رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الخبر التالي نشرته صحف صباح يوم 23/10: أمر المستشار تامر الفرجاني بحبس القيادي الإخواني حاتم خاطر رئيس مجموعة شركات خاطر لمدة 15 يوما احتياطيا، على ذمة التحقيقات التي تجرى معه بمعرفة النيابة العامة. وقد وجهت النيابة في تحقيقاتها إليه التهم التالية: التحريض على العنف ــ الانضمام إلى جماعة مؤسسة على خلاف أحكام القانون الغرض منها تعطيل مؤسسات الدولة عن تأدية عملها ــ الاعتداء على الحريات الشخصية والوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي. صحف صباح يوم 25/10 نشرت الخبر التالي: قرر المستشار تامر الفرجاني المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا إخلاء سبيل حاتم خاطر رئيس الاتحاد العام للجمعيات الأهلية من سراي النيابة بالضمان الشخصي، بعد يومين من حبسه على ذمة التحقيقات في اتهامه بالتحريض على المظاهرات المؤيدة للرئيس المعزول. وكان خاطر قد نفى في التحقيقات ما جاء في تحريات أجهزة الأمن. ونقلت عنه صحيفة «المصري اليوم» بعد إخلاء سبيله أن النيابة حين أفرجت عنه بعدما أدركت أن واقعة القبض عليه جاءت نتيجة حالة «الالتباس» التي تمر بها البلاد في الوقت الراهن. بالمقارنة بين النصين نلاحظ ما يلي: < أن الرجل حين ألقي القبض عليه وصف بأنه «قيادي» في الإخوان ورئيس مجموعة بعض الشركات، لكن هذه الصفات تراجعت حين تقرر الإفراج عنه، حيث أسقطت صفة القيادي ووصف بأنه رئيس الاتحاد العام للجمعيات الأهلية. < في الخبر الأول نسبت إليه قائمة من الاتهامات كفيلة بالإبقاء عليه في السجن لمدة 10 أو 15 سنة على الأقل، في حين أن خبر إطلاق سراحه سكت عن الاتهامات الأولى وتحدث فقط عن اتهامه بالتحريض على المظاهرات المؤيدة للرئيس المعزول. < أن المحامي العام الذي أمر بحبسه مرة 15 يوما بناء على التحقيقات التي أجريت معه في قائمة الاتهامات السابق ذكرها، هو ذاته الذي قرر إطلاق سراحه من سراي النيابة بعد 24 ساعة من صدور قرار الحبس، حين اكتشف أن الرجل كان ضحية حالة «الالتباس» التي تمر بها البلاد. لأن ما ذكرته الصحف لم يكن مقنعا، فإن ذلك يسوغ لنا أن نتساءل عن السبب الحقيقي الذي دفع المحامي العام إلى العدول عن قراره بهذه السرعة؟ لأن السيد حاتم خاطر رجل يتمتع بشبكة اتصالات واسعة، وهو محل ثقة كثيرين، فإن قرار اعتقاله انتشر بسرعة على شبكة التواصل الاجتماعي، وإضافة إلى عبارات استنكار اعتقاله التي وردت في تغريدات بعض الشخصيات العامة. منذ ظهر المفتي السابق الدكتور علي جمعة على شاشة إحدى القنوات التلفزيونية في مساء اليوم ذاته، ووجه رجاء إلى رئيس الجمهورية وإلى الفريق السيسي وإلى وزير الداخلية طالبهم فيه بسرعة إطلاق سراح السيد حاتم خاطر الذي وصفه بأنه بمثابة ابن له، وهناك كلام عن اتصالات أخرى لذات الهدف أجراها الداعية اليمني الحبيب الجفري المقيم في أبو ظبي، ويعد من الشخصيات النافذة في دائرة القرار هناك. لست أشك في أن الرجل ظلم حين تم اعتقاله وظلم حين وجهت إليه قائمة التهم التي من الواضح أنها جاهزة ومعدة سلفا، ومن ثم تقرر حبسه 15 يوما. ومن حسن حظه أنه وجد أطرافا مسموعة الكلمة أعلنت ثقتها فيه وضمنته، وحثت المؤسسة الأمنية على مراجعة قرارها بشأنه. بذات القدر فإنني لا أشك في أن حالة السيد حاتم خاطر ليست وحيدة في بابها ولكن هناك كثيرين من أمثاله، اعتقلوا ظلما في أجواء «الالتباس» وجرى تمديد حبسهم مرات ومرات، دون أن يجدوا من يتحدث عن مظلوميتهم ويرفع عنهم ما نزل بهم من غبن وعسف. يتحدث المحامون عن 13 ألف شخص تم اعتقالهم منذ الثالث من شهر يوليو. ويقولون إن ذلك الرقم مرشح للزيادة، لأنهم يكتشفون كل يوم مصادفة عشرات من المعتقلين تم إيداعهم في أماكن مجهولة. ويقولون إن بين المعتقلين ــ لأول مرة ــ 76 امرأة وفتاة بينهن فتيات قصر ألقي القبض على بعضهن في السويس. وفهمت أن وزير الداخلية اعترض بشدة في أحد اجتماعات مجلس الوزراء على اقتراح بإطلاق سراح الفتيات والفتيان القصر وأولئك الذين لم تنسب إليهم المشاركة في أعمال العنف. كان يفترض أن يقود المجلس القومي لحقوق الإنسان حملة الدفاع عن كرامة أولئك المظلومين وأمثالهم. لكن المجلس في المؤتمر «الدولي» الذي عقده بالقاهرة أخيرا عن العدالة الانتقالية والمصالحة أقنعنا بأنه انخرط في الاستقطاب الراهن إلى حد كبير، فضلا عن أنه مشغول بملفات عدة ليس بينها حقوق الإنسان في مصر.
499
| 27 أكتوبر 2013
قال وزير الطاقة الإسرائيلي إن بلاده تبحث في تصدير الغاز إلى مصر بعدما أصبحت في حاجة إليه. ورد رئيس شركة الغاز المصرية «إيجاس» أن مصر لا تفكر في الموضوع. وهو موضوع أثار اهتمامي من زاوية بعيدة عن صحة الخبر من عدمها. ذلك أن أكثر ما همني فيه أنه يعيد إلى الأذهان قصة استيلاء إسرائيل على ثروة الغاز الداخلة ضمن الحدود المصرية التي كنت قد نبهت إليها قبل أكثر من عام، ذلك أنني كنت قد نشرت في 30/10/2011 مقالا تحت عنوان، «عدوان إسرائيلي جديد على مصر»، شرحت فيه الملابسات التي أتاحت لي أن أتعرف قبل ذلك على تفاصيل عملية السطو الإسرائيلي (بالتعاون مع قبرص) على الغاز المدفون داخل حدود المنطقة البحرية الاقتصادية لمصر. وذكرت آنذاك أنني تلقيت تلك التفاصيل من أحد الخبراء المصريين المرموقين، ولأنها تحدثت عن مختلف الجوانب الفنية للموضوع، فإنني انتهزت أول فرصة أتيحت لي وسلمت الملف إلى اثنين من أعضاء المجلس العسكري آنذاك (يتوليان الآن منصبين رفيعين في الحكومة)، ثم وجدت أن بعض الصحف بدأت الحديث على المخطط الإسرائيلي للسطو على غاز شرق المتوسط استنادا إلى دراسة موثقة أعدها أحد الخبراء المصريين المقيمين في الولايات المتحدة، هو الدكتور نائل الشافعي وأثير الموضوع في بعض البرامج الحوارية التليفزيونية المصرية، وكان له صداه في مجلس الشورى الذي كان قائما آنذاك، فكلف المجلس الدكتور خالد عبد القادر عودة أحد كبار علماء الجيولوجيا المصريين بدراسة ملف التنقيب، فأعد تقريرا أثبت فيه عملية السطو الإسرائيلي، وانتقد تقاعس السلطات المصرية في الدفاع عن حقوق البلد وحماية ثروته الطبيعية وظلت دائرة النقد وأجراس التنبيه تتوالى. حتى قدم بلاغ إلى النائب العام للتحقيق في الموضوع. القصة طويلة، وقد سبق أن شرحتها في مقالين نشرا يومي 30 أكتوبر و6 نوفمبر من العام الماضي (2012)، وخلاصتها كما يلي: منذ مائتي سنة قبل الميلاد تحدث أحد علماء مكتبة الإسكندرية عن منطقة في شرق البحر المتوسط تعيش فيها أسماك وقشريات مختلفة عن بقية الكائنات التي تعيش في البحر وفي العصر الحديث أثارت ملاحظات الرجل انتباه العلماء والباحثين، واعتبروها دليلا على وجود جبل غاطس ضخم في المنطقة، يرتفع بمقدار ألفي متر فوق قاع البحر، واعترافا بفضله وسبقه أطلق العلماء اسم الرجل على الجبل، الذي صار يعرف بعد ذلك باعتباره جبل إراتوستينس. ومنذ ستينيات القرن الماضي برز اهتمام الباحثين بالجبل الغاطس وسفحه. وهو ما شارك فيه علماء بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وبلغاريا. ولفت الأنظار آنذاك أن إسرائيل قدمت 20 ورقة بحثية حول جيولوجيا المنطقة. مع استمرار عملية الحفر تحت قاع الجبل بدأت تظهر ملامح ثروة احتياطات الغاز الطبيعي الهائلة الطافية في أعماق جبل إراتوستينس الثابتة ملكيته الاقتصادية لمصر منذ ٢٠٠ سنة قبل الميلاد وكانت تلك المنطقة تدخل ضمن امتياز شركة شمال المتوسط المصرية المعروفة باسم «نيميد» وكان ذلك الامتياز قد منح لشركة شل في عام 1999، التي أعلنت في عام 2004 عن اكتشاف احتياطات للغاز الطبيعي في بئرين على عمق كبير في شمال شرق البحر المتوسط. وأوضح البيان أن الشركة ستبدأ المرحلة الثانية من عملية الاستكشاف التي تستمر أربعة أعوام. إلا أن مفاجأة وقعت في شهر مارس عام 2011، حيث أعلنت الشركة انسحابها من المشروع، الأمر الذي ترتب عليه انقطاع أخبار حفريات الغاز في شمال شرق المتوسط. لم يمض وقت طويل حتى أعلنت إسرائيل وقبرص عن اكتشافات للغاز الطبيعي في السفح الجنوبي للجبل العملاق، تجاوزت احتياطاتها 1.22 تريليون متر مكعب قدرت قيمتها بنحو 220 مليار دولار. إسرائيل أعلنت في عام 2010 عن اكتشاف بئر أطلقت عليها اسم «لفيانان» وتحدثت إسرائيل في العام التالي عن اكتشاف بئر أخرى حمل اسم «أفروديت»، والاثنتان يقعان في المياه المصرية الاقتصادية الخالصة. إذ يقعان على بعد 190 كيلو مترا فقط من مدينة دمياط المصرية، بينما يبعدان بمسافة 235 كيلو مترا عن حيفا في إسرائيل و180 كيلو مترا عن ليماسول الإسرائيلية. والبئران تقعان في السفح الجنوبي للجبل المصري الغاطس إراتوستينس. عملية السطو تجاوزت ما يدخل ضمن الحدود الاقتصادية المصرية وظلت بئرا للغاز داخل ضمن الأراضي اللبنانية وأثارت قلقا تركيا التي أقلقتها العربدة الإسرائيلية في شرق المتوسط. بالتعاون مع اليونان وقبرص. في مصر ظل الأمر محاطا بغموض مريب ليس فقط لأن المؤسسات المعنية تعاملت بتراخ مدهش مع عملية السطو، خصوصا في الشق الخاص بترسيم الحدود الاقتصادية مع الجيران، ولكن أيضا أن الملف حين أثير في مجلس الشورى في العام الماضي وتحول إلى دعوة إلى بلاغ قدم إلى النائب العام، فإن الحديث فيه انقطع فجأة دون ذكر للأسباب، وحين أتيح لي في وقت لاحق أن أسأل رئيس لجنة الأمن القومي بالشورى عن تفسير للحكومة، كان رده أن الأجهزة السيادية هي التي طلبت ذلك وتمت الاستجابة لرغبتها، ففهمت سبب صمت المجلس ولم أفهم موقف الأجهزة منذ ذلك الحين وحتى الآن ــ لا تعليق.
427
| 26 أكتوبر 2013
خلال خمسين يوما قامت المخابرات الأمريكية بالتنصت على 70 مليون مكالمة في فرنسا. والحاصل في فرنسا، الذي أثار أزمة مع واشنطن، تكرر مع المكسيك وألمانيا. وطبقا للوثائق التي سربها إدوارد سنودن المستشار السابق لدى وكالة الأمن القومي الأمريكي فإن عمليات التنصت شملت مقر الأمم المتحدة وإيطاليا واليونان وكوريا الجنوبية والهند وتركيا والسعودية والعراق، ودولا أخرى في مقدمتها روسيا والصين. الرسالة التي نتلقاها مما كشف النقاب عنه أن التجسس على المكالمات الهاتفية حتى في البلاد الصديقة، أصبح ظاهرة عالمية تفشت في العائلات الوطنية الكبيرة. وإذا كانت الولايات المتحدة تقوم بدور «ريادي» في ذلك، باعتبارها القوة الأعظم التي لا تزال تعتبر نفسها معرضة للتهديد منذ أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، فذلك لا يعنى أن الدول الأخرى ليست ضالعة في عملية التنصت، وكل الذي حدث أن المعلومات التي توافرت لنا جاءتنا من أحد مستشاري وكالة الأمن القومي الأمريكي، ولو أن نظيرا له من العاملين في المؤسسة الأمنية البريطانية أو الفرنسية استيقظ ضميره وقرر أن يبوح بما يعرفه في هذا الصدد، لكشف لنا عن أن بلاده تقوم بنفس ما تفعله الولايات المتحدة في المناطق التي تدخل في نطاق اهتمامها. هذا الذي يحدث في العالم الخارجي ليس بعيدا عنا تماما، ليس فقط لأننا ندمن اقتباس أسوأ ما في الغرب خصوصا في مجالات تقييد الحريات العامة، ولكن أيضا لأن نفوذ الدولة الأمنية في العالم العربى في تنام مستمر. وربما كان التقدم الحقيقي الحاصل في ذلك الجزء من العالم يكاد يكون محصورا في تلك الدائرة. ولا تنسَ أن مؤتمر وزراء الداخلية العرب ظل طوال الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة هو أنجح وأنشط مجالات العمل العربي المشترك. وهو الوحيد الذي لم يتأثر بالتقلبات والتجاذبات التي مرت على العالم العربي. رغم أن الأجهزة والمهام واحدة، إلا أن هناك أكثر من فرق مهم بين التنصت الذي يمارس في الدول الديمقراطية وبين نظيره الذي يحدث في بلادنا، أحد تلك الفروق أن التنصت عندهم يحمى مصالح الأوطان بالدرجة الأولى، أما عندنا فهو مكرس لحماية الأنظمة وتأمين الزعامات والأسر الحاكمة. من الفروق أيضا أن التنصت له قواعده النظامية، بمعنى انه لا يمارس ضد المواطنين إلا بعد موافقة وإقرار الجهات القضائية في حين أنه يتم في بلادنا بقرار أمنى يغطى لاحقا بالموافقة القضائية إذا لزم الأمر. الفرق الثالث أنه في الدول الديمقراطية هناك مؤسسات يمكن أن تحاسب السلطة أو المؤسسة الأمنية إذا ما تجاوزت حدودها، أما في بلادنا فكلام السلطان لا يرد، وقرار المؤسسة الأمنية هو سيد قرارات البلد. موضوع التنصت على الهواتف في مصر معمول به منذ قامت ثورة يوليو 52، وان اختلفت درجته ومقاصده من عهد إلى عهد. وقد سمعت من وزير داخلية أسبق ــ لا يزال حيا يرزق ــ أن أجهزة التنصت بوزارة الداخلية كانت تعد في ظل نظام مبارك تقريرا يوميا من ثلاث نسخ تفرغ فيه خلاصة عملية التنصت. واحدة تذهب إلى الرئيس والثانية لابنه جمال والثالثة للهانم (قرينة الرئيس). ولا أعرف إلى من توجه حصيلة عملية التفريغ في الوقت الراهن، وان قيل لى إن عملية التنصت التي نشطت واتسع نطاقها بعد الثالث من يوليو انتقلت من وزارة الداخلية إلى جهة سيادية أخرى في ظل التغير الذي حدث في موازين القوى الأمنية الداخلية. أن التقدم العظيم في ثورة الاتصال. استصحب انتقاصا عظيما من خصوصية البشر، وذلك الانتقاص يبلغ ذروته في الدول غير الديمقراطية التي تغيب فيها الضمانات والمؤسسات التي تصون الحريات العامة. حيث يصبح التنصت على ما يقوله الناس على رأس المهام التي تقوم بها الأجهزة الأمنية. ذلك حاصل في العالم العربي بوجه أخص، الذي تقيد فيه حرية الحركة والفعل السياسي، ولا يكون أمام الناس من خيار سوى أن يطلقوا ألسنتهم بالقول، ناسين أن ثمة رقيبا من بني الإنس بات يرصد ما ينطقون أو يهمسون. فامسك عليك لسانك يا رعاك الله، لأنك إذا نسيت أن ثمة أذنا ثالثة تستمع وتسجل كل ما تقوله، فذلك يعنى انك لا تعيش في هذا العصر، وأنك ــ أكيد ــ لا تعيش في مصر.
502
| 24 أكتوبر 2013
لديّ كلمتان بخصوص جريمة كنيسة الوراق التي أفضت إلى قتل أربعة أشخاص وإصابة 18 آخرين، الكلمة الأولى يلخصها السؤال: من فعلها؟ ذلك أنني لا أتصور أن تنشق الأرض فجأة عن اثنين من الملثمين يقومان بإطلاق الرصاص على المشاركين في حفل الزفاف المقام بالكنيسة، ثم يختفي الاثنان ولا يعثر لهما على أثر بعد ذلك. لقد ذكرت الصحف المصرية أمس أن خمسة من المشتبه بهم يجرى التحقيق معهم في الجريمة، وتلك خطوة إيجابية لا ريب، لكن المهم أن يقود ذلك في نهاية المطاف إلى معرفة الفاعلين وتحديد هوياتهم، وهل هم أشخاص مهووسون، أم أنهم ينتمون إلى جماعات معروفة او غير معروفة في مصر، أم أنهم طرف ثالث لا ينتمي إلى هؤلاء أو هؤلاء ولكن له مصلحة في تأجيج الفتنة وتوسيع نطاقها في مصر، بحيث لا تكون مقصورة على الصراع الدائر بين الإسلاميين والسلطة وإنما تمتد لكي تشمل الصراع بين المسلمين والأقباط أيضا. إننا لم نعرف حتى الآن من حرق الكنائس في مصر في أعقاب فض اعتصام رابعة العدوية، بل إننا لم نعرف من فجر كنيسة القديسين في الإسكندرية في الأول من شهر يناير عام 2011، وهى الجريمة الغامضة التي أثيرت شكوك قوية حول ضلوع أجهزة الأمن السرية فيها، حيث قيل إن تلك الأجهزة جندت أحد العناصر المتطرفة لارتكاب الجريمة وهو اللغط الذي لم يحسم حتى هذه اللحظة، الأمر الذي يعني أن الشكوك بخصوصه لاتزال قائمة. إن التقاعس عن تحديد الجناة لا يعنى فقط أن ثمة فشلا امنيا ينبغي تداركه، لكنه أيضا يفتح الباب لإساءة الظن بدور الأجهزة الأمنية في العملية وقد سمعت شيئا من ذلك القبيل من أشخاص أصبحوا مقتنعين أن ما جرى في كنيسة الوراق يرضى الأجهزة الأمنية لسببين أساسيين هما: إنه يرفع من وتيرة التوتر في البلد ويشد انتباه الجميع إلى ضرورة الاحتشاد لمواجهة «الإرهاب»، بما يؤدى تلقائيا إلى صرف الانتباه عن المشكلات الحياتية الأخرى التي فشلت الحكومة في حلها. السبب الثاني أن عدم تحديد الفاعلين يفتح الباب لاتهام جميع الإسلاميين وفي المقدمة منهم التحالف الوطني للدفاع عن الشرعية الذي يعد الإخوان أهم فصائله. في حين أن التحديد ــ إذا تم ــ من شأنه أن يشير بأصابع الاتهام إلى طرف بذاته، كما أنه سوف يبرئ ساحة بقية الأطراف وذلك ليس مرغوبا في الوقت الراهن. لقد سارعت وسائل الإعلام المصرية إلى استثمار ما جرى سياسيا، فضمت ما جرى إلى حملة الشيطنة وتعميق الكراهية الرائجة هذه الأيام. حتى كان العنوان البارز على الصفحة الأولى لجريدة التحرير كالتالي: جريمة الإخوان في الوراق، وهو ذات الموقف الذي تبنته عدة تعليقات ورسوم كاريكاتورية أخرى. كلمتي الثانية تتعلق بمصادفة لا تخلو من دلالة. إذ في الوقت الذي أجرت فيه وسائل الإعلام المصرية تغطية واسعة للضحايا الأربعة الذين قتلوا في جريمة كنيسة الوراق، كان قد تم التعرف على جثث أربع أشخاص من المحترقين في مسجد الإيمان بمدينة نصر، وتم دفنهم في مواكب حزينة صامتة. الأربعة هم: محمود عزب متولي من منيا القمح ــ شرقية ــ أسامة هلال عامر من المحلة الكبرى ــ فكرى المغلاوي من دمياط ــ مصطفى نور الدين فتحي المعداوي وهو مهندس برمجيات خرجت جنازته أمس الأول من مسجد الحصري بمدينة 6 أكتوبر، ليس بعيدا كثيرا عن منطقة الوراق، وهؤلاء الأربعة كانوا ضمن 42 جثة كان قد تم إحراقها وتفحمت يوم 14 أغسطس الماضي بعد نقلها إلى مسجد الإيمان ضمن 300 جثة أخرى لضحايا فض اعتصام رابعة، وحسبما نشرت الصحف في الأسبوع الماضي فهناك أكثر من 25 جثة أخرى محترقة مودعة في مشرحة زينهم منذ نحو شهرين لم يتم التعرف على أصحابها. كان شيئا جيدا أن يشيع الأربعة الذين قتلوا في حادث جريمة كنيسة الوراق في جنازة مهيبة تقدمها المحافظ وحضرها كبار رجال القوم، وان يجرى رئيس الوزراء اتصالا هاتفيا مع بطريرك الأقباط ليقدم إليه العزاء والمواساة. لكنى لم استطع أن أنسى جنازات الأربعة الذين احترقوا وتم دفنهم في وقت متزامن بعيدا عن الأعين والأضواء، ولم أستطع أن أتخلص من صور اقرانهم الذين احترقوا في مسجد الإيمان، ولا زملائهم الأربعين الذين احترقوا في عربة الترحيلات التي نقلتهم إلى سجن أبوزعبل، ولا الثلاثة آلاف الذين قتلوا أثناء فض الاعتصامات وأسقطهم المجتمع من الذاكرة. لست أشك في أن المواساة المجتمعية لضحايا حادث إطلاق النار على رواد الكنيسة خففت بصورة نسبية من فجيعة أهليهم، لكنني لم أفهم ذلك التجاهل الذي يصل إلى حد الشماتة والازدراء لضحايا فض الاعتصامات مع أنهم أيضاً مواطنون مصريون لهم حقهم في الكرامة حتى إذا كانوا معارضين، وإذا نزعت عنهم السياسة تلك الكرامة وهم أحياء فإن الأخلاق الإنسانية ينبغي أن تحتفظ لهم بكرامتهم وهم أموات.
649
| 23 أكتوبر 2013
مشكلة مصر الآن أنها تتحرك في مسار خارج التاريخ، ويخشى أن تجر العالم العربي وراءها في نهاية المطاف. (1) من يطالع الصحف المصرية هذه الأيام ويتابع تصريحات السياسيين التي باتت تتنافس في مغازلة المؤسسة العسكرية والمزايدة على دورها، ربما لا يخطر على باله أن عناوين الصحف وتعليقات محرريها وتصريحات أهل السياسة تكاد تكون صورة طبق الأصل مما كان يتردد في تركيا قبل نصف قرن تقريبا، ذلك أن أي قارئ لتاريخ عسكرة المجتمع التركي يلاحظ أن الأصوات الداعية إلى تدخل القوات المسلحة لإنقاذ البلد من الفوضى والانهيار كانت تتردد عالية عند كل أزمة سياسية. وفى ظل هشاشة الوضع السياسي وضعفه فإن الجميع كانوا يعتبرون الجيش هو المخلِّص والمنقذ. وقد كان له رصيده الذي يسمح له بذلك، لأنه أنقذ البلد من الاحتلال إبان الحرب العالمية الأولى، وهو الذي أسس الجمهورية، وقاد عملية تحديث الدولة. وهى الخلفية التي ظلت توظف لصالح عسكرة المجتمع منذ تأسيس الجمهورية فى عشرينيات القرن الماضي، ولنحو ثمانين سنة لاحقة بعد ذلك. السيناريو المكرر والمحفوظ كانت فصوله تتابع على النحو التالي: الأحزاب الضعيفة تفشل في إدارة الدولة ــ ترتفع الأصوات داعية إلى قيام الجيش بدور المنقذ ــ الجيش يقدم إنذارا للحكومة لكي تتحمل مسؤوليتها ــ بعد الإنذار يعلن الجيش الانقلاب، ويتولى إدارة البلاد وترتيب الأوضاع المنفلتة. ولا تكاد تستمر بضع سنوات (عشر في الأغلب) حتى تتكرر الأزمة وتتردد الأصوات والدعوات ذاتها، ثم يتقدم الجيش بإنذاره الذي يعقبه التدخل لاستلام السلطة باعتباره المؤسسة الوحيدة المنضبطة والمتماسكة، والتي تمتلك قوة السلاح على الأرض، وهو ما تكرر مع الانقلابات التي توالت عام 1960، ثم عام 1971 وعام 1980، وصولا إلى انقلاب عام 1997 الذي وصف بأنه انقلاب ناعم. أو ما بعد حداثى. وكانت نقطة الانطلاق فى كل تلك الانقلابات أن الجيش اعتبر نفسه مسؤولا عن حماية مبادئ الجمهورية التركية إلى جانب وظيفته في حماية الوطن. وبمقتضى تلك المسؤولية فإنه فرض نفسه وصيا على المجتمع، وقد قنن دستور عام 1982 تلك الوصاية التي باشرها مجلس الأمن الوطني الذي شكل مكاتب استشارية لمختلف شؤون البلاد العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والإعلامية.. إلخ. وقد جرى استنفار المؤسسة العسكرية بعد انتخابات عام 1995 التي حققت فوزا نسبيا لحزب الرفاة ذي الخلفية الإسلامية، مما أدى إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القديم، رأسها آنذاك نجم الدين أربكان زعيم الرفاة، فردت القيادة العسكرية باستنهاض أصابعها المنتشرة في مفاصل الدولة وسلطة القرار. إلى أن أجبرت أربكان على الاستقالة من منصبه في عام 1997. (2) الرياح التي تهب على مصر منذ عزل الدكتور محمد مرسي تمضي في ذات الاتجاه المعاكس للتاريخ، ذلك أنه بعد إنهاء مهمة المجلس العسكري في عام 2012. وانتعاش الآمال التي علقت على إمكانية التحول الديمقراطي وإقامة مؤسسات إدارة المجتمع، تبدد ذلك كله في الثالث من يوليو. بعدما تم عزل الرئيس المنتخب، وجمِّد الدستور وحل مجلس الشورى وغيره من المجالس التي كان قد تم تشكيلها، وبدا الاتجاه واضحا في المراهنة على المؤسسة العسكرية وتعزيز قوة الدولة في مواجهة المجتمع، وفي هذه الأجواء جرى الإعداد لاستصدار دستور جديد من خلال مجموعة مختارة وليست منتخبة، وأصبحت المؤسسة العسكرية بحكم الأمر الواقع هي مصدر السلطات وصاحبة القرار في تشكيل الوضع المستجد. وفي ذلك فإنها لم تفرض نفسها على المجتمع ولكن الذي حدث أن خطاها لقيت تأييدا وترحيبا من النخب والقوى المدنية باختلاف توجهاتها، الليبرالية والقومية واليسارية، وكانت وسائل الإعلام هي القوة الضاربة، التي نجحت في «تصنيع الموافقة» ــ على حد تعبير تشومسكي، حين استثمرت إخفاقات حكم الدكتور محمد مرسي في تعبئة الجماهير وتحريضها ضد نظامه، ووقوفها بالتالي إلى جانب معسكر المراهنة على المؤسسة العسكرية. في ظل الوضع المستجد أصبح الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة هو مرشح رئاسة الجمهورية الذي التفت حوله القوى المدنية، واكتسب حضور القوات المسلحة في اللجنة المعنية بوضع الدستور أهمية خاصة، حيث أثير لغط حول حصانة وزير الدفاع واشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيينه، الأمر الذي يسحب تلك السلطة من رئيس الدولة أو رئيس الحكومة. وكحل وسط اقترحت فكرة تطبيق ذلك المبدأ خلال فترة انتقالية تتراوح بين عشر واثنتي عشرة سنة. وجرى التمسك بمبدأ محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، التي هي ليست محاكم مستقلة أصلا، لكنها خاضعة لأمر وزير الدفاع. في هذه الأجواء قرأنا في جريدة «الشروق» (عدد 5/10) تصريحات مهمة لمصدر عسكري ذكر رئيس تحرير الجريدة إنه قريب من المؤسسة العسكرية، وركز في تصريحاته على ما يلي: < إن خبرة السنوات الأخيرة أثبتت للجميع أن الجيش هو القوة الوحيدة الموجودة على أرض مصر في الوقت الراهن ولفترة مقبلة. وذلك بسبب ضعف معظم الأحزاب السياسية المدنية. وبالتالي لابد أن نعطي هذا الجيش أدوات تساعده على حفظ البلاد، كي لا تصبح فريسة لأي تنظيم أو جماعة منظمة تريد تغيير هوية مصر بأكملها. < إن ظروف مصر لا تسمح بتسليم الجيش لرئيس لا نعرفه. والمنطقي ألا يفقد الشعب السلاح الذي يملكه وهو جيشه الوطني.. ولا نريد أن نواجه احتمال أن يصل شخص متنكر في زي مدني إلى الرئاسة، ويعين من يشاء وزيرا للدفاع، الأمر الذي قد ينتهي بتغيير هوية الجيش، لأن ذلك الوزير سيتولى تعيين قادة الأفرع والمناطق والجيوش. وهو ما قد يصل بنا إلى تغيير وضع القوات المسلحة لكي تتحول من مؤسسة وطنية جامعة إلى ميليشيا خاصة لجماعة أو حزب. لم تذكر جريدة «الشروق» أن المصدر العسكري يتحدث باسم القوات المسلحة، لكنه عند الحد الأدنى يعبر عن مدرسة أو تيار داخل القوات المسلحة يعتبر أن الجيش هو القوة الوحيدة والسلطة الأعلى في الساحة السياسية المصرية، ثم من موقفه المعارض لتجربة الإخوان وكل ما يشغله هو تجنب تكرار تلك التجربة، بدعوى أنها يمكن أن تؤثر على هوية القوات المسلحة. أما هوية الوطن ومصالحه العليا فهي مسألة في المرتبة التالية من الأهمية. (3) حين يستمر تمدد المؤسسة العسكرية في الفراغ السياسي الراهن ويتصاعد دورها على نحو لم تعد تخطئه عين، فذلك يعنى أن مصر صارت تتحرك خارج مجرى التاريخ. عند الحد الأدنى فهو يعني أن حلم الدولة المدنية الديمقراطية الذي تطلعت إليه ثورة 25 يناير في حالة تراجع وانحسار بحيث لا تكاد توحي المقدمات الملموسة بإمكانية تحقيق شيء منه في الأجل المنظور. إن البناء الذي تجري إقامته الآن في مصر يعاني خللا فادحا في موازين القوة وفي الرؤى، ذلك أنه يتم في ظل قوة وهيمنة المؤسسة العسكرية، وفي ظل مؤسسات مختارة من فئات لا يجمع بينها سوى رفض الإخوان ومخاصمتهم وهؤلاء يمثلون جماعات سياسية هشة لا جمهور لها، حتى باتت تستمد شرعيتها من الاستناد إلى قوة المؤسسة العسكرية والتعلق بأهدابها. وذلك يمثل جوهر الأزمة السياسية في مصر الراهنة. ذلك أن هذا البلد الكبير لا يستطيع أن يقيم بناءه على أساس من تحالف الليبراليين مع العسكر، ولا يستطيع أن يقيم مشروعه على مجرد فكرة إقصاء الإخوان ومواصلة الحرب ضد الإرهاب، وهو ما لاحظته تحليلات غربية عدة ما فتئت تتحدث عن أن مصر تتجه نحو المجهول بعدما تراجع وزنها السياسي وما عاد لها دور يذكر في الشأن الإقليمي. ليس ذلك فحسب، ولكن مصر في ضعفها تجد نفسها مستسلمة لمخططات التعاون الأمني وغير الأمني مع إسرائيل خصوصا أن المؤسسة العسكرية تعد أبرز أركان اتفاقية كامب ديفيد. وربما دفعها المأزق الدولي الذي تواجهه إلى مزيد من التقارب والتفاعل مع إسرائيل. التي يعد النظام الحالي طرفا مريحا ومطمئنا لها، بعكس نظام الرئيس مرسي الذي كانت تتوجس منه ولا تطمئن إليه. هذا الضعف ذاته المقترن بالحيرة والبلبلة التي تعاني منها الرؤية الإستراتيجية للوضع المستجد، دفع مصر إلى الارتماء في أحضان تحالفات عربية مخاصمة للربيع في مجمله ولها ارتباطاتها وولاءاتها التي تتعارض مع أهداف الثورة وأشواق الجماهير العربية، وحين يحدث ذلك في حين تتعرض المنطقة العربية لهزات كبرى من شأنها إعادة رسم خرائطها وإخضاعها لمشروعات التفتيت والتقسيم، فإن ذلك يكشف عن فداحة الثمن الذي يمكن أن يدفعه العالم العربي جراء الهزة والانتكاسة التي حلت بمصر. (4) ليست الصورة محبطة بالكامل. لأن الصدمات والهزات التي تعاني منها أنظمة الربيع العربي تكاد تكون محصورة في الجزء الظاهر من تجليات ذلك الربيع، لكن هناك جزءا غاطسا منه لم يفقد حيويته بعد. وكنت ممن سبق لهم القول إن الربيع في حقيقته هو تحول تاريخي في بنية الإنسان العربي الذي بات ينشد التغيير وأعلن رفضه للظلم السياسي والاجتماعي الذي فرضته عليه الأنظمة. وهذا الذي عبرت عنه سجله تقرير لصحيفة نيويورك تايمز في تقرير نشرته في 18 أكتوبر الحالي تحدث عن مظاهر الحراك الجماهيري المسكوت عليه الذي تشهده دول الخليج العربي جميعها، وفى المقدمة منها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية. وقد كتب التقرير أحد أساتذة العلوم السياسية في جامعة دورهام البريطانية، كريستوفر دافيدسون، وتخير له عنوان دالا هو: نهاية المشيخات. إن مصر إذ تخسر نفسها بأدائها الراهن، فإنها قد تسحب معها العالم العربي أيضا. لكنها وهي تقف خارج مجرى التاريخ، لن تستطيع أن توقف عجلة التاريخ، وتلك من سُنَنْ الله في الكون، التي عبر عنها النص القرآني القائل: «وأن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم» (الآية 38 من سورة محمد).
499
| 22 أكتوبر 2013
قاد الشاب دراجة بخارية غير مرخصة، واختار أن يمضي بها عكس اتجاه السير.. وحين اعترض طريقه أحد رجال شرطة القاهرة، فإنه لم يتردد في إطلاق النار عليه، إلا أن الشرطة لاحقته حتى ألقت القبض عليه وصادرت السلاح الذي معه، أكثر ما أثار انتباهي في الحادث الذي نشر أمس كان الجرأة التي بلغت حد الاستهتار من جانب الشاب. فهو لم يبال بقيادة دراجة غير مرخصة، ولم يجد غضاضة في أن ينطلق بها عكس اتجاه السير، ثم إنه رفض الامتثال لمحاولة إيقافه، وحاول إخافة الشرطة وترهيبها بإطلاق الرصاص عليها. على ذات الصفحة في جريدة «التحرير»، حوادث أخرى اتسم فيها سلوك الأشخاص بالجرأة على القانون والنظام العام، فهذا ساكن اختلف مع جار له في محافظة القليوبية حول لهو الأطفال، فما كان من الأول إلا أن قام بتصنيع قنبلة وألقاها أمام مسكن الثاني لترويعه وتأديبه ــ هكذا بكل بساطة! وفي الشرقية قرأنا أن شابا من أرباب السوابق قطع يد مخبر شرطة حاول التصدي له، وتسبب في إصابة 5 أشخاص بالعمى بعدما أطلق عليهم الرصاص لأنهم تحدوا سطوته، وبعد إلقاء القبض عليه تبين أنه سبق اتهامه في 18 قضية وصادر بحقه 5 أوامر ضبط وإحضار من جانب النيابة العامة. وفي الغربية اصطدمت شاحنة نقل مع جرار زراعي مما أدى إلى وفاة سائق الجرار، فما كان من أهالي قريته إلا أن قطعوا الطريق الزراعي المؤدي إلى عاصمة المحافظة. وفي حادث آخر اشترى شخص سيارة من آخر بقيمة 120 ألف جنيه، سدد منها 20 ألفا فقط، وحين حان موعد سداد المبلغ المتبقي أرسل البائع اثنين يمثلانه لقبض المبلغ فما كان من المشتري إلا أن ألقى القبض على الشخصين بمساعدة آخرين واحتجزهما، ولم يفك أسرهما إلا تدخل الشرطة التي داهمت المكان. ذلك نموذج لحصيلة يوم واحد، لا أظن أنه كان استثنائيا، لأن الظاهرة مستمرة ومؤشرات تصاعدها لم تتوقف منذ ثورة 25 يناير 2011، التي خرجت فيها الجماهير إلى الشارع وعبرت عن مخزون غضبها، الذي انصب على النظام ومؤسسة الشرطة التي كانت أداته طوال ثلاثين عاما على الأقل. وإذ سقط رأس النظام وتضعضعت أركانه، فإن الشرطة التي انسحبت من الأماكن العامة، أصبحت تتحسب لغضب الأهالي، خصوصا بعدما تم إحراق عدد كبير من مقارها وعرباتها. منذ ذلك الحين طرأت متغيرات عدة على الشارع المصري، وعلى علاقة المجتمع بالشرطة، وأهم ما أفرزته تلك المتغيرات أن الشرطة فقدت قدرا لا يستهان به من هيبتها إلى جانب أن حضورها في الشارع المصري أصبح متواضعا، وإذا كان ذلك حاصلا في القاهرة، فلك أن تتصور حال الأقاليم التي لا أشك في أن الغياب فيها صار مضاعفا. وفي هذه الأجواء تمدد الانتهازيون والعاطلون والبلطجية وفرضوا واقعا جديدا على العاصمة صار من الصعب والمكلف جدا تغييره. وهذا الواقع الجديد فرض نفسه على قلب المدينة وأهم شوارعها التجارية التي تعرضت لاحتلال من جانب جيوش الغزاة الذين لا نعرف من أين جاءوا. لكن الشاهد أنهم جميعا تحولوا إلى قوة على الأرض تحدَّت الشرطة والبلدية ولم تستطع دبابات الجيش أو مدرعاته أو أسلاكه الشائكة أن تزحزحهم عن الأماكن التي استوطنوا فيها. إلى جانب غياب الشرطة عن الشارع والجرأة التي جعلت تلك الجموع تتحدى اللوائح والقوانين، فهناك اعتباران جوهريان أسهما في تنامي الظاهرة. الأول أنه منذ قامت الثورة فإن الأجهزة الأمنية ظلت مشغولة بالمظاهرات والأمن السياسي، ولم تعد تكترث بمظاهر الخلل أو الفوضى الأخرى. وفي الوقت الراهن بوجه أخص فإن انصراف الشرطة عن واجبها في حماية النظام العام والقانون، وتركيزها على ملاحقة المظاهرات وتوابعها، صار أمرا محسوما وغير قابل للمناقشة. وهو ما سمعته من بعض قياداتهم، حيث قال لي أحدهم إنه لا صوت يعلو الآن غير صوت المظاهرات. لذلك فإن الشرطة غير مستعدة للاهتمام بأي شيء خارج تلك الدائرة. الأمر الثاني المهم أن البلطجية والعاطلين الذين احتلوا الشوارع أصبحوا عيونا للأجهزة الأمنية وضمن أدواتها، التي تستخدم في مواجهة المعارضين. ولذلك كان طبيعيا أن تغض الطرف عنهم إذا ما تمددوا في الشوارع الرئيسية واستولوا على أجزاء منها. إذا صح ذلك التحليل فمعناه أن المجتمع لن يستشعر الأمن طالما لم يتحقق الاستقرار السياسي في البلد، لأن الشرطة في وضعها الراهن تعتبر أن حماية النظام هو مهمتها الأولى. وإلى أن يحدث ذلك فليس أمام المجتمع سوى أن يدبر حاله ويدافع عن نفسه بنفسه.
438
| 21 أكتوبر 2013
من أخبار أمس أن مصر قررت الاستعانة بكفيل لكي يحسن صورتها ويتولى تسهيل تواصلها مع المؤسسات السياسية الأمريكية. وحسب التقرير الذي نشرته صحيفة الشروق فإن الكفيل المذكور هو إحدى شركات العلاقات العامة والاستشارات السياسية في الولايات المتحدة وتحمل اسم «جلوفر بارك» ومديرها التنفيذي هو إريك بن زيفي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية. وقد سبق له أن خدم في الجيش الإسرائيلي وله خبرة سابقة في تقديم الاستشارات أثناء الانتخابات المختلفة التي جرت في إسرائيل، وهذه الشركة تقدم خدماتها للعديد من الشركات الكبرى في العالم، من بينها شركتا آبل وكوكاكولا. أما أهم عملائها الأجانب فهو جهاز أبوظبي للاستثمار. حسب تقرير «الشروق» فإن المدير الإسرائيلي للشركة ملتزم بتقديم الاستشارات لمصر فيما خص تنفيذ خريطة الطريق وبناء المؤسسات الديمقراطية في البلد، كما تقوم الشركة بعدة أنشطة في مجالات العلاقات العامة والتخطيط الاستراتيجي والتواصل مع الإعلام الأمريكي، وستتولى أيضا إصدار البيانات الصحفية إلى جانب تحليل العلاقات الأمريكية المصرية وفتح قنوات الاتصال بين أعضاء السفارة المصرية وأعضاء الكونجرس والعاملين في المؤسسات والوزارات الأمريكية المختلفة. في التقرير أيضا أن الحكومات المصرية المتعاقبة في ظل حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك دأبت على الاستعانة بخدمات من هذا النوع منذ عام 1989. وقد ظلت تلك الشركات تقوم بمهمتها في الدفاع عن نظام مبارك عقب ثورة 25 يناير (عام 2011). وهو ما استمر طوال فترة حكم المجلس العسكري، إلا أن الرئيس محمد مرسي امتنع عن التعامل مع تلك الشركات خلال السنة التي أمضاها في السلطة. أول انطباع خرجت به من مطالعة التقرير المنشور أنني اعتبرته بمثابة تكذيب للشائعات التي ما برحت تتحدث عن اشتباكات بين القاهرة وواشنطن، وتآمر من جانب إدارة الرئيس باراك أوباما على الحكومة القائمة، وسعيا من جانب إدارته لإعادة الدكتور مرسي والإخوان إلى السلطة، لم يكذب التقرير احتمال أن يكون هناك خلاف في وجهات النظر بين البلدين، فذلك وارد بطبيعة الحال. لكنه لا يرقى إلى مستوى الخصومة أو القطيعة التي قد تدفع مصر إلى محاولة الاستعانة بحليف آخر غير الولايات المتحدة، وهو ما ادعته الأبواق الإعلامية المصرية. إلا أن عقد الكفالة السابق الإشارة إليه أوضح لنا أن ثمة سعيا مصريا جادا للحفاظ على الجسور واستمرار التواصل مع الرئاسة والكونجرس الأمريكيين. وهو سعي حرصت عليه مصر ودفعت مالا كثيرا لكي تقوم به شركة الدعاية الأمريكية. الأمر الثاني الذي وخزني، ولم أستطع أن أبلعه تمثل في حكاية الإسرائيلي الذي يدير شركة العلاقات العامة والذي صار مؤتمنا على القيام بوساطة الخير بين مصر والمؤسسات الأمريكية. صحيح أن المسألة في الأصل عقد عمل «بيزنيس» سيتولى تنفيذه الإسرائيلي المذكور، إلا أنني مع ذلك لم أستطع أن أبلع وجوده في المشهد، لحساسية أعترف بها ونفور تلقائي من كل ما هو إسرائيلي لا أنكره. صحيح أنني كنت أسمع كثيرا عن الدور الذي قامت به إسرائيل في ظل حكم مبارك، وخلال حكم المجلس العسكري وفي أعقاب الانقلاب الأخير للتوسط لصالح النظام المصري، ليس حبا فيه بطبيعة الحال ولكن حفاظا على مصالحها وحرصا منها على اقتناع القاهرة بأن إسرائيل تقف إلى جانبها طالما التزم النظام المصري بمقتضيات حسن السير والسلوك في تعامله مع إسرائيل، فيما تعلق بأمرين أساسيين هما: الالتزام بمعاهدة السلام، والاستمرار في إغلاق معبر رفح وإحكام الحصار حول قطاع غزة. وهناك أمر ثالث غير معلن يتمثل في تثبيت القطيعة مع إيران وإغلاق منافذ التواصل معها. إذا قال قائل إن الرجل إسرائيليا حقا إلا أنه يعمل في شركة أمريكية وينفذ سياستها إلا أنني غير مستعد للاقتناع بأن الأمر بهذه البراءة، ولن أستطيع أن أقيم عازلا بينه وبين سياسة حكومته التي لا أشك في أن لها مصلحة في القيام بأي دور في إنجاح الكفالة التي سعت إليها الحكومة المصرية. الأهم من الكفيل هو بروز الحاجة إلى فكرة الكفالة وإدراك أن الصورة المصرية في الخارج تحتاج إلى ترميم، وتجميل وهو ما فشلت في النهوض به الجهود الدبلوماسية التي تبذل ولا وساطات الحلفاء العرب الجدد، ولا جولات وفود ما سمي بالدبلوماسية الشعبية التي أرسلت إلى عواصم الغرب، ووجدنا أنها تخاطبنا في الداخل من خلال ما تنشره من أخبار بأكثر مما تخاطب الخارج. أما المحير في الأمر فهو المراهنة على نجاح الكفالة، وتجاهل حقيقة أن الذين تحاول أن نتجمل في أعينهم يعرفون عنا الكثير، ولديهم عيونهم وآذانهم في القاهرة، لذلك فإن الجهد الحقيقي ينبغي أن يتجه إلى ترميم الأصل في الداخل بدلا من الالتفاف على الحقيقة وتلوين الصورة ومحاولة تسويقها في الخارج. إننا نتحدث كثيرا عن «أم الدنيا» ونتباهى بها أمام جماهيرنا وهو أمر مفهوم ومقبول في الداخل، أما إقناع الآخرين بتلك «الأمومة» أو ببعضها فذلك ما لا قبل لنا به؛ لأن له شروطا ينبغي أن تستوفى أولا، وأشك كثيرا في أن يتمكن الكفيل من النهوض بها.
398
| 20 أكتوبر 2013
قانون التظاهر الجديد في مصر يثير قلقنا ولا يشجعنا على إحسان الظن بما يجري. أولا بسبب السياق الذي صدر فيه، حيث يبدو حلقة في مسلسل إجراءات تؤسس لدولة أخرى غير تلك التي بشّرتنا به وتطلعت إليه ثورة 25 يناير. وثانياً لمضمونه الذي بمقتضاه تتراجع الثورة كثيراً إلى الوراء على نحو يفقدها أحد أهم مكتسباتها. إذ حين يصدر قانون التظاهر في أعقاب تمديد فترة الحبس الاحتياطي الذي كان ينص قانون الإجراءات الجنائية على ألا تزيد على ثلاثة أشهر، الأمر الذي يعني إطلاق مدة الحبس بحيث تصبح أداة ضغط في أيدي الأجهزة الأمنية، فذلك يعني أن ثمة تراجعا في إحدى ضمانات العدالة. وحين يجري تعديل قانون العقوبات للتوسع في مفهوم الإرهاب -الذي هو فضفاض ومطاط في الأساس- فذلك يفتح الباب لتوجيه التهمة لكل من تسول له نفسه أن يعارض. وحين يقرر وزير العدل إجراء محاكمة 140 متهماً في قضية مسجد الفتح داخل سجن أبو زعبل، في سابقة هي الأولى من نوعها، فذلك يعني أن إجراءات وضمانات العدالة تتعرض للعبث والإهدار. وقل مثل ذلك عن إجراء التحقيقات في أماكن الاعتقال، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وما يتردد عن منع المحامين من حضور التحقيقات مع المتهمين أو التواصل معهم، وما يشاع عن تعذيب لبعضهم وحرمان البعض الآخر من العلاج والدواء، مرورا بالتوسع في الاعتقالات والملاحقات الأمنية وانتهاء بالتضييق على المنظمات الحقوقية التي تحاول تقصي حقائق الحوادث الجسيمة التي وقعت جراء فض الاعتصامات بالقوة، ما أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى. فضلا عن الأعداد غير المعروفة للذين حرقت أجسامهم. حين تصبح في مواجهة مثل هذه الأجواء التي تضعنا بإزاء مواقف ظننا أننا تجاوزناها بالثورة، وأنها كانت من سمات زمن غابر لن يعود، فمن حقنا أن نستفز ونستنفر وأن نتساءل بصوت عال قائلين: إلى أين نحن ذاهبون؟ ليس سراً أن السؤال يتردد على ألسنة أعداد غير قليلة من الحقوقيين والناشطين المصريين طول الوقت، لكنني أزعم أن طرحه صار أكثر إلحاحا وأوجب بعد الاطلاع على نسخة قانون تنظيم التظاهر التي اعتمدها مجلس الوزراء وقدمها إلى رئيس الجمهورية للتوقيع. وقد قيل لنا إن المشروع له أصل تم إعداده في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وذلك لا يشفع له من حيث المبدأ، ثم إنني فهمت من المستشار أحمد مكي وزير العدل السابق أن ثمة اختلافات جوهرية بين السابق واللاحق، وأن الأخير حفل بالضوابط والقيود التي حاصرت حق التظاهر السلمي حتى أفرغته من مضمونه وحولته إلى قانون لتحريم التظاهر وليس لتنظيمه. من الملاحظات التي أبداها المستشار مكي، أن القانون الجديد ابتدع تصنيفات للتحركات الجماهيرية. ففرق بين الاجتماع العام والموكب والمظاهرة، وحظر ممارسة تلك الأنشطة كلها في أماكن العبادة. في حين أن المشروع السابق أجازها، واشترط فقط ألا تتجاوز الحرم المخصص لتلك الأماكن. الأخطر من ذلك أن القانون الجديد حظر الاعتصام أو المبيت في الأماكن العامة تحت أي سبب. كما عاقب بغرامة بين ألف وخمسة آلاف جنيه كل من قام بتنظيم اجتماع عام أو موكب أو مظاهرة دون إخطار الجهات المعنية بذلك، في حين أن المشروع السابق خلا من العقاب في هذه الحالة، الأمر الذي فهم منه أن الأصل هو الإباحة. في القانون الجديد نص يبيح للمحافظ أن يحدد أماكن للمظاهرات والمواكب وأعطاه الحق في أن يبين الحدود القصوى لأعداد المجتمعين، وحظر عليهم في هذه الحالة التحرك خارج نطاق تلك الأماكن، في حين أن القانون السابق كان خلوا من فكرة تحديد أعداد المتظاهرين. بل إنه نص على جواز تحديد أماكن للتظاهر دون إخطار. في القانون أيضاً تحديد لحرم أمام الأماكن العامة يجوز التظاهر فيه حده، الأدنى مائة متر والأقصى ثلاثمائة، وهو ما يمنع التظاهر عمليا أمام العديد من الجهات التي لا تتوفر فيها مثل هذه المساحات. في حين أن المشروع السابق كان يسمح بالتظاهر في منطقة الحرم دون حد أدنى بحيث يبدأ من متر وحتى 300 متر. انتقدت المنظمات الحقوقية المصرية المشروع الذي أعد في عهد الدكتور مرسي، ولم يقدر له أن يرى النور رغم إرساله إلى مجلس الشورى لمناقشته. أما المشروع الجديد الذي وضع قيودا شديدة على التظاهر ومنع الاعتصام فقد تعذر إيقافه، وإنما تم تمريره أمام مجلس الوزراء بفضل الضغوط الأمنية التي مورست وألغت أي تأثير للقوى الليبرالية التي سلمت بالأمر. إلا أن ذلك لم يغير شيئا من المخاوف المثارة وإنما جدد السؤال القلق حول المسار والمآلات التي تنتظر البلد في ظل استمرار تلك الخطى، الأمر الذي يقرب إلى الأذهان جمهورية الخوف، ويجعل من الجمهورية المدنية الديمقراطية حلما بقي عالقا في الفضاء، ولم يقدر له أن ينزل على الأرض بعد.
412
| 19 أكتوبر 2013
طوال الأسبوع الماضي ظلت مصر تشحن وتعبأ لصالح ذلك اليوم. ولم تقصر وسائل الإعلام عندنا في إحاطتنا علما بتفاصيل من كان جاهزا من الفريق ومن توعك ومن ينتظر تقرير الطبيب، ومن ترشح ومن استبعد. حتى إذا حل موعد السفر فإننا تابعنا الرحلة وشاع القلق بين البعض حين علموا أن الفندق الذي سينزلون فيه لم يكن مريحاً بما يكفي. حتى إذا اقترب موعد المباراة فإن جريدة «الأهرام» اعتبرتها أحد أهم حدثين في الكرة الأرضية، فكان العنوان الرئيسي الأول لعدد الإثنين 14/10 أن أمريكا مهددة بالإفلاس، وقد نشر باللون الأسود. أما العنوان الرئيسي الثاني فقد كان عن احتفال مصر بالعيد وتطلعها إلى مجد كروي جديد- ولأنه الحدث الأهم إعلاميا فقد جرى إبرازه على ثمانية أعمدة وباللون الأحمر. لم يكن ذلك موقف الأهرام وحدها، ولكن بقية الصحف شاركت في التعبئة بنفس الدرجة من الحماس. فمنها من اعتبر المباراة لحظة انطلاق الفراعنة نحو المجد، ومنها من اعتبر الفوز هو «العيدية» التي سيتلقاها المصريون هذا العام، ومنهم من ادعى أن ألسنة الحجاج المصريين ظلت تلهج بالدعاء على عرفات راجية من الله سبحانه وتعالى أن يسدد «خطى» اللاعبين المصريين في مباراة كوماسي. وعبر أحدهم عن استعداده للتضحية مؤقتا بمشاعره المعادية للإخوان فكتب عن أبو تريكة قائلا إنه رغم أنه محسوب عليهم، فيمكن أن نغفر له جريرته إذا أحرزنا الأهداف بقدمه المبروكة. ولم يقصر آخرون في مغازلته (على عيبه!) فوصف في أكثر من تعليق بأنه صانع بهجة المصريين. ثم كانت الصدمة بالنتيجة التي ليس لدي ما أقوله بخصوصها، لأن ذلك شأن غيري من أهل الاختصاص، وإن كنت قد لاحظت أن أبو تريكة أحرز هدفاً واحداً لا أعرف إن كان سيوفر له بعض الغفران أم لا. لاحظت أيضاً أن التعليقات التي انهالت على مواقع التواصل الاجتماعي أدخلت السياسة في الموضوع. فنسب أحدها تصريحا للمتحدث العسكري قال فيه إن الأهداف ليست سوى مؤامرة من شبكة الجزيرة صاحبة الحق في بث المباراة، وتعددت تعليقات- ومزايدة- مؤيدي النظام ومعارضيه قرأنا لمن قال إن الشماتة دليل على انفصال الجماعة عن الوطن، الأمر الذي وجدته دالا على المدى الذي اختزل فيه الوطن بحيث أصبح المنتخب القومي رمزا له. وهو ما أشعرني بالذنب في لحظة، لأنني لم أكن مهتماً بالموضوع من الأساس، الأمر الذي يرشحني بمقتضى ذلك المعيار للخروج ومعي ملايين المصريين من أمثالي من إطار الجماعة الوطنية. ما دعاني للنظر إلى الموضوع هو الإسراف في التعامل معه إلى الحد الذي وضع الهزيمة في غانا على قدم المساواة مع نكسة يونيو عام 1967. وأرجو أن تكون قد لاحظت أن اعتراضي الأساسي منصب ليس على الاهتمام بالموضوع لكن ذلك الإسراف في الاهتمام به. وإذ أفهم أن كرة القدم أصبحت شيئا مهما في حياة المجتمعات الإنسانية المعاصرة، وأن المهووسين بها موجودون في الدول المتقدمة والنامية على السواء، لكنني أفرق بين أن تكون أحد الأشياء المهمة في المجتمع، وبين أن تصبح اهتمامه الوحيد. وأزعم في هذا الصدد أن توازن المجتمع بل وتقدمه أيضاً يقاس بمقدار ما يحققه من إنجاز في العديد من المجالات ومنها كرة القدم بطبيعة الحال. إن ما يشعرني بالإحباط وخيبة الأمل أن يصدم المجتمع المصري جراء الهزيمة القاسية التي لقيها المنتخب القومي في غانا، في حين لا تهتز شعرة في بر مصر ولا يعبر أحد عن الأسف والحزن حين يعلن تقرير التنافسية العالمية (لعام 2013-2014) مثلا أن مصر تحتل المرتبة الأخيرة في جودة التعليم الأساسي. وحين يسجل التقرير السنوي الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي شهادة محزنة تسجل معدلات التخلف والتراجع التي تعاني منها مصر في الوقت الراهن، في مجالات الكفاءة والاقتصاد. ولا تسأل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بطبيعة الحال. أتصور أن المسؤولين في مصر سوف يعلنون الطوارئ بعد عودة المنتخب من غانا لمحاولة إنقاذ مستقبل «الفراعنة» في رحلة المونديال. وأستحي أن أدعو بالمناسبة إلى توسيع نطاق المناقشات المفترضة بحيث يضم إلى جانب ملف كرة القدم بقية ملفات التراجع والانتكاسات الحقيقية الأخرى، لا لكي نحلها وإن تمنيت ذلك، ولكن لكي ننتبه إلى أنها موجودة، ربما فكر أحد في حلها في وقت لاحق. بالمناسبة هل يمكن أن يفسر لي أحدهم لماذا لا نتذكر الفراعنة إلا في كرة القدم فقط؟ وهل نكون فراعنة إذا انتصرنا، وإذا انتكسنا نصبح مصريين فقط؟
431
| 17 أكتوبر 2013
نصحت بألا أتطرق إلى موضوع شهداء وضحايا الاعتصامات والتظاهرات التي شهدتها مصر خلال الشهرين الأخيرين. وقد تلقيت النصيحة من بعض المعنيين بالموضوع، حين رجعت إليهم محاولا التعرف على أرقام وأوضاع أولئك الضحايا. وكان ظني ولا يزال أنه من الناحية الأخلاقية والإنسانية، ينبغي أن نتذكر هؤلاء في مناسبة العيد، وأن فرحتنا تظل منقوصة ومجرّحة طالما يعيش بيننا أناس دمرت حياتهم بعدما فقدوا أعزاءهم جراء صراعات السياسة وتجاذباتها. وإذا لم نستطع أن نقدم إليهم شيئا يواسيهم ويعينهم على الصبر، فلا أقل من أن نشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك قلوباً تحيط بهم وتتعاطف معهم. وهي رسالة تمنيت أن نوصلها إلى أهالي كل الأبرياء الذين استشهدوا أو أصيبوا، سواء كانوا جنودا خرجوا يؤدون واجبهم أم مواطنين عاديين خرجوا يعبرون عن قناعاتهم. تحذير الناصحين انصب على ذكر الأخيرين، لأن وضع أهالي الجنود أفضل بصورة نسبية، على الأقل لأن الدولة لم تقصر في تكريم الراحلين ولا في رعاية ذويهم، كما أن المجتمع أعرب عن تقديره لهم. ومع ذلك يظل التعاطف معهم واجباً. أما ضحايا فض الاعتصامات والتظاهرات فالحديث عنهم غير مستحب أصلا ــ هكذا قيل لي ــ وإغلاق ملفهم يظل خياراً أفضل للذين يريدون إيثار السلامة. لم يقنعني هذا المنطق الذي اعتبرته تعبيرا عن النذالة السياسية، التي تهدر ما هو أخلاقي وإنساني لصالح ما هو سياسي وانتهازي. إذ لم أتصور أن يفجع ألوف من البشر بفقد أو عجز أعزائهم، ويفقدون في ذات الوقت موارد رزقهم ثم تتخلى الدولة بالكامل عنهم، وفي ذات الوقت لا يلقون أي اهتمام من جانب مؤسسات المجتمع المدني، ثم نتجاهلهم ونضن عليهم بكلمة طيبة في مناسبة العيد لمجرد خلاف الرأي معهم. من نصحني أضاف أمرا آخر لم يخطر لي على بال، وهو أن أهالي الضحايا أصبحوا يؤثرون الصمت ويتوارون حتى لا تلاحقهم اللعنة، فتمارس عليهم الأجهزة الأمنية ضغوطها ــ وما أدراك ما هي ــ وفي ذات الوقت يتعرضون لاعتداءات البلطجية الذين صارت عائلات وحرمات وأموال أولئك الضحايا مستباحة لهم. وهو ما يعني أن أهالي الضحايا لم يفقدوا ذويهم ومواردهم ولم تكترث بهم الدولة فحسب، ولكنهم فقدوا أيضا اعتبارهم في المجتمع جراء حملة الشيطنة والكراهية التي عبأت الفضاء المصري إزاءهم طوال الأشهر الماضية. حين واصلت تحري الأمر توصلت إلى الخلاصات التالية: * أن ثمة صعوبات بالغة في حصر ضحايا فض الاعتصامات والتظاهرات. والمصدر الأساسي لتلك الصعوبة يتمثل في عدم وجود رغبة سياسية في تبيان الحقيقة كما يقول الأستاذ جمال عيد الناشط الحقوقي المعروف. لذلك فإن الأجهزة والمؤسسات الرسمية إما أنها تمتنع عن تقديم بيانات الضحايا، أو أنها تقدم للباحثين أرقاما غير حقيقية تبرئ ساحة السلطة. ينطبق ذلك على وزارة الصحة ومستشفياتها والإسعاف والمشرحة وكل جهة أخرى تعاملت مع القتلى والمصابين. * أن المنظمات الحقوقية المصرية تحاول تجميع أكبر قدر من حقائق ما جرى، لكنها لم تخلص أي شيء حتى الآن، ينطبق ذلك على المجلس القومي لحقوق الإنسان وثلاثة مراكز حقوقية أخرى على الأقل هي: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز النديم. *أن الجهة الوحيدة التي قطعت شوطا بعيدا في التوثيق هي اللجنة الطبية التي أشرفت على المستشفى الميداني في رابعة العدوية. إذ استطاعت توثيق أكثر من ثلاثة آلاف حالة قتل و30 ألف إصابة تحتاج إلى علاج بينها 4 آلاف حالة كسور في العظام و15 حالة شلل رباعي و27 حالة فقدان للبصر كلي أو جزئي. وهناك تقديرات للمفقودين، واحد يتحدث عن 400 شخص وآخر يرتفع بالرقم إلى ألف. * الأرقام السابقة لا تشمل ضحايا فض اعتصام ميدان النهضة الذي لم تستطع اللجنة المذكورة أن تتثبت من أعدادهم أو هوياتهم، لعدة أسباب منها أن تركيزها الأكبر كان منصبا على اعتصام رابعة وما جرى في أنحاء القاهرة وبعض المدن الأخرى. من تلك الأسباب أيضا أن الأجهزة الأمنية أزالت بسرعة آثار فض الاعتصام. * هناك جهد متواضع يبذله بعض الشباب الذين اهتموا بتوثيق ما جرى منذ ثورة 25 يناير، وجهد مواز يبذله بعض أخصائيي علم النفس العاملين في منظمة «مدى» لإعادة تأهيل أهالي الضحايا وتمكينهم من احتمال الصدمة وتطبيع علاقتهم بالمجتمع. أرجو أن نتذكر في هذا المناسبة أن شهداء وضحايا ثورة ٢٥ يناير لم يلقوا ما يستحقونه من رعاية، ناهيك عن أن أحدا لم يحاسب على الجرائم التي ارتكبت بحقهم. وفي الأجواء الراهنة، هل سنحتاج إلى تصريح من الأجهزة الأمنية لكي نقول لأهالي جميع الشهداء كل سنة وأنتم طيبون وصابرون؟
426
| 16 أكتوبر 2013
إذا لم تستطع مصر أن تؤثر في محيطها، فلا أقل من أن تحاول تفهم الذي يجري فيه. خصوصا إذا كانت تفاعلات المحيط من الأهمية والإثارة بحيث لا ينبغي تجاهله. (1) مصر فقدت تأثيرها حقا، حتى على المستوى الإقليمي، إلا أنها لم تفقد أهميتها، لذلك فهي موجودة في الملفات وغائبة عن الطاولات، أعني أن اللاعبين الكبار يناقشون أوضاعها في سياق بحثهم لخرائط المنطقة العربية التي تضم عدة عناوين أخرى إلا أنها لا تشارك في تلك المناقشات، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إنها حاضرة وغائبة في الوقت نفسه. هذه خلاصة خرجت بها من زيارة خاطفة قمت بها خارج مصر، التقيت خلالها أناسا ممن يعرفون أكثر مما ينبغي، وسمعت منهم كلاما لا أستطيع أن أكتمه. وقد قبلوا أن أنقل عنهم بعض ما قالوه شريطة ألا أذكر شيئا عن أشخاص القائلين أو مكان لقياهم. ما فهمته أن ثمة قلقا في الدوائر الغربية إزاء عدم استقرار الأوضاع في مصر. وأن المناقشات الدائرة حول مستقبل الإقليم لم تتوقف في ست عواصم على الأقل هي بروكسل وإسطنبول وجنيف ولندن وباريس وأديس أبابا (مقر منظمة الوحدة الإفريقية)، وقد تطرقت تلك المناقشات في أحد الاجتماعات إلى الحديث عن بعض تفاصيل المستقبل في مصر، وألقيت في ذلك الاجتماع أسماء بعض المرشحين المدنيين لرئاسة الجمهورية. فهمت أيضا أن الأطراف الحقوقية في لندن وجنيف على الأقل معنية بتقصي حقائق النتائج التي ترتبت على فض الاعتصامات والتظاهرات في القاهرة وبعض المدن الأخرى. وفي الوقت الراهن فإن الاتحاد الأوروبي تلقى حتى الآن قائمة بأسماء 1700 شخص قتلوا يوم 14 أغسطس أثناء فض اعتصامي رابعة والنهضة، وهو رقم مرشح للزيادة، كما أن هناك تقريرا آخر أمام تلك الأطراف الحقوقية يتعلق بنوعية الأسلحة التي استخدمت في فض الاعتصامات، تقوم بدراسته مجموعة من كبار المحامين في إنجلترا. وهي ذات المجموعة التي لاحقت المسؤولين عن الجرائم التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، خلال الصدام الدموي الذي حدث بين الجيش وبين جبهة الإنقاذ، جراء إلغاء الجيش لنتائج الانتخابات التي فازت فيها الجبهة. (2) فيما خص الإقليم سمعت الملاحظات التالية: < أن موازين القوى تغيرت في العالم العربي، بحيث أصبحت السعودية هي اللاعب الأساسي في المشرق، وباتت الجزائر لاعبا أساسيا في المغرب. وقد أصبحت السعودية تقود محورا في المشرق يضم دولة الإمارات والأردن والكويت بدرجة أخرى، وباتت تلعب دورا أساسيا في مقاومة النظام السوري كما أن دورها ليس خافيا في لبنان ولا في دعم أهل السنة في العراق. ومع ذلك فإن أوضاع الحكم الداخلية ليست مستقرة تماما، لأن ثمة لغطا في دوائر السلطة حول ترتيبات مرحلة ما بعد الملك عبدالله (89 عاما) الذي اعتلت صحته، إضافة إلى أعراض المرض التي ظهرت على الأمير سلمان ولي العهد (77 عاما)، وهو ما فتح الأبواب لتجاذب مكتوم بين أجنحة الأسرة المالكة. في بلاد المغرب يتنامى دور الجزائر، التي لم تسلم من القلق الداخلي بسبب اتجاه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (75 عاما) إلى الترشح لولاية رابعة. تجلى ذلك في الدور الذي يحاول أن يلعبه للوساطة في تونس، حين استقبل أحد السياسيين المعارضين القائد السبسي مؤسس حركة نداء تونس والشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في مسعى للوساطة بينهما. وهو ما تزامن مع اجتماعات لمسؤولي الأجهزة الأمنية شهدتها العاصمة الجزائرية لترتيب الأوضاع في منطقة المغرب، خصوصا في ليبيا. < الاجتماع الذي عقد في الجزائر شارك فيه ممثلون عن أجهزة الاستخبارات في السعودية والإمارات، نظرا لأن الدولتين تحاولان لعب أدوار بصياغات مختلفة في بعض دول المنطقة، خصوصا تونس وليبيا. وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي تسعى فيها الدولتان إلى التأثير في الخرائط السياسية بالمغرب. وقد فهم أن الهدف من ذلك هو إضعاف دور التيارات الإسلامية التي برزت في هذين البلدين في دائرة القرار السياسي. < تنفس الجميع الصعداء لأن القصف العسكري لسوريا لم يتم، رغم أن بعض الدول العربية لم يسعدها ذلك، بالتالي فإن سيناريو ما بعد القصف الذي أقلق الجيران تأجل تنفيذه على الأقل. إلا أن الدول الأوروبية لاتزال تعبر عن قلقها إزاء توافد عناصر من الشيعة للدفاع عن نظام الأسد. وهؤلاء ليسوا مقصورين على حزب الله والمقاتلين العراقيين، وإنما هناك متطوعون من دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان والهند. كما أن هناك متطوعين من الحوثيين في اليمن. وهناك تفكير لاستصدار قرار من مجلس الأمن يطالب بإخراج المقاتلين الأجانب من الأراضي السورية، قبل أي تسوية منتظرة. (3) إذا جاز لنا أن نقول إن هذا الذي ذكرته يدخل في صلب اهتمامات الأطراف الإقليمية التي يمكن تشبيهها بأندية الدرجة الثانية، فإن اللاعبين الكبار من أندية الدرجة الأولى ــ لها اهتمامات أخرى أهم وأعمق، ما يهمنا من تلك الاهتمامات أمران لا ثالث لهما هما: الكشف عن مخزون السلاح الكيماوي الذي تملكه سوريا، الاتصال الهاتفي الذي تم بين الرئيسين الأمريكي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني. والأول يحل مشكلة لإسرائيل التي ظل يؤرقها طوال السنوات الأخيرة كمياوي سوريا والبرنامج النووي الإيراني. وبالتخلص من الكيماوي تفقد سوريا أهم سلاح إستراتيجي تملكه، وفي الوقت نفسه ينزاح نصف الهم الإسرائيلي، وبقي النصف الثاني المتمثل في النووي الإيراني الذي هو محل مساومة الآن. في الوقت نفسه، فإن تفاهم واشنطن وموسكو على التخلص من الكيماوي السوري فاجأ الأطراف العربية (المخابرات السعودية خاصة) التي راهنت على توجيه الضربة العسكرية إلى سوريا، ووطدت نفسها على التعامل مع مرحلة ما بعد القصف. أصداء الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأمريكي والإيراني أقوى وأبعد بكثير مما يبدو على السطح. ذلك أنه قلب كثيرا من المعادلات المستقرة في المنطقة. فدول الخليج التي كانت تراهن دائما على توتر العلاقات وتضارب المصالح بين طهران وواشنطن، أصبحت في حيرة من أمرها، حيث باتت تشعر بأنها صارت في الموقف الأضعف أمام تنامي الدور الإقليمي والدولي لإيران. لا يقف صدى التفاهم الأمريكي الإيراني عند حدود الخليج، وكونه فتح الباب لكي تصبح إيران طرفا أكثر فعالية في الشأن الإقليمي (لاحظ أنها موجودة في سوريا والعراق ولبنان واليمن). وإنما أدى ذلك إلى تراجع نسبي في الدور التركي الذي لم يعد يحظى بالحماس الأمريكي منذ تولى السلطة حزب العدالة والتنمية ورئاسة عبدالله جول وطيب أردوغان. لذلك فإنه إذا كان العام الماضي قد شهد حضورا قويا لتركيا في العالم العربي (باستثناء سوريا) فإن إيران بصدد احتلال تلك المكانة مع نهاية العام الحالي خصوصا أن الإدارة الأمريكية أصبحت تتحدث عن إيران في المحافل الدولية هذه الأيام بحسبانها دولة أصبحت معتدلة ومنفتحة على الآخرين. ومن الواضح أن طهران حريصة على تأكيد هذه الصورة، وهو ما كان ملاحظا في خطوط الاتصال التي انفتحت مؤخرا بين أنقرة وطهران، وفي تجدد الاتصالات بين إيران حركة حماس بعد فتور نسبي استمر طوال العامين الأخيرين. وقد عقد اجتماع لهذا الغرض بأنقرة في نهاية الأسبوع الماضي بين السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وبين أحد أهم المسؤولين الإيرانيين عن ملف المشرق العربي. وتلك هي المرة الأولى التي عقد فيها مثل ذلك الاجتماع الذي كانت طهران ترفض عقده خارج أراضيها. (4) إلى الآن تبدو إسرائيل هي الفائز الأكبر من التحولات الجارية، حيث يعد تخلصها من الكيماوي السوري إنجازا كبيرا أهدي إليها بالمجان. الأمر الذي سيمكنها من التفرغ للتعامل مع النووي الإيراني. ومن آيات فوزها أيضا أن قضية فلسطين لم تعد تذكر في الحوارات والمداولات التي تجرى، وربما لاحظت أنني لم أشر إليها في عرض التفاعلات الحاصلة في الإقليم أو خارجه، وإذا أضفت إلى ذلك مؤشرات التعثر أو التراجع الحاصل في دول الربيع العربي، فإن تلك العوامل في مجموعها توفر لإسرائيل أفضل الأجواء لممارسة ما يمكن أن يسمى بالاسترخاء الإستراتيجي، الذي لا يعزز شعورها بالاطمئنان فحسب، وإنما يسمح لها بأن تمارس خطط الاستيطان والتهويد وابتلاع الأراضي الفلسطينية دون عائق يذكر. من ناحية أخرى، فإننا نلاحظ أن غياب التأثير ليس مقصورا على مصر وحدها، لكنه انصرف إلى العالم العربي بذات القدر. كأنما حين غابت مصر غاب العرب، وأصبح أداء الأخيرين مقصورا على اللعب مع أندية «الدرجة الثانية» في جنبات العالم العربي. وفي الوقت الذي تلوح فيه مؤشرات تصاعد أسهم إيران فإن تركيا تمر الآن بمرحلة مراجعة ونقد للذات، ليس فقط للحفاظ على تماسكها في مواجهة العواصف التي باتت تهب عليها من كل صوب، ولكن أيضا لأنها مقبلة على انتخابات حاسمة بلدية ورئاسية في العام المقبل. ما يبعث على الحيرة والدهشة في آن، أن بعض الأطراف العربية وهي ترى التحولات التي تتفاعل في محيطها لم يخطر لها أن تعيد النظر في أوضاعها لكي تستعيد دورها وعافيتها، ولكنها راحت تتطلع إلى الولايات المتحدة في محاولة من جانبها لمد الجسور مع الجمهوريين في واشنطن للضغط على الرئيس أوباما لتغيير سياساته تجاهها. وذلك إذا صح فإنه يعني أن تلك أطراف لا ينبغي المراهنة عليها ولا أمل فيها في الأجل المنظور على الأقل.
394
| 15 أكتوبر 2013
حين تورط صاحبنا في تصريح دعا فيه إلى فتح معبر رفح أمام فلسطينيي قطاع غزة، فإنه تعرض للاتهام والتجريح من قبل من وصفوا بأنهم «سياسيون»، إذ اعتبر كلامه دليلا على الجهل بمقتضيات الأمن القومي لمصر. وكان ذلك هو العنوان الذي نشرته جريدة الأهرام على ستة أعمدة يوم الخميس الماضي 10/10. وأصل الحكاية أن السيد حمدين صباحي مؤسس التيار الشعبي والقيادي في جبهة الإنقاذ كان قد التقى بعضا من ممثلي حركة حماس يتقدمهم الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، وفي أعقاب اللقاء قال السيد صباحي كلامه الذي استفز أولئك النفر من السياسيين الذين كنت أتصور أنهم أدرى من غيرهم بحقائق الموضوع. وبالتالي توقعت منهم أن يكونوا أكثر رصانة ومسؤولية في التعبير عن آرائهم إزاءه. لكن ما قرأناه منسوبا إليهم فيما نشرته «الأهرام» يكشف عن بعض أوجه الأزمة التي تعاني منها بعض عناصر النخبة المصرية الجديدة، التي تعاني الفقر في الإدراك والمعرفة، ينطبق ذلك على قائمة طويلة ممن يكتسبون تلك الألقاب الكبيرة بمجرد ظهورهم على شاشات التلفزيون الذي يوزع عليهم تلك الألقاب بالمجان. النقطة الجوهرية والتي اتكأ عليها أولئك السياسيون هي أن فتح معبر رفح يعد تهديدا للأمن القومي المصري، لم يقل أحد لماذا يعد كذلك، ولا أورد واقعة واحدة تدعم ذلك الرأي، لكنهم اعتمدوا على الانطباع الشائع في أوساط عامة المصريين الذي يعتبر حركة حماس التي تدير القطاع تهديدا لأمن مصر، وأن الأنفاق التي حفرها الغزاويون للتغلب على الحصار وتوفير احتياجاتهم المعيشية ليست «سوى منافذ لتهريب الأسلحة والإرهابيين إلى داخل سيناء، لتحويلها إلى قاعدة دولية للإرهاب العالمي». وهذه العبارة الأخيرة وردت على لسان أحد السياسيين الذين تحدثت إليهم جريدة الأهرام. واستطرد (صاحبنا بالمناسبة هو متحدث باسم حزب التجمع اليساري) قائلا إن مصر لن تشعر بأمان كامل على حدودها مع رفح الفلسطينية، إلا بعد سقوط حركة حماس من السلطة، لأنها امتداد لحركة الإخوان وفرع عن التنظيم الدولي، ورغم أن آخرين رددوا الفكرة ذاتها بدرجة أو أخرى، إلا أنني تعمدت اقتباس الفقرة التي وردت على لسان القيادي اليساري ــ الذي يكاد يتبنى بالكامل وجهة النظر الإسرائيلية إزاء حركة حماس ــ لكي يدعونا ذلك إلى تصور المدى الذي يذهب إليه اليمين في مصر. لقد دعوت أكثر من مرة في السابق إلى تفنيد التهديد من خلال تقصي حقائق الانطباع الشائع الذي يعتبر الأنفاق وحماس في القطاع بمثابة تهديد لأمن مصر. لأن ذلك الانطباع تحول بمضي الوقت إلى عقيدة استقرت في أوساط عامة الناس ونخبهم السياسيين والأمنية. وهذه الحقيقة تشكلت بفعل حملات التعبئة الإعلامية، وروجت لها أطراف لها مصلحتها، ليس فقط في تسميم العلاقة بين مصر وحماس، ولكن لها مصلحة أيضا في ضرب المقاومة وإحكام الحصار المفروض على فلسطينيي القطاع لتركيعهم وإذلالهم. ولا يشك أحد في أن إسرائيل صاحبة المصلحة الأولى في ذلك، كما أننا لا نستطيع أن نتجاهل الدور الذي لعبته الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله، التي لها ثأرها الذي لم تنسه إزاء حركة حماس، وكانت الوثائق التي نشرت مؤخرا قد كشفت النقاب عن الجهد الذي تبذله للوقيعة والدس بين حماس ومصر، حكومة وشعبا. إن جهابذة السياسة الذين تحدثوا عن تهديد حماس والأنفاق لأمن مصر، انطلقوا من الاستسلام للأكاذيب الإعلامية التي لا دليل عليها، وأبدوا استعدادا مدهشا للقبول بإحكام الحصار حول القطاع، غير مبالين بمعاناة أو تدمير حياة أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في غزة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي في حال استمراره إلى المساس بأمن مصر الذي يدعي هؤلاء أنهم حريصون عليه. في حين أن فتح معبر رفح وإخضاعه لإشراف السلطة المصرية كأي معبر حدودي آخر هو الحل الحقيقي الذي يحمي مصالح الطرفين المصري والفلسطيني. إننا لا نستطيع أن نحمي أمن مصر بمضاعفة معاناة الفلسطينيين، ثم إن الأمن لن يقدر له أن يتوفر ويستقر إلا إذا تم التوصل إلى صيغة توفق بين المصالح المصرية والفلسطينيين في القطاع، هذا إذا كانت مصر تملك قرارها وبوسعها أن تتحرر من حسابات وضغوط الأطراف الأخرى التي لا تتمنى الخير لا لمصر ولا للمقاومة في القطاع. إنني لا أمل من التذكير بأن نزاهة الموقف إزاء قضية فلسطين هي أحد معايير الوطنية المصرية، من ثَمَّ فإن وطنيتك تصبح مجرَّحة إذا انحزت باسم الأمن إلى صف تعذيب الفلسطينيين وتركيعهم، مقدما بذلك هدية مجانية لإسرائيل.
426
| 14 أكتوبر 2013
مساحة إعلانية
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو...
3513
| 11 أبريل 2026
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية...
3123
| 12 أبريل 2026
بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز...
1170
| 12 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد...
813
| 16 أبريل 2026
تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع...
774
| 15 أبريل 2026
مرت على شواطئنا رياحٌ عاتية، تلاطمت فيها الأمواج...
750
| 14 أبريل 2026
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل...
699
| 15 أبريل 2026
ليست المؤسسات الكبرى تلك التي تكتفي بما أنجزته،...
627
| 14 أبريل 2026
يشكل المال العام عصب التنمية وركيزة الاستدامة الاقتصادية...
582
| 14 أبريل 2026
يجتمع الخط والزخرفة والنسج، في السدو الذي تُبدعه...
549
| 17 أبريل 2026
وصلتني رسالة من أحد الإخوة المقيمين الأعزاء الذين...
504
| 13 أبريل 2026
إلى جانب ما عرض من معلومات صادمة عن...
480
| 15 أبريل 2026
مساحة إعلانية