رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سؤال الطبع الوطني للمصريين

أول مقال قرأته في العام الجديد كان أحد عناوينه يتحدث عن «موسم العبط في مصر»، وقد نشرته مجلة الإيكونوميست في عددها الأول من شهر يناير، الموضوع الأساسي للمقال هو اللغط الذي أثير في مصر وتحقيقات النائب العام بخصوص إعلان ترويجي استعانت به شركة الهاتف المحمول الشهيرة للدعاية لمنتجاتها، بطلة الإعلان شخصية باسم «أبلة فاهيتا»، التي تجري حوارات اعتبرها البعض محملة برسائل ورموز مشفرة تضمنت توجيهات لها علاقة بالعمليات الإرهابية.مقال الإيكونوميست يعبر عن الدهشة إزاء المستوى الذي وصل إليه الهوس الأمني في مصر، الذي بدا أقرب إلى السَفَه والعبط منه إلى اليقظة والحذر. ما لاحظته في الموضوع أن أطرافا في الإعلام الأمني والنيابة العمومية أخذت المسألة على محمل الجد، وهو موقف قوبل من جانب المعلقين في مواقع التواصل الاجتماعي بدرجات مختلفة من الدهشة والسخرية. الأمر الذي يحير المرء ويدفعه إلى التساؤل عن مدى تعبير هذا الموقف أو ذاك عن حقيقة المزاج الشعبي في مصر.يدفعني إلى ذلك أنني كنت قد قرأت عن العلاقة الوثيقة بين أداء النخب في المجتمع وبين المستوى الحضاري للشعوب، وهي الفكرة المحورية في كتاب شهير عنوانه «السياسة بين الأمم»، الذي ألفه عالم السياسة الأمريكي مورجان ثاو، واعتبر فيه أن الرؤية الإستراتيجية لكل بلد هي ثمرة تفاعل بين المصلحة الوطنية من جهة والقدرات الوطنية من جهة ثانية. وهذه القدرات الأخيرة تتحدد في ضوء عاملين، أحدهما متغير والثاني ثابت. الأول يتمثل في الإمكانات الاقتصادية والصناعية والقوة السياسية التي يعبر عنها التأييد الشعبي والحضور الدبلوماسي. أما العامل الثابت فهو يتمثل أولا في الوضع الجغرافي وثانيا فيما يصفه مورجان ثاو بالطبع الوطني. وهذه النقطة الأخيرة هي التي تهمني في الموضوع. ذلك أن الكاتب في تحليله للطبع الوطني عُني بالإشارة إلى بعض النماذج، فذكر أن الإنجليز مشهورون ببرودة دمهم، وأن الفرنسيين يتسمون بالعقلانية الديكارتية، في حين أن الروس معروفون بخوفهم من السلطة ومن الأجنبي. وهو ما دفعني إلى التساؤل عما إذا كان للعرب طبع وطني واحد، أم أن اختلاف أقطارهم وتوزعهم على رقعة جغرافية مترامية الأطراف جعل لكل قطر أو إقليم طبعه الوطني المتميز. وفي هذه الحالة يثور السؤال عن الطبع الوطني للمصريين، وما إذا كانت الصورة المرسومة في الفضاء الإعلامي والسياسي الراهن تعبر حقا عن المستوى الحضاري للشعب المصري. وهذا التساؤل الأخير يكتسب أهمية خاصة عندي ليس فقط بسبب رابطة الانتماء المفهومة، ولكن أيضا لأنني أزعم أن الأفق السياسي والإعلامي في مصر بات يعاني التلوث والتشوه الذي يسرب إلى المرء شعورا بالقلق والخوف من أن يكون بحالته تلك ممثلا للمستوى الحضاري للشعب.ليس بمقدوري أن أجيب على شق السؤال المتعلق بالطبع الوطني للأمة العربية أو شعوبها، بسبب شح الدراسات التي عالجت الموضوع، إلى جانب أننا في العالم العربي أكثر ميلا إلى تمجيد الذات منا إلى نقدها، علما بأن ذلك التمجيد له جذوره الممتدة إلى عصور الجاهلية. وإذا جاز لي أن أتحدث عن مصر فلعلي أقول إن تمجيد الذات له نبرته العالية، في حين أن نقدها يقابل بالاستهجان والدهشة. ومصطلح «أم الدنيا» يغلق الباب أمام أي محاولة للمراجعة والنقد. وحسب معلوماتي فإن الدراسات التي أجريت حول وصف تقاليد المصريين وأعرافهم أوفى بكثير من تلك التي قامت بتحليل الشخصية المصرية. كما أن ثمة ندرة شديدة في الدراسات التي تناولت القيم السائدة في أوساط المصريين في أطوار حياتهم المختلفة. لذلك أذهب إلى أن التطرق إلى الموضوع في الوقت الراهن يعتمد على الانطباعات بأكثر من اعتماده على البحوث والدراسات.في إطار الانطباعات أسجل الملاحظات التالية:< إن المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر والتي تتسم بالسيولة وبعدم الاستقرار لا توفر ظرفا مواتيا لتقييم أو تحليل القيم السائدة، ومن ثم رسم خريطة معبرة حقا عن الطبع الوطني للمصريين.< إن الصراع المحتدم الآن أحدث انقلابا في وعي المصريين، حتى وجدنا أن المجتمع الذي صوت خمس مرات لصالح استفتاء وانتخابات النظام السابق والذي هتف ضد العسكر، هو ذاته الذي استسلم لموجة كراهية النظام السابق وأهله، وباتت أبواقه تتوق إلى حكم العسكر.< إن ذلك الصراع والتعبئة الإعلامية التي صاحبته استخرجا من عامة المصريين أسوأ ما فيهم، بقدر ما إن التوافق في ثورة يناير استخلص منهم أفضل ما فيهم. لذلك فإن الظرف الراهن لا يعد توقيتا مناسبا لإجراء التقييم المنشود.< إن تغييب الديمقراطية في مصر لأكثر من خمسين عاما دمر الحياة السياسية وشوهها، بحيث بات متعذرا علينا أن نتحدث عن طبقة سياسية حقيقية في البلد، وإنما صرنا بإزاء هواة يمارسون السياسة وليسوا سياسيين محترفين. الأمر الذي في ظله يتعذر القول بأن الطبقة السياسية الراهنة تعبر حقيقة عن المجتمع المصري أو عن طبعه. وحين يصبح هؤلاء منتخبين من المجتمع وليسوا مفروضين عليه من خلال الإعلام أو غيره فإن ذلك يكون مدعاة للاطمئنان إلى تمثيلهم للرأي العام المصري. وحينئذ فقط يمكن اعتمادهم كأحد عناصر تقدير الطبع الوطني للمصريين.

620

| 04 يناير 2014

مدنية هذا الزمان

ثمة أسطورة رائجة في أوساط المثقفين المصريين تقول إن مصر في وضعها المستجد استعادت مدنيتها، في إيحاء يعطي انطباعا بأنه تم تجاوز الدولة الدينية التي كانت عنوانا للنظام السابق. وهي مسألة تحتاج إلى تدقيق وتحديد، رغم أنني لا أعرف كم عدد المهتمين من أبناء الشعب المصري بما إذا كانت الدولة مدنية أو دينية. لأن المواطن العادي مشغول بأمور أخرى بعيدة عن ذلك الجدل الذي هو نخبوي وأكاديمي في جوهره. علما بأن مصطلح الدولة المدنية جديد على الخطاب السياسي المصري، حتى إنني أذكر أن الشيخ محمد الغزالي رحمه الله استغربه حين وجده يتردد على ألسنة البعض في وسائل الإعلام. حينذاك سألني عن محتواه قائلا إنه يعرف في القرآن سورا مدنية وأخرى مكية، ويعرف أن هناك فرقا بين الحياة المدنية والعسكرية، وأن مجتمع الحضر أو المدينة يختلف عن الحياة الريفية أو البدوية، لكنه لا يعرف بالضبط ما الذي يعنيه مصطلح الدولة المدنية. وقتذاك قلت له إن للمصطلح معنيين أحدهما بريء والآخر غير بريء. رغم أن علم الاجتماع السياسي لا يعرف دولة مدنية، لأن المصطلح ينسحب على المجتمع وليس على الدولة. والمجتمع المدني في التفسير البريء هو الذي تديره المؤسسات لا الأفراد، ويتساوى في ظله المواطنون دون تفرقة حسب الدين أو اللون أو الجنس. أما التفسير غير البريء فهو الذي تستخدم فيه لافتة المدني لستر التوجه العلماني. ولأن المصطلح الأخير سيئ السمعة في المجتمع المصري نظرا لشكوك الكثيرين وعدم اطمئنانهم إلى وضع الدين في النظام العلماني. فإن العلمانيين تحايلوا على المصطلح وآثروا أن يغلفوا موقفهم بنسبته إلى المدنية. وهي الصيغة الأكثر قبولا والأقل اشتباها.وقتذاك اعتبر الشيخ الغزالي أن المجتمع الإسلامي مدني بطبيعته وخبرته، واستدل في ذلك بالموقف القرآني الذي تبنى موقفا ثابتا من إدارة المجتمع قرر فيه أنها تتم من خلال «أولى الأمر» ولم يشر في أى موضع إلى «ولى الأمر»، الأمر الذي يعنى أن العملية موكولة دائما إلى فريق أو مؤسسة وليس إلى فرد.وكان له حديث طويل عن خبرة المسلمين في هذا المجال، حين اعتبروا الوقف سبيلا لموازنة السلطة وتلبية احتياجات المجتمع، والزكاة لإغاثة الضعفاء وتحقيق التوازن الاجتماعي، وذلك كله بعيدا عن سلطة الدولة أو تحكمها.هذه الخلفية تسمح لنا بأن نجيب عن السؤال: هل كانت مصر في ظل حكم الدكتور محمد مرسي دولة دينية ثم صارت مدنية بعد عزله في الثالث من يوليو الماضي؟إذا اعتمدنا التفسير البريء للمصطلح فسنقول إن الدولة لم تكن دينية في الوضع السابق كما أنها لم تكن مدنية في الوضع اللاحق. صحيح أن الرئيس كان ملتحيا في السابق وأن الملتحين ظهروا في محيط الرئاسة كما أن حضورهم كان مشهودا على شاشات التلفزيون وفي الحوارات واللقاءات العامة. لكن هذه الصورة تغيرت كليا في الوضع المستجد حيث اختفت اللحى من الرئاسة ودوائر الحكم. بالتالي فإننا إذا احتكمنا إلى الصور فربما قررنا أن المظهر الديني اختفى (رغم أن فيدل كاسترو رئيس كوبا السابق كان ملتحيا). وأن المنظر تغير في ظل نظام يوليو.إذا استثنينا المظهر والصور فإن أحدا لا يستطيع أن يدعي بأن ما كان في مصر هو دولة دينية، في حين ظلت إسلامية المجتمع كما هي لم تزد أو تنقص، حتى بالمقارنة بالعصر الملكي. فيما عدا ذلك فإن مؤسسات المجتمع ظلت كما هي في عهد الدكتور مرسي، ومنها ما تبنى موقف التحدي والمعاندة لرئاسة الدولة حينذاك (الإعلام والمحكمة الدستورية مثلا). وغنى عن البيان أن رئيس الدولة وأن تبنى خطابا له مرجعيته الدينية في بعض المواضع، فإنه لم يمارس سلطانا له أية صلة بتلك المرجعية، وحين استأسد ذات مرة وأصدر الإعلان الدستوري الشهير الذي حصن به قراراته، فإنه لم يحتمل معارضته وسارع إلى التراجع عنه وإلغائه.فى إطار ذات التفسير البريء. فإننا لا نكاد نرى أثرا لحضور أو استقلال مؤسسات الدولة في الوضع المستجد، الذي قيل لنا إنه أعاد إلينا مدنية الدولة. حيث لا نكاد نلمح دورا لأية جهة يمكن أن تتحدى النظام أو تعارضه، وإنما نجد ترهيبا دائما واتهامات جاهزة بالخيانة أو العمالة لكل من يجرؤ على ذلك ولو من باب السخرية والتندر. في الوقت نفسه فإن الاحتشاد قائم والتعبئة على أشدها لإدخال البلد في عصمة القائد الفرد، بل نجد جرأة في الإعلان عن رفض الديمقراطية والدعوة الصريحة إلى الفاشية. الأمر الذي يجعلنا نتردد كثيرا في قبول الادعاء بانتساب النظام الجديد إلى المدنية من زاوية التفسير البريء.وإذا جاز لنا أن نعبر عن الحيرة من هذه الزاوية، فإن الإجراءات التي أعلن عنها مؤخرا تدفعنا دفعا إلى قراءة المشهد باعتباره انحيازا إلى التفسير غير البرىء لمدنية الدولة بمفهومها العلماني وليس المؤسساتى. ذلك أن قرارات التحفظ على الأموال والاتجاه إلى تأميم أكثر من ألف جمعية خيرية تنتسب إلى العمل الإسلامي تعد قرينة قوية في هذا الصدد. لأن هذه الخطوة ومعها قرائن أخرى تعطى انطباعا بأن المواجهة متجاوزة لجماعة الإخوان ومن لف لفها، وأن المستهدف هو مجمل النشاط الإسلامي للمجتمع.وهو ظن أرجو أن تكذبه الأيام المقبلة. وإلى أن يتم ذلك فإننا نعذر إذا لم نحسن الظن بالمسار الراهن وبحقيقة المدنية المفترضة.

441

| 02 يناير 2014

الربيع المفترى عليه

في إطار عملية الجرد التي تتم في نهاية كل عام ومستهل عام جديد استوقفني كم السهام والاتهامات التي وجهت إلى الربيع العربي في عدد غير قليل من الصحف العربية. كثيرون تحدثوا عن فشله وكثيرون شككوا في دوافعه واعتبروه جزءا من مؤامرة أمريكية استهدفت إعادة رسم خريطة المنطقة، توسلت بالفوضى الخلاقة لإقامة الشرق الأوسط الكبير. وهؤلاء وهؤلاء وأمثالهم استشهدوا بما حل بالعالم العربي من اضطرابات وصراعات، منذ لاحت نذر ذلك الربيع الذي وصفه البعض بالمشئوم على أيدي من وصفوا في الصحافة المصرية على الأقل بأنهم عملاء السفارات الأجنبية والمرتزقة وأطفال الشوارع.لم أستغرب لغة الهجاء ولا منطق الشيطنة والتخوين الذي استصحب فشلنا في إدارة أي حوار جاد، وتسرعنا في تحويل أي خلاف إلى صراع واشتباك تستباح فيه الكرامات والأعراض. ورغم أن ذلك مما يؤسف له لا ريب، إلا أنني معنيّ في الوقت الراهن بموضوع الحملة الأخيرة، الذي أسجل عليه أربع ملاحظات. إحداها في الشكل والباقي في الموضوع.من حيث الشكل لاحظت تعدد مصادر الهجوم المذكور، فبعضها تبنته منابر تعبر عن أنظمة ناصبت الربيع العربي العداء منذ لحظاته الأولى خشية أن تنتقل شرارته إلى داخل حدودها. وبعضها ينتسب إلى الأنظمة التي سقطت أو تلك التي تخلخلت قواعدها واهتزت عروشها. وبعضها يعبر عن فئات صدمها فوز التيارات الإسلامية في الانتخابات التي جرت في بعض الأقطار فانحازت إلى مربع الخصوم والناقمين وأبدت استعدادا لتجريح وإفشال التجربة بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى تحالفها مع الشيطان. ولا يخلو الأمر من أناس تسرعوا في الحكم على التجربة وخاب أملهم فيما علقوه عليها من آمال. ومنهم من وجد في بعض الأخطاء التي وقعت من جانب الأنظمة الجديدة ــ في مصر بوجه أخص ــ ما دفعهم إلى اليأس والانتقال إلى معسكر الضد، المخاصم والمناوئ.وإذا كانت تلك هي المصادر الظاهرة في حملة التنديد والهجاء، فإنها لا تنفي وجود مصادر أخرى خفية، تندرج فيها كل الأطراف التي يسوؤها ويهدد مصالحها أي نهوض في العالم العربي أيا كان مصدره، وهذه المصادر سأترك تقديرها لخيالك وخبراتك.ملاحظاتي الثلاث في الموضوع ألخصها فيما يلي:(1) إننا نظلم الربيع العربي ظلما بينا إذا توقعنا ثماره أو حاكمناه بعد سنتين أو ثلاث من انطلاقه. فذلك لم يحدث في أي تجربة مماثلة في التاريخ المعاصر، حيث لم نعرف ثورة آتت أكلها قبل سبع أو عشر سنوات من قيامها، ولن أتحدث عن الثورة الفرنسية أو الروسية أو الإسبانية، التي لم تستقر لها الأوضاع إلا بعد عشرات السنين. وإذا وضعت في الاعتبار أن الانتفاضات الشعبية تخرج عامة من رحم الغضب الذي خلفته أنظمة استبدادية وفاسدة، فإن الأنظمة الجديدة تحتاج إلى وقت لإزالة آثار الظلم والفساد، ثم إنها تحتاج إلى وقت لكي تتعلم كيف تحقق الحلم الذي تطلع إليه الشعب. ولا ينبغي أن يتوقع أحد أن يولد النظام الجديد كامل الأوصاف، لأنه في أغلب الأحوال يولد مشوها ويعاني النقائص. ومن ثم فهو يحتاج إلى وقت لكي يصوب أخطاءه ويحسن إدارة الوضع المستجد.(2) إن ثمة خطأ شائعا بمقتضاه يحصر البعض الربيع العربي في الأقطار التي تغيرت أنظمتها فقط، لأن رياحه غيرت في الإنسان العربي بأكثر مما غيرت في الأنظمة العربية. أعني أن أهم وأخطر ما في الربيع أنه أحدث نقلة نوعية في وعي المجتمعات العربية التي اجتاحتها الرغبة العارمة في التغيير، واختارت أن تعلن رفضها للظلم السياسي والاجتماعي. وعبرت عن ذلك الخيار بوسائل شتى تراوحت بين تسجيل المواقف والإعراب عن الغضب عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبين حمل ذلك الغضب إلى الشوارع والميادين، كما تراوحت بين الدعوة إلى إصلاح بعض الأنظمة وبين الإصرار على إسقاطها في أنظمة أخرى. بسبب من ذلك فإن فشل بعض الأنظمة التي قامت خلال السنوات الثلاث الأخيرة أو تعثر البعض الآخر، لا ينبغي أن يستقبل بحسبانه نهاية للربيع أو شهادة تعلن وفاته، ليس فقط لأن ذلك يعد من قبيل التجاذبات والتقلبات المتوقعة، ولكن أيضا لأن آفاق الربيع تتجاوز بكثير حدود أربعة أقطار عربية أو خمسة تغيرت أنظمتها أو اهتزت أركانها.(3) إن الذين يصرون على نعي الربيع العربي وإشاعة نبأ وفاته يفوتهم الانتباه إلى أن الأمة العربية استيقظت ورأت الربيع بأعينها في الشوارع والميادين. كما أن الخبرة كشفت عن أن شعوبنا أقوى مما نظن وأن الأنظمة المستبدة والفاسدة رغم جبروتها أضعف مما نظن. لذلك فإن الباب الذي يتوهم البعض أنه تم إغلاقه، لا يزال مفتوحا على مصراعيه، كما أن الحلم الذي يظن البعض أو يتوهمون أنه أجهض، لا يزال حيا يتوهج في أعين كثيرين ممن يرون ما لا يراه الآخرون. ذلك أنك لا تستطيع أن تلغي وجود الشمس وتعلن حلول الظلام بمجرد إغماض عينيك. إذ في هذه الحالة لا يطلب منك سوى أن تفتح عينيك لكي تدرك الحقيقة.

423

| 01 يناير 2014

اندفاع على طريق الندامة,فهمي هويدي

أحد الأسئلة المهمة التي تثيرها التطورات الأخيرة في مصر هو: كيف يتخذ القرار المصيري في البلد؟. السؤال يستدعيه قرار مجلس الوزراء الأخير باعتبار الإخوان جماعة إرهابية. وما يقلق ويحير فيه ليس فقط مضمونه، وإنما أيضا توقيته وخلفيته، ذلك أن القرار صدر في أعقاب تفجير مديرية أمن الدقهلية في إشارة ضمنية واضحة إلى العلاقة بين الاثنين، في حين أن ذلك لم يثبت بأي دليل حتى الآن. ليس فقط لأن الإخوان أعلنوا استنكارهم له وإدانته، ولكن أيضا لأن جماعة أنصار بيت المقدس أعلنت مسؤوليتها عنه. كما تحدثت الصحف المصرية لاحقا عن التعرف على الفاعلين الأساسيين فيه، حتى أشارت إلى الحروف الأولى لأسماء بعضهم. (اليوم السابع تحدثت عن طبيب يدعى ن.ش بقسم التشريح بكلية الطب اعترف بدوره مع ثلاثة آخرين) ــ من ناحية أخرى، فإن التعجل في إصدار قرار بتلك الخطورة يثير أسئلة عدة من قبيل: كيف درس وما هي الجهة التي قامت بالدراسة؟ وهل وضعت في حسبانها تبعاته والنتائج المترتبة عليه. ليس فقط فيما يخص الإخوان، ولا حتى فيما يخص الوطن، وإنما فيما يخص تمكين النظام القائم واستقراره. يوم الأربعاء الماضي (25 ديسمبر) كتبت قبل سفري إلى الخارج نصا نشر في اليوم التالي قلت فيه إنه حين يشب أي حريق فإن العقلاء والأسوياء يبادرون إلى حصاره وإطفاء ناره، ووحدهم والحمقى والمجانين الذين يدعون إلى تأجيج ناره وتوسيع نطاقه. وتمنيت في ختامه أن تقوم جهات التحقيق والأمن بتعقب الجناة في العمليات الإرهابية لإجهاض مخططاتهم ومحاسبتهم، وأن ينهض الراشدون والعقلاء بدورهم في محاولة إطفاء الحريق الذي شب في مصر، لإنقاذ الوطن مما هو أسوأ. حين كتبت هذه الكلام كنت مراهنا على وعي الراشدين ولم أكن قد فقدت الأمل في تفعيل ما دعت إليه خريطة الطريق التي أعلنها الفريق عبدالفتاح السيسي في الثالث من شهر يوليو الماضي ونصت على: تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات، كنت لازلت متعلقا بأمل تحقيق تلك المصالحة، رغم إدراكي لشراسة الحملة الإعلامية المسعورة التي ما برحت تقاوم الفكرة، انطلاقا من فكرة شيطنة الآخر واعتباره شرا مطلقا. مع ذلك فقد حاولت إقناع نفسي بالتفرقة بين الشيطنة واللوثة الإعلامية التي تقف وراءها جهات عدة وبين حسابات العقل السياسي الذي يتحرى المصلحة الوطنية العليا. وفي ظل أسوأ الفروض كان يخيل إلي أن عملية الشيطنة قد تعبر عن جناح أو تيار في السلطة، ولكنها ليست مهيمنة على القرار السياسي أو حاكمة له. لكني أعترف بأنني خسرت الرهان، وأنني أفرطت في حسن الظن بكفاءة العقل السياسي الذي يدير المرحلة الراهنة. لقد أمضيت أربعة أيام خارج مصر، شاركت خلالها في اجتماعات المجلس الاستشاري لتقرير حول العالم العربي في عام 2025 تعده منظمة «الاسكوا» التابعة للأمم المتحدة. وأثناء الاجتماعات فاجأتنا التطورات التي حدثت في مصر، ولأن المشاركين كانوا عشرين شخصا من المثقفين العرب فقد لاحقتني أسئلة الدهشة التي عبر عنها كثيرون. لم يكن ذلك راجعا إلى تعاطفهم مع الإخوان، ولكن لأنهم استغربوا أن الحكومة المصرية اتخذت قرارها قبل أي تحقيق، خصوصا أن آخرين أعلنوا مسؤوليتهم عن التفجير. ازداد الأمر غموضا بالنسبة لي حين عدت إلى القاهرة. ذلك أنني فهمت مما نشرته صحيفة «الشروق» على الأقل أن رئيس الجمهورية المستشار عدلي منصور رفض إصدار قانون باعتبار الإخوان جماعة إرهابية. كما فهمت أن رئيس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي كان له رأي آخر في الموضوع، لذلك فإن الذي أعلن القرار كان نائبه الدكتور حسام عيسى، ولمحت في مقال رئيس تحرير الأهرام عبدالناصر سلامة يوم الجمعة خطاب ضغط وتخويف لبعض الوزراء ممن رفضوا قانون التظاهر وعارضوا دخول رجال الأمن إلى الجامعات ولم يؤيدوا اعتبار الإخوان جماعة إرهابية، وضم إليهم الذين يتواصلون مع الدكتور محمد البرادعي، وقال إن هؤلاء جميعا يقدمون غطاء رسميا للإرهاب. كانت خلاصة ما خرجت به أن جهة ما فرضت القرار على الجميع رغم التحفظ والتململ أو التمنع. وأن تلك الجهة تملك من النفوذ ما مكنها من أن تحقق مرادها وأن تجعل الجميع يرضخون لما ذهبت إليه، ولم يكن عسيرا علىَّ أن أستنتج أن الطرف الذي فرض قراره على الرئاسة ومجلس الوزراء له نفوذه في الوسط الإعلامي، بحيث أصبحت أغلب المنابر الإعلامية تقف في مقدمة المهللين للقرار والداعين إلى مواصلة الحرب لتأكيد الإبادة السياسية الحاصلة. وهى الحرب التي تضامن في إعلانها نفر من السياسيين والقانونيين وقيادات منظمات حقوق الإنسان.. إلى آخر طابور حملة مباخر المرحلة. إذا صح ذلك التحليل فينبغي ألا نستغرب انتقاد أهم العواصم الغربية للقرار، وإصدار بيان منظمة «هيومان رايتس ووتش» الذي ذكر أن دوافع إصداره سياسية بالدرجة الأولى. في هذا الصدد فإنني لم أفهم إعلان جريدة الأهرام في عدد السبت 28/12 في العنوان الرئيسي لصفحتها الأولى عن أن أمريكا وبريطانيا كشفتا عن الوجه القبيح، لمجرد أن البلدين لم يؤيدا قرار الحكومة المصرية، لكن الذي فهمته من سياق الأحداث وأصدائها أن قطارنا مندفع بأكثر مما ينبغي على طريق الندامة.، وإننا حين نغلق الأفق ونوصد كل أبواب الأمل في الانفراج السلمي، فإننا نبدأ رحلة العد التنازلي في سيناريو الانفجار. لذلك تمنيت أن نطالع صورة وجوهنا جيدا في المرآة قبل أن نتحدث عن قبح وجوه الآخرين.

606

| 30 ديسمبر 2013

من يسيء للنظام؟

حين حاول رئيس القضاء العسكري أن يدافع عن مادة تقديم المدنيين للقضاء العسكري في مشروع الدستور الجديد فإنه قال إن من يشتبك مع عامل في محطة بنزين تابعة للقوات المسلحة يتعين محاكمته عسكريا. وذلك استنادا إلى المادة 204 في المشروع التي نصت على جواز محاكمة المدني أمام القضاء العسكري إذا اعتدى على المنشآت العسكرية أو «ما في حكمها». وهذا الشق الأخير ينطبق على كل المشروعات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة التي تشمل محطات البنزين والمستشفيات والفنادق بما فيها من مطاعم وصالات للأفراح، إضافة إلى شركة المقاولات وإنتاج مياه الشرب وغير ذلك. ومنذ صرح صاحبنا بذلك على شاشات التلفزيون فإنه لم يسلم من سيل الانتقاد والسخرية اللاذعة، التي عبرت عن استهجان ورفض ما أورده الدستور الجديد. فمَن قائل إن النص يساوي بين الواقف أمام قسم المشويات في أحد فنادق القوات المسلحة وبين الواقف على الحدود، لأن كلا منهما يقف عند «خط النار»، وقائل بأن مصيرا أسود ينتظر كل من يحتك في إحدى المباريات الرياضية بأي لاعب في فريق حرس الحدود أو نادي الجيش، باعتبار أن الفريقين تابعان للقوات المسلحة. لست أشك في حسن نية رجل القضاء العسكري الذي انبرى للدفاع عن نص الدستور الجديد، لكنه أقلق المشاهدين بالدفاع الذي أورده. ونسي وهو يدلي بمرافعته أن المصريين أصبحوا أكثر جرأة في التعبير عن آرائهم، وأن التقنيات الحديثة أتاحت لكل صاحب رأي أن يجهر به. وكانت النتيجة أن السخرية من كلامه واستهجان نص الدستور انهالت على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء الحوار التلفزيوني، بتعليقات شتى كان أخفها ما ذكرت. الذي حدث مع الدستور يبدو هينا ومتواضعا مع ما جرى في مجالات شتى، حين انبرى آخرون للدفاع عن أمور أخرى فتشنجوا وزايدوا وأساءوا بأكثر مما أحسنوا. وذلك أكثر ما يبدو في حملات الدفاع عما جرى في 30 يونيو أو حتى الدفاع عن الفريق عبدالفتاح السيسي وتزكيته. ذلك أنني لم أفهم لماذا يشوه الذين حملوا على أكتافهم ثورة 25 يناير لمجرد ترجيح كفة 30 يونيو، أو لمجرد أنهم اختلفوا مع السياسات الراهنة (قانون التظاهر مثلا)، لماذا يطعن في وطنيتهم ويصنفون ضمن الطابور الخامس؟! ويوصفون بأنهم «كلاب». المدهش أن هؤلاء كانوا ضد حكم الإخوان، وخرجوا مع تظاهرة 30 يونيو ضمن المطالبين بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أما الأكثر إدهاشا فإن ذلك التجريح لم يوجه فقط إلى الناشطين المنخرطين في الشأن العام. وإنما وجدناه أيضا يستهدف بعضا من المشاركين في السلطة والحكومة أيضا. وما أصاب الدكتور محمد البرادعي ماثل في أذهاننا وما يوجه إلى الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء ماثل تحت أعيننا. إن منع برنامج باسم يوسف الذي كان من أشد خصوم نظام الدكتور محمد مرسي وشخصه كان من الإساءات الكبيرة للنظام الحالي، وإن ظن الذين قرروا المنع أنهم بذلك يحمون النظام ويؤمنونه، بل إن ذلك القرار كان في صالح النظام السابق الذي ظل باسم ينتقده طوال عام كامل وقدم في السخرية منه أكثر من 30 حلقة في حين لم يتحمل منه النظام الجديد حلقة واحدة، وهو ما دفعه إلى القول في حواره التلفزيوني الأخير بأن استمرار برنامجه طوال عهد الدكتور مرسي وسام على صدر نظامه. يطول بنا الحديث ولا تحصى وقائعه وشواهده إذا ما تطرقنا إلى الإجراءات القمعية التي تتم باسم حماية النظام والدفاع عنه. ذلك أن بعض تلك الإجراءات تحولت إلى فضائح نالت كثيرا من سمعة النظام وهيبته. إذ ليست مفهومة حملة الاعتقالات والإهانات التي طالت شباب الثورة الذين عبروا عن رفضهم لقانون التظاهر، رغم أن هؤلاء كانوا بدورهم في مقدمة المعارضين لنظام الدكتور مرسي الذين تظاهروا ضده في 30 يونيو. وإذا كان ذلك حظ الذين أيدوا الانقلاب فلك أن تتصور ما أصاب معارضيه من قمع وتنكيل، وصل إلى حد احتجاز تلميذ في مدرسة لأن مدرسه ضبط معه مسطرة عليها شعار رابعة، أو فصل طالبة ارتدت قميصا عليه الشعار ذاته، أو تدمير حياة لاعب دولي لمجرد أنه رفع ذلك الشعار. وما عاد سرا أن الحكم على 21 فتاة بالإسكندرية بالسجن 11 عاما أو الحكم على طلاب جامعة الأزهر 17 عاما أو احتجاز قُصَّر في دور الرعاية الاجتماعية، مثل هذه الأخبار أصبحت تتداول في أوساط المنظمات الحقوقية باعتبارها صفحات سوداء في سجل القضاء إلى جانب كونها فضائح تشين صفحة حقوق الإنسان في مصر. لم أتحدث عما جرى في فض الاعتصامات ولا عن ألوف المعتقلين الذين ضاقت بهم السجون الأمر الذي استدعى الإسراع بإنشاء سجون جديدة، لكنني أزعم أن الكثير مما جرى في مثل هذه الملفات أساء إلى النظام بأكثر مما حماه وأمنه. ولو تم إعمال القانون وحوسب كل من ارتكب فعلا على جرمه لكان ذلك أدعى إلى تأمين النظام واستقرار المجتمع. لقد أثبتت خبرة الأسابيع الأخيرة أن أكثر من أساء إلى النظام في مصر هم الذين تشنجوا في الدفاع عنه وزايدوا عليه، ففضوا كثيرين من مؤيديه ووسعوا من نطاق معارضيه. حتى أزعم بأنه لو كف أنصار الإخوان عن التظاهر وقعدوا في بيوتهم لتكفل أولئك المتشنجون والمزايدون على تأييده بأن يحققوا لهم ما يريدون من خلال زلاَّتهم وحماقاتهم التي ينزلقون فيها حينا بعد حين.

636

| 07 ديسمبر 2013

البريطانيون أخجلونا

انتابني شعور عميق بالخجل حين طالعت صورة كبيرة لمجموعة من الناشطين البريطانيين الذين حمل كل واحد منهم لافتة تدعو إلى وقف مخطط برافر الذي يستهدف اقتلاع بدو النقب وتهجيرهم من أرض أجدادهم، ولم يفارقني الخجل وأنا أتابع التقرير الذي نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية يوم الأحد الماضي (الأول من ديسمبر) عن تفاصيل حملة التضامن مع فلسطين في بريطانيا، وكيف أن العشرات من الإنجليز تظاهروا أمام السفارة الإسرائيلية في لندن. كما خرجت تظاهرات أخرى في مدن اكسفورد وبرايتون ولامبيت وكارديف، رفع خلالها المتظاهرون اللافتات ذاتها التي كتب عليها «يوم الغضب ــ برافر لن يمر»، ورددوا شعارات ضد المخطط داعين إلى وقفه.  في التقرير أيضا أن أكثر من 50 من الشخصيات البريطانية البارزة وقعوا رسالة أدانت مخطط التهجير المذكور.. ومن بين الموقعين أكاديميون وروائيون ومخرجون وموسيقيون ونواب ومؤلفتان ومصممة أزياء وإذاعية وقادة اتحادات عمالية، وذكرت الرسالة التي صدرت عن حملة التضامن مع فلسطين ووقعها ذلك الخليط المدهش من البشر أن البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) أقر مخطط برافر ــ بيجين الذي سيؤدي تنفيذه إلى تدمير أكثر من 35 قرية وبلدة في النقب (جنوب إسرائيل)، واقتلاع وفصل نحو 70 ألف بدوي فلسطيني، الأمر الذي يعد تهجيرا قسريا لفلسطينيين من بيوتهم وأراضيهم تصر الحكومة الإسرائيلية على المضي في تنفيذه رغم ما يمثله ذلك من انتهاك صارخ لأبسط حقوق الإنسان. ودعا البيان أيضا حكومة المملكة المتحدة إلى الضغط على إسرائيل بمختلف السبل للتخلي عن المخطط، كما دعا حكومات العالم إلى اتخاذ موقف مماثل يلزم حكومة تل أبيب باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي.  نقل التقرير عن رئيس حملة التضامن مع فلسطين في بريطانيا ــ اسمه هيولانينج ــ قوله على الموقع الإلكتروني للحملة إن الحكومة البريطانية مطالبة بالتخلي عن حذرها في مخاطبة حكومة إسرائيل، في حين أن المطلوب منها سياسيا وأخلاقيا أن تتبنى موقفا حازما في مواجهة سياستها الاستيطانية، من ثَمَّ فلا ينبغي أن يكتفي الموقف البريطاني بالإدانة أو التحذير، وإنما يتعين أيضا أن تتخذ الحكومة خطوات عملية تؤكد جديتها في رفض تلك السياسة العنصرية، كأن تفرض حظرا على تجارة السلاح مع إسرائيل.  هذا الموقف يفاجئنا بقدر ما أنه يخجلنا. ووجه المفاجأة في الموضوع لا يتمثل فقط في كون الحملة يقودها فريق من النخبة البريطانية، ولكنه يتمثل أيضا في أن الموضوع برمته ليس مثارا في الإعلام المصري. ذلك أنن أزعم بأن الرأي العام في بلادنا لا يعرف شيئا عن خطة التهجير المذكورة، رغم الأهمية الإستراتيجية للنقب للأمن القومي في مصر، باعتبارها لصيقة بشبه جزيرة سيناء. وللعلم فإن مخطط برافر هو قانون إسرائيلي تم إقراره في شهر يونيو من العام الحالي، بناء على توصية من وزير التخطيط الإسرائيلي إيهود برافر عام 2011. وقد شكلت لجنة حملت اسمه لكي تتولى تهجير سكان عشرات القرى في النقب، وتجميعهم فيما سمى بلديات التركيز. وتدعى الحكومة الإسرائيلية أن هدف المخطط هو تسوية النزاع المتواصل بين بدو النقب والسلطة الإسرائيلية في شأن ملكية الأراضي بالمنطقة، بما يسمح بالتخطيط لمستقبل قرى البدو ومضاربهم، إلا أن البدو يؤكدون أن الهدف الحقيقي هو نهب ما تبقى من حوزتهم من أراضٍ، حيث يؤدى القانون إلى مصادرة نحو 800 ألف دونم تعادل نصف الأراضي التي تبقت لهم بعد المصادرات التي تمت عام النكبة (سنة 1948) ــ (الفدان يعادل أكثر قليلا من أربعة دونمات) ويقضى المخطط بتخصيص منطقة ينقل إليها البدو بما يعيد إلى الأذهان فكرة «الجيتو» وخبرة نظام الآبارتايد البائد في جنوب إفريقيا، الذي حدد أماكن منفصلة لكي يعيش فيها السود من أصحاب البلاد، كي يظلوا بمعزل عن البيض الوافدين إليها، وفي الحالة التي نحن بصددها فالمراد هو عزل البدو واقتلاعهم لصالح مخططات التغول الاستيطاني.  أن يعرف البريطانيون عن الموضوع أكثر مما نعرف فذلك سبب كاف لشعورنا بالخجل والخزي. وان يتحرك بعضهم وينظمون حملة لوقف هدم القرى وتهجير عشرات الألوف من البدو بينما نحن صامتون وذاهلون، فذلك سبب آخر للخجل. وأن تطالب حملة المثقفين الإنجليز حكومة بلادهم باتخاذ موقف حازم إزاء إسرائيل ووقف بيع السلاح لها. في حين أن حكومتنا تقف متفرجة وتنهمك في هدم الأنفاق لإحكام الحصار حول فلسطينيي غزة، فذلك سبب ثالث للخجل.  لا أعرف إلى من نتوجه باللوم والعتاب. إلى حكومتنا المتفرجة على المشهد، وباتت تضن عليه حتى بالشجب والاستنكار؟ أم إلى وسائل الإعلام التي انخرطت في الاستقطاب السياسي والصراع الداخلي الدائر إلى حد أنساها مسؤوليتها المهنية في الأخبار وتنوير الرأى العام؟ أم إلى النخبة التي تخلت عن دورها في التعبير عن ضمير الأمة وتحولت إلى طرف في الحرب الأهلية الدائرة؟ ــ وإلى أن نعرف فإننا لا نستطيع أن نتخلص من الشعور بالخجل والخزي.

631

| 05 ديسمبر 2013

مداولة بعد الحكم

المادة الخاصة بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية كانت سقطة في دستور مصر لسنة 2012 إلا أنها تحولت إلى كارثة في مشروع الدستور الجديد. وإذا كانت الأولى قد خوفتنا فالثانية صدمتنا، وهو ما يسوغ لي أن أزعم بأن لجنة الخمسين حين جاءت تكحلها فإنها أعمتها. كما نقول في لغتنا الدارجة ــ كيف ولماذا؟  في دستور 2012 المعطل نصت المادة 198 الخاصة بالقضاء العسكري على أنه ــ «لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة، ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى» ــ وقد أخذ على تلك المادة أنها أقرت مبدأ محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. وهو ما أزعج كثيرين وأثار استياء وغضب الناشطين والمنظمات الحقوقية، رغم أن النص لم يترك الجرائم التي تضر القوات المسلحة مفتوحا ومتسعا للتأويل، وإنما قرر أن القانون هو الذي يحدد تلك الجرائم التي يتعين نظرها أمام القضاء العسكري.  المشروع الجديد (المادة 204) قرر أمورا عدة أبرزها ما يلى:
< إن القضاء العسكري يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها و«من فى حكمهم». والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة.  < لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة وما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم.  تستوقفنا في النص الإشارات التالية:
< التوسع المثير للقلق والتوجس في اختصاص القضاء العسكري الذي لم يعد ينظر فقط في الجرائم المتعلقة بضباط وأفراد القوات المسلحة، وإنما أضيفت إليهم فئة أخرى هي «من في حكمهم». وهذه الإضافة تفتح الباب لمحاكمة كل من يصطدم بالعاملين في المشروعات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة مثلا، كمحطات البنزين وشركات المقاولات وتعبئة مياه الشرب والمستشفيات والفنادق. وهو ما أيده رئيس القضاء العسكري في الحوار التلفزيوني الذي أجرى معه هذا الأسبوع.  < إشارة اختصاص القضاء العسكري بنظر الجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة. ولأن عضو المخابرات العامة ليس له مواعيد عمل، بما يعني أن خدمته مستمرة طوال 24 ساعة يوميا، فمؤدى ذلك تحصينه وتهديد كل من يدوس له على طرف بأن يحاكم عسكريا.  < التفصيل اللافت للانتباه في الجرائم التي يقدم بسببها المدنيون إلى القضاء العسكري، وهى التي ترك تحديدها للقانون في الدستور المعطل، بحيث شملت المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة «أو في حكمها» وهذه العبارة الأخيرة فضفاضة وتثير تساؤلات عديدة حول الاحتجاج بها في تحصين المشروعات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة.  < الإفراط فى تفصيل الجرائم التي يقدم بسببها المدنيون للقوات المسلحة بحيث شملت الأمور التي سبقت الإشارة إليها، وأضيفت إليها عبارة الاعتداء على الأموال العامة. ولأن كل ما تم ذكره يدخل ضمن الأموال العامة، فإن ذلك يثير تساؤلا عن السبب فى النص على المصطلح مجددا، وما إذا كان يقصد به شيئا آخر في «بطن» المشرع العسكري.  الشاهد أن الذين أحسنوا الظن تصوروا أن الدستور الجديد سوف يعالج ذلك النص المعيب في دستور 2012، إلا أننا فوجئنا بأننا لم نتقدم إلى الأمام كما كان معولا، ولا نحن رضينا بالهم وثبتنا في مواقعنا، ولكنا في هذه الجزئية تراجعنا خطوات إلى الوراء. إذ جرى التوسع كثيرا في محاكمة المدنيين عسكريا. ذلك فضلا عن النص في المواد الانتقالية على غل يد رئيس الجمهورية واشتراط موافقة مجلس الدفاع الأعلى على تعيين وزير الدفاع لدورتين رئاسيتين مقبلتين، أى طوال السنوات الثماني القادمة.  أدرى أن مناقشة مشروع الدستور في الوقت الراهن لا قيمة لها، لان الإعلان الدستوري الذي أنشأ لجنة الخمسين نص على وجوب الانتهاء من التعديلات وإجراء حوار مجتمعي حولها خلال ستين يوما. ولم تلتزم اللجنة بشيء من ذلك. فهي قدمت دستورا جديدا ولم تعدل شيئا من المعطل. ولم تلتزم بمدة الستين يوما، ولا أجرت أى حوار مجتمعي حول المشروع الذي أعد في جلسات مغلقة لم يعرف المجتمع شيئا عما دار وراء أبوابها. بسبب من ذلك فإن ما ذكرته يمكن تصنيفه باعتباره من قبيل المداولة التي تجرى بعد الحكم، فتحدث ضجيجا ولا تصلح عوجا، وهو ما قبلت به إبراء للذمة، ولأن الساكت عن الحق شيطان أخرس.

1092

| 04 ديسمبر 2013

صراعنا الخفي حول الحقيقة والتاريخ

الخرطوش الذي استهدف متظاهري جامعة القاهرة، هذا الأسبوع أسقط حاجز الصمت الذي فرض على ممارسات المؤسسة الأمنية منذ قامت الثورة واستدعى ملفَّها المطموس والمسكوت عليه.  (1)  كان الشاب محمد رضا يقف في فناء كلية الهندسة مع آخرين متفرجا على مظاهرة زملائه في فناء كلية الهندسة الذين خرجوا يوم الخميس 28/11 تضامنا مع أقرانهم في بعض كليات الجامعة، وكان هؤلاء قد عبروا عن احتجاجهم على قانون منع التظاهر ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وغضبهم إزاء الحكم على 14 فتاة بالإسكندرية بالسجن مدة 11 عاما. ولم تكن تلك المظاهرات بعيدة عن مثيلاتها التي اتجهت إلى مقر مجلس الشورى خلال الأسبوع ذاته متبنية نفس الشعارات والهتافات، وتخللتها اشتباكات مع الشرطة التي تصدت لها.  لم يعرف عن محمد رضا البالغ من العمر تسعة عشر عاما أن له نشاطا طلابيا ولا لونا سياسيا، ولكنه كان منصرفا إلى دروسه ومتفوقا على أقرانه، الأمر الذي جعله يحتل الترتيب الثالث على ثلاثة آلاف طالب بالسنة الإعدادية، قبل أن ينتقل إلى السنة الأولى بقسم المدني. ولم يكن يحلم بأكثر من أن يصبح معيدا في الكلية ومبتعثا للحصول على شهادة الدكتوراه. إلا أن القدر كان يعد له مصيرا آخر. ذلك أنه تلقى طلقات من خارج الكلية أسقطته على الأرض على الفور، كما أصابت ثلاثة من زملائه. وقد فشلت جهود الطلاب الذين حاولوا إنقاذه وسط الهرج الذي ساد المكان، ففقد محمد رضا حياته ونقل زملاؤه إلى مستشفى قصر العيني، حيث تبين أن أحدهم (اسمه جمال عصام الدين) فقد عينيه وفي حالة خطيرة.  الحدث فجر غضب الطلاب وضاعف من انفعالهم. وتضامن معهم الأساتذة الذين ألغوا المحاضرات وسارعوا إلى إصدار بيان وقعه 135 منهم أعلنوا فيه الإضراب عن العمل ابتداء من السبت 30 نوفمبر، ودعوة زملائهم في الكليات الأخرى إلى تعليق العملية التعليمية بعدما «أصبح استمرارها متعذرا في ظل الترهيب الأمني وانتهاك حرمة الجامعة وإطلاق القنابل والخرطوش على الطلاب داخل كلياتهم». كما طالبوا بالتحقيق فيما جرى ومحاكمة المسؤولين عن قتل الطالب وترويع المتظاهرين، أو باعتذار وزارة الداخلية عن سلوك رجالها. ودعوا إلى إبعاد قوات الأمن ومدرعات الجيش عن محيط جامعة القاهرة، وإلى إلغاء قرار مجلس الوزراء الذي يسمح لتلك القوات باقتحام الجامعة الأمر الذي ينتهك استقلالها. وختموا بيانهم بالمطالبة بإطلاق سراح طلاب الجامعة وأساتذتها بضمان محال إقامتهم.  (2)  أثبت الطبيب الشرعي أن محمد رضا قتل بطلقات أصابت عنقه وقلبه وأدت إلى قتله. وعلق وزير التعليم العالي الدكتور حسام عيسى على الحادث بقوله إنه سأل وزير الداخلية الذي أبلغه بأن الشرطة لم تستخدم الخرطوش في التعامل مع المتظاهرين. ثم قال في تصريح آخر إنه لا يستبعد أن يكون طلاب الإخوان هم الذين قتلوه. وكان ذلك التصريح بداية الاتجاه إلى تلبيس التهمة للإخوان الذين لم يرد لهم ذكر في القصة من بدايتها. وخرجت علينا صحف الأحد 1/12 برواية جديدة للمشهد ذكرت أن تحقيقات النيابة توصلت إليها خلاصتها أن الطالبات المنتميات إلى جماعة الإخوان ساعدن زملاءهن الذين انخرطوا فيما سمي «طلاب ضد الانقلاب»، حيث قمن بتزويدهم بالسلاح والخرطوش الذي تم إخفاؤه في أكياس من البلاستيك وضعنها في طيات ملابسهن وأنهن خرجن من الحرم الجامعي فور اشتعال الاشتباكات بين الطلاب وقوات الأمن.  في الوقت الذي بدأ التحقيق يتجه فيه إلى ذلك المنحى حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان. إذ صدر بيان باسم جامعة القاهرة وقعه رئيس الجامعة الدكتور جابر نصار ذكر ما يلي: تدين جامعة القاهرة بشدة قيام أجهزة الأمن بالاعتداء المباشر على الجامعة وكلية الهندسة. حيث تم إطلاق قنابل الغاز والخرطوش إلى داخل الجامعة والكلية من خارجها، مما أدى إلى استشهاد أحد طلاب كلية الهندسة، الشهيد محمد رضا داخل أسوار الكلية وإصابة آخرين من الطلاب وأفراد الأمن بالجامعة. إن ما حدث أمر غير مقبول على الإطلاق، ويتحمل مسؤوليته الأساسية بعض أجهزة الأمن التي تجاوزت كل الحدود، حين تعمدت تعقب الطلاب حتى بعد دخولهم إلى الجامعة. وهو ما سوف يتم توثيقه بشهادات الطلاب والصور والفيديوهات. وسوف تشكل لأجل ذلك لجنة من المختصين، كما ستكلف الجامعة فريقا قانونيا لمتابعة الأمر، وإبلاغ الجهات الرسمية لمحاسبة من اقترف هذا الجرم، الذي لن تتسامح فيه الجامعة. وتطالب الجامعة بالإفراج الفوري عن طلابها، وذلك لتمكينهم من اللحاق بدراستهم والإسراع بتجلية حقيقة مواقفهم القانونية وإعلان ذلك في أقرب وقت. (3)  فاجأنا ذلك الموقف الشجاع، لأن الصورة النمطية المستقرة في أذهاننا أن القيادات التي تحتل أمثال تلك المواقع تتسق دائما مع الأجهزة الأمنية، التي تعرف أنها كانت يوما ما صاحبة كلمة في تعيينهم، وهي صورة لم تختف تماما في الوقت الحاضر، آية ذلك أننا وجدنا أن الأجهزة الأمنية اقتحمت المدينة الجامعية لطلاب الأزهر بعد المظاهرات التي خرجت في بعض كليات الجامعة. وفي اقتحامها قتلت طالبا بكلية الطب يدعى عبدالغني محمد حمودة، كما اعتقلت 17 طالبا ليس لهم أي انتماء سياسي، بينهم ثلاثة في السنة النهائية بكلية الطب، ولم يسمع أحد بما جرى، ولم يرتفع صوت في الجامعة يستنكر اقتحام المدينة الجامعية أو قتل طالب الطب.  موقف الدكتور جمال نصار يحسب له. وهو الذي تولى رئاسة الجامعة بعد انتخابه من أساتذتها، ومن ثم فليس لأحد فضل في تعيينه. ذلك أن البيان الذي أصدره يضيف صفحة يعتز بها سجل استقلال الجامعة، ولست أشك في أن ذلك الموقف كان له دوره في تشجيع أعضاء هيئة التدريس على الانحياز إلى صف حرمة الجامعة وحماية طلابها، ليس في حدود جامعة القاهرة فحسب، لأن تلك الروح سرت في أوساط المحيط الجامعي في مختلف أنحاء البلاد. حيث تضامنت اتحادات طلاب الجامعات مع زملائهم في جامعة القاهرة، في ضرورة التحقيق في قتل طالب الهندسة واعتداءات الشرطة على حرمة الجامعة. وقيل لي إن فعاليات ذلك التضامن مستمرة طوال هذا الأسبوع على الأقل.  (4)  حدث جامعة القاهرة مهم في ذاته وفي دلالته، أعني أن غضب الجامعة لانتهاك حرمتها والعدوان على استقلالها، وجرأة رئيس الجامعة وأساتذتها وطلابها في مواجهة القمع الذي مارسته المؤسسة الأمنية، هذا المشهد مهم في حد ذاته لما اتسم به من غيرة وجرأة. في الوقت ذاته فإنه يستدعي إلى الأذهان سجل الأحداث التي تلاحقت أثناء الثورة وبعدها، والتي تم تناولها من خلال قراءتين لا تختلفان كثيرا عن الكيفية التي تم بها التعامل مع ما جرى في كلية هندسة جامعة القاهرة. ذلك أننا في الحالة الأخيرة صرنا بإزاء شهادتين إحداهما جامعية تتهم الأجهزة الأمنية والأخرى أمنية تبرئ الداخلية وتتهم الإخوان، وذلك بالضبط، جرى مع الأحداث التي تلاحقت في أثناء ثورة 25 يناير وفي أعقاب نجاحها. دليلي على ذلك أشرت إليه من قبل ولا أقل من لفت الانتباه إليه، وهو يتمثل في الجهد الكبير الذي بذل لتقصي حقائق تلك الأحداث، والذي أشرف عليه نفر من أهم وأبرز رجال القضاء والقانون في مصر، الذين استعانوا بفريق من المحققين والخبراء. وقام هؤلاء بتوثيق تلك الأحداث في مرحلتين. مرحلة الثورة التي امتدت من 25 يناير إلى 9 فبراير من عام 2011 وقد رأس اللجنة التي تولت تقصي حقائقها المستشار الدكتور عادل قدرة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض وقد جاء تقريرها في 400 صفحة سلمت ثلاث نسخ منه يوم الإثنين 18 أبريل عام 2011 إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الحكومة آنذاك الدكتور عصام شرف والنائب العام الدكتور عبدالمجيد محمود.  المرحلة الثانية هي التي تولى فيها المجلس العسكري السلطة، وقد وقعت في ظلها أحداث عنف عدة، أصدر الرئيس السابق محمد مرسي قرارا بتشكيل لجنة لتقصي حقائقها برئاسة المستشار محمد عزت شرباص رئيس الاستئناف السابق، في شهر يوليو عام 2012، بعد أسابيع من تنصيبه، وقدمت اللجنة تقريرها الذي جاء في نحو 700 صفحة في شهر يناير عام 2013. والتقريران بالمناسبة يتضمنان كما هائلا من الوثائق والتسجيلات والشهادات. لكن أهم ما كشفا عنه كان توثيق ضلوع أجهزة الأمن في أهم إن لم يكن كل تلك الأحداث، وتم ذلك بتفصيل تجاوز العبارات التي تحدث بها رئيس جامعة القاهرة في توصيفه لما جرى في كلية الهندسة. وكما أن كلام الدكتور جابر نصار وضعنا أمام قراءتين لأحداث الجامعة واحدة تبناها هو ومعه أساتذة الجامعة، وأخرى أمنية تحدث بها وزير الداخلية ونفت مسؤولية الشرطة عن جريمتي القتل والاعتداء على حرمة الجامعة، فإن المشهد تكرر على صورة أكبر وأخطر مع تقريري تقصي الحقائق، ذلك أن القراءة القانونية لوقائع المرحلتين ووجهت بقراءة أخرى أمنية برأت ساحة المؤسسة الأمنية وأخلت مسؤوليتها عن أحداث تلك الفترة. لأن المؤسسة المذكورة هي الطرف الأقوى فإنها نجحت في فرض رؤيتها بعدما مارست ضغوطها القوية لتجاهل كل ما توصل إليه القانونيون والمحققون. ليس ذلك فحسب وإنما نجحت أدوات وأصابع الأجهزة الأمنية في كتابة تاريخ تلك المرحلة على نحو مختلف تماما عما توصلت إليه قراءة القانونيين. وترتب على ذلك أن تمت تبرئة ساحة الأجهزة الأمنية، وألقيت مسؤولية ما جرى على أطراف أخرى في مقدمتها البلطجية وميليشيات الإخوان وحركة حماس وحزب الله....إلخ وهو ما دفعني إلى القول ذات مرة بأن تلك الأجهزة لم تعد تصنع التاريخ في زماننا فحسب، وإنما باتت تكتبه أيضا.  لا أعرف ما الذي ستسفر عنه المواجهة بين قراءتي الجامعة والأمن في أحداث كلية الهندسة، لكنني لن أستغرب إذا فرض الأمن رؤيته ليس فقط لأن له سابق خبرة في قلب الحقائق وإعادة تشكيلها على النحو الذي يشتهيه، ولكن أيضا لأنه بنفوذه الكبير في مجال الإعلام بات الآن في الموقف الأقوى الذي يتجاوز بكثير ما كانت عليه الصورة قبل سنة أو اثنتين.. ومن شأن استمرار ذلك الموقف أن يفلت قتلة محمد رضا وعبدالغني حمودة من الحساب والعقاب، ولا تسأل عن الشهداء الذين قتلوا في فض اعتصام رابعة أو النهضة أو غيرهم من أبناء الشعب الآخر الذين لا بواكي لهم.

471

| 03 ديسمبر 2013

الفائزون والخاسرون في الدستور

لم يتح للمصريين أن يتابعوا مناقشات لجنة الدستور التي تمت في غرف مغلقة إمعانا في «الشفافية»، إلا أن المصادفة وحدها كشفت عن جوانب دالة لبعض ما جرى وراء أبواب تلك الغرف. وشاءت المقادير أن يتعلق الكشف بالمادة المتعلقة باشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع، وهو النص الذي ابتدعته لجنة الخبراء العشرة التي شكلها رئيس الجمهورية للنظر في التعديلات المقترحة على دستور 2012 المعطل، ولم يكن هناك تفسير للزج بذلك النص سوى أنه جاء عاكسا لموازين اللحظة التاريخية التي شكلت في ظلها اللجنة، إذ طالما أن وزير الدفاع هو الذي استدعى رئيس المحكمة الدستورية ونصَّبه رئيسا للجمهورية فربما بدا أنه من غير المستساغ أن ينص الدستور الصادر في الظروف ذاتها على أن يكون رئيس الجمهورية هو من يعين وزير الدفاع، شأنه في ذلك شأن بقية الوزراء. وكنت أحد الذين تمنوا على العناصر «الليبرالية» في اللجنة أن يقوموا بتصويب ذلك الوضع الشاذ لكي يتفق مع ما هو معمول به في الدول الديمقراطية. والذين أحسنوا الظن تصوروا أن أولئك الليبراليين سيكملون جميلهم وسيقومون بإلغاء النص الذي يجيز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية (المتداول أن 12 ألف شاب مصري حوكموا أمام تلك المحاكم في ظل وجود المجلس العسكري)، كما أنهم سيعالجون أمر الوضع الخاص بميزانية القوات المسلحة، التي تحجب تفاصيلها عن مجلس الشعب. إلا أن تلك الآمال تراجعت بمضي الوقت إلى الحد الذي انتهى بإقرار وتمرير كل ما تمنينا تعديله. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأننا فوجئنا بما هو أشد وأنكى. ذلك أن المحررين البرلمانيين فوجئوا قبل جلسة التصويت النهائي بأن نص اشتراط موافقة مجلس القوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع أضيفت إليه كلمة واحدة بحيث اشترط موافقة المجلس المذكور الذي يرأسه وزير الدفاع ليس على تعيينه فقط وإنما على عزله أيضا. وهو ما يعني رفع يد الدولة المصرية تماما عن الموضوع، وإعلان القوات المسلحة مؤسسة شقيقة مستقلة لا سلطان للدولة المصرية عليها.  جريدة «الشروق» روت أمس الأحد 1/12 تفاصيل القصة، فذكرت أن بعض أعضاء اللجنة فوجئوا بالتعديل وذكروا أنه لم يعرض عليهم. في حين دافع عنه الأخ محمد سلماوي المتحدث باسم اللجنة، ونقلت الصحيفة عنه قوله إن ذلك أمر منطقي. إذ من غير المعقول أن يكون تعيين وزير الدفاع بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثم يكون العزل بغير موافقتهم، أضافت الصحيفة أن شخصا همس في أذن سلماوي ونقل إليه تصريحا للسيد عمرو موسى رئيس اللجنة قال فيه إن تلك المادة لم يتم إقرارها، الأمر الذي عاد وكرره صاحبنا في تعليق له!  أثناء كتابة هذه السطور لم تكن اللجنة قد انتهت من التصويت على بقية مواد الدستور الجديد الذي وضعته، متجاوزة في ذلك الإعلان الدستوري الذي نص على تعديل وليس إنشاء الدستور كما ذكرت أمس، إلا أنه من الثابت حتى الآن أن القوات المسلحة هي أكبر الفائزين به، حيث تحقق لها ما أرادت، في حين أن الإخوان والأحزاب الإسلامية هي أكبر الخاسرين، بعد النص على حظر الأحزاب ذات المرجعية الدينية. (للعلم في السويد حزب إسلامي منذ عام 1999).  هذه النتيجة لا تفاجئنا، لأنها تعبير عن تفاوت ميزان القوى في الوقت الراهن. الأمر الذي يفتح أعيننا على حقيقة لفت الأنظار إليها المستشار طارق البشرى في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك» ونبه فيه إلى أن الدستور بمثابة مرآة للأمر الواقع. وذكر أن دستور 1923 حين أتاح قدرا من التداول في السلطة فإن دافعه إلى ذلك لم يكن تنظيما فقط، ولكن لأن المجتمع آنذاك كان فيه تعدد لقوى سياسية واجتماعية متبلورة في تنظيمات وتكوينات مؤسسية. ولم يكن في مكنة أي من هذه القوى أن تنفي الأخريات في الواقع السياسي. ولو لم يكن التعدد معتمدا فقط على إتاحة الدستورية، وإنما كان يعتمد على الوجود الواقعي الفعال. ولو لم يكن هذا الواقع التعددي قائما لما صدر الدستور منظما للتداول في السلطة.  أضاف البشري قائلا إن التوزيع القانوني والدستوري يعتمد أول ما يعتمد على التوزيع الفعلي للقوى الاجتماعية والسياسية التي تتبلور في شكل تنظيمات أو أحزاب أو نقابات وجمعيات. وهو ما نفتقده في مصر، حيث لا نكاد نجد فيها مثل هذه التكوينات، يستثنى من ذلك جهاز الدولة المصري بتشكيلاته، وأفرعه المختلفة وجهاز الدولة ذاته تسيطر عليه إرادة شخصية فردية واحدة. وهو وضع ليست له سوابق كثيرة في تاريخ مصر الحديث. حتى محمد على باشا حيث لم تكن له هذه السلطة الفردية إلا في سنين قليلة.  لقد نشرت دار الشروق هذا الكتاب في سنة 2006، في عهد مبارك، وهو لا يضيف أو يفسر الماضي فقط، لكنه يقرأ الحاضر أيضا.

465

| 02 ديسمبر 2013

إهدار للقانون وازدراء به

لا أعرف إلى أي مدى يمكن أن نأخذ على محمل الجد حكاية لجنة تعديل الدستور المصري، لأن المطاعن كثيرة في مبدأ اختيارها وتشكيلها ومهمتها. إلا أنني لم أستطع مقاومة مناقشة زاوية واحدة في ملفها، تتعلق بالنموذج الذي قدمته في إهدار القانون. شجعني على ذلك أن رئيس الجمهورية عدلي منصور امتدح دور اللجنة التي كنت أظن أن خبرته باعتباره رئيسا سابقا للمحكمة الدستورية العليا ستمكنه من أن يلاحظ العوار في موقفها القانوني. وزاد من حماسي للتطرق إلى الموضوع ما قرأته قبل أيام على لسان المستشار السياسي للرئيس الدكتور مصطفى حجازي حين علق على تظاهرة الشباب أمام مجلس الشورى قائلا إن المشاركين فيها لا يريدون لدولة القانون أن تقوم، لمجرد أنهم احتجوا على صدور قانون التظاهر ورفضوا النص في الدستور على محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.  الاستخفاف والازدراء تجلى في تعامل اللجنة مع نصوص الإعلان الدستوري الذي أنشأها وحدد آجال مهمتها. إذ نصت المادة 28 منه على تشكيل لجنة خبراء من عشرة حددت صفاتهم، تختص باقتراح التعديلات على دستور 2012 المعطل. على أن تنتهي من مهمتها خلال ثلاثين يوما من تاريخ تشكيلها. والنص واضح وصريح على أن مهمتها مقصورة على إدخال تعديلات على النصوص المختلف عليها في الدستور الذي تم تعطيله فقط ولم يشر إلى إلغائه. وأجل الثلاثين يوما الذي أعطي لها قرينة على محدودية المواد التي كان متوقعا تعديلها، التي قيل وقتذاك إنها في حدود 15 مادة.  المادة 29 من الإعلان الدستوري نصت على إحالة مقترح التعديلات إلى لجنة من خمسين عضوا (حددت مواصفاتهم) ثم قررت ما يلي: يتعين أن تنتهي اللجنة من إعداد المشروع النهائي للتعديلات الدستورية خلال ستين يوما على الأكثر من ورود المقترح عليها، على أن تلتزم خلالها بطرحه على الحوار المجتمعي.. وتحدد اللجنة القواعد المنظمة لها والإجراءات الكفيلة بضمان الحوار الوطني حول التعديلات.  هذه النصوص الواضحة تعاملت معها لجنة الخمسين باعتبارها «كلام جرايد» لا إلزام فيه، فضلا عن أنها تحتمل التلاعب والعبث، فلا هي احترمت حدود الولاية التي قررها لها الإعلان الدستوري، ولا هي التزمت بالمواعيد المقررة في نصوصه وتحايلت عليها على نحو لا يليق بمقام المهمة التي أنيطت بها. وهو ما يسوغ لي أن أقول إنها أهانت الإعلان الدستوري وابتذلته. ويبدو أن اللجنة استندت إلى ما ورد في نهاية المادة 29 التي خولتها تحديد القواعد المنظمة لها، واعتبرت أنها تطلق يدها في أن تطيح بكل الحدود والمواعيد التي تضمنتها بقية المواد، فارتأت أن تنشئ دستورا جديدا من عندياتها. وحين وسعت نطاق مهمتها وأدركت أن الستين يوما التي حددها الإعلان الدستوري لا تكفي لإنجاز الدستور الجديد المراد إعداده، فإنها لم تتردد في الإطاحة بالمواعيد المقررة. وهو ما يفتح واسعا باب الطعن ببطلان عملها من وجهين على النحو التالي:  < من ناحية لأن ولايتها تقتصر بموجب الإعلان الدستوري المنشئ لها على تعديل دستور معطل وليس إلغاء ذلك الدستور وإنشاء دستور جديد تدبجه من العدم. خاصة إذا لاحظنا أنها مشكلة بقرار إداري وليست منتخبة من الشعب.  < من ناحية ثانية لأن المواعيد القانونية أمرها محسوم ولا تتحمل الاجتهاد. وإنما هي من مسائل القانون الصارمة. إذ حين يقرر المشروع أنه «يتعين» على اللجنة أن تنتهي من التعديلات ومن الحوار المجتمعي حولها خلال 60 يوما، فإن الموعد المنصوص عليه يصبح حتميا ولا يجوز التلاعب فيه تحت أي ذريعة (كأن يقال إن المقصود 60 يومَ عمل وهو ما حدث). ذلك أنه في هذه الحالة يعد من المواعيد الناقصة التي يتعين أن يتم الإجراء خلالها. وهي تنقضي بانقضاء اليوم الأخير منها، ولا تمتد إلا في حالة واحدة هي أن يوافق اليوم الأخير عطلة رسمية. وفي هذه الحالة فإن أصل الميعاد يمتد إلى أول يوم عمل.  حين يحدث ذلك فإننا لا نستطيع أن نستقبل امتداح المستشار عدلي منصور لعمل اللجنة إلا بحسبانه تغليبا للحسابات السياسية على ما يعرفه وينبغي أن يحرسه رئيس المحكمة الدستورية الذي كأنه الرجل، كما أننا لا نستطيع أن نفسر كلام مستشاره السياسي عن إرساء دولة القانون إلا بحسبانه كلام جرايد يفتقد إلى الصدقية والمسؤولية.  إذا قال قائل إن هذا الذي أشرت إليه تأخر كثيرا، ثم إنه نقطة في بحر، وأن حجم التجاوزات التي تجري أكبر بكثير وأشد جسامة، فإنه سوف يفحمني ويدفعني إلى الاعتذار له راجيا منه أن يمسحها فيّ، بحيث يعتبرها «فشَّة خُلق» من شخص تعلم القانون يوما ما، ولا يزال يحتفظ بحنينه إليه وغيرته عليه.

616

| 01 ديسمبر 2013

ضوء في النفق

هذه لقطة جديرة بالرصد والملاحظة. طوال نهار أمس الأول (الثلاثاء 26/11) شهدت القاهرة مظاهرات خرجت احتجاجا ورفضا لقانون التظاهر الجديد ولمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. في المساء كانت حوارات القنوات الفضائية تنتقد المتظاهرين وتندد بهم. وإذا قمنا بتجميد المشهدين وتفرسنا جيدا في وجوه الذين خرجوا إلى الشوارع في النهار والذين ظهروا على شاشات التلفزيون في المساء، ثم أنصتنا إلى هؤلاء وهؤلاء، فسوف نكتشف أن الأولين يرددون أصوات وأشواق 25 يناير، وأن الأخيرين يمثلون تحالف نظام مبارك مع النظام الجديد الذي استجد بعد 3 يوليو. وإذا صح ذلك فهو يعني أننا بصدد لحظة كاشفة وبوادر ومنعطف مهم، يستصحب إرهاصات الإفاقة وعودة الوعي، يتجدد في ظلها تصويب المسيرة وإعادة ترتيب الصفوف ورسم خرائط الفعل السياسي في مصر. ليس ذلك مفاجئا تماما، لأن الروائح فاحت والقرائن تلاحقت خلال الأسابيع الماضية موحية بأن السكرة لن تستمر طويلا، وأن أوان الفكرة في الطريق. إذ لاحظنا خلال تلك الأسابيع أن وجوه عصر مبارك قد عادت إلى الشاشات وإلى المحيط الإعلامي مرة أخرى، وتابعنا ارتفاع منسوب الغمز في 25 يناير والتنديد والتجريم الذي استهدف الثائرين الذين خرجوا آنذاك. فقد وصفت الثورة بأنها نكسة ووكسة وقرأنا لمن وصف الثوار بأنهم «مرتزقة يناير»، ومن وصفهم بأنهم أولاد الشوارع. بالتوازي مع ذلك تناهت إلى أسماعنا أصوات بعض المثقفين وعناصر النخبة الذين أبدوا تحفظاتهم على بعض الممارسات التي تجرى، حين لاحظوا أن المسيرة تنزلق في اتجاهات تتعارض مع قيم وروح ثورة 25 يناير، وكان الانسحاب السريع للدكتور محمد البرادعي من مؤسسة الحكم واستقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية أول إشارة علنية في ذلك الاتجاه. تلك التحفظات لاحظناها أيضا في كتابات بعض المثقفين الذين انحازوا إلى الثورة وليس إلى السلطة، ومن ثم انفصلوا عن ركب المهللين والمتشنجين وتبنوا مواقف مستقلة وناقدة. ومنهم من كان من زبائن البرامج التلفزيونية، لكن مواقفهم التي أعلنوها حجبتهم بحيث ما عدنا نرى وجوههم على الشاشات. ذكرى أحداث شارع محمد محمود التي حلت في 19 نوفمبر كانت علامة دالة في هذا الاتجاه. ذلك أن الجموع التي خرجت يومذاك أعادت إلى الأذهان أجواء ثورة 25 يناير التي جسدت حقيقة التلاحم الجماهيري من ناحية وحقيقة الخصم من ناحية ثانية ووحدة الأهداف والمطالب من ناحية ثالثة. وهي العناوين التي اهتزت وأصابها التآكل جراء الممارسات التي تعاقبت خلال السنوات الثلاث التي أعقبت الثورة. صحيح أن مظاهرات 19 نوفمبر لم تغير شيئا مما أصاب تلك العناوين، لكنها استحضرتها في الوعي والذاكرة على الأقل وأزالت بعضا مما ران عليها من صدأ. إذا صح ذلك التحليل فهو يعني أننا على أبواب طور جديد في مسيرة الجماعة الوطنية المصرية، سمته الإفاقة وعودة الوعي. ولعلي ألمح في ذلك الطور القسمات التالية:? < أنه يشكل وفاء لقيم وأهداف ثورة 25 يناير، التي عزز الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وهو ما يستصحب بالضرورة قطيعة مع نظام مبارك بممارساته القمعية وسياساته الاقتصادية التي قامت على الاستجداء والتبعية.* < أنه يرفض حكم الإخوان، ولا يرى سبيلا لاستعادة تلك التجربة بمختلف تجلياتها. وهناك اتجاهان داخل هذا الموقف، أحدهما يرفض نظام الإخوان ولا يرى خصومة مع الجماعة، ومن ثم يميز بين قيادة الجماعة وسياستها وبين قواعدها التي كانت شريكة في الثورة. والثاني يرفض الاثنين.* < أنه يرفض عسكرة الدولة المصرية، ويعارض إقحام الجيش في السياسة، أو إضفاء ميزات استثنائية للقوات المسلحة، مع الحفاظ على الاحترام لها شأنها في ذلك شأن بقية مؤسسات الدولة الوطنية.* < تبني موقف المفاصلة مع الفاشية الجديدة التي أصبحت تطل برأسها بين القوى المدنية، وعبرت عنها في الآونة الأخيرة أصوات بعض المثقفين والإعلاميين الذين أبدوا استعدادا مدهشا للتضحية بأهداف الثورة وحق الوطن مقابل الخلاص من حكم الإخوان.* < محاكمة المسؤولين عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق الثوار والمجتمع سواء أثناء الثورة أو في ظل حكم المجلس العسكري أو حكم الإخوان أو حكم النظام القائم منذ الثالث من يوليو.* < إعادة هيكلة وزارة الداخلية بصورة شاملة، تطهرها من أدران الاستبداد والقمع الذي لا يزال يعشش في جنباتها، والتي يدفع المجتمع ثمنا باهظا لها كل حين.* < استعادة مصر لدورها القيادي القائم على الاستقلال الوطني في القرار والتحالفات الإقليمية والدولية، والمنطلق من ديمقراطية حقيقية تعبر عن إرادة الشعب دون تزوير أو تدليس. إذ أرى هذه الإشارات في الأفق فإنني أرجو ألا أكون قد أفرطت في التفاؤل، وخلطت بين القسمات والأمنيات.

503

| 28 نوفمبر 2013

من الآخر

الجماعة في أنجولا اختصروا الطريق وحظروا الإسلام في الدولة. تعاملوا مع الموضوع «من الآخر» كما نقول في لغتنا الدارجة وطبقوا المثل القائل بأن الباب الذي يأتيك منه الريح أغلقه لتستريح. كانوا أكثر صراحة من غيرهم، فلم يلفوا ويدوروا ولم يغمزوا أو يلمزوا. ولم يطالبوا بالحذف منه أو ترميمه وتجديده. وإنما اعتبروا أن المشكلة ليست في ذات التطرف والإرهاب، ولكنها في العقيدة التي اعتبروها مصدرا للشرور. وإذ اعتبروا أن الإرهاب فرع والإسلام أصل، فإنهم اختاروا التعامل مع الأصل واجتثاث شجرة الشرور من جذورها. أتحدث عن التقارير التي خرجت من أنجولا هذا الأسبوع، متحدثة عن قرار الحكومة هناك باعتبار الإسلام ملة محظورة واعتبار المسلمين طائفة غير مرحب بها. الأمر الذي ترتب عليه منع المسلمين من تأدية شعائرهم الدينية، وأدى إلى هدم المسجد الوحيد في العاصمة لواندا وتسويته بالأرض، وتحدثت الصحف عن هدم 60 مسجدا آخر، إما بأوامر من الشرطة أو برعاية من جانبها. التقارير المذكورة صحفية بالدرجة الأولى. فقد نقلت صحيفة «لانوفيل تريبيون» المغربية التي تصدر باللغة الفرنسية عن وزيرة الثقافة الأنجولية «روزا كروز» قولها: سنعيد النظر في قانون حرية الإدمان. وسنكثف حربنا ضد الإسلام المتطرف الذي ينتشر في إفريقيا. وسنمنع شعائر الإسلام على ترابنا». وأضافت قائلة إنه لم يتم تقنين التعبد به كديانة من قبل وزارة العدل وحقوق الإنسان مثل الأديان الأخرى، لذلك فإن المعابد الخاصة بالمسلمين سوف تغلق حتى إشعار آخر. وذكرت أن الحكومة تعمل على إعادة النظر في قانون حرية التجمع الديني، لمحاربة الجماعات الدينية الجديدة التي تتعارض مع العادات، والثقافة الأنجولية. في الوقت ذاته اعتبر الرئيس الأنجولى خوسيه إدواردو في تصريح أدلى به إلى صحيفة أوسون النيجيرية أن الحملة على الإسلام تستهدف القضاء على التأثير والنفوذ الإسلامي في البلاد. وفي تعليقه على هدم مسجد لواندا قال حاكم العاصمة لإذاعة محلية إن المسلمين المتطرفين ليس مرحبا بهم في أنجولا، وإن الحكومة ليست مستعدة لإضفاء الشرعية على مساجدهم، وسيمنع من الآن فصاعدا بناء المزيد منها. ومما ذكرته صحيفة «جارديان إكسبريس» أن حق حرية الديانة لم يعد مكفولا للمسلمين، وبموجب قوانين جديدة صدرت في أنجولا فإن بعض الطوائف الدينية أصبحت خاضعة للتجريم. هذه المعلومات إذا صحت فإنها تفاجئنا. ذلك أنه لا يخطر على بال أحد أن تتخذ خطوات من ذلك القبيل خصوصا في القارة الإفريقية التي انتشر فيها الإسلام من خلال المتصوفة والتجار ثم زحفت عليها البعثات التبشيرية المسيحية محتمية بالقوات الاستعمارية ومدججة بالإمكانيات والقدرات المالية الوفيرة، واشتبكت تلك البعثات مع المؤسسات الإسلامية في أقطار عدة، وظاهر الأمر أن أنجولا التي تسكنها أغلبية كاثولكية ووثنية (سكانها في حدود 15 مليون نسمة) لم تحتمل وجود نحو 90 ألف مسلم على أراضيها، وحين ضاقت ذرعا بهم فإنها عمدت إلى اضطهادهم والتضييق عليهم خلال السنوات الأخيرة. وسجلت ذلك منظمات حقوق الإنسان التي انتقدت هدم أربعة مساجد لهم في عام 2006. صحيح أننا سمعنا عن اضطهاد ومذابح للمسلمين في بعض الدول ذات الأغلبية البوذية في آسيا، أشهرها في ميانمار وبدرجة أو أخرى في تايلاند. إذ عمد المتطرفون البوذيون إلى تصفية المسلمين وتهجيرهم، مستخدمين في ذلك سلاح الإبادة والاستئصال. إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها دولة إلى حظر الإسلام كليا على أراضيها. حتى روسيا التي تعانى من عنف الجماعات الإسلامية في بعض جمهورياتها، فإنها شنت حربا شرسة ضد تلك الجماعات ولم تلجأ إلى ما ذهبت إليه أنجولا. لا وجه للمقارنة، لأن ما تعرض له المسلمون في تلك الدولة الإفريقية الصغيرة، لا يتخيل أحد أنه يمكن أن يصيب أتباع أية ديانة أخرى. وليست بعيدة عن الأذهان الضجة التي ترددت أصداؤها في أنحاء العالم حين لجأت طالبان إلى هدم تمثالي بوذا في أفغانستان. لكن الأجواء الملوثة والمسمومة التي لم تر للمسلمين وجها معتدلا، ووصمتهم جميعا بالإرهاب، بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة وفي الوقت الراهن، شكلت غطاء تذرعت به الحكومة الأنجولية لكي ترتكب حماقتها. حين وقعت الواقعة في ميانمار زارها الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي ومعه سبعة وزراء عرب للتحقق مما يجرى هناك، وحين سألته عما سيفعلونه بالنسبة لأنجولا فإنه أخبرني هاتفيا بأنهم يجمعون المعلومات في هذا الصدد. وحين سألت عن موقف الأزهر قيل لي إن شيخه في بلدته بالأقصر وإنهم بصدد إعداد بيان بخصوص الموضوع. وإزاء الصمت المخيم على العالم الإسلامي قلت هل نتجه إلى بابا روما نطالبه بكف أيدي كاثوليك أنجولا عن الأقلية المسلمة هناك؟! بل إنني صرت أخشى أن تتحول الحالة الأنجولية إلى نموذج يحتذيه آخرون. ولم أستبعد ذلك لأنني أعرف أناسا يسرون في أنفسهم ما جهر به مسؤولو حكومة لواندا.

488

| 27 نوفمبر 2013

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

4515

| 06 مايو 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

4062

| 07 مايو 2026

alsharq
هل تعيش بقيمة مستأجرة؟

كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...

2151

| 05 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

951

| 11 مايو 2026

alsharq
"شبعانون" أم "متخمون"؟.. حين سرقت "الوفرة" طعم السعادة

لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...

783

| 05 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

777

| 07 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

756

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

723

| 08 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

582

| 09 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

567

| 07 مايو 2026

alsharq
البحث عن السكينة.. «العقيدة» الملاذ لمواجهة الألم النفسي؟

في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد...

465

| 06 مايو 2026

alsharq
قطر تكثف جهود الوساطة لخفض التصعيد

في إطار دعم دولة قطر الكامل للمساعي الرامية...

453

| 11 مايو 2026

أخبار محلية