رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر تلك «القرى التراثية» التي شيدناها مؤخراً. المشهد ساحر بلا شك. الجدران الطينية الملساء، الفوانيس المعلقة بدقة، ورائحة البخور التي تعبّق المكان المكيف. نلتقط الصور، ونشرب الشاي في أكواب «غضار»، ونشعر بزهوة الانتماء لهذا التاريخ العريق. ولكن، مهلاً.. هل هذا هو «التاريخ» حقاً؟ إن ما نعيشه اليوم في علاقتنا مع الماضي يضعنا أمام سؤال عميق عن التراث بين الاستهلاك والهوية؛ سؤال يكشف أن علاقتنا بالتراث أصبحت تشبه إلى حد كبير علاقتنا بـ «الأطعمة المعلبة». نأخذ منها ألذّ ما فيها، جاهزاً ونظيفاً، ونترك الباقي. لقد قمنا بـ «فلترة» الماضي؛ أخذنا جمال العمارة ودفء المجالس، وتركنا خلف الكواليس الحَر القاتل، والجوع الذي كان يقرص البطون، وتعب الغوص الذي أكل أجساد الأجداد، وقسوة الصحراء التي لا ترحم. نحن اليوم نعيش حالة من «النوستالجيا السياحية». لقد حولنا كفاح آبائنا وأجدادنا إلى «ديكور» جميل، وإلى خلفية مثالية لصورنا في «إنستغرام». وهنا يتجلى الخلل في فهم التراث بين الاستهلاك والهوية؛ أصبح التراث «سلعة» نشتريها، مكاناً نزوره لنقضي وقتاً ممتعاً، ثم نعود لبيوتنا المكيفة وسياراتنا الفارهة دون أن نحمل معنا شيئاً من روح ذلك الزمن. الخطر ليس في ترميم المباني، فحي على الفلاح من يحفظ ذاكرة المكان. الخطر الحقيقي هو أن نظن أن «التراث» هو الحجر، وننسى «البشر». التراث الحقيقي ليس في «البشت» الذي نلبسه في المناسبات فقط، ولا في «الدلّة» التي نضعها زينة في المجالس. التراث الحقيقي هو «القيم» التي جعلت أجدادنا يبنون هذه الحضارة من العدم، قبل أن يتفجر النفط تحت أقدامهم. تراثنا الحقيقي هو «الصبر» الجميل على الشدائد، وهو «القناعة» التي تجعل التمرة والماء وليمة. هو «الفزعة» التي لا تنتظر مقابلاً، و»الستر» على الجار، و»الكلمة» التي كانت عقداً ملزماً دون أوراق ومحامين. هو ذلك « السنع» الذي يزين النفس. هل نستطيع اليوم، ونحن في قمة حداثتنا، أن نعيد التوازن في معادلة التراث بين الاستهلاك والهوية؟ ونعيد هذه «القيم» لا «الأشكال» فقط؟ أن نكون «أصيلين» لا يعني أن نرفض التطور ونعود لبيوت الطين. بل يعني أن نعيش في أبراجنا الحديثة، ولكن بقلوب تحمل «سنع» الأولين. أن نربي أبناءنا على أن «المرجلة» ليست في السيارة الفارهة، ولا اعوجاج اللسان. بل في احترام الكبير وخدمة الضعيف، و»ذرابة» الكلمة، والعمل بجد واجتهاد. إن التنمية الثقافية الحقيقية ليست أن نبني متحفاً يضم أدوات الغوص، بل أن نبني جيلاً يملك «عزيمة» الغواصين، جيلاً لا ينكسر أمام أول موجة تغيير، ولا يضيع هويته في زحام العولمة. فلنحذر أن يتحول تاريخنا إلى مجرد «فلكلور» نتسلى به. تراثنا «روح» تسري فينا، وليس «ثوباً» نلبسه ثم نخلعه عند باب الخروج. لنعش تراثنا بأخلاقنا وسلوكنا اليومي، بدلاً من أن نكتفي بشرائه وتصويره.
504
| 14 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1167
| 07 يناير 2026
أغمض عينيك للحظة وتخيل الرائحة. في المشهد الأول: عبق «العود « يمتزج برائحة «الهيل» الفواحة من دلّة صفراء لا تتوقف عن الدوران. أصوات الترحيب تتعالى: «يا هلا»، «مرحبا»، «حياكم الله». الأبواب مشرعة، والمكان يضج بالحياة وبأحاديث تمتد من حكمة الشيوخ إلى حماس الشباب. في المشهد الثاني: رائحة القهوة المحمصة بعناية، وصوت خافت لموسيقى الجاز أو هدوء المكيفات المركزية. الإضاءة خافتة ومدروسة، والديكور أنيق يشبه صور المجلات. الجميع يجلسون في حلقات صغيرة ومنفصلة، أو خلف شاشات أجهزتهم، والهدوء هو سيد الموقف. نحن نعيش اليوم هذا الانتقال الصامت والملموس؛ من دفء «المجلس» التقليدي إلى أناقة «المقاهي المختصة». وهذا ليس مجرد تغيير في «المكان»، بل هو تحول عميق في «الروح». في ثقافتنا، لم يكن المجلس مجرد غرفة لاستقبال الضيوف. كان «مدرسة». فيه يتعلم الصغير «السنع» وآداب الحديث قبل أن يتعلم الحروف. فيه تذوب الفوارق، فالكل يجلس في دائرة واحدة. والأهم من ذلك، كان المجلس يقوم على قيمة «الواجب» و»الوصل». أنت لا تذهب للمجلس لأنك «تشعر برغبة» في ذلك فقط، بل لأن هناك واجباً اجتماعياً، وحقاً للجار والقريب. أما اليوم، فقد صعد نجم «الفضاء الثالث»؛ المقهى الحديث. إنه مكان جميل، ومريح، ويقدم لنا «تجربة» استهلاكية مذهلة. لكنه مكان محكوم بقيم مختلفة تماماً. نحن نذهب إليه بحثاً عن «الجو» (The Vibe)، وعن «الخصوصية»، وعن صورة جميلة نشاركها في العالم الافتراضي. في المقهى، العلاقات «منسقة» و»مختارة». نجلس مع من يشبهنا فقط. وتتحول القهوة من «رمز للكرم» يُقدم لك بيمين المضيف، إلى «منتج» تشتريه لتدلل به نفسك. لا أحد يقول إن علينا مقاطعة المقاهي، فهي جزء من إيقاع عصرنا، ومساحة للتنفس والعمل. ولكن الخطر الحقيقي يكمن في أن نسمح لـ «اللاتيه و الفلات لايت» بأن يحل محل «الدلّة» في قلوبنا. الخطر هو أن نستبدل «علاقات الواجب» العميقة بـ «علاقات المزاج» العابرة. أن نكتفي بـ «البرستيج» وننسى «السنع». المجلس كان يعلمنا كيف نستمع لمن يخالفنا الرأي، وكيف نحترم الكبير، وكيف نتحمل مسؤولية الجماعة. المقهى يعلمنا كيف نستمتع بوقتنا الخاص، وكيف ننعزل بأناقة، و نعيش فرادى. وكانوا يقولون «المجالس مدارس». نحن بحاجة للاثنين معاً، ولكن بترتيب صحيح. لنستمتع بقهوتنا المختصة، ولنعش حداثتنا، لكن لا نجعلها تنسينا طريق المجلس. فالمقهى قد يمنحك «تعديل مزاج»، لكن المجلس هو الذي يمنحك «الجذور» و»الانتماء». وفي زمن العواصف، الجذور هي ما يبقينا واقفين.
168
| 31 ديسمبر 2025
في زحمة مشاريع البنية التحتية العملاقة، وبينما نرفع رؤوسنا لنطالع ناطحات السحاب التي تعانق الغيم، وبينما تضج الأخبار بصفقات الغاز والطاقة، مرّ علينا حدث جلل بهدوء الواثقين، حدث قد لا يُرى بالعين المجردة كالجسر أو الملعب، لكنه في ميزان الحضارات أثقل وأبقى. أتحدث عن اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية». قد يتساءل البعض باستغراب: «معجم؟ هل نحن بحاجة لكتاب جديد يشرح معاني الكلمات؟ وهل هذا وقت المعاجم ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي؟». وهنا تكمن الإشكالية الكبرى في فهمنا لـ «التنمية». نحن نظن أن التنمية هي «الحجر» و»التقنية» فقط، ونسينا أن التنمية الحقيقية تبدأ من «الإنسان»، والإنسان لا يقوم إلا بـ «لسان» و»هوية». هذا المشروع ليس مجرد قاموس. إنه «أرشيف الأمة» وذاكرتها الحية. هو الذي يخبرنا كيف تطور عقلنا العربي عبر عشرين قرناً. هو الذي يمسك بيد الكلمة منذ ولادتها في الصحراء، ويتبع رحلتها وهي تبني الحضارة في بغداد والأندلس، وصولاً إلى عصرنا هذا. وفي زمن نشكو فيه -بمرارة- من «اللسان المكسر» لأبنائنا، ومن طغيان اللغة الإنجليزية في مدارسنا وجامعاتنا حتى كدنا نتحول إلى «مسخ» ثقافي لا لون له؛ يأتي هذا المشروع كـ «وتد» يثبت الخيمة قبل أن تقتلعها رياح العولمة. لقد كتبنا سابقاً ونزفنا ألماً على جيل يدرس العلوم والطب والهندسة بلسان غيره، معتقداً أن «العربية» لغة شعر وأدب فقط، وليست لغة علم وحضارة. وكنا نسمع الحجة المكررة: «العربية لا تواكب». اليوم، يأتي هذا المعجم التاريخي ليرد بالبرهان الساطع: هذه لغة وسعت علوم الأولين والآخرين، لغة كانت وعاءً لـ «الجبر» و»الفلك» و»الطب» حين كان العالم يغرق في الظلام. فالعيب ليس فيها، العيب فينا نحن الذين هجرناها. إن أهمية هذا المشروع تتجاوز «اللغة» لتصب في صلب «منظومة القيم» التي نخشى عليها من الاندثار. كيف سنفهم معنى «المروءة» إذا فقدنا جذر الكلمة؟ وكيف سنشرح لأحفادنا معنى «الفزعة» و»النجدة» و»الإيثار» إذا انقطع الحبل السري الذي يربطهم بتاريخ هذه المفردات؟ اللغة هي «وعاء القيم». إذا انكسر الوعاء، انسكبت القيم وضاعت. والمجتمع الذي يفقد لغته، يفقد بالضرورة منظومته الأخلاقية، ويصبح مجرد «سوق» استهلاكي بلا روح، يستورد قيمه كما يستورد بضائعه. إن الأمم الحية لا تنهض بتقليد غيرها. انظروا للصين، لليابان، لكوريا.. هل تخلوا عن لغتهم وتاريخهم ليصعدوا للقمر أو ليصنعوا الرقائق الإلكترونية؟ كلا. لقد جعلوا لغتهم «أساس» التنمية، وبنوا نهضتهم على جذورهم الخاصة. فما من أمة هجرت تاريخها وتنكرت للسانها إلا وأصبحت تابعة، ذليلة، ومسوخاً مشوهة لا هي بقيت على أصالتها، ولا هي لحقت بركب غيرها. لذلك، فإن الاحتفاء بهذا الإنجاز المعرفي الأصيل هو واجب وطني. نحن بحاجة لأن نكثر من هذه المشاريع «النوعية» التي تستثمر في «العقل» و»الهوية». نحتاج أن نقول «شكراً» بحجم السماء لكل من سهر وبذل ودعم هذا الصرح العظيم. فهذا هو «الاستثمار» الذي لا يخسر أبداً. هذا المعجم رسالة مبطنة لكل مسؤول عن التعليم والتخطيط: «الأرضية صلبة، والتراث عظيم، واللغة قادرة.. فلا عذر لكم في التغريب». عودوا إلى لسانكم، تعود لكم عزتكم. فالمستقبل لا يبنيه من يقطع جذوره، بل يبنيه من يضرب بها في أعماق الأرض، ليطاول برأسه عنان السماء. هنيئاً لنا بـ «دوحة» تحرس «الضاد»، وهنيئاً للعربية بحراسها. أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
138
| 24 ديسمبر 2025
لكل مجتمع عقد اجتماعي، وهو اتفاق ضمني غير مكتوب يحدد علاقة الفرد بالمجتمع والدولة. في مجتمعاتنا، قامت عقودنا السابقة على أسس مثل الدولة الراعية التي توفر الرزق والأمان مقابل الولاء والانتماء. لكن تحديات القرن الواحد والعشرين، من عولمة ثقافية، وثورات تقنية، وأزمات بيئية، جعلت هذه العقود القديمة غير كافية لمواجهة تعقيدات الحاضر والمستقبل. لقد حان الوقت لنفكر بوعي في صياغة عقد اجتماعي جديد، لا يلغي ما قبله، بل يبني عليه ويتجاوزه. عقد لا نكون فيه مجرد متلقين، بل مشاركين فاعلين في صناعته. ولا يمكن لأي تنمية أن تكون مستدامة إذا بُنيت على أساس ثقافي هش أو مستورد. أساس عقدنا الجديد يجب أن يكون ثقافتنا الأصيلة بعد تفعيلها وتنشيطها لمواجهة تحديات العصر. وهذا العقد الاجتماعي الجديد له أعمدة رئيسية استعرضناها في رحلتنا: •عمود المبادرة الفردية: ينتقل فيه الفرد من دور الشاكي السلبي إلى دور المبادر الفاعل، مدركًا أنه "راعٍ" ومسؤول في دائرته. •عمود التكافل المجتمعي: تتطور فيه الفزعة العفوية لتصبح عملاً مؤسسيًا منظمًا، يشارك فيه الرجل والمرأة في نسج شبكات الأمان الاجتماعي. •عمود الضمير الاقتصادي: يتحول فيه السوق من ساحة للمنافسة الشرسة إلى فضاء لـ “اقتصاد الإحسان"، حيث إن البركة والسمعة الطيبة هما رأس المال الحقيقي في ظل العقد الاجتماعي الجديد. •عمود الثقة المتبادلة: تُبنى فيه العلاقة بين المؤسسات والمجتمع على الشورى والوضوح وحفظ الكرامة، فتصبح المشاريع مشروعنا جميعًا. هذه الأعمدة الثقافية هي التربة الخصبة التي إن صلحت صلح كل ما يُبنى فوقها. هذا العقد العظيم ليس مهمة شخص واحد أو جهة واحدة. إنه مسؤولية تكاملية، يشارك في صناعتها كل فرد في المجتمع. خاتمة: صناعة لا تنتهي في الختام، ندرك أن التوازن الذي يسعى إليه العقد الاجتماعي ليس حالة نهائية نصل إليها ثم نرتاح. بل هو جهد يومي دؤوب يتطلب وعيًا وصبرًا وحكمة، تمامًا كالصانع الماهر الذي يظل يراقب ميزانه ويعدّل أوزانه مع كل تغيير يطرأ. لقد وهبنا الله ثقافة غنية وقيمًا خالدة، ومنحنا القدرة على الاختيار والفعل. المستقبل ليس قدرًا محتومًا ينتظرنا، بل هو بناء نصنعه بأيدينا اليوم. وهذا العقد الاجتماعي، الذي ثقافته أساسه وتنميته بنيانه، هو دعوتنا المفتوحة لنكون جميعًا، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيبًا، صنّاعًا ماهرين لمستقبل أكثر توازنًا وعدلًا وجمالًا. مستقبل يشبهنا، ونفخر بأن نورثه لمن سيأتي بعدنا.
249
| 16 ديسمبر 2025
تخيل نفسك تقود سيارتك في أحد شوارع المنامة أو الكويت مثلا، على يمينك ويسارك، ترتفع أبراج زجاجية تناطح السحاب، ولوحات إعلانية تصرخ بأحدث الصيحات العالمية. وفجأة، عبر أثير الراديو، يتسلل إلى مسامعك لحنٌ قديم، وصوتٌ دافئ تعرفه جيدًا. قد يكون صوت محمد زويّد يروي قصة، أو عوض دوخي أو ناظم الغزالي يصف شعورًا، أو نهمة بحّار تروي حنين الموج. في تلك اللحظة، يحدث شيءٌ يشبه السحر. يذوب زجاج الأبراج للحظة، ويخفت ضجيج المدينة، وتشعر بارتباط عميق، بلمسة حنان تداعب روحك. فتسأل نفسك: ما سر هذه القوة؟ لماذا أغنية بسيطة، بآلاتها القليلة وكلماتها الصادقة، قادرة على أن تهز وجداني أكثر من مائة أغنية صاخبة سمعتها هذا الأسبوع ونسيتها بالفعل؟ هنا يظهر معنى الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية بوصفه رابطًا روحيًا ولغويًا وحسيًا يتجاوز الزمن. الجواب يكمن في الفرق الجوهري بين «الجمال الأصيل» الذي هو مرآة لأرواحنا، و»الضجيج العابر» الذي هو مجرد صدى فارغ لصيحات الآخرين. إن قصة خلود أغنية شعبية وموت ألف صيحة عابرة، هي قصة الصدق في مواجهة الزيف، وقصة الثقافة في مواجهة الاستهلاك. إن الفن الذي يبقى ويخلد، سواء كان أغنية أو قصيدة أو حتى تصميما عمرانيا كـ «سوق واقف» و»سوق القيصرية»، يمتلك مكونات سرية مشتركة. إنه ليس مجرد فن جميل، بل هو فن صادق: 1. إنه يتحدث لغة الروح: الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية ينبع من بيئتنا نحن. حين يغني فنان خليجي عن «الدلة» و»الهيل»، أو «البحر» و»عين المها»، فهو لا يستخدم مجرد كلمات، بل يستدعي مفاتيح تفتح خزائن الذاكرة والشعور المشترك في داخل كل واحد منا. هذه المفردات مشبعة برائحة أرضنا وحكايات أجدادنا. هكذا يتحوّل الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية إلى تجربة وجدانية لا يمكن استنساخها. 2. إنه يجسد الصدق الفني: الكثير من أعمالنا الخالدة وُلدت من تجارب حقيقية. قصائد كُتبت في مجالس حقيقية، وأغانٍ لحنت على عود يروي قصة صاحبه. هذا الصدق يخترق دفاعاتنا ويتسلل مباشرة إلى القلب، لأنه يفتقر إلى التصنع وبرودة الآلات التي تميز الكثير من الإنتاج الفني التجاري اليوم. 3. إنه صناعة جماعية: فالفن الأصيل غالبًا ما يكون نتاج «تشكيلة» متكاملة. الشاعر يلتقط همس المجتمع، والملحن يترجمه إلى نغم، والمغني يمنحه صوته، والجماعة (أنتَ وأنتِ) تحتضنه وتحفظه، فيتحول الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية من عمل فردي إلى ملكية جماعية وجزء من الوجدان العام. في المقابل، تأتي «الصيحات العابرة». قد تكون مبهرة في شكلها، جذابة في إيقاعها، فاقعة في ألوانها.. لكنها غالبًا ما تكون كنخلة بلاستيكية طويلة جميلة، لا روح فيها ولا عبق. إنها تتحدث لغة بصرية وسمعية لا جذور لها في تربتنا. قد نستمتع بها كما نستمتع بوجبة سريعة، لكنها لا تغذي الروح ولا تترك أثرًا. والأهم، أنها مصممة لهدف واحد: أن تُستهلك بسرعة، وتُنسى بسرعة، لتفسح المجال للصيحة التي تليها. وهنا يكمن الخطر التنموي. حين يغرق مجتمع ما في استهلاك الجمال المستورد فقط، فإنه يفقد تدريجيًا «حاسة الذوق» الخاصة به، ثم يفقد «القدرة على الإنتاج» الإبداعي الأصيل. وهذه حالة من الفقر الثقافي، قد تتزامن مع الثراء المادي، ولكنها تترك الأرواح جائعة وفارغة. إن تمسكنا بالفن والجمال النابع من ثقافتنا ليس مجرد حنين للماضي، بل هو ضرورة تنموية للمستقبل: فهو مرساة لهويتنا في عالم معولم يسعى لتنميط كل شيء. وهو غذاء لأرواحنا ويقلل القلق في وجداننا. وهو وقود لإبداعنا فهو “المكتبة» والغيمة الماطرة التي يجب أن ننهل منها لنستلهم أفكارًا جديدة لمستقبلنا. وأخيرا لنكن صانعي جمالنا، فهذه رسالة بأن ثقافتنا ولّادة وقادرة على إنتاج جمال خالد. ودعوة لك، أنتَ وأنتِ، ألا تكتفوا بدور المستهلك السلبي للضجيج العابر. ابحثوا عن الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية، استمعوا إليه، زوروا أماكنه، تحدثوا عنه. لا كهروب إلى الماضي، بل كزادٍ نستقوي به لبناء مستقبلٍ لا يكون مجرد نسخة باهتة من عوالم أخرى، بل يكون تعبيرًا صادقًا وجميلًا عن أرواحنا نحن.
318
| 10 ديسمبر 2025
كم مرة كنت في اجتماع، وقدم لك أحدهم «الوصفة السحرية» للنجاح؟ تأتي هذه الوصفة عادةً بغلاف لامع، ويطلقون عليها اسم: «أفضل الممارسات» (Best Practices). تُقدَّم لنا وكأنها آخر ما توصلت إليه البشرية، الحل النهائي الذي لا يأتيه الباطل، وعلينا فقط أن نطبقها «نسخ لصق» لتزدهر أعمالنا وتتطور مجتمعاتنا. نشعر جميعنا بهذا، نرى أنظمتنا تُبنى على هذه القوالب المستوردة، سواء في الإدارة، أو التعليم، أو حتى في تخطيط مدننا، تُكتب اللوائح، وتُعلق على الحائط، وتبدو مثالية على الورق، لكن في العمق، نشعر بأن شيئًا ما خطأ، نشعر بأن هذه «الوصفة» لا «نكهة» لها، أو الأسوأ، أن «طعمها» غريب لا يشبهنا. السؤال الذي نخاف أن نسأله المشكلة في هذه «الوصفة» ليست أنها سيئة، بل في أننا لم نجرؤ على طرح السؤال الأهم والأبسط: «أفضل الممارسات.. ولكن لأي مجتمع؟» إن إطلاق هذا المفهوم وكأنه حقيقة كونية صالحة لكل مكان وزمان، فيه «تبسيط» شديد لتعقيدات الإنسان، وغموض متعمد يخفي خلفه حقيقة جوهرية: ما هو «أفضل» لمجتمع ما، قد يكون «مدمراً» لروح مجتمع آخر. لماذا؟ لأن هذه الممارسات لم تنشأ في فراغ. لقد نبتت من تربة ثقافة معينة، وتشربت قيم ومعاني تلك الثقافة. وحين نأخذها نحن، ونزرعها في تربتنا المختلفة، نصاب بالصدمة حين لا تثمر. حين يصطدم «الأفضل» بـ «الأجدر» في سياقنا الخليجي، نحن لا نُدار فقط باللوائح. نحن نُدار بشبكة دافئة من «المعاني» غير المكتوبة: «الاحترام»، «حفظ ماء الوجه»، وقوة «العلاقات الشخصية». • قد تأتي «أفضل الممارسات» بنظام تقييم صارم يفترض «سوء النية» في الموظف مسبقًا. هذا النظام يصطدم مباشرة بقيم «الأمانة» و»الثقة» التي هي أساس العمل عندنا. • قد تفرض «أفضل الممارسات» نظامًا «شفافًا» ينشر كل شيء علنًا، فيصطدم بقيمتنا العميقة في «حفظ ماء الوجوه» وعدم التشهير. عندما يحدث هذا التصادم، لا يفشل الناس في تطبيق النظام، بل يفشل النظام في فهم الناس. والنتيجة؟ تتحول هذه الأنظمة اللامعة إلى مجرد «أوراق حبيسة الأدراج»، ويبدأ الناس في التحايل عليها، ليس لرفضهم التطوير، بل دفاعًا عن «المعنى» و»الروح» التي يعرفونها. من «أفضل الممارسات» إلى «أفضل ما يناسبنا» التنمية ليست استنساخًا. الفوضى ليست خيارًا، ولكن «النسخ الأعمى» هو انتحار ثقافي. نحن لا نحتاج إلى التخلص من الحداثة، بل نحتاج إلى «نموذج ثالث» ؛ نموذج يمتلك الشجاعة ليسأل: «ما الذي يناسبنا؟». الحل هو الانتقال من «حوكمة الإجراءات» الباردة إلى «حوكمة المعنى» التي تشبهنا. أن ندرس تجارب العالم، لا لننسخها، بل لنفهم «الحكمة» من ورائها، ثم نعود إلى قيمنا ونصمم أنظمتنا الخاصة التي تحمل روحنا. نريد أنظمة تستلهم «الثقة» من مجالسنا، و»الأمانة» من قيمنا، و»البركة» من نوايانا. النظام الذي لا يحترم «المعنى» الذي نعيش من أجله، هو نظام سيفشل حتمًا، مهما بدا «أفضل» في عيون الآخرين.
288
| 03 ديسمبر 2025
سر «السلام» المفقود بين «المبنى» و»المعنى» .. نشعر به جميعاً في مجتمعاتنا الخليجية. إنه ذلك «التدافع» الصامت، و»الصراع» الخفي الذي نعيشه بين ما كنا عليه وما نحن مقبلون عليه. ثقافات تصطدم، وقيم تتضارب. نلمسه بوضوح حين تتزحزح القيم؛ نرى «الوجاهة» التي كانت تُبنى على «الخلق والاحترام» تتحول إلى سباق على «المظاهر». ونرى «الكرم» الذي كان «عطاءً صادقاً» يصارع «الاستعراض» و»التصوير». هذا ليس مجرد «تفاوت بين الأجيال»، بل هو الأثر العميق لسباق التنمية الذي نخوضه. ففي سعينا لبناء أحدث المدن، نتعرض، شئنا أم أبينا، لـ «ثقافات ذات أمواج عالية «.. إن «طبيعة هذه الموجة الثقافية الطاغية»، بتركيزها على الفردانية والسرعة والاستهلاك، «تسعى بقوة لأن تكون هناك فجوة بين الأجيال». هي تغذي هذا التباين، وتجعل كل جيل يشعر بأنه يتحدث لغة مختلفة. و»شأننا شأن أغلب المجتمعات»، لا يمكننا «الوقوف في وجهها» بجدار منيع، فالانغلاق يعني «النكوص» الحضاري. وفي الوقت نفسه، لا يمكننا الاستسلام والذوبان، فذلك يعني أن نفقد «روحنا» و»أصالتنا»، ونبني «تنمية ضخمة بلا روح». أمام هذا الواقع، نحن لا نبحث عن «الصدام»، بل يجب أن نبحث عن «السلام» لمجتمعاتنا. هنا يأتي دور «الحكمة». «فإن حكماء مجتمعاتنا»، من آباء ومربين ومسؤولين وأصحاب رأي، «عليهم التفهم لهذا الأمر». عليهم أن يدركوا أن هذه الفجوة ليست شراً مطلقاً، بل هي «تحدي نمو» طبيعي في عصرنا. الحل ليس في المقاومة العمياء ولا في اللوم. الحل يكمن في «المزيد من التواصل، والحوار،. وأيضاً الحوار». إننا بحاجة ماسة لأن «نتجنب ما يعمق هذه الفجوة». يجب أن نحذر من «الألفاظ» الجارحة، و»الازدراء» للجيل الجديد، أو «التصنيفات» و»الإقصاءات» التي تمارسها بعض الأجيال ضد بعضها. قد تبدو هذه «سلوكيات فردية»، لكن «أثرها قد يتسع» ويتحول إلى شرخ مجتمعي يصعب رأبه. كل كلمة «تصنيف» هي مسمار في جسر التواصل، وكل نظرة «ازدراء» هي هدم لأساس الثقة. إن التنمية الحقيقية التي نبتغيها لـ «مجتمعاتنا الخليجية» ليست مجرد أرقام، بل هي «تنمية متزنة» تحفظ «السلام» المجتمعي. وهذا يتطلب «الحكمة» في «فلترة» هذا الموج العاتي.أن نأخذ «المبنى» المتمثل في (التقنية، الكفاءة، التطور)، ونُصِر على أن نملأه بـ «المعنى» (الروح، القيم، الأصالة). وهذا «الاتزان» لن يتحقق إلا بمد جسور الحوار، لنبني مستقبلاً يشبهنا في «أصالته» ويرتقي بنا نحو الأفضل.
135
| 20 نوفمبر 2025
هل سبق لك أن جلست في اجتماع عمل، ونظرت إلى اللوائح المعقدة المعلقة على الحائط، أو التقارير الدورية التي يطلبها النظام، وشعرت بأن كل هذا «حبر على ورق»؟ كثيرون منا يشعرون بهذا. نرى مؤسساتنا، سواء كانت خاصة أو حتى حكومية، تستثمر الملايين في استيراد أحدث النظم الإدارية وبرامج «الحوكمة الرشيدة». يُكتب كل شيء بدقة: إجراءات التوظيف، آليات التقييم، نماذج الإفصاح عن تضارب المصالح، ومؤشرات الأداء (KPIs). ومع ذلك، بعد فترة قصيرة، تتحول هذه النظم اللامعة إلى مجرد «أوراق حبيسة الأدراج». لماذا يحدث هذا؟ الجواب السهل هو اتهام الناس بأنهم «يقاومون التغيير» أو «لا يحبون النظام». لكن هذا التشخيص سطحي وغير عادل. المشكلة في كثير من الأحيان ليست في النوايا، فغالباً ما تكون النوايا طيبة. المشكلة الحقيقية أن هذه الأنظمة المستوردة تتحدث بلغة لا نفهمها، أو الأسوأ من ذلك، تتصادم مع قيم أعمق تحكم سلوكنا الفعلي. في سياقنا الخليجي، نحن لا نُدار فقط بالهياكل التنظيمية. نحن نُدار بشبكة معقدة من «المعاني» غير المكتوبة: «المقام»، «الاحترام»، «حفظ ماء الوجه»، وقوة «العلاقات الشخصية». حين يصطدم «النظام» بـ «المجلس» خذ هذا المثال الواقعي: قد تنص لائحة الحوكمة الرسمية على أن «جميع القرارات الاستراتيجية يجب أن تُتخذ حصراً داخل اجتماع مجلس الإدارة الرسمي». لكن في واقعنا، يعلم الجميع أن القرارات الحقيقية قد «نضجت» وتم الاتفاق عليها مسبقاً في «مجلس الظل» – ربما في «مجلس/ ديوانية» أحد الأعضاء المؤثرين أو في لقاء ودي قبل الاجتماع. عندما يأتي النظام المستورد ويتجاهل هذه القناة الثقافية (المجلس أو الديوانية) ويعتبرها «غير مهنية» أو «تحايلاً»، فإنه لا يلغيها، بل ببساطة يدفعها للعمل في الخفاء، ويصبح الاجتماع الرسمي مجرد «مسرح» لتمرير ما تم الاتفاق عليه. النظام هنا لم يفشل لقلة دقته، بل لأنه اصطدم بقيمة «بناء التوافق» و»حفظ ماء الوجوه» التي نجلّها في ثقافتنا. حين يطلب «الإجراء» ما ترفضه «النية» مثال آخر: في كثير من مؤسساتنا، المحرك الأساسي هو «النية الطيبة» و»الثقة المتبادلة». نحن نعمل بروح «الأهل» و»الجماعة الواحدة».فجأة، يأتي نظام إداري يطالب الجميع بملء نماذج معقدة لكل إجراء بسيط، ويضع آليات رقابة صارمة تفترض «سوء النية» مسبقاً. هنا، لا يشعر الموظف بأن النظام يساعده، بل يشعر بأنه «متهم» وبأن الإدارة لا تثق به. رد الفعل الطبيعي هو التحايل على هذا النظام الذي يتحدث بلغة «الشك» بدلاً من لغة «الأمانة». الحل: الانتقال من «حوكمة الإجراءات» إلى «حوكمة المعنى» المشكلة إذن ليست في وجود نظام، فالفوضى ليست خياراً. المشكلة في استيراد نظام لا يملك «روحاً» تُشبهنا. نحن لا نحتاج إلى التخلص من الحداثة، ولا إلى التمسك بالتقليد الذي يعيقنا. نحن بحاجة إلى «نموذج ثالث» أصيل: «حوكمة المعنى». «حوكمة المعنى» هي ببساطة بناء أنظمة وإجراءات تستلهم روحها من قيمنا. إنها حوكمة تستخدم أدوات العصر الحديثة (كالتقنية ومؤشرات الأداء) بوعي وحكمة، ليس كأهداف في حد ذاتها، بل كخدم لمقاصدنا السامية. عندما نصمم نظاماً يتحدث لغتنا، ويحترم قيمنا، ويساعدنا على تحقيق «المعنى» من وجودنا، لن نحتاج لإجبار الناس على اتباعه. سيصبح النظام جزءاً منا، نحميه وندافع عنه لأنه يعبر عنا ويحفظ «البركة» في أعمالنا.
639
| 12 نوفمبر 2025
نقف اليوم أمام صروحٍ زجاجية تناطح السحاب، ونمشي في مدنٍ ذكية تَعِدُ باليُسر والكفاءة، نحتفي بلغة الأرقام، ونحتفل بارتفاع مؤشرات الناتج المحلي، ونرسل أبناءنا ليتعلموا أحدث علوم الهندسة والبرمجة والمال. هذا هو وجه «التنمية» اللامع الذي نعرفه ونبتغيه. لكن خلف هذا البريق، يتردد سؤال مقلق، همسٌ خافت يوشك أن يتحول إلى صرخة: ماذا عن تنمية «الإنسان»؟ في خضم سباقنا المحموم نحو «العمران المادي»، يبدو أننا نسينا «عمران الروح». لقد استثمرنا في كل ما هو «صلب» – الحجر والتقنية – وأهملنا بشكل خطير كل ما هو «ناعم»: الثقافة، والفكر، والهوية. نحن ندفع ثمن هذا الإهمال غالياً اليوم، فعندما تُهمل العلوم التي تدرس الإنسان والمجتمع والثقافة والتاريخ، يفقد المجتمع قدرته على فهم ذاته، وتشخيص أمراضه، وتحديد هويته في عالم متغير، نصبح كمن يمتلك أحدث جهاز «رادار» لكنه لا يملك «بوصلة»؛ نرى ما حولنا بوضوح، لكننا لا نعرف إلى أين نتجه. الفراغ الذي لا تملؤه الأبراج إن إهمال العلوم الإنسانية ليس مجرد خطأ أكاديمي، بل هو خطيئة إستراتيجية تخلق فراغاً هائلاً في قلب المجتمع، هذا الفراغ هو ما نشهده اليوم يتجسد في أشكال عدة: اغتراب ثقافي، وتفكك اجتماعي، وسطحية في الطرح. تفقد المجتمعات قدرتها على «طرح الأسئلة الكبرى حول معناها وغايتها ومستقبلها». لماذا نحن هنا؟ ما الذي يجمعنا؟ ما هي قصتنا التي سنرويها لأبنائنا؟ وحين تغيب هذه الأسئلة العميقة، يمتلئ الفراغ بالضجيج السطحي. «تتحول المجتمعات إلى مجرد تجمعات استهلاكية تفتقر إلى البوصلة الأخلاقية والروحية التي توجه مسيرتها». يصبح النجاح مجرد رقم في حساب بنكي، والسعادة مجرد سلعة تُشترى، والتنمية مجرد واجهات براقة تخفي خواءً داخلياً. لماذا وصلنا إلى هنا؟ لماذا تخشى بعض مجتمعاتنا من الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع؟ الجواب يكمن في أن هذه العلوم هي «علوم السؤال» بامتياز. إنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تُعلّم «كيف نفكر»، لا «بماذا نفكر». هي بطبيعتها ناقدة، باحثة، ومقلقة للساكن. وهذا يتعارض بشكل مباشر مع البيئة التي يفرضها «الاستبداد السياسي ومصادرة حرية الفكر والتعبير». هذه البيئة الخانقة «هي التي تخنق أي نشاط علمي جاد في مجال العلوم الإنسانية»، فالخوف من السؤال النقدي لا يقتل المعارضة السياسية فحسب، بل يقتل «روح» المجتمع بأكملها، إنه يغتال قدرتنا على النقد الذاتي، وعلى فهم أخطائنا، وعلى تجديد ثقافتنا، هذا ما يمكن تسميته بـ «النكوص الحضاري»؛ أن نملك كل أدوات التقدم المادي، لكننا نفقد الحكمة والروح التي تقود هذا التقدم. التنمية المبتغاة: توازن الجسد والروح إن التنمية الحقيقية التي نبتغيها ليست اختياراً بين ناطحة سحاب وكتاب تاريخ، إنها ليست مفاضلة بين المهندس والفيلسوف، التنمية المبتغاة هي «التوازن»؛ أن نبني جسداً قوياً (العمران المادي) تسري فيه روحٌ واعية وأصيلة (الثقافة والهوية). نحن بحاجة ماسة لإعادة الاعتبار لهذه العلوم المنسية. نحتاج أن نعلّم أبناءنا الفلسفة كما نعلّمهم الفيزياء، وأن نفخر بمؤرخينا كما نفخر بمهندسينا، نحتاج أن ندرك أن «رأس المال الاجتماعي» و»الثقة» و»الانتماء» هي أصول لا تقل أهمية عن آبار النفط وأسواق المال. إن التنمية التي لا تبني «الإنسان» أولاً، هي تنمية عرجاء، مهما بدت شاهقة. فمصيرها أن تنهار، ليس في أساساتها الخرسانية، بل في أساسها الإنساني. والتحدي الأكبر أمامنا هو أن نبني مجتمعات تملك «بوصلة» قبل أن تملك «راداراً»، وتعرف «لماذا» تعيش، قبل أن تعرف «كيف» تستهلك.
663
| 29 أكتوبر 2025
لنتوقف لحظة عند عتبة بيوتنا في الخليج، ونتأمل ذلك المشهد الذي يمتزج فيه الفخر بالقلق؛ حين نستمع بفخر لطفلنا وهو يتحدث الإنجليزية بطلاقة ولكنة شبه أصيلة، معتبرين ذلك استثمارًا صائبًا في مستقبله. ولكن، يداهمنا القلق حين تنادي الجدة حفيدها بكلمة تراثية دافئة، أو يحاول الجد أن يروي له قصة من قصص الأولين، فيقابلهما الطفل بنظرة حائرة. هذه اللحظة تكشف عن حقيقة جوهرية: أي تنمية لا تنسجم مع الثقافة تخلق شرخًا وعدم توازن سنعاني منه مستقبلًا. إن أخطر أنواع هذا الشرخ هو تنمية عقول أبنائنا مع إهمال قلوبهم وهوياتهم. وهنا يبرز سؤال جوهري: في سعينا لتنمية «لغة العقل» - لغة العلم والوظيفة - هل بدأنا دون قصد في إضعاف «لغة القلب» لديهم؟ لغة الروح والهوية والانتماء. حين نجعل الإنجليزية لغة تواصلنا اليومي مع أبنائنا في المنزل، هل نبني لهم جسرًا نحو العالم، أم أننا نجعل من بيوتنا أول محطة اغتراب في حياتهم؟ إن أكبر خطأ قد نرتكبه هو الاعتقاد بأن اللغة مجرد أداة محايدة، فالحقيقة أن اللغة هي «وعاء الروح»؛ هي الشفرة التي نحمل بها أعمق مشاعرنا وذكرياتنا. عندما يقرر الأبوان، بحسن نية، جعل الإنجليزية لغة الحوار الأساسية، فإنهما يضعان نفسيهما وأطفالهما في حالة «ترجمة» مستمرة للمشاعر. الأم التي تريد أن تعبر عن حبها العميق بكلمات مثل «يا بعد عمري» أو «يا ضناي»، تجد نفسها تستبدلها بكلمة «My dear». الكلمة قد تؤدي المعنى، لكنها تفقد شحنتها العاطفية والثقافية الكاملة. هذا المجهود المستمر في «ترجمة المشاعر» يخلق مسافة خفية، ويجعل العلاقة أقل عفوية وأكثر تصنعًا. إننا نعلمهم لغة العقل، لكننا نفطمهم تدريجيًا عن لغة الوجدان التي تربطهم بنا وبأرضهم. تتعمق هذه المأساة حين تمتد إلى علاقة الطفل بأجداده. هؤلاء الكبار، كنوز الحكمة والذاكرة الحية لثقافتنا، يصبحون عاجزين عن التواصل الحقيقي مع أحفادهم. يقف حاجز اللغة سدًا منيعًا أمام الجد الذي يريد أن يروي قصة بطولة، وأمام الجدة التي ترغب في تعليم حفيدتها أصول الضيافة. تتحول العلاقة التي يجب أن تكون مصدرًا للدفء إلى مجرد ابتسامات ومجاملات سطحية. نحن لا نحرم أطفالنا من أجدادهم فحسب، بل من إرث ثقافي وروحي لا يمكن لأي مدرسة أجنبية أن تقدمه. الحل لا يكمن في رفض اللغات الأخرى، بل في إعادة كل لغة إلى مكانها الصحيح. تنمية أبنائنا مسؤولية تبدأ من البيت. • اجعلوا العربية لغة القلب والبيت: يجب أن يتخذ الأبوان قرارًا واعيًا بأن تكون اللغة العربية، بلهجتنا الخليجية الدافئة، هي لغة المشاعر والنقاشات وقصص ما قبل النوم. لتكن الإنجليزية لغة المهارة في المدرسة، والعربية لغة الهوية في البيت. • كونوا أنتم القدوة: تحدثوا معهم بالعربية، اقرأوا لهم قصصًا عربية، وشاهدوا برامج هادفة بلغتهم. إذا رأى الطفل أن لغته الأم ثانوية في نظر والديه، فلن يحترمها. • أغرقوهم في جمال ثقافتهم: خذوهم إلى الأماكن التراثية، علّموهم عن الأكلات الشعبية ومعنى «القهوة» و»إقلاط الضيف»، واجعلوا ثقافتهم جزءًا حيًا ومحبوبًا من حياتهم. في الختام، هدفنا الأسمى ليس تخريج أجيال تتحدث الإنجليزية بطلاقة، بل تربية أجيال تشعر بعمق بلسانها الأم، وتعبر عن أفكارها الأصيلة بأي لغة أخرى. حين نجعل بيوتنا فضاءات إنجليزية، قد نسلب أطفالنا ميزتهم الأهم: الشعور بالانتماء العميق والجذور الراسخة. الطفل الذي لا يجد هويته في بيته سيظل يبحث عنها طوال حياته. فلنجعل بيوتنا حصونًا لهويتهم، لا أولى محطات غربتهم.
504
| 15 أكتوبر 2025
يقف الآباء اليوم أمام معضلة كبرى: كيف نمنح أبناءنا «مهارات المستقبل» العالمية، كالبرمجة والذكاء الاصطناعي، دون أن نسلخهم عن «روح هويتهم» وقيمهم وجذورهم الروحية؟ كيف نمنحهم أجنحة يحلقون بها، وجذورًا قوية تشدهم إلى أرضهم؟ إن اكتساب هذه المهارات حتمي لمواكبة العصر، فمن لا يتقن أدوات اليوم يصبح من أميّي الغد. لكن الخطر يكمن في استيرادها كـ «حزمة ثقافية» كاملة تحمل في طياتها قيمًا قد لا تشبهنا، يضاف إلى ذلك المخاطر التقنية الكامنة في طبيعتها إن لم تُحكم بضوابط أخلاقية، مثل «تحيز الخوارزميات»، وقضايا «الخصوصية»، والتأثيرات النفسية للإفراط في استخدام الشاشات. الحل لا يكمن في الرفض أو القبول الأعمى، بل في طريق الحكمة: «توطين المهارات»، أي أن نأخذ الأداة ونستخدمها بوعي لصناعة ما يشبهنا. وهذا يتطلب إعادة تصميم طريقة التعليم نفسها، وذلك عبر: • ربط المهارات بأهداف مجتمعية: كأن نوجه طاقات المبرمجين الشباب لتصميم تطبيقات تخدم كبار السن في الحي، أو منصات تنظم العمل التطوعي. • تأطيرها ببوصلة أخلاقية: كأن نعلّم «التفكير النقدي» كأداة للوصول إلى اليقين «والتبيّن»، لا كأداة للتشكيك العبثي. • ممارستها بروح جماعية: كأن نربي أبناءنا على العمل الجماعي بروح «الشورى» و»التعاون»، لا المنافسة الفردية الشرسة. ويمكن ترجمة هذا الفكر إلى ابتكارات أصيلة في سياقنا الخليجي؛ فتتحول قيمة «الفزعة» إلى «هاكاثون الفزعة» لحل المشكلات الطارئة، ويتطور «الوقف» ليصبح «وقفًا رقميًا» يدعم المحتوى العربي المفتوح المصدر، ويتحول «المجلس» إلى فضاء يجمع العقول الشابة بالمسؤولين لطرح الحلول. إنها دعوة لتحويل مهارات العصر إلى أداة لتقوية نسيجنا الاجتماعي، لا لتفكيكه. إن الهدف النهائي لا ينبغي أن يتوقف عند «حماية الهوية» في موقف دفاعي، بل الارتقاء بها لتصبح مصدر إلهام عالمي. فالعالم الذي يعاني من أزمات المادية المفرطة، قد يكون متعطشًا لنموذجنا الذي يوازن بين النجاح المادي والسكينة الروحية. جيلنا الجديد ليس مكلفًا فقط بتعلم المهارات، بل بتصدير نموذج قيمي جديد للعالم، مغلف بهذه المهارات. إن تحقيق هذا التوازن مسؤولية تكاملية؛ فعلى صناع القرار في التعليم الاستثمار في تصميم مناهجنا الخاصة التي تنبع من بيئتنا. وعلى رواد الأعمال جعل «الأثر المجتمعي» مقياسًا رئيسيًا للنجاح تمامًا مثل «الربح». وعلى الإعلاميين والمؤثرين إبراز النماذج الشبابية التي نجحت في هذا التوازن، لتكون قصصهم الملهمة منارة تضيء الطريق للأجيال القادمة.
372
| 08 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1596
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1140
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
843
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
819
| 13 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
654
| 14 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
642
| 15 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
609
| 12 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
564
| 12 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
555
| 15 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
534
| 15 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
504
| 14 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
501
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية