد يخدم مصالح اقتصادية وسياسية متعددة. المستوى الثالث يتعلق بما يعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ الحروب غير المباشرة أو حروب الوكالة. في هذا النوع من الصراعات، لا تتواجه القوى الكبرى مباشرة، بل تدعم أطرافاً مختلفة لتحقيق أهدافها. وقد شهد الشرق الأوسط العديد من هذه الأنماط خلال العقود الماضية، حيث تتقاطع مصالح محلية وإقليمية ودولية في مسرح واحد. لكن رغم كل ذلك، من الخطأ اختزال كل ما يحدث في المنطقة في نظرية مؤامرة بسيطة تقول إن الصراع مصمم بالكامل من الخارج. فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط يظهر بوضوح أن العوامل الداخلية والصراعات المحلية والاختلافات الأيديولوجية تلعب دوراً كبيراً في إشعال الأزمات واستمرارها. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية ليس فقط فهم دور القوى الكبرى، بل أيضاً بناء رؤية استراتيجية مستقلة تقوم على تقوية الدولة، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز الاستقرار الداخلي. فالدول القوية هي وحدها القادرة على تقليل تأثير الصراعات الخارجية على مصيرها. إن الوعي السياسي لا يقوم على تبني رواية واحدة للأحداث، بل على قراءة متعددة الأبعاد ترى المصالح المتشابكة والحقائق المعقدة التي تحكم العالم. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار والتفسيرات، تصبح مسؤولية المثقف والباحث أكبر في تقديم تحليل متوازن يفتح باب الفهم بدلاً من تأجيج الانقسام. فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: من يشعل الحروب؟ بل أيضاً: كيف يمكن للمنطقة أن تبني نظاماً إقليمياً يحمي مصالح شعوبها ويقلل من كلفة الصراعات المتكررة؟

546

| 14 مارس 2026

من التنور إلى المسرح.. عينٌ صغيرة تحملُ وطناً كاملاً

قد يظنّ بعضهم أن فقرات الطهي التراثي، أو عروض الأزياء التقليدية، أو الألعاب الشعبية التي تتكرر في المواسم الوطنية، ليست سوى مشاهد احتفالية عابرة، تُعاد كل عام بالصيغة ذاتها، وتستهلك ميزانيات يمكن توجيهها إلى مجالات أخرى. لكن هذا النظر القاصر يغفل عن حقيقة عميقة: تلك الفعاليات ليست ترفًا ثقافيًا، بل دروسًا حيّة في الهوية، تُقدَّم بلغة يفهمها الطفل قبل أن يتعلم لغة الكتب. الطفل لا ينظر إلى المناسبة كما ينظر إليها الراشد. ما يبدو للكبار مألوفًا ومكرّرًا، يراه الصغير اكتشافًا أول، ومشهدًا سحريًا ينبض بالحياة. حين يشاهد امرأة تُعدّ خبزًا على التنور، أو رجلاً يحيك شباك الصيد بيديه، أو فتاة ترتدي ثوبًا مطرزًا بخيوط تحكي تاريخًا، فإن عينيه لا تلتقطان مجرد حركة أو زيّ، بل تلتقطان قصة. قصة بيت قديم، وجدّة تبتسم، وبحرٍ كان مصدر رزق، وصحراء كانت مدرسة صبر. في تلك اللحظة، لا يتعلم الطفل معلومة، بل يعيش تجربة. والتجربة أرسخ في الوجدان من ألف شرح نظري. فحين يُدعى الطفل للمشاركة، أو يُدرَّب على تقديم فقرة تراثية أمام الجمهور، فإنه لا يؤدي عرضًا مسرحيًا، بل يتقمص دور الأجداد، ويستعيد ذاكرتهم في جسده الصغير. يصبح التراث جزءًا من حركته، وصوته، ووعيه. إن الهوية لا تُغرس بالمحاضرات، بل تُبنى بالتفاعل الحيّ. والطفل الذي يرى ماضي وطنه مجسّدًا أمامه، يكبر وهو يشعر أن له جذورًا ضاربة في الأرض، وأنه امتداد لسلسلة طويلة من القيم والتجارب. هذا الشعور بالأصالة يمنحه ثقة في عالم سريع التغيّر، ويحصّنه من الذوبان في ثقافات لا يعرف سياقها. ثم إن هذه الفعاليات ليست مجرد عرض للتراث، بل جسرٌ بين الأجيال. حين يقف الجدّ إلى جوار الحفيد في مناسبة وطنية، ويشرح له معنى أداة أو حكاية لباس، تنشأ لحظة تواصل نادرة في زمن السرعة الرقمية. يتعلّم الطفل أن الماضي ليس صورة في كتاب، بل حياة عاشها أناس يشبهونه، أحبّوا، وتعبوا، وبنوا. لذلك، فإن الاستثمار في تدريب الأطفال على تقديم فقرات تراثية، أو دعم الجاليات في عرض ثقافاتها، ليس إنفاقًا على مشهد عابر، بل استثمار في وعيٍ يتشكّل، وذاكرة تُصان. فالأمم التي تحرص على أن يرى أطفالها تاريخهم حيًّا، تضمن أن يكبروا وهم يحملون في قلوبهم امتنانًا لما كان، ومسؤوليةً عمّا سيكون. فالطفل حين يفرح بتراثه، لا يفرح بماضٍ انتهى، بل يفرح بهويةٍ تبدأ معه من جديد.

654

| 02 مارس 2026

الابتكار الثقافي: حين يتنفس التراث بلغةٍ جديدة

في مكانٍ ما بين ما كنا عليه، وما نطمح أن نكونه، يقف التراث بهدوء. لا يطالب بالعودة، ولا يخشى التقدّم، بل ينتظر من يصغي إليه جيدًا. فالتراث، في جوهره، ليس ماضيًا نضعه خلف الزجاج، بل روحًا حيّة تبحث عن لغة جديدة كي تستمر. ومن هنا يبدأ الابتكار الثقافي؛ لا كترف فكري، بل كضرورة وجودية. نحن لا نعيش صراعًا بين الأصالة والحداثة، كما يُقال كثيرًا، بل نعيش لحظة وعي. لحظة ندرك فيها أن الهوية لا تُحمى بالجمود، وأن الذاكرة لا تبقى حيّة إن لم نسمح لها بأن تتحرك معنا. الرقمنة، في هذا السياق، لا تأتي لتُزيح التراث، بل لتمنحه فرصة أخرى للحياة، خارج حدود الورق والجدران. لم يعد السؤال الآن: كيف نحفظ تراثنا؟ بل: كيف نرويه؟ كيف نجعله مفهومًا لطفل وُلد في زمن الشاشة، ومُلهمًا لشاب يبحث عن معنى، وقريبًا من إنسان يعيش في عالم مفتوح بلا حدود؟ هنا تتحول الثقافة من مادة محفوظة إلى تجربة، ومن معلومة إلى حكاية. وفي قطر، يتشكل هذا الوعي بهدوء وعمق. فالدولة التي اختارت الاستثمار في الإنسان، بدأت تنظر إلى الثقافة بوصفها عنصرًا من عناصر الأمن المعنوي، وجسرًا للتواصل مع العالم. المتاحف التفاعلية، الأرشيفات الرقمية، والمنصات الثقافية الذكية، ليست مظاهر حداثة، بل محاولات ذكية لربط الذاكرة بالمستقبل، دون أن تفقد صدقها. لكن الابتكار الثقافي لا تصنعه التقنية وحدها. فالتكنولوجيا، إن تُركت بلا فكر، تصبح مجرد أداة. الروح تأتي من الإنسان: من الكاتب الذي يعرف كيف يُنقّي الحكاية، ومن الفنان الذي يمنح الصورة نبضها، ومن المثقف الذي يطرح السؤال في الوقت الصعب. هؤلاء هم حراس المعنى في زمن السرعة. إنّ الثقافة المبتكرة لا تُكرر نفسها، ولا تلهث خلف الجديد لمجرد الجِدة. هي ثقافة تعرف متى تُصغي، ومتى تُعيد التفكير، ومتى تترك مساحة للأسئلة. هي ثقافة تدرك أن الأجيال الجديدة لا تبحث عن الماضي كما كان، بل عن ذاته وهي تتحاور مع الحاضر. هكذا، لا تصبح الرقمنة تهديدًا، بل نافذة. نافذة يتنفس منها التراث، ويتحوّل من ذاكرة صامتة إلى حوار حيّ، ومن أثرٍ محفوظ إلى معنى متجدد، يرافق الإنسان أينما كان.

231

| 17 فبراير 2026

حين تفتح لنا قطر أبواب الخُضرة.. عام جديد بنَفَس الطبيعة

مع مطلع عام 2026، لا نحتاج إلى وعود كبيرة بقدر ما نحتاج إلى لحظة وعي. وعيٌ بما نملكه، وبما نعيش فيه، وبما وهبنا الله إيّاه دون مقابل. في ثقافات بعيدة، وُلد مفهوم يُعرف باسم شنرين-يوكو، أي المشي البطيء في الطبيعة، والانغماس في الأصوات والروائح والمشهد الأخضر بوصفه علاجًا للنفس والجسد. أما هنا، في دولة قطر، فإن هذا المفهوم لا يُقرأ في الكتب فقط، بل يُمارس يوميًا بسهولة، وحرية، وكرامة. في قطر، لا تحتاج إلى تذكرة، ولا إلى عضوية، ولا إلى موعد؛ فالحدائق مفتوحة، نظيفة، وآمنة، وقريبة من الأحياء السكنية، وبعضها مهيأ بممرات مظللة ومكيّفة جزئيًا، لتكون الخُضرة حقًا يوميًا لا ترفًا موسميًا. من أسباير بارك بقلبه الواسع ومساحاته الممتدة، إلى حديقة الأكسجين بتصميمها العصري الذي يحتضن المشي والتأمل، إلى حدائق لوسيل الحديثة المطلة على البحر، وصولًا إلى الممرات الخضراء على كورنيش الدوحة. تمنحنا المدينة مساحات نتنفس فيها بهدوء. هذه الحدائق ليست مجرد أشجار. إنها رسالة دولة تقول للإنسان: لك حق في الراحة، لك حق في الجمال، لك حق في أن تمشي دون ضغط. تؤكد الدراسات العلمية أن ساعة واحدة من المشي الهادئ بين المساحات الخضراء تخفّف من التوتر، وتعيد توازن الجسد، وتنظّم ضغط الدم، وتحسّن المزاج العام. لكن الأهم من العلم هو الإحساس. أن تشعر بأنك مُرحّب بك في الطبيعة، لا مُطارَد بالخرسانة. في عام 2026، ونحن نفتح صفحة جديدة، لعلّ أجمل نية نبدأ بها هي أن نُحسن استخدام هذه النعمة: أن نزور الحدائق، أن نعلّم أبناءنا حب الشجر، أن نتمهّل، وأن نشكر الله على وطن جعل الخُضرة جزءًا من الحياة اليومية. إنها نعمة من نعم الله علينا في قطر، نعمة تستحق أن تُعاش لا أن تُؤجَّل. ودمتم بخير وسعادة.

864

| 06 يناير 2026

السعادة في 2026: أن نعيش متصلين... لا مشغولين

لا تبدأ السعادة مع تغير الأرقام في التقويم، ولا تُصنع بقرارات سريعة تُكتب ليلة رأس السنة. السعادة في عام 2026 ستكون، أكثر من أي وقت مضى، فعل وعيٍ هادئ، لا ضجيج أمنيات. نستقبل هذا العام ونحن نعيش مفارقة العصر الحديث: نحن الأكثر اتصالًا تقنيًا، والأكثر شعورًا بالانفصال إنسانيًا. نتواصل طوال الوقت، لكننا نادراً ما نشعر بأننا مسموعون حقًا. نمتلك السرعة، ونفقد الطمأنينة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نكون أكثر إنجازًا في 2026؟ بل: كيف نكون أكثر صِلة؟ السعادة هذا العام لن تأتي من المزيد، بل من الأصدق. من إعادة وصل ما انقطع داخل الإنسان قبل أن نحاول إصلاح العالم من حوله. تبدأ الصلة من علاقة الإنسان بربه؛ لا كطقسٍ مؤدى، بل كمساحة أمان. حين يشعر الإنسان أن له ملاذًا روحيًا ثابتًا، يخفّ قلقه، حتى وإن لم تتغيّر الظروف. ثم تأتي صلة الإنسان بنفسه؛ أن يتوقف عن جلد ذاته، وأن يتصالح مع فكرة أنه إنسان، لا مشروع كمال. السعادة لا تنمو في القسوة الداخلية، بل في الرحمة. أما العلاقات، فلا تُقاس بعدد الأسماء في الهاتف، بل بصدق الحضور. في 2026، نحتاج إلى علاقات أقل، وأعمق. إلى أشخاص يفهمون صمتنا كما يشاركوننا الكلام. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الزعل؛ ذلك الشعور الذي غالبًا ما يُساء فهمه. فالزعل ليس فشلًا في العلاقات، بل رسالة. بعضه يحتاج حوارًا، وبعضه يحتاج حدودًا، وبعضه يحتاج شجاعة الانسحاب دون خصومة. السعادة في 2026 أن نعرف متى نُصلِح، ومتى نترك، ومتى نكتفي. أن نعيش بخفّة، لا بسطحية. أن نحب دون استنزاف. وأن نمرّ بعامٍ كامل ونحن متصلون… لا فقط مشغولون.

402

| 02 يناير 2026

معجم الدوحة.. حين تكتمل الذاكرة وتستعيد العربية صوتها

ليس اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية حدثًا لغويًا عابرًا، بل لحظة وعي حضاري، تتقدم فيها اللغة العربية من موقع الدفاع عن ذاتها إلى موقع الشهادة على تاريخها، ومن حدود الاستعمال اليومي إلى فضاء التراكم المعرفي العميق. هو إعلان هادئ بأن العربية لم تكن يومًا لغة جامدة، بل كائنًا حيًا، يتنفس الزمن، ويتحوّل مع الإنسان، ويحتفظ بذاكرته دون أن يفقد قدرته على التجدد. ففي هذه المناسبة، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أن اكتمال المعجم يُعد مظهرًا من مظاهر التكامل العربي المثمر، مشددًا على أن قطر تفخر بهذا الإنجاز الحضاري الذي يعزز تمسك الشعوب العربية بهويتها، وانفتاحها على العصر ووسائله الحديثة بثقة واقتدار. ولم يكن هذا التأكيد مجرد إشادة سياسية، بل قراءة واعية لدور اللغة بوصفها الجسر الأعمق بين الماضي والمستقبل، وبين الخصوصية والانفتاح. إن معجم الدوحة التاريخي لا يقدّم تعريفًا للكلمة فحسب، بل يروي سيرتها. يتتبع ميلادها، وتحولاتها الدلالية، وسياقاتها الحضارية، ويكشف كيف تفاعلت مع الفكر والعلم والدين والسياسة والأدب عبر أكثر من عشرين قرنًا. إنه معجم لا يشرح اللغة من الخارج، بل يدخل إلى قلبها، ويعيد ترتيب علاقتنا بها، بوصفها سجلًا حيًا للتجربة العربية والإنسانية. ويكتسب هذا المنجز قيمته الأعمق من كونه ثمرة عمل مؤسسي عربي مشترك، شارك فيه باحثون من مدارس فكرية وخلفيات علمية متعددة، اجتمعوا حول هدف واحد: خدمة العربية بمنهج علمي صارم، بعيدًا عن النزعة الفردية أو الموسمية التي أرهقت المشهد الثقافي العربي طويلًا. هنا، تتحول المعرفة إلى فعل جماعي، ويصبح الاختلاف مصدر ثراء لا انقسام. إن اكتمال معجم الدوحة التاريخي يبعث برسالة تتجاوز حدود اللغة، مفادها أن المشروع النهضوي العربي ما زال ممكنًا، حين تتوفر الإرادة، وتُصان بيئة الحوار، ويُستثمر في العلم بوصفه ركيزة للهوية لا نقيضًا للحداثة. فاللغة التي تعرف تاريخها، لا تخشى المستقبل، والأمة التي تحفظ ذاكرتها، قادرة على صناعة معناها في العالم. من الدوحة، حيث تلتقي الرؤية السياسية بالاستثمار المعرفي، ينهض هذا المعجم شاهدًا على أن العربية ما زالت قادرة على أن تكون لغة علم، وفكر، وحياة… وأن التكامل العربي، حين يُبنى على المعرفة، لا يكون شعارًا، بل أثرًا باقياً.

399

| 25 ديسمبر 2025

المثقف العربي بين السلطة والجمهور: مأزق الدور والضمير

يعيش المثقف العربي اليوم على حافة المعادلة الصعبة: بين أن يكون صوت الضمير العام، أو أن يتحوّل إلى صدى باهتٍ للسلطة أو الشارع. وفي هذه المنطقة الرمادية يتجلّى مأزق الوعي، حيث تتحوّل الثقافة من رسالةٍ إلى مهنة، ومن نقدٍ إلى تبرير، ومن مقاومةٍ فكرية إلى اصطفافٍ سياسيٍّ مؤقت. فالمثقف في العالم العربي، كما كتب إدوارد سعيد، هو "الهاوي لا المحترف"، الذي يختار أن يقول الحقيقة لا أن يبيعها. غير أن هذا الموقف الأخلاقي لم يعد سهلًا في زمنٍ تتداخل فيه المصالح بالمنابر، وتتحوّل فيه الفكرة إلى سلعةٍ تُستهلك سريعًا. فبين سلطةٍ تريد التهذيب لا النقد، وجمهورٍ يريد الإثارة لا الفهم، يجد المثقف نفسه محاصرًا بين المطرقة والسندان. لقد تغيّر دور المثقف العربي مع تحوّل الإعلام ووسائل التعبير؛ فبعد أن كان الكاتب والمنظّر والمعلم ضمير الأمة، أصبح في زمن السرعة منافسًا للترند، ومُطالبًا بأن يختصر الفكرة في جملةٍ تُثير الإعجاب لا التفكير. وهكذا، تحوّل جزء من النخبة إلى نجومٍ رقمية، فيما اختار آخرون الانسحاب بصمتٍ مهيب، إدراكًا منهم أن الصخب لا يصنع الوعي. لكن رغم هذا التيه، لا يمكن إنكار أن ثمة مثقفين ما زالوا يؤمنون بدور الكلمة، وينحتون في صخر الوعي العربي بإصرارٍ يشبه المقاومة. فالثقافة ليست رفاهية، بل هي جبهةٌ من جبهات الكرامة الإنسانية، والمثقف الحقيقي هو الذي يبقى خارج الاصطفاف، متحررًا من غواية القرب من السلطة، ومن إغراء الشعبية المزيّفة. إنّ مأزق المثقف العربي ليس في غيابه، بل في محاولته التوفيق بين الصدق والبقاء. فقول الحقيقة في زمن الالتباس يحتاج إلى شجاعةٍ لا تقلّ عن شجاعة الميدان. والمثقف، في نهاية المطاف، هو صوت الأسئلة لا الأجوبة، وضمير الأمة حين ينام الجميع. ربما تعب المثقف من الكلام، وربما أرهقه الانتظار، لكنّ صمته أحيانًا أبلغ من خطاباتٍ طويلة. فطالما بقي في الأمة من يكتب بحرية، ومن يفكر دون إذن، ومن يقول “لا” بلغةٍ جميلةٍ ومسؤولة، فإن الوعي العربي سيبقى حيًا، ولو تحت الرماد.

519

| 13 ديسمبر 2025

الدوحة تُعيد صياغة العقد الاجتماعي العالمي

استضافت الدوحة أعمال القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية 2025 في لحظة مفصلية يمر فيها العالم بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تفرض إعادة النظر في مفهوم “التنمية الاجتماعية” كمرتكز أساسي للاستقرار والسلام. وتُشكل هذه القمة- التي جاءت بعد ثلاثين عامًا على قمة كوبنهاغن 1995-منصة دولية لمراجعة ما تحقق، وتحديد الثغرات، وصياغة رؤية عالمية جديدة تُعيد الإنسان إلى مركز العملية التنموية. تطرح مسودة الإعلان السياسي Zero Draft وورقة Food for Thought الصادرة عن الأمم المتحدة إطارًا طموحًا يتجاوز الخطابات التقليدية، ويركز على ثلاثة محاور رئيسية: القضاء على الفقر، والعمل اللائق، والإدماج الاجتماعي. وتعيد الوثيقة التأكيد على أن الفقر لم يعد مجرد “ظاهرة اقتصادية”، بل نتاج اختلالات بنيوية في السياسات، وتتطلب معالجته مقاربة شاملة تستند إلى حماية اجتماعية قوية، تعليم جيد، صحة شاملة، فرص عمل منتجة، ونظم بيانات قادرة على التنبؤ بالاحتياجات الاجتماعية. وتأتي قضية العمل اللائق في قلب النقاش العالمي، حيث تُبرز الوثيقة أهمية الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الرسمي، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للعمال، وخاصة النساء والشباب. أما محور الاندماج الاجتماعي فيقدم رؤية تقوم على بناء مجتمعات لا يُقصى فيها أحد بسبب الإعاقة، أو النوع الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي، أو الفجوة الرقمية. لا تكتفي الوثيقة بالحديث عن الالتزامات، بل تفتح بابًا واسعًا للتفكير في تأثير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على التنمية الاجتماعية، وتدعو إلى استخدام التكنولوجيا كأداة للعدالة الاجتماعية، وليس مصدراً لزيادة الفوارق. كما تطرح نموذجًا جديدًا للحوكمة الاجتماعية يقوم على المتابعة والتقييم والشراكات الواسعة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. بالنسبة لقطر، فإن استضافة هذه القمة ليست مجرد حدث دولي يُضاف إلى سجل النجاحات، بل تأتي كترجمة عملية لرؤية قطر الوطنية 2030، وللاستراتيجية الوطنية للتنمية الاجتماعية والأسرة (2024–2030) التي تضع الإنسان والأسرة في قلب التنمية. وتتيح القمة فرصة لعرض التجربة القطرية- في تمكين المرأة، حماية الأسرة، رعاية كبار السن، دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، وتمكين الشباب- كمرجعيات إقليمية في بناء سياسات اجتماعية مستدامة. إن ما يجري في الدوحة اليوم ليس اجتماعًا دوليًا عابرًا، بل تأسيس لعقد اجتماعي عالمي جديد يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية، ويمنح الدول فرصة لإعادة بناء تنمية تضع الإنسان قبل كل شيء. وبذلك، تُكرس قطر دورها كرافعة فكرية وحضارية في صياغة مستقبل التنمية الاجتماعية في العالم.

345

| 26 نوفمبر 2025

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1464

| 18 مايو 2026

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1344

| 23 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1308

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1113

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1083

| 21 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

720

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

642

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

618

| 18 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

576

| 21 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

558

| 19 مايو 2026

alsharq
«وسائل التواصل الاجتماعي» مصطلح غير بريء

منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...

552

| 18 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

546

| 19 مايو 2026

أخبار محلية