رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

39

روضة مبارك راشد العامري

بين السيف والسكينة.. التاريخ يتكلم بلسان القرآن

08 أبريل 2026 , 05:45ص

حين تضيق السماء بأخبار متلاحقة، ويتحول الأفق إلى شاشة ممتلئة بالتحليلات والاحتمالات، يقف الإنسان عند حافة السؤال: ماذا يحدث حقًا خلف هذا الغبار الكثيف؟ في أزمنة الاضطراب، لا تكون المعركة فقط في الميدان، بل في الوعي؛ بين رواية تُصاغ، وخوف يُزرع، وحقائق تبحث عمن ينقذها من التهويل. هناك، في المسافة الفاصلة بين الحدث وتأويله، تبدأ السياسة الحقيقية، ويبدأ الامتحان الأكبر: هل نحسن قراءة اللحظة، أم نسمح لها أن تقرأنا نحن؟، يعود الإنسان إلى سؤال قديم: أين تقف الحقيقة بين القوة والعدل؟ في تلك اللحظة يتردد في الوجدان قول الحق سبحانه: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ  وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ}. ليست الآية وعدًا بانتصار عسكري بقدر ما هي تذكير بأن النصر الحقيقي يُبنى على منظومة قيم، وأن التفوق بلا أخلاق هشّ مهما بدا صاخبًا.

التاريخ العربي لم يكن خطاً مستقيمًا من الانتصارات أو الهزائم، بل موجات مد وجزر. حين وقف المسلمون عند صلح الحديبية، بدا التراجع مؤلماً، كأن الكرامة تُعلّق مؤقتًا على باب السياسة. غير أن الوحي وصفه بأنه فتح مبين، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}، لأن الرؤية كانت أبعد من لحظة الانفعال. هكذا تعلّمنا أن بعض القرارات التي تبدو تنازلاً في ظاهرها، قد تكون إعادة تموضع استراتيجية تحفظ الدم وتفتح الأفق. وفي صفحات أخرى من التاريخ، حين تفرقت الكلمة وضاعت البوصلة، سقطت مدن قبل أن تسقط الجيوش. لم يكن سقوط الأندلس مجرد هزيمة عسكرية، بل نتيجة تآكل داخلي سبق الغزو الخارجي. لذلك جاء النداء القرآني واضحًا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}. الوحدة ليست شعارًا عاطفيًا، بل شرط بقاء. وعندما توحدت الإرادة في حرب أكتوبر، استعاد العرب شيئًا من توازنهم، لا لأن الحرب غاية، بل لأن التماسك منحهم صوتًا مسموعًا في ميزان القوى.

غير أن التاريخ يعلّمنا أيضًا أن نار السياسة إذا اشتعلت، لا تلتهم الظالم وحده. من بيروت إلى بغداد، دفعت الشعوب أثمان قرارات لم تصغها بأيديها. وكأن الآية تحذرنا عبر الزمن: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}. الفتنة حين تستعر لا تعترف بالحدود، ولا تميّز بين قائد ومواطن، ولهذا كانت الحكمة أثقل من السلاح، وأبقى أثراً. 

ثم يأتي ميزان العدل، ذلك الميزان الذي لا يسقط بالتقادم. {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا  اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. في السياسة العربية لحظات انفعال دفعت أثمانًا طويلة، لأن الغضب حين يتقدم على العقل، يختل الميزان. والعدل هنا ليس مثالية، بل استراتيجية استقرار؛ فالدولة التي تصون كرامة مواطنيها، وتحترم التزاماتها، تكتسب حصانة أخلاقية تقف بها في وجه العواصف.

وفي زمن الخوف، حين يتسارع الخبر قبل أن يهدأ العقل، يبقى الأمن الحقيقي وعدًا مشروطًا بالاستقامة: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}. الأمن ليس فقط منظومات دفاعية، بل عدالة داخلية تُشعر المواطن أنه شريك في المصير، لا متلقٍ لنتائجه.

هكذا يقف التاريخ العربي بين السيف والسكينة، بين لحظة الانفعال ولحظة التأمل. ليس المطلوب أن ننسحب من معادلات القوة، ولا أن نغفل ضرورات الردع، بل أن ندرك أن البقاء للأمم التي توازن بين الحكمة والشجاعة، بين العدل والمصلحة، بين الإيمان والوعي.

ويبقى السؤال الذي يتردد في أروقة كل مرحلة: هل نقرأ سننُ التاريخ كما نقرأ آيات القرآن، فنفهم سنن التداول ونتجنب دوائر التكرار، أم نعيد المشهد ذاته بأسماء مختلفة وننتظر نتيجة مختلفة؟

اقرأ المزيد

alsharq بين السيف والسكينة.. التاريخ يتكلم بلسان القرآن

حين تضيق السماء بأخبار متلاحقة، ويتحول الأفق إلى شاشة ممتلئة بالتحليلات والاحتمالات، يقف الإنسان عند حافة السؤال: ماذا... اقرأ المزيد

42

| 08 أبريل 2026

alsharq يا وصيـة الأنبياء.. لقد خذلوك

ليس هذا المقال الأول الذي أكتبه عن المسجد الأقصى المبارك في ظل استمرار إغلاقه، ولن يكون الأخير؛ فهذه... اقرأ المزيد

33

| 08 أبريل 2026

alsharq من يملك رواية الحرب الحقيقية؟

هل نعيش حربا بلا هزيمة؟ أم هي حرب وهمية؟ أم الحرب خدعة؟ لم تعد اليوم الحروب تعتمد على... اقرأ المزيد

36

| 08 أبريل 2026

مساحة إعلانية