رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا لم تستطع مصر أن تؤثر في محيطها، فلا أقل من أن تحاول تفهم الذي يجري فيه. خصوصا إذا كانت تفاعلات المحيط من الأهمية والإثارة بحيث لا ينبغي تجاهله.
(1)
مصر فقدت تأثيرها حقا، حتى على المستوى الإقليمي، إلا أنها لم تفقد أهميتها، لذلك فهي موجودة في الملفات وغائبة عن الطاولات، أعني أن اللاعبين الكبار يناقشون أوضاعها في سياق بحثهم لخرائط المنطقة العربية التي تضم عدة عناوين أخرى إلا أنها لا تشارك في تلك المناقشات، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إنها حاضرة وغائبة في الوقت نفسه.
هذه خلاصة خرجت بها من زيارة خاطفة قمت بها خارج مصر، التقيت خلالها أناسا ممن يعرفون أكثر مما ينبغي، وسمعت منهم كلاما لا أستطيع أن أكتمه. وقد قبلوا أن أنقل عنهم بعض ما قالوه شريطة ألا أذكر شيئا عن أشخاص القائلين أو مكان لقياهم.
ما فهمته أن ثمة قلقا في الدوائر الغربية إزاء عدم استقرار الأوضاع في مصر. وأن المناقشات الدائرة حول مستقبل الإقليم لم تتوقف في ست عواصم على الأقل هي بروكسل وإسطنبول وجنيف ولندن وباريس وأديس أبابا (مقر منظمة الوحدة الإفريقية)، وقد تطرقت تلك المناقشات في أحد الاجتماعات إلى الحديث عن بعض تفاصيل المستقبل في مصر، وألقيت في ذلك الاجتماع أسماء بعض المرشحين المدنيين لرئاسة الجمهورية.
فهمت أيضا أن الأطراف الحقوقية في لندن وجنيف على الأقل معنية بتقصي حقائق النتائج التي ترتبت على فض الاعتصامات والتظاهرات في القاهرة وبعض المدن الأخرى. وفي الوقت الراهن فإن الاتحاد الأوروبي تلقى حتى الآن قائمة بأسماء 1700 شخص قتلوا يوم 14 أغسطس أثناء فض اعتصامي رابعة والنهضة، وهو رقم مرشح للزيادة، كما أن هناك تقريرا آخر أمام تلك الأطراف الحقوقية يتعلق بنوعية الأسلحة التي استخدمت في فض الاعتصامات، تقوم بدراسته مجموعة من كبار المحامين في إنجلترا. وهي ذات المجموعة التي لاحقت المسؤولين عن الجرائم التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، خلال الصدام الدموي الذي حدث بين الجيش وبين جبهة الإنقاذ، جراء إلغاء الجيش لنتائج الانتخابات التي فازت فيها الجبهة.
(2)
فيما خص الإقليم سمعت الملاحظات التالية:
< أن موازين القوى تغيرت في العالم العربي، بحيث أصبحت السعودية هي اللاعب الأساسي في المشرق، وباتت الجزائر لاعبا أساسيا في المغرب. وقد أصبحت السعودية تقود محورا في المشرق يضم دولة الإمارات والأردن والكويت بدرجة أخرى، وباتت تلعب دورا أساسيا في مقاومة النظام السوري كما أن دورها ليس خافيا في لبنان ولا في دعم أهل السنة في العراق. ومع ذلك فإن أوضاع الحكم الداخلية ليست مستقرة تماما، لأن ثمة لغطا في دوائر السلطة حول ترتيبات مرحلة ما بعد الملك عبدالله (89 عاما) الذي اعتلت صحته، إضافة إلى أعراض المرض التي ظهرت على الأمير سلمان ولي العهد (77 عاما)، وهو ما فتح الأبواب لتجاذب مكتوم بين أجنحة الأسرة المالكة.
في بلاد المغرب يتنامى دور الجزائر، التي لم تسلم من القلق الداخلي بسبب اتجاه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (75 عاما) إلى الترشح لولاية رابعة. تجلى ذلك في الدور الذي يحاول أن يلعبه للوساطة في تونس، حين استقبل أحد السياسيين المعارضين القائد السبسي مؤسس حركة نداء تونس والشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في مسعى للوساطة بينهما. وهو ما تزامن مع اجتماعات لمسؤولي الأجهزة الأمنية شهدتها العاصمة الجزائرية لترتيب الأوضاع في منطقة المغرب، خصوصا في ليبيا.
< الاجتماع الذي عقد في الجزائر شارك فيه ممثلون عن أجهزة الاستخبارات في السعودية والإمارات، نظرا لأن الدولتين تحاولان لعب أدوار بصياغات مختلفة في بعض دول المنطقة، خصوصا تونس وليبيا. وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي تسعى فيها الدولتان إلى التأثير في الخرائط السياسية بالمغرب. وقد فهم أن الهدف من ذلك هو إضعاف دور التيارات الإسلامية التي برزت في هذين البلدين في دائرة القرار السياسي.
< تنفس الجميع الصعداء لأن القصف العسكري لسوريا لم يتم، رغم أن بعض الدول العربية لم يسعدها ذلك، بالتالي فإن سيناريو ما بعد القصف الذي أقلق الجيران تأجل تنفيذه على الأقل. إلا أن الدول الأوروبية لاتزال تعبر عن قلقها إزاء توافد عناصر من الشيعة للدفاع عن نظام الأسد. وهؤلاء ليسوا مقصورين على حزب الله والمقاتلين العراقيين، وإنما هناك متطوعون من دول أخرى مثل باكستان وأفغانستان والهند. كما أن هناك متطوعين من الحوثيين في اليمن. وهناك تفكير لاستصدار قرار من مجلس الأمن يطالب بإخراج المقاتلين الأجانب من الأراضي السورية، قبل أي تسوية منتظرة.
(3)
إذا جاز لنا أن نقول إن هذا الذي ذكرته يدخل في صلب اهتمامات الأطراف الإقليمية التي يمكن تشبيهها بأندية الدرجة الثانية، فإن اللاعبين الكبار من أندية الدرجة الأولى ــ لها اهتمامات أخرى أهم وأعمق، ما يهمنا من تلك الاهتمامات أمران لا ثالث لهما هما: الكشف عن مخزون السلاح الكيماوي الذي تملكه سوريا، الاتصال الهاتفي الذي تم بين الرئيسين الأمريكي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني. والأول يحل مشكلة لإسرائيل التي ظل يؤرقها طوال السنوات الأخيرة كمياوي سوريا والبرنامج النووي الإيراني. وبالتخلص من الكيماوي تفقد سوريا أهم سلاح إستراتيجي تملكه، وفي الوقت نفسه ينزاح نصف الهم الإسرائيلي، وبقي النصف الثاني المتمثل في النووي الإيراني الذي هو محل مساومة الآن.
في الوقت نفسه، فإن تفاهم واشنطن وموسكو على التخلص من الكيماوي السوري فاجأ الأطراف العربية (المخابرات السعودية خاصة) التي راهنت على توجيه الضربة العسكرية إلى سوريا، ووطدت نفسها على التعامل مع مرحلة ما بعد القصف.
أصداء الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأمريكي والإيراني أقوى وأبعد بكثير مما يبدو على السطح. ذلك أنه قلب كثيرا من المعادلات المستقرة في المنطقة. فدول الخليج التي كانت تراهن دائما على توتر العلاقات وتضارب المصالح بين طهران وواشنطن، أصبحت في حيرة من أمرها، حيث باتت تشعر بأنها صارت في الموقف الأضعف أمام تنامي الدور الإقليمي والدولي لإيران.
لا يقف صدى التفاهم الأمريكي الإيراني عند حدود الخليج، وكونه فتح الباب لكي تصبح إيران طرفا أكثر فعالية في الشأن الإقليمي (لاحظ أنها موجودة في سوريا والعراق ولبنان واليمن). وإنما أدى ذلك إلى تراجع نسبي في الدور التركي الذي لم يعد يحظى بالحماس الأمريكي منذ تولى السلطة حزب العدالة والتنمية ورئاسة عبدالله جول وطيب أردوغان. لذلك فإنه إذا كان العام الماضي قد شهد حضورا قويا لتركيا في العالم العربي (باستثناء سوريا) فإن إيران بصدد احتلال تلك المكانة مع نهاية العام الحالي خصوصا أن الإدارة الأمريكية أصبحت تتحدث عن إيران في المحافل الدولية هذه الأيام بحسبانها دولة أصبحت معتدلة ومنفتحة على الآخرين. ومن الواضح أن طهران حريصة على تأكيد هذه الصورة، وهو ما كان ملاحظا في خطوط الاتصال التي انفتحت مؤخرا بين أنقرة وطهران، وفي تجدد الاتصالات بين إيران حركة حماس بعد فتور نسبي استمر طوال العامين الأخيرين. وقد عقد اجتماع لهذا الغرض بأنقرة في نهاية الأسبوع الماضي بين السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وبين أحد أهم المسؤولين الإيرانيين عن ملف المشرق العربي. وتلك هي المرة الأولى التي عقد فيها مثل ذلك الاجتماع الذي كانت طهران ترفض عقده خارج أراضيها.
(4)
إلى الآن تبدو إسرائيل هي الفائز الأكبر من التحولات الجارية، حيث يعد تخلصها من الكيماوي السوري إنجازا كبيرا أهدي إليها بالمجان. الأمر الذي سيمكنها من التفرغ للتعامل مع النووي الإيراني. ومن آيات فوزها أيضا أن قضية فلسطين لم تعد تذكر في الحوارات والمداولات التي تجرى، وربما لاحظت أنني لم أشر إليها في عرض التفاعلات الحاصلة في الإقليم أو خارجه، وإذا أضفت إلى ذلك مؤشرات التعثر أو التراجع الحاصل في دول الربيع العربي، فإن تلك العوامل في مجموعها توفر لإسرائيل أفضل الأجواء لممارسة ما يمكن أن يسمى بالاسترخاء الإستراتيجي، الذي لا يعزز شعورها بالاطمئنان فحسب، وإنما يسمح لها بأن تمارس خطط الاستيطان والتهويد وابتلاع الأراضي الفلسطينية دون عائق يذكر.
من ناحية أخرى، فإننا نلاحظ أن غياب التأثير ليس مقصورا على مصر وحدها، لكنه انصرف إلى العالم العربي بذات القدر. كأنما حين غابت مصر غاب العرب، وأصبح أداء الأخيرين مقصورا على اللعب مع أندية «الدرجة الثانية» في جنبات العالم العربي. وفي الوقت الذي تلوح فيه مؤشرات تصاعد أسهم إيران فإن تركيا تمر الآن بمرحلة مراجعة ونقد للذات، ليس فقط للحفاظ على تماسكها في مواجهة العواصف التي باتت تهب عليها من كل صوب، ولكن أيضا لأنها مقبلة على انتخابات حاسمة بلدية ورئاسية في العام المقبل.
ما يبعث على الحيرة والدهشة في آن، أن بعض الأطراف العربية وهي ترى التحولات التي تتفاعل في محيطها لم يخطر لها أن تعيد النظر في أوضاعها لكي تستعيد دورها وعافيتها، ولكنها راحت تتطلع إلى الولايات المتحدة في محاولة من جانبها لمد الجسور مع الجمهوريين في واشنطن للضغط على الرئيس أوباما لتغيير سياساته تجاهها. وذلك إذا صح فإنه يعني أن تلك أطراف لا ينبغي المراهنة عليها ولا أمل فيها في الأجل المنظور على الأقل.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8760
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3786
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3135
| 30 أكتوبر 2026