رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ما بعد اتفاق الشيطان الأكبر مع الولي الفقيه

تصالح الشيطان الأكبر مع الولي الفقيه يعد أحدث انقلاب في الشرق الأوسط حيث إنه يفرض علينا توازنات جديدة وخريطة سياسية جديدة، لا دور للعرب فيها ونرجو ألا يدفعوا ثمنا لها.(1) أتحدث عن الاتفاق الذي وقعه في جنيف ممثلو الدول الخمس الكبرى والاتحاد الأوروبي مع إيران في أعقاب التصالح الذي تم سرا بين واشنطن وطهران بعد مضي 34 سنة على القطيعة والخصام بين الطرفين. ذلك أننا لم نعرف إلا هذا الأسبوع فقط أن التواصل بين الخصمين مستمر منذ ثمانية أشهر تقريبا. وأنه أحيط بستار كثيف من السرية حجبته عن أقرب الأقربين، كما أنه خضع للتمويه وعمليات الخداع، التي جعلت الاجتماعات تعقد في سلطنة عمان، وفي بعضها كانت الوفود تدخل من الأبواب الخلفية للفنادق، وتستخدم المصاعد المخصصة لخدمات الغرف، كي لا تلفت أنظار الصحفيين والنزلاء. وكالة أسوشيتدبرس للأنباء بثت يوم السبت الماضي 23 نوفمبر تقريرا مستفيضا روت فيه قصة الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، ذكرت فيه أنها بدأت في شهر مارس من العام الحالي، أثناء وجود الرئيس أحمدي نجاد في السلطة وقبل انتخاب الرئيس حسن روحاني في شهر أغسطس. (وكالة رويترز ذكرت أن المبادرة كانت من جانب وزير الخارجية السابق علي أكبر صالحي التي أيدها السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية). وقد لعب السلطان قابوس دور الوسيط الذي ساعد على تواصل الطرفين. ذكر التقرير أيضا أن المباحثات التي بدأت في شهر مارس نشطت بعد انتخاب الرئيس حسن روحاني في شهر أغسطس. وهو ما مهد الطرفين للاتصال الهاتفي المباشر الذي تم بين الرئيسين الأمريكي والإيراني في أواخر شهر سبتمبر، حين كان روحاني يرأس وفد بلاده لدى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. اخفت الإدارة الأمريكية نبأ الاتصالات عن حلفائها، رغم تعهدها في السابق بإطلاعهم على أي محادثات تجريها مع إيران. وكان أول الحلفاء الذين أحيطوا علما بالأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي اجتمع بالرئيس الأمريكي في 30 سبتمبر الماضي. وهو ما أثار ذلك غضبه ودفعه إلى مهاجمة إيران بشدة في كلمته أمام الجمعية العامة في اليوم التالي ووصف الرئيس روحاني بأنه «ذئب في ثياب حمل»، وقال إن الاتفاق مع طهران بشأن البرنامج النووي يمكن أن يعد صفقة القرن بالنسبة للإيرانيين. أصداء الاتفاق في إسرائيل كانت الأشد حدة والأكثر صخبا. فقد وصفه نتنياهو في بداية الجلسة الأسبوعية لحكومته صباح يوم الأحد (24/11) بأنه «خطأ تاريخي أصبح العالم في ظله أشد خطرا». وحذر من أن يؤدي رفع العقوبات الجزئي عن إيران إلى تشجيعها على استئناف عمليات تخصيب اليورانيوم في الوقت الذي تراه مناسبا. في الوقت ذاته، كشف وزير الشئون الاستخبارية يوفال شطينتس النقاب عن أن إسرائيل نجحت في تعديل مسودة الاتفاق بين الدول الكبرى وإيران قبل ساعات من إنجازه. من ناحيته قال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان أنه يتوجب على إسرائيل أن تبحث عن حلفاء جدد بناء على مصالح مشتركة، تقوم على «مبدأ خذ وهات». وأشار في هذا الصدد إلى أهمية التعامل مع الدول الغنية في العالم الإسلامي المعنية بالاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في مجال التقنيات المتقدمة والزراعة. أثار الانتباه في هذا الصدد كلام وزير الشئون الاستخبارية الإسرائيلي يوفال شطينتس للإذاعة العبرية يوم الأحد الذي قال فيه إن هناك التقاء مصالح واضحا بين إسرائيل ودول الخليج الراغبة في منع إيران من امتلاك السلاح النووي. وتحدث عن أهمية البحث عن وسائل للتنسيق مع تلك الدول من أجل بناء تحالف واسع لمواجهة الخطر الإيراني. وكان كل من مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية الأسبق البروفيسور ألون ليفين والباحث يوفال بوسموت قد دعيا في مقال مشترك نشرته مجلة «سيكور» البحثية في عدد شهر نوفمبر إلى وجوب توظيف مخاوف بعض دول الخليج من مخاطر المشروع النووي الإيراني في تحقيق مصالح إسرائيل الإستراتيجية.(2) الخبراء الإيرانيون الذين تحدثت إليهم في الموضوع خلال اليومين الماضيين قالوا ما يلي: * إن الاتفاق اعترف بإيران كقوة إقليمية نووية لها الحق في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية في حدود متفق عليها. * إن الاتفاق تم بأسرع مما توقعوا، لإدراكهم أن الضغوط الإسرائيلية والفرنسية لعرقلته كانت شديدة، وأن تلك الضغوط مارستها بعض الدول الخليجية من خلال بعض جماعات الضغط التي تمولها في واشنطن. * إن الولايات المتحدة وازنت بين التهديدات الإسرائيلية التي لوحت فيها بأنها ستقوم من جانبها بعمل عسكري ضد إيران بدعوى حماية أمنها القومي، وبين ما يمكن أن تجنيه من فوائد جراء اتفاقها مع إيران، وأدركت خلال جولات المفاوضات الخمس أن كفة الفوائد الأخيرة أرجح، وهو ما حسم حين التقى في جنيف أخيرا وزيرا الخارجية لكل من الولايات المتحدة وإيران. وكان للسيدة كاترين آشتون مفوضة الاتحاد الأوروبي للشئون الخارجية دورها الإيجابي في إنجاح ذلك اللقاء. * إن التفاهمات الإيرانية الأمريكية تجاوزت حدود البرنامج النووي وتخفيف العقوبات الاقتصادية، ولكن العنصر الحاسم فيها كان الاتفاق على اشتراك إيران في مكافحة الإرهاب في سوريا والعراق ولبنان وأفغانستان. * إن الاتفاق على تخفيف الحظر يمكن إيران من استرداد أكثر من سبعة مليارات من الولايات المتحدة مجمدة لدى البنوك العالمية، ولكن التخفيف بدأ بالإفراج عن الأموال المجمدة في البنوك الآسيوية دون الغربية (في كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا). وهذه قيمتها تتجاوز مليارا ونصف المليار من الدولارات، وقد سارعت إيران إلى استخدام تلك الأموال في استيراد بعض احتياجاتها فور توقيع الاتفاق، أي بعد الساعة الرابعة صباح يوم الأحد. * إن بعض الشركات الغربية الكبرى التي أسهمت في المقاطعة طوال العقود الثلاثة الماضية بدأت اتصالاتها للعودة إلى العمل مرة أخرى في إيران، وكانت شركة شل العاملة في مجال استثمارات حقول النفط واحدة من أهم تلك الشركات.(3) منذ قامت الثورة الإسلامية في عام 1979 واعتمدت طهران شعار «الموت لأمريكا» ــ (مرك بر أمريكا) جرت هندسة منطقة الشرق الأوسط بحيث وقفت أغلب دوله في صف مخاصمة إيران، وكانت مصر والسعودية في مقدمة تلك الدول. وكثفت الولايات المتحدة من وجودها العسكري في منطقة الخليج التي سارعت دولها إلى الاحتماء بالغطاء الأمريكي، وانفتح ملف الجزر الثلاث التي اتهمت دولة الإمارات إيران بالاستيلاء عليها. وفي الوقت ذاته ارتفعت بعض الأصوات محذرة من الأطماع الفارسية تارة ومن المد أو الهلال الشيعي تارة أخرى. وظلت إيران التي تحدَّت الجميع شوكة في حلق المنظومة الغربية وإسرائيل بوجه أخص. وكان عداء الأخيرة أكبر، حيث اعتبرت الثورة الإسلامية تهديدا وجوديا لها. سواء جراء تمردها على الإرادة الغربية أو دعمها للمقاومة الفلسطينية. وكان البرنامج النووي الإيراني أخطر تلك العوامل. وخلال تلك السنوات التي ناهزت الثلاثين تمت شيطنة إيران في الخطاب السياسي والإعلامي العربي، بحيث اعتبرت خطرا على العالم العربي معادلا للخطر الإسرائيلي. ولم تخل الأجواء من كتابات نشرتها الصحف ادعت أن إيران هي الأخطر. وكانت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات إحدى ذرائع درء ذلك الخطر. بالتوازي مع ذلك فإن واشنطن اعتبرت إيران من الدول الراعية للإرهاب، وقد ذكر موقع الخارجية الأمريكية أنه في يوم توقيع الاتفاق كانت إيران قد أمضت عشرة آلاف و902 يوم (29 سنة وعشرة أشهر وخمسة أيام) وهي مدرجة ضمن تلك القائمة السوداء.(4) هذا المعمار كله بصدد التغير، خصوصا إذا ما تم توقيع الاتفاق النهائي بعد سنة. (ما تم اتفاق إطار مدته ستة أشهر). وهو ما تحاول أطراف عدة عرقلته، وأعني الأطراف الأمريكية المتعاطفة مع إسرائيل (الجمهوريين وبعض مراكز الأبحاث) ومعها ضغوط خليجية تمارس في ذات الاتجاه. رغم أن ثمة مصالح اقتصادية كبيرة في الولايات المتحدة حبذت الاتفاق، واعتبرته بابا يمكنها من الدخول إلى إيران واهتبال فرصة الاستثمار فيها بعد طول غياب. وإذا جاز لنا أن نرصد معالم الصورة في أعقاب توقيع الاتفاق، فبوسعنا أن نوجز أهم معالمه فيما يلي: * بدا من ملابسات الاتفاق أن محورا جديدا تحت التشكل في المنطقة قوامه التحالف الإيراني الروسي الذي برز دوره في الصفقة الأخيرة، وكانت له بوادره في وقف الحملة العسكرية ضد سوريا. * أصبحت الولايات المتحدة تعتمد في ضمان استقرار المنطقة على إيران وتركيا، وبعدما خرجت مصر من دائرة التأثير في العالم العربي منذ عصر مبارك وأدى عدم الاستقرار الذي تشهده حاليا إلى سحب رصيد أهميتها في المنطقة. فإيران موجودة على الأرض في سوريا والعراق ولبنان وبدرجة أو أخرى في شمال اليمن حيث الحديث متواتر عن دعمها للحوثيين. وتركيا لها دورها في سوريا والعراق وفي منطقة القوقاز بوسط آسيا، فضلا عن حضورها الاقتصادي المهم في العديد من الأقطار العربية. * إسرائيل ستكون مستفيدة أيضا، لأن الكيماوي السوري والنووي الإيراني ظلا مصدرين لقلقها طوال السنوات الماضية. وقد تم تفكيك وإغلاق الملف السوري بالاتفاق الأخير بين موسكو وواشنطن. وها هو اتفاق جنيف يطمئنها نسبيا لأنه يضع قيودا على النووي الإيراني، رغم أنها كانت ولاتزال تطمح إلى إيقافه وتفكيكه تماما كما حدث مع الكيماوي. * أسهم إيران في المنطقة العربية خصوصا في الخليج سوف ترتفع. وسوف ينعكس ذلك على سوريا والعراق ولبنان. وسيكون الخليج في موقف أضعف نسبيا في مواجهة طهران، خصوصا أن بعض دوله دأبت على الاستقواء بالولايات المتحدة في مواجهتها. ينسحب ذلك على السياسة السعودية التي سبق أن خسرت رهانها على الدور الأمريكي في قصف سوريا، وعلى تعزيز اصطفاف مجتمعات أهل السنة في مواجهة إيران. * لاتزال هناك أسئلة مثارة حول مصير الحرب الطائفية بين السنة والشيعة في العالم العربي، وموقف إيران من دعم المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان، ومستقبل العلاقات الراهنة بين القاهرة وطهران. خلاصة الخلاصة أنه في معادلة موازين القوى الجديدة بالعالم العربي فإن إيران تصدرت قائمة الفائزين، لكن العرب لم يرد لهم ذكر.اقتباس أسهم إيران في المنطقة العربية خصوصا في الخليج سوف ترتفع. وسوف ينعكس ذلك على سوريا والعراق ولبنان

711

| 26 نوفمبر 2013

أجراس الحقيقة

في أجواء الاستقطاب الراهنة في مصر بات متعذرا علينا أن نتحصل على قراءة نزيهة ومحايدة للواقع الذي استجد بعد عزل الرئيس محمد مرسي. إذ ضاقت الخيارات بحيث إنك إذا لم تكن مع ما جرى فأنت متهم ومصنف في معسكر الضد. إلا أن غيرنا أعفانا من المغامرة وفعلها. ذلك أن مؤسسة زغبي ذات المصداقية العالية في عالم الاستطلاعات والبحوث أجرت استطلاعا في مصر حول مؤشرات واتجاهات الرأي العام، ورجعت في ذلك إلى عينة من المواطنين في عشر محافظات. الاستطلاع تم في شهر سبتمبر من العام الحالي، وقورنت نتائجه بقياسات مماثلة للرأي العام جرت في المحافظات ذاتها خلال شهري مايو ويونيو السابقين.المهمة كانت عادية بالنسبة للباحثين المتخصصين في المؤسسة الأمريكية. ذلك أنهم يباشرون العملية ذاتها في العديد من أقطار العالم، وحتى إذا أسفرت الاستطلاعات عن مفاجآت أو مفارقات أيا كان نوعها فإن ذلك لا ينال من صدقيتهم أو يضيرهم في شيء. إلا أن نشر نتائج الاستطلاع في مصر كان مغامرة من جانب الدكتور مصطفى النجار الذي عرضها في مقالة له نشرتها جريدة «الشروق» يوم الجمعة الماضي 22 نوفمبر. ذلك أن النشر صدم معسكر المهللين الذين استسلموا لغرائزهم وملأوا الفضاء المصري بضجيج حناجرهم، الأمر الذي أشاع جوا من الإرهاب الفكري الذي لم يسلم الدكتور النجار وأمثاله من رذاذه وسهامه. وهي السهام التي ما برحت جريدة «الشروق» تتلقاها منذ اختارت أن تفسح صفحاتها لمختلف الآراء، وقبلت بأن تدفع ثمن ذلك الموقف الذي لا يريد أن يغفره لها آخرون.من أبرز النتائج التي توصل إليها الاستطلاع ما يلي:• إن الثقة في المؤسسة العسكرية انخفضت من 93٪ في يوليو الماضي إلى 70٪ في شهر سبتمبر. والثقة في القضاء انخفضت من 67٪ في مايو إلى 54٪ في سبتمبر. أما الشرطة فالثقة فيها مستقرة نسبيا، حيث كانت 52٪ في مايو مقابل 49٪ في شهر سبتمبر.• الثقة في الحكومة الانتقالية لم تتجاوز 42٪ في حين أن الذين فقدوا ثقتهم فيها كانت نسبتهم 52٪.• بالنسبة للقادة السياسيين فإن الفريق السيسي يحتل أعلا نسبة تأييد (46٪) بينما يرفضه 52٪. والثقة في الرئيس المؤقت عدلي منصور لم تتجاوز 29٪ بينما رفضه 58٪. أما الرئيس المعزول محمد مرسي فقد بلغت نسبة تأييده 44٪ في حين رفضه 54٪ من المصريين.• فيما خص القوى السياسية فإن نسبة مؤيدي الإخوان في شهر سبتمبر بلغت 34٪ وكانت 26٪ في مايو و24٪ في يوليو. وقد أعرب 59٪ عن رفضهم لهم. حزب النور انخفضت نسبة مؤيديه إلى 10% مقابل 86% لا يثقون فيه. ومثله جبهة الإنقاذ التي تدنى تأييدها إلى 13٪ بينما رفضها 84٪ أعربوا عن عدم الثقة فيه. وحركة تمرد عانت بدورها من تراجع الثقة فقد رفضها 62٪ من المصريين مقابل 35٪ أيدوها. أما نسبة المصريين الذين ليست لديهم ثقة في أي حزب فقد بلغت في شهر سبتمبر 17٪ بعد أن كانت في شهر مايو 39٪.• في تقييم الموقف من عزل الدكتور محمد مرسي بعد ثلاثة أشهر من العملية أبدى 46٪ من المصريين تأييدهم لتلك الخطوة، في حين رأى 51٪ أن عزله بتلك الطريقة لم يكن صوابا بما ترتب عليه من نتائج، ورأى 35٪ أن مصر أحسن حالا بعد 30 يونيو و46٪ قالوا إنها صارت أسوأ، بينما قال 18٪ إنه لم يتغير شيء.< عن موقف المصريين من المصالحة وإدماج الإخوان سياسيا رأى 50٪ ضرورة حظرهم، بينما رأى 42٪ ضرورة إيجاد صيغة لإدماجهم. ورأى 79٪ من المصريين أهمية المصالحة بشكل عام. حين رفضها 21٪.ليس ذلك آخر كلام بكل تأكيد، لكنه ليس أي كلام. أعني أننا لا نستطيع أن نعتبر هذه النتائج قراءة نهائية للواقع المصري، إلا أننا أيضا لا ينبغي أن نتجاهلها تماما. ذلك أن أهميتها تكمن في أنها ــ حسب علمي على الأقل ــ أول محاولة من نوعها سعت لدراسة الواقع المصري بأسلوب علمي، بعيدا عن التشنج والتهويل الإعلامي والتهريج السياسي. في ذات الوقت فإنها تدفعنا إلى إعادة النظر في فكرة «التفويض» التي أطلقت في الفضاء السياسي. وعند الحد الأدنى فإنها تنفي الادعاء بأنه كان تفويضا على بياض.لن أستبعد أن يهب نفر من الناس غاضبين وقائلين بأن المؤسسة المذكورة جزء من المؤامرة الأمريكية. وأن جيمس زغبي استعاد أصوله اللبنانية والتحق سرا بالتنظيم الدولي للإخوان. وقد تفاجأ بفتوى تدعى أنه في الأصل كافر لا تسمع شهادته. لن أستغرب شيئا من ذلك بطبيعة الحال. لكن الذي أستغربه وأحذر منه أن نصدق تلك الدعاوى، بما يجعلنا ندفن رؤوسنا في الرمال ونصر على تجاهل الواقع وإنكاره.إنني لا أدعو إلى الانطلاق من نتائج ذلك الاستطلاع، لكنني أدعو فقط إلى استعادة الوعي والانتقال من السكرة إلى الفكرة، بحيث نكف عن الاستسلام للأوهام والغرائز وتنصت إلى أجراس الحقيقة قبل فوات الأوان.

579

| 25 نوفمبر 2013

أسئلة سيناء الحائرة

ثمة لغط يتردد في كواليس القاهرة حول الذي يجري في سيناء.. وليس بمقدورنا تبين وجه الحقيقة فيه.. ففاجعة قتل عشرة من المجندين وإصابة 37 آخرين قرب العريش تروى بتفاصيل توحي بأن ثمة خطأ في الترتيب أسهم في وقوع الجريمة. وما سمعته أن أولئك الجنود كانوا عائدين إلى أهليهم بعدما أدوا واجبهم في سيناء، وجاء من يحل محلهم. والخطأ الذي يتحدث عنه المطلعون على التفاصيل يتمثل في أن زملاءهم حين وصلوا إلى المعسكر في الليلة السابقة. فإن مجموعات المتطرفين المتربصين رصدت الخبر، وتوقعت أن تقوم الحافلات التي حملتهم بإعادة عدد مقابل لهم إلى القاهرة لكي يقضوا إجازاتهم. ومن ثم فإنهم كمنوا حتى ظهرت الحافلات على الطريق العام مع طلوع الشمس وقاموا بعمليتهم الانتحارية التي أدت إلى الكارثة. بسبب ذلك يتحدث العارفون عن أن العملية خلت من الحذر الواجب. ذلك أنه في أجواء التربص الراهنة ما كان ينبغي للعائدين أن يخرجوا إلى الطريق العام مع طلوع الشمس. حيث يقضي واجب الحذر بأن تتحرك قافلتهم تحت جنح الظلام، في فترة حظر التجول الممتد طوال الليل وحتى السادسة صباحا. لأن ذلك هو الوقت الذي تكمن فيه المجموعات الإرهابية في مخابئها، حتى لا تقع في أيدي الحواجز الأمنية المنصوبة على الطرق. لا أعرف مدى دقة هذه المعلومات التي تنتقد التدبير الذي عرض حياة المجندين للخطر. إلا أن تداولها يعد نموذجا للتسريبات التي تثير البلبلة والحيرة. الأمر الذي جعل ملف سيناء محاطا بالعديد من علامات الاستفهام حول مجمل عناصره وعناوينه. ذلك أننا لا نعرف حجم وهوية المجموعات الإرهابية المنتشرة في المنطقة. (صحيفة هآرتس الإسرائيلية ذكرت أنها 15 مجموعة جهادية، في حين أن المعلومات المتواترة تتحدث عن ثلاث مجموعات فقط هي أنصار بيت المقدس والسلفية الجهادية ومجلس شورى المجاهدين). كما أننا لا نعرف ما إذا كان هؤلاء على صلة بالإخوان أم لا، أو لهم صلة بتنظيم القاعدة أم لا، وهل هم مصريون من أبناء سيناء فقط، أم أن بينهم من ينتمون إلى جنسيات عربية (ذكرت «هآرتس» أن بينهم سعوديين ويمنيين وليبيين. ومعهم آخرون من قطاع غزة). كذلك فنحن لا نعرف مصدر سلاحهم أو تمويلهم. ولم نفهم لماذا أوقف هؤلاء نشاطهم ضد إسرائيل ونقلوا عملياتهم إلى الداخل المصري بعد عزل الدكتور محمد مرسي في بداية يوليو الماضي، حيث كانت محاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم علامة على ذلك التحول الذي يكتنف الغموض مقاصده. إلى جانب هذا كله وذاك فثمة همسات تتحدث عن علاقة بين الأجواء المخيمة على سيناء وبين ترتيبات أمن إسرائيل ومستقبل قطاع غزة. فتحت الموضوع مع أحد خبراء الشأن السيناوي، فبادرني قائلا إن أحد مفاتيح فهم ما يجري يتمثل في ضرورة تحري أسباب الاحتقان الذي يملأ فضاء سيناء. وفي رأيه أنه من الطبيعي أن تعطى الأولوية لوضع حد للعمليات الإرهابية وأن يتم القضاء على المجموعات التي تباشرها ــ لكن كثيرين يتجاهلون البيئة التي تتحرك وسطها تلك الجماعات، وكيف أنها مشحونة بمشاعر النقمة والسخط. وأرجع ذلك الاحتقان إلى الفترة التي أعقبت تفجيرات طابا في أعوام 2005 و2006 و2007. ذلك أن الأجهزة الأمنية صبت جم غضبها آنذاك على القبائل التي تعيش في المنطقة، وعاملت الناس بقسوة وفظاظة أهانتهم، وانتهكت أعرافهم وأذلت شبابهم الذين ألقيت أعداد منهم في السجون التي تعرضوا فيها لعذابات لا تنسى. ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الانتهاكات التي خلفت جراحات عبأت الناس بالغضب، كما جرى استغلالها من جانب الجماعات الإرهابية على نحو دعا البعض إلى التعاطف مع عناصرها. ما قاله صاحبنا أكده آخرون من ذوي الصلة. إذ ذكروا أن بعض الحملات الأمنية التي استهدفت عناصر المجموعات الإرهابية أفرطت في الانتهاكات، حين اعتقلت أعدادا من الأبرياء، وأحرقت مضارب وعششا، وعمدت إلى تجريف الزراعات. وفهمت أن الحذر الذي غاب في عملية إعادة الجنود لقضاء إجازاتهم، غاب أيضا عن بعض الحملات والمداهمات، التي استهدفت أفرادا معدودين، وآذت وأضرت بأضعافهم من أهاليهم وجيرانهم الأبرياء. أكرر أن هذا الذي ذكرت من أصداء اللغط الذي يتردد بشأن الحاصل في سيناء، والذي لا نعرف وجه الحقيقة فيه، وهو ما يسهم في إشاعة البلبلة والحيرة. لذلك تمنيت أن تكلف لجنة بتحري حقائق وخلفيات ما يجري هناك، ليس فقط لكي نفهم ونضع حدا للشائعات والتسريبات، ولكن أيضا لكي لا نترك المؤسسة الأمنية وحدها في الساحة، الأمر الذي يحملها بما لا تطيق وبما هي ليست مؤهلة له. ذلك أننا نريد لسيناء أن تحتل مكانها في حضن الوطن، لا أن تتحول إلى جبهة قتال ضد بعض أبناء الوطن.

517

| 24 نوفمبر 2013

حدث في عمان

كنت قد ذكرت يوم الأحد الماضي (17/11) أنني سوف أشارك في مؤتمر حول حركات الإسلام السياسي، يعقد في عمان. وتعمدت الإعلان عن ذلك. رغم إدراكي أن ترؤسي لإحدى جلسات المؤتمر ليس خبرا يستحق الذكر، وأن المؤتمر كله يعد في أفضل أحواله خبرا محليا عاديا يسجل ضمن أنشطة مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنية. وقد دفعني إلى ما ذكرت تلك اللوثة التي أصابت الإعلام المصري وبمقتضاها أصبح أي نشاط له علاقة بالإسلام السياسي مؤامرة خطط لها التنظيم الدولي للإخوان، الذي صار يقدم باعتباره قوة عالمية تحرك الأحداث في أقطار عدة، تتقدمها مصر في الوقت الراهن. إزاء تدهور الحالة الهيستيرية التي أصابت خطابنا الإعلامي، فإنني فعلت ما فعلت. إذ قلت لنفسي إنه إذا كان إعلامنا قد اعتبر أوباما بجلالة قدره جزءا من المؤامرة، وعلى صلة بالتنظيم الدولي فليس أسهل من أن يتصيد البعض عندنا مسألة مشاركتي في مؤتمر عمان ويحولها بدوره إلى حلقة في المؤامرة. ما توقعته حدث، لأنني وقعت على خبر نشرته صحيفة «الوطن» على صفحتها الأولى تحت عنوان بعرض أربعة أعمدة كان نصه: أجهزة سيادية: الإخوان اتفقوا مع الجيش السوري الحر على اغتيال قضاة مرسي. وتحت العنوان ذكرت الصحيفة أن الأجهزة السيادية (الأمنية) رصدت اتفاقا مع مسؤولين في التنظيم الدولي للإخوان مع عناصر في الجيش على اغتيال القضاة المسؤولين عن ملف محاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي لإرهابهم.. ورصدت الوطن (لاحظ أنهم قالوا في البداية إن الأجهزة السيادية هي التي رصدت التحرك) الاجتماع المغلق الذي عقدته قيادات التنظيم الدولي تحت غطاء مؤتمر حركات الإسلام السياسي في عمان، الذي انعقد بالتزامن مع اغتيال المقدم محمد مبروك ضابط الأمن الوطني، فيما واصل المؤتمر لليوم الثاني تحريضه ضد الجيش المصري بمشاركة الكاتب الصحفي فهمي هويدي والقيادي الإخواني جمال نصار (لاحظ الربط). وقالت مصادر إن الاجتماع شهد وضع خطة لعودة الإخوان للحياة السياسية مجددا، تتمثل في استقطاب القوى المعارضة والاعتذار لهم، تمهيدا لتشكيل تحالف ضد الجيش المصري. وكذلك فتح حوارات مع أمريكا ودول أوروبا لدعم ذلك السيناريو. ما يثير الدهشة أن من كتب التقرير ليس كذوبا فحسب، ولكنه على درجة عالية من الجهل. فهو لا يعلم مثلا أن «الجيش الحر» الذي أقحم في المؤامرة ترعاه السعودية وتدفع رواتبه، وهي الداعم والحليف الأول لمصر في الوقت الراهن. ثم إن قيادات ذلك الجيش على خلاف مع الإخوان السوريين، ناهيك عن أنه ليس له أي وجود خارج سوريا. إذا غضضنا الطرف عن ذلك الشق في التقرير فسوف يفاجئنا مضمون تقرير آخر نشرته في ذات الصباح صحيفة «المصري اليوم» لمراسلها الذي تابع جلسات مؤتمر عمان. ذلك أن المراسل لم يشر بكلمة إلى ما اختلقته جريدة الوطن، وإنما ذكر ما يلي: انتقد فهمي هويدي الذي رأس إحدى جلسات المؤتمر الحديث عن المشروع العربي الإسلامي، واعتبر ذلك خطأ سياسيا، وقال إننا حين نتحدث عن الدولة فينبغي أن نتحدث عن مشروع وطني يستظل به الجميع، في حين أن الكلام عن مشروع عربي إسلامي قد يحمل بمعنى إقصاء الآخرين، حيث يتعين التفرقة بين قيادة جماعة ورئاسة دولة، والأخيرة تقتضي استيعاب المعارضين والخصوم واستخلاص الخير الكامن في كل هؤلاء. وفي مصر فإن الإسلاميين لم يستطيعوا أن يتحملوا العبء وحدهم لأن إصلاح الوطن يقتضي التواصل والتفاهم مع الجميع. وتحدث هويدي عن التنظيم الدولي قائلا إنه خرافة كبرى وليس له أي تأثير على الإسلاميين في العالم العربي وكل ما يثار حوله في هذا الصدد هو فرقعات إعلامية و«شو» صحفي. لا تعليق لي على ما نشرته الصحيفتان المصريتان، الأول منسوبا إلى تقرير أمني أعدته مصادر سيادية، والثاني منقول عن مراسل حضر مؤتمر عمان. لكن المفارقة ذكرتني بالقصة التي سمعتها من الأستاذ أحمد بهاء الدين وأوردها في أحد كتبه، وخلاصتها أن رئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق ممدوح سالم أطلعه ذات مرة على التقارير الأمنية التي كتبت عنه. وإذ فوجئ الأستاذ بهاء بالأكاذيب والافتراءات التي تضمنتها، فإنه قال للسيد ممدوح سالم إن الداخلية تعتمد في التقارير التي تكتب عن المثقفين على نماذج بائسة ومتخلفة من البشر، فما كان الرجل إلا أن رد عليه قائلا: أرجوك لو وجدت واحدا محترما مستعدا لكتابة تلك التقارير فدلني عليه. حين استحضرت تلك التقارير قلت إن بعض كتابها صاروا كتابا في الصحف ونجوما في الإعلام. إلا أنهم في السابق كانوا يشوهون سمعة الرجال فقط، لكنهم في الوقت الراهن أصبحوا يعبثون بمستقبل الوطن والأمة.

387

| 23 نوفمبر 2013

أيكون يسرًا بعد عسر؟

في الأسبوع الماضي كان القتل عنوانا لثلاثة أيام متعاقبة. يوم الأحد 17/11 قتل في القاهرة ضابط الأمن الوطني الكبير الذي قيل إنه أحد المسؤولين عن ملف الإخوان. يوم الاثنين قتل ثلاثون مصريا من جراء ارتطام قطار بحافلة كانت متجهة إلى الفيوم. صباح الأربعاء قتل 11 مجندا في سيناء في عملية انتحارية استهدفتهم، الأمر الذي أدى إلى إصابة 35 آخرين. لم يكن ذلك كل ما جرى خلال الأسبوع بطبيعة الحال، لأن الفضاء المصري ظل حافلا طوال الوقت بالمظاهرات والمداهمات والاعتقالات إلى غير ذلك من النوازل التي غدت أخبارا عادية تحولت إلى خبز يومي يقدم إلينا كل صباح. إلا أن حوادث القتل التي تتابعت وجهت إلينا حزمة رسائل مكتوبة بدماء المصريين. واحدة تقول لنا إن ثمة تطورا نوعيا في المواجهة الراهنة مع الأجهزة الأمنية. الثانية تقول إن ثمة إهمالا جسيما في الخدمات التي تقدم للمواطنين خارج العاصمة. الثالثة تقول إن سيناء لم تعرف الهدوء بعد، رغم كل ما ينقل إلينا من أخبار عن القضاء على البؤر الإرهابية وإخماد نار الفتنة فيها. هي رسائل مؤرقة وموجعة حقا. لكن أغرب ما فيها هو أصداؤها في الفضاء الإعلامي المصري. ذلك أن أغلب تلك الأصداء لم تتجاوز محاولة توظيف الأحداث وتسييسها، بمعنى استثمار ما جرى في تكريس التهمة للإخوان وتأكيد شيطنتهم، لتسويغ الإجراءات القمعية التي تتخذ بحقهم. فحادث قتل الضابط الكبير مثلا اعتبره الجميع جريمة إخوانية ثابتة تكرر جريمتي قتل الخازندار والنقراشي باشا قبل أكثر من خمسين عاما. وهي أحكام أطلقت قبل أي تحقيق في الأمر. وأثار الانتباه أن المتحدث العسكري انضم إلى جوقة المسارعين إلى التنديد والتوظيف السياسي للجريمة، فنسبها بدوره إلى الإخوان، الذين وصفهم «برأس الأفعى» التي صدرت لمصر مختلف الشرور والرزايا. ولم يكن ذلك فقط استباقا للتحقيق فيه من النزق أكثر مما فيه من المسؤولية، ولكنه أيضا يعد انتهاكا للمعايير الدولية الرافضة للحض على الكراهية، التي تعتبر أن التورط فيها جريمة ضد الإنسانية. ضاعف من الحيرة أن جماعة أنصار بيت المقدس أصدرت بيانا أعلنت فيه مسؤوليتها عن مقتل ضابط الأمن الوطني، وهى التي كانت أعلنت من قبل مسؤوليتها عن محاولة اغتيال وزير الداخلية الحالي اللواء محمد إبراهيم. وإذا صح ذلك الادعاء فإنه يحول مسار التحقيق من اتهام الإخوان إلى تتبع خيوط اعتراف أنصار بيت المقدس. وإلى أن يتوصل التحقيق والتحري إلى نتيجة يطمأن إليها فإن المحاكمات الإعلامية السابقة تعد نوعا من التحريض والتهريج الذي لا يحمي الأمن أو العدالة، ولا يخدم الاستقرار بأي حال. ليس المقصود تبرئة ساحة الإخوان، لأن الأهم هو معرفة الحقيقة ليس فقط لكي يأخذ العدل مجراه، ولكن أيضا لكي نتعرف على الفاعل الأصلي بما يمكننا من التعامل معه وعقابه بما يستحق. إلا أن ذلك ليس كل ما في الأمر، لأن ثمة جانبا من المشهد مهجورا ومسكوتا عليه. ذلك أن الجهد المبذول الآن مقصور على وصف ما جرى والتنديد به وتوزيع الاتهامات على المشتبهين فيه، وتلك وظيفة أجهزة الأمن والتحقيق بالدرجة الأولى، الأمر الذي عزز سيادة العقلية الأمنية على مختلف منابر التعبير، وحول كثيرين إلى مخبرين يخدمون تلك الأجهزة بأكثر مما يخدمون القارئ أو الحقيقة. إن السؤال الكبير الذي ينبغي أن ينشغل به أهل الرأي الغيورون على مستقبل البلد ومصالحه العليا هو: لماذا جرى ما جرى؟ أعني لماذا فشل الحل الأمني في أنحاء مصر وفي سيناء؟ ولماذا ظل الاهتمام بمصالح الناس وشؤون حياتهم اليومية في المرتبة التالية من الأهمية؟ بحيث ما عاد صوت يعلو فوق صوت تأمين النظام وبسط سلطانه. إن الصوت العالي في الفضاء المصري صار يدور في فلك معارك النخبة وليس معارك المجتمع أو هموم الفقراء والمستضعفين. ولا غرابة فالنخبة التي تتصدر المشهد ليست اختيار ذلك المجتمع، وإنما فرضت عليه فرضا. وبالتالي فإن ولاء هؤلاء ظل لمن اختارهم، وبقى معبرا عن مصالحهم وتطلعاتهم، وليس لأولئك الفقراء والمستضعفين الذين ما عادوا يظهرون في الصورة إلا حين يصبحون ضحايا لمختلف الكوارث والفواجع. وإذا صح ذلك التحليل فهو يعنى أننا بإزاء مشكلة في بناء السلطة ذاتها وفكر التغلب المهيمن على أدائها. وحين يكون التغلب معولا على قوته وسلطانه فمن الصعب أن تحدثه في السياسة أو تطالبه بها، إلا إذا اضطرته النوازل إلى ذلك. وربما كان ذلك هو اليسر الذي يستصحب الإفاقة ويلوح بعد الكدر والعسر الذي نحن بصدده.

482

| 21 نوفمبر 2013

شيء اسمه الكرامة

في أحد اجتماعات مؤتمر دافوس الذي عقد عام 2005 بالبحر الميت (الأردن) لمناقشة سبل إنجاح السلام وتحقيق التعاون الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، كان المشاركون مجموعة من رجال الأعمال والسياسيين العرب والإسرائيليين. وخلال الاجتماع تركزت المناقشة حول عملية الإعمار المقترح تنفيذها لإنعاش الضفة الغربية. وجرى الحديث عن مشروعات للإسكان وخطط للتنمية الصناعية والزراعية، وما يمكن أن يترتب على تنفيذها من عمالة وزيادة في الصادرات ورواج في الأسواق. وفي ختام الجلسة التي أثير فيها الموضوع طلب الكلمة افريام سنيه الذي كان آنذاك نائبا لوزير الدفاع الإسرائيلي. وشغل قبل ذلك منصب الحاكم العسكري للضفة أثناء الانتفاضة الأولى (عام 1987). ومما قاله إن المناقشات التي جرت أثارت عديدا من الموضوعات المهمة، لكنها جرت في الاتجاه الغلط. وشرح للجالسين أنه أثناء توليه منصبه في الضفة كانت الأوضاع الاقتصادية في أحسن أحوالها، وبلغ الانتعاش في المجتمع الفلسطيني ذروة لم يبلغها من قبل، حتى منذ العهد العثماني، الأمر الذي يعنى أن الناس لم يكونوا يعانون من قسوة الضغوط الاقتصادية وأعباء المعيشة، ومع ذلك انفجر غضبهم بشكل عارم فاجأ السلطة الإسرائيلية. (في 8 ديسمبر من ذلك العام دهست شاحنة يقودها إسرائيلي سيارة كان يستقلها عمال فلسطينيون من جباليا، فقتلت أربعة منهم وجرحت آخرين، وأثناء جنازتهم قام المشيعون بإلقاء الحجارة على موقع للجيش الإسرائيلي في جباليا، وكانت تلك الشرارة التي أطلقت ما عرف بانتفاضة الحجارة التي فجرت بركان الغضب في الساحة الفلسطينية من الضفة إلى القطاع). ختم الجنرال سنيه حديثه بقوله إن الاقتصاد مهم للغاية، لكن الكرامة أهم منه عند الناس. وينبغي ألا ينسى الاقتصاديون والسياسيون هذه الحقيقة التي تعلمها هو من انتفاضة عام 1987. إذ الأكيد أنه لم تكن هناك مشكلة اقتصادية حقيقية في الواقع الفلسطيني، ولكن المشكلة كانت في شعور الناس بأن الاحتلال الإسرائيلي أهانهم وأهدر كرامتهم. من ثَمَّ فالتحدي الحقيقي والاستقرار الحقيقي لن يتوافر فقط من خلال إنجاح مشروعات التنمية الاقتصادية، ولكن مفتاح الاستقرار الأكبر يكمن في إشعار الناس بأن كرامتهم محفوظة وأن كبرياءهم محل الاحترام.   حين سمعت القصة من بعض شهود الاجتماع لم يضايقني فيها سوى أنني وجدت نفسي متفقا في الرأي لأول ــ وربما آخرــ مرة مع كلام مسؤول إسرائيلي. حتى قلت إن الرجل كان صادقا وأمينا فيما قاله وأنه وضع يده على نقطة بالغة الأهمية، تتجاهلها حكومة إسرائيل ويتجاهلها كثيرون من أهل السياسة، الذين يحاولون تجنب غضب الجماهير وامتصاص نقمتهم عن طريق استرضائهم بإغداق الأموال والعطايا عليهم، وينسون أن الناس تهمهم كرامتهم بأكثر مما يهمهم رغد العيش الذي يراد لهم أن ينشغلوا به. في التجربة الجزائرية درس من هذا القبيل. ذلك أن بعض الحكام الفرنسيين تصوروا أن ثورة الجزائريين يمكن أن تهدأ إذا ما قامت سلطة الاحتلال بتنفيذ مشروعات الإسكان والتنمية، وظلوا لسنوات طويلة يتحدثون عن الجهود التي يبذلونها لحل المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الجزائريون، إلا أن بصيرة الجنرال شارل ديجول جعلته يدرك أن مشكلة الجزائر تحل باستقلال البلاد ورحيل فرنسا، أي من خلال إعادة الكرامة للجزائريين. وهو ما تحقق في عام 1961. ثمة لغط في أوساط بعض المثقفين الخليجيين حول هذه المسألة. وسمعت من بعضهم كلاما متواترا عن العطايا والمزايا التي تغدق عليهم بين الحين والآخر، وكيف أنها تلبي لهم أشواقا وطموحات كثيرة، ليس من بينها حقهم في الكرامة. الذي يرونه متمثلا في حظهم من المشاركة والمساءلة وفي الاحتكام إلى قانون يخضع له الجميع بلا استثناء، وفي التعامل معهم كمواطنين لهم صوت وليس كرعايا ليس أمامهم سوى الامتثال والخضوع. تحضرني قصة تجاهل مسألة الكرامة هذه كلما طالعت في الصحف المصرية أخبار الإغراءات والعطايا التي تعرض في المناسبات المختلفة على أهالي سيناء. وهي التي تتراوح بين هدايا الأغذية والخيام والبطاطين وبين وعود مشروعات التنمية التي يلوح بها المسؤولون في الحكومة المصرية بين الحين والآخر. ولا يشك أحد في أن ما يقدم إليهم أو ما يوعدون به يلبى احتياجات قطاعات عريضة من أبناء سيناء، لكن ذلك كله لا يعوض الكرامة التي يفتقدونها، في ظل عمليات القمع والسحق التي يتعرضون لها من جانب الأجهزة الأمنية التي تتعامل معهم بخشونة مفرطة لا تميز بين الأبرياء والمذنبين، وتعتمد سياسة «التمشيط» والتجريف التي تطيح بكل ما تصادفه وتعرض كثيرين لخسائر فادحة وإهانات لا ينسونها. وهو يشعر الناس بالهوان والانكسار، ويخلف ثأرات عميقة بينهم وبين السلطة وممثليها. إن إشباع البطون والغرائز يرضي الحيوان في الإنسان، ووحده الحفاظ على الكرامة هو الذي يشعر الإنسان بإنسانيته.

488

| 20 نوفمبر 2013

انسداد الأفق السياسي له مخاطره

لا مفر من الاعتراف بأن الأجواء المخيمة على الشارع المصري في الوقت الراهن أصبحت تشكل إحدى العقبات التي تحول دون استعادة الرشد السياسي والسلم الأهلي، في الأجل المنظور على الأقل. (1)  في العام الماضي كان هتاف الجماهير يجلجل في الفضاء المصري داعيا إلى إسقاط حكم العسكر. وقبل أسبوعين ذكر الدكتور حازم الببلاوي رئيس الوزراء بأنه لا عودة لحكم العسكر لمصر. إلا أن بعض الأقلام انبرت ناقدة له ومستهجنة لكلامه. حتى قرأنا لمن كتب صراحة «أهلا بحكم العسكر». (المصري اليوم 9/11)، وتابعنا تنافس بعض الكتاب في ذكر مناقب العسكر وفضائلهم، ممن حاولوا إقناعنا بأن مصر باتت في أشد الحاجة إلى قدرتهم على الحسم والضبط والربط. وهو ما توازى مع سياق آخر أطلقه الفنانون الذين تباروا في تزيين حكم العسكر والتهليل لدورهم السياسي، حتى زايدت على الجميع مغنية مغمورة، فظهرت في لقطة احتضنت فيها حذاء الجنود (البيادة) وطبعت عليه قبلة تعبيرا عن الامتنان والعرفان.  ما حدث مع حكم العسكر تكرر مع قضية الديمقراطية والتعددية التي ظللنا نتغنى بها ونلح عليها طيلة السنوات التي خلت، واعتبرنا أن ثورة يناير 2011 علامة فارقة على الطريق المؤدي إليها، إلا أن الاقتراب من ملف تطبيق الديمقراطية أصبح مغامرة كبرى بعد عزل الرئيس محمد مرسي في بدايات شهر يوليو الماضي. ذلك أن الإشارة إليها أصبحت تكلف صاحبها الكثير وتطلق عليه أسراب الزنابير. التي لا تفتأ تلسعه وتنهش في لحمه فضلا عن كرامته وعرضه. الأغرب من ذلك أن مجرد التحفظ على أحد عناوين ملف الديمقراطية الذي تمثل في إصدار قانون جديد يمنع التظاهر السلمي، صار ذريعة لاتهام المتحفظين بأنهم «طابور خامس»، وهي إحدى مراتب العمالة للعدو والخيانة. المدهش في الأمر أن ذلك حدث مع الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء وهو جزء من النظام الجديد وأحد أركان حكومته، الذي قيل إنه اعترض على إصدار القانون. وما أصاب الدكتور محمد البرادعي والدكتور عمرو حمزاوي وأمثالهما ممن كانوا خصوما لحكم الإخوان وجزءا من جبهة الإنقاذ ذهب إلى أبعد مما أصاب الدكتور زياد الذي يشهَّر به الآن باعتباره مشتبها فيه، في حين أن الأخيرين أدانهما الإعلام وقرر أنهما من طلائع الطابور الخامس (مذيعة التلفزيون في مساء السبت 9/11 سألت الدكتور مصطفى الفقي في غمز عما إذا كان الطابور الخامس موجودا في مجلس الوزراء أم لا).  وفي حين ظللنا نتباهى بثورة 2011 في عامها الأول. ونعتبرها مفخرة علمت العالم درسا بليغا في الإباء والكبرياء، فإن منابر الهيستيريا الراهنة أصبحت تشير باستياء وقرف إلى تلك المفخرة، ومنهم من اعتبرها نكسة ووكسة ومسخرة، (أحدهم وصفها بأنها مؤامرة كبرى ضد مصر دبرها جواسيس الولايات المتحدة ــ الأهرام 7/11/2013).  أما أم الخطايا والجريمة التي لا تغتفر الآن فهي الحديث عن المصالحة الوطنية. وهي الدعوة التي أطلقت عاصفة من السعار والغضب الوحشي في أوساط بعض الكتاب ورسامي الكاريكاتير الذين اعتبروها ردة وتدنيسا لصفحة انتفاضة 30 يونيو، وكفرا باستحقاقات الانتماء الوطني، وهو ما أدركته مذيعة السي إن إن الشهيرة كريستين أمانبور حين سألت الدكتور زياد بهاء الدين في حوارها معه يوم 4/11 عما إذا كانت المصالحة قد أصبحت كلمة في مصر سيئة السمعة (قذرة في الترجمة الحرفية) فأيدها، وقال إن ذلك من نتائج الاستقطاب الحاد الذي نعاني منه.  هذه بعض قسمات المواقف التي تذخر بها مصر الآن. ولا تسأل عن لغة التعبير عنها، التي اتسمت بالهبوط والتدني في أغلب الأحوال، لكنها ظلت طول الوقت حادة وجارحة ومنحازة إلى الإبادة وتشديد القمع وإشعال الحرائق في أوسع دائرة من الساحة السياسية. إزاء ذلك فلا غرابة إن بدت مصر من هذه الزاوية ساحة حرب يتقاتل فيها الإخوة الأعداء، وليست وطنا يظلل الجميع ويحتضنهم.  (2)  كما رأيت، فإن منسوب تسميم الأجواء بات مرتفعا للغاية في مصر. ورغم أن المزاج العام قابل للتغيير (كما رأينا بوضوح في الموقف من حكم العسكر) ــ إلا أننا يجب ألا ننكر أن ذلك المزاج معبأ بدرجة أو أخرى ضد الحلول السياسية التي تفضي إلى المصالحة الوطنية. أسهم في ذلك عاملان. الأول أن أجندة الخطاب السياسى تغيرت باتجاه التصعيد والتسخين. إذ في حين أن الموضوع الخلافي الأساسي بدأ بمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فإنه تطور بعد ذلك إلى دعوة لإسقاط حكم الجماعة وإخراج الإخوان من المعادلة السياسية، وانتهت معركة ضد «الإرهاب» معه استصحبت دعوة إلى استئصال الإخوان من الوطن وليس من السياسة وحدها. وبمضي الوقت صار الإرهاب هو الكلمة المفتاح لقراءة المشهد كله. إذ بعد إطلاقها فتحت الأبواب واسعة لتسويغ مختلف إجراءات الإقصاء والقمع، وتبرير انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت القوانين سيئة السمعة والمعادية للحريات العامة من تداعياتها.  حين أطلق المصطلح في الفضاء المصري، فإن وسائل الإعلام تلقفته وقامت بدورها في التعبئة والتحريض وتهيئة الأجواء المناسبة لكسب المعركة والقضاء على «العدو» المفترض. وذلك هو العامل الثاني الذي أسهم في تسميم الأجواء المصرية. بكلام آخر فإن وسائل الإعلام استجابت بسرعة للتطور الذي حدث في أجندة المواجهة السياسية ووظفت قدراتها لغسيل أدمغة الناس وتغييب وعيهم. وهو تشخيص أورده الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه الجديد «أنظمة القوة». وانتقد فيه الدور السلبي الذي يقوم به الإعلام الأمريكي على ذلك الصعيد، الأمر الذي ينطبق بشدة على حالتنا في مصر والعالم العربي، كما أشرت في مرة سابقة.  (3)  لست غافلا عن إخفاقات أو أخطاء وقع فيها الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان. وهي التي أثارت استياء الناس وغضبهم. ولم أسقط من الاعتبار أحداث العنف التي شهدها المجتمع المصري والتي تناقضت الروايات بشأن الأطراف الفاعلة فيها أو الضحايا الذين سقطوا بسببها. فتلك جوانب مهمة لا ريب، إلا أننا سنحتاج إلى وقت لكي ندرك حقائقها، لأن ما نسمعه بصددها في الوقت الراهن هو قراءة ورأي الطرف المتغلب وحده، ولن يكون بمقدورنا تقييمها على نحو يُطمأن إليه إلا إذا اطلعنا على وجهة نظر الطرف أو الأطراف الأخرى. ثم إنني ألفت النظر إلى أن ما أنا معني به في اللحظة الراهنة هو محاولة الإجابة على السؤال كيف نتجاوز الأزمة ولماذا تتعثر الجهود الرامية إلى حلها. ولست بصدد تحري الخلفيات وتحديد من أخطأ ومن أصاب. علما بأن الإعلام المصري يركز على الملف الثاني ولا يكف عن تقليب صفحاته معيدا كتابة التاريخ من وجهة نظر واحدة، اعتمادا على تقارير أمنية في الأغلب. وفي تركيزه ذاك فإنه مشغول بالماضي، ومنصرف عن الحاضر والمستقبل.  في محاولة الإجابة على السؤال المتعلق بتعثر جهود حل الأزمة أزعم أن ثمة أطرافا أربعة تعارض الحل السياسي، وتحرص على استمرار انسداد الأفق، من خلال المراهنة على جدوى الحل الأمني وفاعليته. هذه الأطراف تتمثل فيما يلي: (1) الجناح المتطرف في المؤسسة الأمنية، المنحاز إلى القمع والاستئصال، ورغم ما يتردد عن وجود أصوات داخل المؤسسة تقبل بفكرة الحل السياسي، إلا أن من الواضح أن كفة الأولين هي الراجحة. بدليل أن ما يصدر من قرارات وما يتم من إجراءات يعبر عن تلك الرؤية باستمرار. وحسب معلوماتي فإن اتفاقا كان قد تم مع مفوضة الاتحاد الأوروبي السيدة آشتون بشأن اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه تفتح الباب للتفاهم مع بعض القيادات الموصوفة بالاعتدال ضمن تحالف الدفاع عن الشرعية. ولكن ذلك الاتفاق تم العدول عنه بعد ذلك. وثمة محاولة أخرى قامت بها بعض الأطراف وثيقة الصلة بالسلطة قطعت بدورها شوطا في ذلك الاتجاه، وثم طلب منها بعد ذلك صرف النظر عن الموضوع.  (2) دعاة الفاشية في أوساط النخبة، وأعني بهؤلاء غلاة العلمانيين وأغلبية المثقفين المحترمين والتيار الغالب بين الكتاب والصحفيين، وبعض هؤلاء لهم رصيد من الكتابات والتصريحات التي دافعوا فيها عن الدولة المدنية وعن قيم الديمقراطية المتمثلة في التعددية والتداول والقبول بالآخر، لكنهم انقلبوا على كل ما قالوا به في السابق، وأصبحوا يقودون طوابين المهللين والمنشدين الرافضين للمصالحة الوطنية والداعين إلى الإقصاء وإلغاء الآخر، كما وجدناهم يتصدرون مواكب الداعين إلى حكم العسكر والهاتفين باسم الفريق السيسي رئيسا، حتى دون انتظار لإجراء الانتخابات.  (3) أركان نظام مبارك والمنتفعون به. وهؤلاء هم الذين تولى ذلك النظام رعايتهم طوال ثلاثين عاما، بل أربعين لأنهم ظهروا في ظل نظام السادات. وخلال تلك الفترة فإنهم اكتسبوا نفوذا كبيرا في القرى، وحققوا مكاسب مالية هائلة، وظفوا جانبا منها في إسقاط حكم الإخوان سواء من خلال دعم بعض الحركات الاحتجاجية، وتحريض المنابر الإعلامية (التلفزيون بوجه أخص). ولايزال هؤلاء وهؤلاء يقومون بدورهم في التحريض والهجوم الشرس على الأصوات الداعية إلى الحل السياسي.  (4) القوى الإقليمية التي سارعت إلى مساندة النظام الجديد، وهي التي لا تعرف غير الحلول الأمنية في التعامل مع الناشطين والمعارضين بين شعوبها. ذلك أن تلك الأطراف تعتبر أن نجاح ثورة يناير في مصر يشجع الحراك الحاصل في محيطها، ومن ثم يهدد أنظمتها. ولذلك فإنها تعتبر استمرارا لسياسة الأمنية في مصر خطوة مهمة في سعيها للدفاع عن نفسها وإحكام سيطرتها على جبهتها الداخلية. وفيما علمت فإن بعض تلك الدول أبلغت مصر صراحة بأن استمرار مساعدتها الاقتصادية لمصر مرهون بتمسكها بسياساتها الأمنية الراهنة، وأن المصالحة الداخلية من شأنها أن تؤثر سلبا على تدفق تلك المعونات.  لم أذكر بعض المنابر الإعلامية كمعطل للحل السياسي، ليس فقط لأنني سبق أن أشرت إلى خطورة الدور الذي أدته في إشاعة التسميم. ولكن الأهم من ذلك أنني أعتبرها بوقا وصدى لتلك الأطراف الأربعة.  (4)  الأزمة التي نحن بصددها متعددة الأوجه، ذلك أنها لم تؤد إلى تسميم الأجواء المصرية فحسب، ولم تؤد إلى تشويه الإدراك العام وتحويل الاختلاف السياسي إلى اقتتال أهلي، وإنما أيضا لأنها أفرزت نتيجتين خطيرتين إضافيتين هما: استدعاء الدولة الأمنية ومصادرة فكرة الحل السياسي. ثم إشغال الرأي العام بعناوين ملف الإخوان على نحو صرفهم عن التركيز على مستقبل الوطن، رغم أن مشكلة الإخوان فرع ومستقبل الديمقراطية في مصر هو الأصل السياسي، ولست أريد أن أقلل من شأن مشكلة الإخوان، لأنني أعتبرها مهمة حقا، لكنني أزعم أن مستقبل الديمقراطية هو الأهم. وفي كل الأحوال فإن مفتاح حل المشكلتين لابد أن يمر بالسياسة، في حين يظل الحل الأمني بمثابة «القفل» الحقيقي الذي يسد الأفق ولا يفتحه. ثم إنني أستغرب عدم إدراك كثيرين خطورة استمرار رفض المصالحة وإغلاق الأفق السياسي، وتأثير ذلك على استدعاء العنف وتشجيعه. وما يضاعف من الاستغراب والدهشة أننا بتنا بحاجة إلى بذل جهد لإثبات هذه البديهية التي باتت من مسلمات العصر، وغدت نهاية حتمية لكل صراع.

990

| 19 نوفمبر 2013

تحدِّي محمد محمود

لم تأخذ أحداث شارع محمد محمود مكانتها التي تستحقها في الذاكرة المصرية، ليس ذلك فحسب، وإنما تعرضت أيضا للطمس والتزوير، حتى غدت جزءا من تاريخ مصر المجهول والمفترى عليه. ذلك أنني أزعم أن ما جرى آنذاك (بين يومي 19 و25 نوفمبر عام 2011) يعد أهم أصداء ثورة 25 يناير التي لم تتكرر بعد ذلك. إن شئت فقل إنها الجولة أو الموجة الثانية للثورة. الأولى كانت ضد استبداد مبارك وفساده، والثانية كانت ضد حكم العسكر، وكان الثمن باهظا في الجولتين، ذلك أن شراسة نظام مبارك ضد محاولة إسقاطه، لم تختلف كثيرا عن الشراسة والعنف الذي قوبلت به الجولة الثانية التي دعت إلى تسليم السلطة للمدنيين. الأمر الذي قد يسوغ لنا أن نقول إن ثورة 25 يناير إذا كانت قد أرغمت مبارك على التنحي ولم تسقط نظامه، فإن جنود مبارك وأذرعه خرجوا جميعا للدفاع عن نظامه في أحداث شارع محمد محمود الدامية، التي قتل فيها 46 شخصا وجرح وأصيب أكثر من 3500 آخرين. لا أعرف توثيقا وافيا لما جرى آنذاك، لكنني وجدت عرضا طبيا لأحداث الأيام الستة على الإنترنت. ووقعت في كتاب الدكتورة رضوى عاشور الأخير (أثقل من رضوى) على لقطة سجلت جانبا من الوحشية والشراسة التي ووجه بها الثوار في تلك الفترة، فتحدثت عن تعمد استهداف إصابة أعينهم، واعتبرت ذلك «خطة ممنهجة ومكررة» استخدمت في مواجهة الثوار. واعتمدت فيما سجلته على شهادة اثنين من أساتذة طب العيون في مستشفى قصر العيني، وقد ذكرا أنه في أحداث 28 و29 يناير وفي أحداث محمد محمود ظلت إصابة الأعين «جزءا من خطة الأمن». (بعض الرصاص كان يخترق العين مرتين، مرة من الأمام ومرة من الخلف، ثم يستقر خلف العين أو يخترق العظام ويستقر في المخ، كما بينت الأشعة المقطعية). لست في وارد استعراض الجرائم التي وقعت في تلك الفترة، التي يشيب لها شعر الرأس، وهي التي أفقدت البعض حياتهم، في حين دمرت حياة البعض الآخر، ممن فقدوا أعينهم أو أصيبوا بالشلل الرباعي، أو بغير ذلك من العاهات والتشوهات، إلا أنه لا يفوتني أن أسجل أن ما جرى لهؤلاء ولغيرهم من ثوار 25 يناير لم يحاسب عليه أحد، وأغلب الذين اتهموا فيها برأتهم المحاكم. ومن المحزن أن بعض وسائل الإعلام باتت توجه أصابع الاتهام إلى الثوار أنفسهم، فأصبحوا يوصفون بالعاطلين والبلطجية ويشار إليهم أحيانا بأنهم «مرتزقة يناير»، بل إن ثورة يناير ذاتها لم تسلم من التشويه، حتى باتت تتهم تارة بأنها مؤامرة من جانب الإخوان، وتارة أخرى بأنها مؤامرة أتت بالإخوان. ذلك كله أصبح الآن جزءا من التاريخ الذي يتعذر التفصيل فيه في ظل الظروف الراهنة، وإن تمنيت ألا نلوثه أو نشوهه، وألا نتركه للمؤسسة الأمنية التي تكتبه على هواها، بما يبرئ ساحتها ويغسل أيديها من دماء الشهداء. وأشدد على أن الحاضر والمستقبل هو الأهم الآن، لسبب جوهري هو أن الحلم لا يزال معلقا في الفضاء ولم يتم تنزيله على الأرض بعد، في حين أننا في نهايات السنة الثالثة من الثورة. خصوصا أن ذكرى شرارة أحداث شارع محمد محمود تحل غدا بما تستصحبه من استدعاء قوي لأهداف الثورة ومقاصدها التي بات يحيط بها ضباب كثيف، وهو ما حير كثيرين، بحيث ما عادوا متأكدين أننا نتقدم إلى الأمام، وساورتهم الشكوك في أننا صرنا نتراجع إلى الوراء، إذ لاحت قرائن عدة أعطت انطباعا بأن الكابوس صار يتقدم لكي يحتل مقاعد الحلم. صحيح أن ذكرى أحداث محمد محمود تنبهنا إلى أن المطلب الأساسي للذين احتشدوا وثاروا آنذاك لم يحسم أمره بعد، وأن القلق من حكم العسكر لا يزال واردا، إلا أنها تكشف لنا أيضا عن حقيقة الوهن الذي أصاب الجماعة الوطنية منذ ذلك التاريخ وإلى الآن. ذلك أن الجماهير التي خرجت في عام 2011 لكي تطالب بإنهاء حكم العسكر، أصبحت الآن تتقاتل فيما بينها منصرفة عن الهدف الذي خرجت لأجله في البداية. لا أنكر أن ممارسات وأخطاء عدة أدت إلى شق الصف الوطني وفجرت أسباب الصراع بين أجنحته، إلا أنني أخشى إذا ما استمر ذلك الاقتتال والخصام الأهلي أن يهزم الطرفان ويبقى نظام مبارك. إزاء ذلك فإن التحدي الكبير الذي يواجه عقل الجماعة الوطنية المصرية يتمثل في كيفية معالجة ذلك الصدع الخطر بما يتيح إمكانية توظيف قدرات كل طرف لصالح كسب المعركة الأساسية، بحيث يصبح الوطن هو الفائز في نهاية المطاف. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك الفوز إلا إذا تم تعزيز الصف الوطني باستنفار القوى الوفية لأهداف الثورة إلى جانب الكتل الجماهيرية التي دفعت بعيدا عن الساحة جراء حسابات خاطئة أو ممارسات خائبة. أما كيف يتم ذلك التلاقي بحيث يطوي صفحة الماضي دون أن ينساه، لكي يعبر إلى المستقبل، فذلك جوهر التحدي الذي أتحدث عنه. وهو أمر ليس مستحيلا إذا وضعنا في الاعتبار أن المشترك بين جماهير الطرفين أكبر بكثير من مواضع الخلاف. وإذا ما نجح الطرفان في الفصل بين ما هو سياسي وما هو تنظيمي، وركزا على الأول مع تجاوزهم للعامل التنظيمي. أدري أنها عملية شائكة وصعبة لكنها عاجلة وضرورية، لأن السؤال المطروح على الجميع في الوقت الراهن بقوة هو: هل تكون الثورة أو لا تكون؟

475

| 18 نوفمبر 2013

تخابر علني

أنفقت وقتا غير قليل لتحديد مصطلح «التخابر» المتداول في مصر هذه الأيام، لجأت إلى المعاجم العربية فوجدت الكلمة بريئة ومحايدة، إذ هي من مشتقات الإخبار، بمعنى التداول والتباحث. بحيث إن الاثنين إذا تخابرا فيكونا قد تكلما وتباحثا، ورجعت إلى أهل القانون فقالوا إن العبرة ليست بمبدأ التخابر، الذي لا يجرمه القانون ولكنه بمقصوده ومآلاته. وفي الباب الأول من الكتاب الثاني لقانون العقوبات، المواد 77 وما بعدها، تفصيل في العقوبات المقررة في حالة التخابر مع دولة أجنبية تبعا لقصد الشخص أو نتيجة فعله، وهي تتراوح بين الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة، عافاك الله من الاثنين. كنت قد قرأت في الصحف المصرية أن الدكتور محمد مرسي متهم بالتخابر مع حركة حماس أثناء عمله كرئيس للجمهورية، حيث من الثابت أنه استقبل في مقر الرئاسة السيد إسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة قطاع غزة. وفي وقت لاحق قرأت أن وزير الدفاع الأمريكي أجرى 17 اتصالا هاتفيا مع الفريق عبد الفتاح السيسي قبل عزل الدكتور مرسي في 3 يوليو الماضي، وأخيرا نشرت الواشنطن بوست تصريحات لرئيس المخابرات العامة المصرية اللواء محمد التهامي قال فيها إنه على اتصال دائم برئيس المخابرات المركزية الأمريكية وأن بين الطرفين تفاهمات قوية وأوجها للتعاون لا نظير لها في أي مكان في العالم. لم يكن لدي شك في أن ذلك المستوى من التخابر يدخل في نطاق المهام الوظيفية لكل منهم، ولكن الحسابات السياسية جعلت من تخابر الدكتور مرسي تهمة، وتخابر الآخرين من مقتضيات تحقيق المصلحة الوطنية العامة. لم أقصد من البحث الذي أجريته التحقيق فيما صدر عن الشخصيات التي أشرت إليها، لكن قصدي كان مختلفا تماما، وخاصا جدا. ذلك أنني دعيت إلى مؤتمر كبير يعقد في الأردن اليوم (الأحد 17/11) لمناقشة مستقبل حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، سوف يحضره باحثون من 14 دولة عربية إضافة إلى 150 مدعوا من السياسيين والأكاديميين وبعض المشاركين يمثلون حركات الإسلام السياسي في العالم العربي. وللعلم فإن هذا الموضوع شاغل للعديد من المراكز البحثية في العالم العربي وخارجه، لأن مركز الدراسات العربية في بيروت دعا إلى حلقة في نهاية الشهر الحالي لمناقشة الموضوع ذاته، بتركيز خاص على الحالة المصرية. وهناك تحضيرات لعقد مؤتمرات مماثلة في بعض الدول الأوروبية والمراكز البحثية الأمريكية. دوري مقصور في مؤتمر عمان على رئاسة إحدى جلسات المؤتمر، التي يفترض أن تعقد ظهر الاثنين، وستناقش (الفرص وآفاق المستقبل). وحسب الجدول المرسل فإن ثلاثة باحثين سيقدمون أوراقهم فيها، واحد عراقي والثاني مصري والثالث أردني. لم يكن في الأمر ما يستحق الذكر، لولا أنني طالعت خبرا نشرته «المصري اليوم» في 13/11 الحالي على صفحتها الأولى تحت عنوان: أمين عام الإخوان الهارب في مؤتمر إسلامي دولي بالأردن. وفيه أوردت تفاصيل المؤتمر، وعرضت لجدول أعماله الموجود على شبكة التواصل الاجتماعي. لم أكن أعرف أن الأمين العام للإخوان الموجود خارج مصر سوف يحضر المؤتمر وسيلقي كلمة في الجلسة الافتتاحية. لكنني توجست من الأمر لا لشيء سوى خبرتي مع الإعلام المصري الذي تخصصت بعض منابره في الدس والتحريض واستباحة الكرامات. لم أنس ما سمعته بأذني قبل أيام من أحد مقدمي البرامج في قناة من «إيَّاهم»، وصفني بالخيانة ـ بالاسم ـ لأنني حضرت حفل الاستقبال الذي أقامته السفارة التركية بالقاهرة بمناسبة عيدها القومي. لذا وسوس إليّ شيطان الشك قائلا إنه إذا كان قضاء نصف ساعة في حديقة السفارة التركية بحضور 1500 مدعو اعتبر خيانة، فإن المشاركة في مؤتمر بعمّان يستمر يومين لمناقشة وضع الإسلام السياسي (الشيطان الأكبر في مصر) سوف توفر فرصة لشبيحة الإعلام ومحترفي تقديم البلاغات عندنا لاعتباره خيانة عظمى، خصوصا أن ممثلا للإخوان سيشارك في المؤتمر، الأمر الذي يضاعف من الجريمة ويعد إحدى قرائن إثبات الخيانة. رغم أني أشارك في المؤتمرات المتعلقة بالإسلام السياسي منذ أربعين عاما إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تخطر لي مثل هذه الهواجس، التي هي من أصداء الأجواء الراهنة في مصر، لدي ردود كثيرة على وساوس شيطان الشك، منها أن المؤتمر بحثي وليس سياسيا وأنه علني ومفتوح للكافة. وهو ما شجعني على السفر إلى عمان، مطمئنا في ذلك إلى قاعدة ذهبية ألتزم بها طول الوقت يلخصها المثل القائل: امشي عِدِل (بكسر العين والدال) يحتار عزالك فيك ـ ولا بأس من أن تعتبر ما ذكرت اعترافا من جانبي أو مرافعة في تهمة التخابر.

751

| 17 نوفمبر 2013

العسكرة هي الحل

أتكون العسكرة هي الحل؟ جريدة الأهرام في عدد أمس (الجمعة 15/11) ردت على السؤال بالإيجاب. ولأن الأهرام ــ خصوصا رئيس تحريرها ــ لا ينطق عن الهوى، وإنما له دائما وحي يوحى. حيث المصادر الأمنية حاضرة في الأخبار بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وحين يتعلق الأمر بالمصير وقراءة السلطة له فإن «الوحي» يطل من بين الأسطر والفقرات، بحيث لا يمكن تجاهله، ويتعين أخذه على محمل الجد.كان الأهرام في مقدمة الصحف المصرية التي اكتشفت وجود «الطابور الخامس»، الذي يضم شعب مصر الثالث الذي لم تدركه الأغنية الشهيرة. وفهمنا أنه يضم أشرارا مشتبهين ومحتملين، يقفون في منزلة بين المنزلتين. فلا هم من الأشرار الأصوليين الممثلين في الإخوان ومن لف لفهم، ولا هم من الأبرار (الوطنيين الشرفاء) الذين يهتفون باسم الفريق السيسي ويطالبونه بأن «يكمل جميله» بأن يترشح رئيسا.أخبرنا العنوان الرئيسي لأهرام الجمعة أن الطابور الخامس تحالف مع الإخوان لإشاعة الفوضى يوم 19 نوفمبر (ذكرى موقعة محمد محمود). ونسب إلى المصادر الأمنية قولها إن مخطط التحالف والتآمر تلقى تمويلا ضخما لحساب التنفيذ بإشراف التنظيم الدولي للإخوان. ورغم أن المصدر الأمني رفيع المستوى ذكر أن الأجهزة الأمنية ترصد جميع تحركات العناصر التحريضية، فإن القارئ لابد أن يستغرب لماذا لم تصادر الأجهزة اليقظة ومفتوحة الأعين ذلك التمويل الضخم، ولماذا لم تفضح الذين دفعوا والذين تسلموا، وهي التي تسارع إلى تصوير كل قيادي إخواني يتم القبض عليه، حتى وهو يرتدي ملابس النوم.ليس ذلك أهم ما في الموضوع، لأن الأهم هو المرافعة التي قدمها رئيس تحرير الأهرام، ودعا فيها إلى إحباط «المؤامرة الكبرى» التي تحاك ضد الوطن. وفي قلبها يقف الطابور الخامس. ومن أبرز ما أورده في بيانه النقاط التالية:ـ أن هناك زواجا كاثوليكيا في المرحلة الراهنة بين الثالوث المرعب المتمثل في المال الغامض والإعلام الفاسد والطابور الخامس. أسفر في النهاية عن الحالة المزرية التي تعيشها البلاد الآن.* أنه ليس هناك ما يشير إلى أن مؤسسات الدولة الرسمية قادرة على مواجهة المؤامرات التي تدبر. ليس فقط بسبب ظاهرة الأيدي المرتعشة في السلطة ولكن أيضا لأن الفساد الإعلامي الذي تموله مصادر مشبوهة لجأ إلى البلبلة والابتزاز. كما أن الطابور الخامس استشرى في المؤسسات الرسمية.* في النهاية أصبح المواطن العادي مغلوبا على أمره وحلت به النكبة التي نعيشها الآن، من فساد استشرى أكثر من ذي قبل، وغلاء لا يرحم، وانفلات لا يتوقف.* أصبحت مصر في الوقت الحاضر رهينة مؤسسة رئاسة تعلم أنها مؤقتة، ومؤسسة حكومية مرتعشة، وبين أحزاب سياسية ورقية، ولجنة إعداد للدستور مطعون عليها، ومجالس عليا تم تشكيلها في غفلة من الزمن، وسيطرة فاشلين على الشأن العام، والإصرار على إقصاء البعض والتنكيل بالبعض الآخر. وهو ما ترتب عليه أن أصبحت هناك مقاومة عنيفة لأي محاولة للإصلاح أو التهدئة أو حتى الحزم والحسم.* إزاء ذلك فقد أصبحنا بحاجة إلى إعادة صياغة المجتمع بما يضمن تحقيق أكبر قدر من الاستقرار في أقل وقت ممكن. ولن يتحقق ذلك إلا بإعادة نظر شاملة مع الملفات الثلاثة، المال الغامض، والإعلام الفاسد، والطابور الخامس.* لم تعد المرحلة تحتمل أيادي مرتعشة تأبى اتخاذ القرار. ولم تعد تحتمل مواءمات أو حسابات من أي نوع. بالتالي يجب ألا يكون مستقبل الوطن رهنا بالانتهاء من استفتاء أو بإجراء انتخابات برلمانية كانت أو رئاسية. فقد طفح الكيل وفاحت الرائحة. وبالتالي نخشى الانفجار الذي يمكن أن يكون مدمرا هذه المرة.* هذه الأوضاع جعلت مصر إزاء مستقبل غير واضح المعالم، وخريطة مستقبل لم تسد رمق طفل صغير. وقد استغلها البعض لتحقيق مآرب أيديولوجية وتطلعات شخصية، سواء من خلال دستور لن يكون أبداً مقنعا في ظل ما يشاع عن حواراته وجلساته. أو من خلال انتخابات مقبلة يتحفز الطامعون للانقضاض عليها.* أصبحت الكرة الآن في ملعب القوات المسلحة، التي هي الجهة الوحيدة التي وثق فيها الشعب، ذلك أننا بإزاء وطن بحاجة إلى إنقاذ. وليست هناك قوة قادرة على مواجهة الثالوث المرعب سوى القوات المسلحة.* حين نستنجد بالقوات المسلحة فذلك لإدراكنا أنه لم يعد أمامنا ملاذ غيرها، بعد الله سبحانه وتعالى. وحين طالبنا الفريق أول عبد الفتاح السيسي بالإسراع بتحمل المسؤولية اليوم وليس غدا، فإن ذلك كان إدراكا منا بأن ذلك هو عين الصواب والطريق الوحيد لإنقاذ البلد من الهاوية، التي ينسجها له المال الغامض والإعلام الفاسد والطابور الخامس والأيدي المرتعشة.هذا الكلام الذي لا أشك في أنه خارج من المؤسسة الأمنية يثير السؤال التالي: هل هذا هو رأي المؤسسة التي تدير الدولة، أم أنه رأي أحد أجنحتها فقط؟ وهو سؤال أطرحه لا لكي أطمئن ــ حيث ما عاد ذلك واردا ــ ولكن لكي أتعرف على حدود المسافة التي تفصل بيننا وبين الصدمة الكبرى.

484

| 16 نوفمبر 2013

المبادرة روسية

إذا نحينا جانبا العنتريات الإعلامية فسوف نكتشف أن روسيا هي صاحبة مبادرة مد الجسور مع مصر، وسنجد أن المبادرة ليست جديدة، لكنها طرحت على القاهرة خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكنه لم يتحمس لها لأسباب مفهومة. وهذا ما يعرفه جيدا الدبلوماسيون المصريون الذين عملوا في موسكو خلال تلك الفترة. وما حدث أن العرض تجدد مؤخرا، وهو ما رحبت به القاهرة الأمر الذي فتح الباب لاستعادة الدفء في علاقات البلدين. وكان رئيس المخابرات الروسية الذي زار القاهرة أول الداخلين، وبعده جاء وزيرا الدفاع والخارجية.  كل طرف كانت لديه أسبابه في تحركه نحو الآخر. على الجانب الروسي تمثلت الأسباب في العوامل التالية:  < حرص الرئيس فلاديمير بوتن المتأثر بحلم الإمبراطورية الروسية على إثبات حضوره في الساحة الدولية، بخلاف سلفه ميدفيديف الذي انشغل بالداخل ولم يمد بصره إلى الخارج، أدرك بوتن رغم ضعف موقفه الداخلي أنه خارجيا أصبح في موقف أقوى سواء لإدراكه أن الولايات المتحدة غارقة في تداعيات ورطتها في أفغانستان والعراق، أو لأنه حقق إنجازا دوليا مهما حيث تدخل لوقف الحملة العسكرية الأمريكية ضد سوريا. أو لأنه بمساندته لسوريا أصبح ظهيرا مهما لإيران.  < إدراك موسكو أن العالم العربي والشرق الأوسط عموما تراجعت أهميته في الإستراتيجية الأمريكية، التي أصبحت معنية أكثر بصعود الصين والتغيرات الحاصلة في آسيا. صحيح أن واشنطن لم تتخل عن دعمها لإسرائيل، إلا أن الملفات الأخرى المتعلقة بالمصالح الأمريكية في المنطقة أصبحت في عهدة أصدقاء واشنطن من العرب «المعتدلين»، الذين اطمأنت إلى قيامهم بالواجب وزيادة. وهي الخلفية التي شجعت موسكو على محاولة استعادة موقعها في العالم العربي، خصوصا أن علاقاتها الخاصة بسوريا مكنتها من الإسهام في صياغة معادلات المنطقة وتوازناتها. وتاريخيا فإن دور القاهرة في الذاكرة الروسية يتجاوز بكثير حضور سوريا.  < إن ثمة تقليدا دبلوماسيا روسيا يدفعها إلى محاولة تمتين علاقاتها مع الدول التي تهمها، وذلك من خلال إقامة لجان مشتركة مع تلك الدول يمثلها فيها وزيرا الدفاع والخارجية مع نظرائهم في الدول الأخرى لترتيب أمر المنافع المتبادلة. وقد شكلت روسيا عشر لجان من ذلك القبيل مع دول أخرى في العالم، بينها فرنسا، وهذا هو المطروح على مصر الآن.  < روسيا تخوض معركة داخلية ضد المقاومة الإسلامية لنفوذها في منطقة القوقاز وشيشينيا وداغستان وأنجوشيا ــ من ثَمَّ فإن حملتها مستمرة مع ما تسميه بالإرهاب الإسلامي. وأغلب الظن أنها وجدت في الأجواء الراهنة فرصة للتعبير عن تضامنها مع النظام القائم في مصر الذي وجدت أنه تبنى خطابا أعلن فيه أنه يخوض معركة مماثلة.  < روسيا رغم أنها ليست في وارد الاشتباك مع الولايات المتحدة، إلا أنها لا تتردد في منافستها، في الحدود التي لا تؤدي إلى إغضابها. ولا ينسى في هذا السياق الخدمات الجليلة التي قدمتها موسكو لواشنطن أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان، رغم أنها ليست سعيدة بالتدخلات الأمريكية في دول البلطيق، بالتالي فموسكو غير مستعدة لأن تدخل في منازعة مع واشنطن حول مصر، ناهيك عن أنها لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة فيما تقدمه الأخيرة من دعم للنظام المصري.  أما محددات الموقف المصري فيمكن الإشارة فيها إلى العوامل التالية:  < إن عدم ارتياح مصر لموقف الإدارة الأمريكية ــ الحزب الديمقراطي تحديدا ــ شجعها على التفكير في تحقيق التوازن في علاقاتها الخارجية، وكان الترحيب بالمبادرة الروسية من بين الخيارات المطروحة في هذا السياق. علما بأن تلك مجرد خطوة على طريق التوازن المنشود، والتي ينبغي أن تعقبها خطوات أخرى باتجاه إيصال الجسور ذاتها مع دول أخرى مثل الصين والهند والبرازيل.  < إن مصر ليست في وارد الاتجاه للاعتماد على السلاح الروسي، ليس فقط لأنه أقل تقدما من الأمريكي، ولكن لأنها معتمدة منذ سبعينيات القرن الماضي على السلاح الغربي، علما بأن عملية تغيير السلاح والعقيدة القتالية التي تستصحبها ليست بالأمر الهين، لأنها تستغرق سبع سنوات في المتوسط. لذلك فإن حدود التعاون مع موسكو في هذا الصدد لن تتجاوز إحداث تغييرات جزئية في عملية التسليح، تستفيد من الإنتاج الروسي ولا تسبب ضيقا أو غضبا من جانب الولايات المتحدة.  < إن مصر تعتبر أن ثمة فرصا واسعة للتعاون مع روسيا في مجالات أخرى تتراوح بين المنافع الاقتصادية والمفاعلات الذرية. فالصادرات المصرية (البرتقال والبطاطس أساسا) في حدود 200 مليون دولار سنويا، في حين أن الواردات الروسية في حدود مليار ونصف المليار دولار. والقمح أهم ما تستورده مصر من روسيا، والسياح الروس (حوالي 2.5 مليون سنويا) أهم ما يأتينا منها.  غاية ما يمكن أن يقال في وصف الحاصل أنه بداية محاولة محمودة لتنشيط وتحقيق نوع من التوازن في علاقات مصر بالخارج. خصوصا مع أصدقائها الذين هجرتهم، دون أن يشكل ذلك انقلابا في السياسة الخارجية، لأن قدراتنا لا تسمح بأكثر من القيام بالانقلاب في الداخل.

380

| 14 نوفمبر 2013

هلاوس

إذا جاز لنا أن نعتبر أن للسياسة تقاليعها؛ فبوسعي أن أقول إن الحديث عن روسيا في السياسة المصرية هو تقليعة الأسبوعين الأخيرين في خطابنا الإعلامي والسياسي، عبر عن ذلك سيل التعليقات التي حفلت بها وسائل الإعلام المصرية المرئية والمقروءة التي تزامنت مع سيل الرسائل والإشارات الإيجابية الدالة على أن علاقات البلدين بصدد استعادة دفئها، وهو ما تجلى في استقبال الطراز الروسي والحفاوة به في أبرز الموانئ المصرية، وذلك في إطار التمهيد للزيارة التي يفترض أن يقوم بها اليوم للقاهرة وفد روسي مهم، على رأسه وزيرا الدفاع والخارجية، وهي التي سبقتها عدة زيارة لوفود شعبية مصرية لموسكو، واتصالات دبلوماسية بين القاهرة وموسكو كانت معبرة عن الرغبة في استعادة الدفء ومد الجسور بين الطرفين. ما حدث يعد تطوراً نوعياً إيجابياً في علاقات البلدين، وهو يستحق الحفاوة والترحيب بكل تأكيد، لكنني لا أستطيع أن أكتم الدهشة إزاء المزايدات والمبالغات الفجة التي قُدِّم بها ذلك التطور إلى الرأي العام المصري؛ فقد صوره البعض على أنه صفعة مصرية للولايات المتحدة الأمريكية، وقرأت لمن ادعى أنه بمثابة انقلاب إستراتيجي في السياسة الخارجية المصرية، وتواضع آخر فذكر أنه نصف انقلاب، ونشرت إحدى صحفنا تقريرا إخباريا تحدث عن «الرعب» الحاصل في واشنطن جراء متغيرات السياسة المصرية، كما قرر كثيرون أن مصر بصدد التحول إلى الاعتماد على السلاح الروسي استلهاما لما فعله الرئيس عبدالناصر قبل نحو ستين عاما، حين تحدى واشنطن بإعلانه عن عقد صفعة الأسلحة التشيكية، الذي لا يقل غرابة عما سبق أن أستاذاً للعلوم السياسية كان قد سافر إلى موسكو ضمن أحد الوفود الشعبية، قال في ندوة عامة بعد عودته في سياق امتداحه للموقف الروسي: إن موسكو وجهت إلى واشنطن مؤخرا إنذارا شديد اللهجة طلبت منها فيه عدم التدخل في الشؤون المصرية، في تكرار للإنذار الذي وجهه بولجانين إلى الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، وهي قصة مخترعة لا أساس لها. تلك مجرد نماذج للادعاءات التي راجت في الفترة الأخيرة، وكانت أقرب إلى التمنيات أول الهلاوس منها إلى حقائق الواقع وخرائطه، وللإنصاف فإن التصريحات التي صدرت عن الخارجية المصرية في هذا الصدد كانت أكثر دقة ومسؤولية، حتى أزعم أنها بمثابة تكذيب لادعاءات وسائل الإعلام، فضح ما تضمنته من عبث وتهريج، فقد قرأت في صحيفة الشرق الأوسط (عدد 11/11) تصريحا للمتحدث باسم الخارجية المصرية الدكتور بدر عبدالعاطي قال فيه إنه «يوجد بالفعل اتجاه لعلاقات قوية مع موسكو، لكن ليس على حساب علاقاتنا بأي طرف» ــ المقصود هنا هو الولايات المتحدة ــ إلى أن أضاف قوله: نحن لا نستبدل طرفا بطرف آخر، ولكن نعمل على تنويع البدائل المتاحة بما يعظم المصلحة الوطنية المصرية.. اللافت للنظر أن تقرير الشرق الأوسط نقل عن أحد المحللين الاقتصاديين الأمريكيين قوله إنه لا يبدو أن هناك قلقا في واشنطن من التقارب بين القاهرة وموسكو. مثل هذه التصريحات تعطي انطباعا مغايرا بل معاكسا تماما لما تعبر عنه وسائل الإعلام المصرية، التي رأيت كيف اتسم أداؤها بدرجة محزنة من الخفة والشطط، وهو ما أرجعه إلى عاملين؛ الأول يتمثل في توهم كثيرين أن هناك طلاقا بين القاهرة وواشنطن بسبب تحفظ الإدارة الأمريكية لأسباب قانونية داخلية على انقلاب 3 يوليو الذي حدث في مصر، الأمر الذي دفع بعض وسائل الإعلام عندنا إلى الحديث عن تدبير مؤامرة أمريكية لصالح الإخوان، اتهم الرئيس أوباما خلالها بالتواطؤ مع التنظيم الدولي للجماعة. وردا على تلك المؤامرة؛ فإن مصر الجديدة قررت أن تدير ظهرها للولايات المتحدة، وأن تبحث عن بديل وجدته في روسيا. الأمر الثاني أن البعض عندنا استعادوا أجواء الخمسينيات والستينيات وخرائطها، ومن ثم استسلموا لوهم آخر تمثل في إعادة إنتاج التجربة الناصرية وعودة الزعيم الخالد لسياسته التي استثمرت أجواء الحرب الباردة، وهو ما شجعه على أن يمد جسوره مع الاتحاد السوفييتي للرد على واشنطن التي رفضت إمداده بما احتاجه من سلاح. الذين استسلموا لمثل هذه الهلاوس تجاهلوا عمق وتعقيد العلاقات المصرية الأمريكية التي نسجت خلال 40 سنة، بحيث صارت تحتمل خلافا في الرأي في حين غدا الطلاق في ظلها بمثابة جراحة كبرى لا تتوفر شروط نجاحها في وضع مصر الراهن، كما تجاهلوا أن عبدالناصر لم يعد، وأن الاتحاد السوفييتي انهار وأن الحرب الباردة انتهت، وأن روسيا ليست امتدادا للاتحاد السوفييتي، وأن الدنيا كلها تغيرت خلال نصف القرن الأخير.. غداً بإذن الله ننتقل من الهلاوس إلى محاولة قراءة الحقائق.

455

| 13 نوفمبر 2013

alsharq
آفة التسويف..

كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو...

3495

| 11 أبريل 2026

alsharq
«ما خفي أعظم» يفضح المزاعم الإيرانية

-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية...

3111

| 12 أبريل 2026

alsharq
مضيق هرمز

بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز...

1167

| 12 أبريل 2026

alsharq
"الستر" في زمن "الفضيحة"..

تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع...

774

| 15 أبريل 2026

alsharq
الزواج مشروع حياة وليس مناسبة للاستعراض

لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد...

765

| 16 أبريل 2026

alsharq
غداً تعود سفينتنا للإبحار

مرت على شواطئنا رياحٌ عاتية، تلاطمت فيها الأمواج...

750

| 14 أبريل 2026

alsharq
حاصرونا بين التيس والكنغر

في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل...

693

| 15 أبريل 2026

alsharq
المدينة التعليمية.. كيف تصبح المعرفة فعلًا للصمود؟

ليست المؤسسات الكبرى تلك التي تكتفي بما أنجزته،...

624

| 14 أبريل 2026

alsharq
حفظ المال العام والتعاون مع رقابة ديوان المحاسبة

يشكل المال العام عصب التنمية وركيزة الاستدامة الاقتصادية...

567

| 14 أبريل 2026

alsharq
قطر نعمة

وصلتني رسالة من أحد الإخوة المقيمين الأعزاء الذين...

504

| 13 أبريل 2026

alsharq
هل قتلت إيران سرديتها حول "الأمن الجماعي الخليجي"؟

إلى جانب ما عرض من معلومات صادمة عن...

480

| 15 أبريل 2026

alsharq
مضيق هرمز.. حصار الحصار

لم يعد مضيق هرمز اليوم مجرد ممر مائي...

474

| 14 أبريل 2026

أخبار محلية