رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الماء.. وشكر النِعَم الإيجابي

الماء العذب أفضل شراب فلنحرص على شكر هذه النعمة بما تستحقه ثمة طرائق كثيرة لشكر النعم نغفل عنها..ويكاد لا يتعدى واجب الشكر لدينا في الغالب الأعم سوى أقوال أو أدعية تلهج بها الألسن عندما يصيبنا خير وفضل من الخالق الكريم الرحيم. وهو أمر لا نقلل من شأنه ولكن هل هذا كاف، وماذا عن طرائق الشكر الأخرى؟! لماذا نهملها أو نتعامى عنها. إن أهمية القيم ـ ومنها قيمة الشكر ـ التي يعمل المربون على غرسها منذ الصغر تتمثل في انعكاس مضامينها إلى سلوكيات عملية ينعكس نفعها على صاحبها وعلى الناس والبيئة المحيطة به، وإلا فالشكر لن يتجاوز مربع اللفظ وتزداد الحروف مرة بعد أخرى. اسمحوا لي أن أعود إلى الماء مثنى وثلاث ورباع.. وإخواننا في الصومال وفي القرن الإفريقي لا يزالون يعانون من آثار المجاعة التي تسبب بها الجفاف والقحط فأهلكت ـ وما تزال ـ الحرث والنسل نتيجة انحباس المطر الموسمي.. ترى هل يكفي المرء أن يحمد الله على ما أنعمه عليه بلسانه ويكتفي بذلك أم أن المطلوب أكثر من ذلك بكثير. التفكر بهذه النعمة وشكرها يقتضي منا ونحن ما زلنا نتابع تفاصيل تداعيات كارثة القرن الإفريقي عبر شاشات الفضائيات وهي تسلط الضوء على سقوط الضحايا من البشر والدواب، وحركة النزوح الطويلة والكبيرة هربا من الموت ـ أن نتفكر بحال كثير يموتون يوميا عبر العالم بسبب عدم توفر الماء أو بسبب توفر ماء غير صالح للشرب، بكل ما يتبعه من أمراض وأوبئة، وأن نفعل شيئا لوقف هذه الكارثة أو التخفيف منها ومن مخرجاتها المرعبة، وأن نعمد إلى ترشيد الإنفاق والاستهلاك في الماء لأننا مستأمنون على هذه النعمة العظيمة. في هذا المجال لا بد من توجيه شكر خاص لقطر الخيرية التي ألهمت كاتب السطور هذا المقال من خلال جهودها التي تصب في هذا الاتجاه، على المستوى القيمي وترجمته من خلال فعل وإنجاز عملي.. فهي تطرح الأرقام التي تبرز بطريقة علمية وإحصائية حجم المشكلة.. معاناة من حرموا من نعمة الماء.. ومقدار النعمة التي أنعم الله على آخرين لوجودها بوفرة وكفاية، ثم تركز على المدخل القيمي الذي يستمد من تراثنا الشرعي، ثم تربطه بمشاريع متميزة يمكن أن يسهم بها الإنسان عمليا لشكر النعمة، يتم تسويقها وطرحها بين يدي الأخوة كل حسب إمكاناته وقدراته. لقد خصصت قطر الخيرية لنعمة الماء ثلاث حلقات متتالية في برنامج "تراويح" الإذاعي التي تعده وترعاه عبر أثير إذاعة القرآن الكريم ـ الدوحة، وفيه فقرات للصغار والكبار، لكل منهم ما يناسبه من مواد وفقرات كالقصص ونماذج القدوة والأسوة، والشيء نفسه تفعله في خيمتها الرمضانية "البراحة"، فتعزف على نفس الوتر ضمن فقرات "فكّر بغيرك" وعبر وسائل وتقنيات راقية ومنها فيلم وثائقي خصصته لهذا الغرض. في مجال الإحصاءات المرتبطة بالماء تذكّرنا بأن: 30.000 طفل ماتوا بسبب المجاعة الناتجة عن الجفاف خلال الشهور الثلاثة الماضية في الصومال، ويموت 4000 طفل يوميا بسبب أزمة الصحة العامة المرتبطة بالمياه عبر العالم، كما يموت 2.5 مليون من البشر سنويا بسبب المياه الملوثة، وبينما يستخدم إنسان العالم النامي 10 ليترات من الماء يوميا لأجل الشرب والغسيل والطبخ يستخدم الأوروبي لنفس الغرض 200 ليتر، والأمريكي 400 ليتر. وتذكّرنا أيضا كيف أن نعمة الماء التي يختبرنا الله بها فيما يبتلي آخرين بفقدها أو الحرمان منها بما لا يكفي حاجتهم يستوجب منا أن نفكر بآلام الآخرين عطشا وجوعا ونزوحا ليكون بمثابة الشكر الإيجابي لله.. وأن نعمل من أجل الإسهام في وقف تداعيات الكوارث والنكبات المرتبطة بها.. تذكرنا بالتأسي بنماذج مثل عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي اشترى بئر رومية للمسلمين من ماله عندما رأى حاجتهم إليه وقد كان يملكه يهودي يحرمهم منه، وزبيدة زوجة هارون الرشيد التي حفرت عيونا وآبارا لسقي الحجيج والمسافرين إلى مكة لمجرد أنها لمست المعاناة الشديدة للسالكين في هذا الخط من بغداد إلى بيت الله الحرام، وتذكّر الأطفال بقصة الشخص الذي سقى كلبا عطشانا فشكر الله فعله وأدخله الجنة. أما المشروع الذي يحضّ الناس على التبرع فهو نوعي وتكمن أهميته في أنه الوسيلة التي تستخرج بها الماء من جوف الأرض، والتي شكل غيابها جزءا مهما من الأزمة الراهنة في القرن الإفريقي، ألا وهو " حفار آبار ارتوازية " وبحسب المعلومات المتوفرة بشأنه فإن: عمره الافتراضي حوالي 30 سنة ويحفر من عمق 350 مترا إلى 450 مترا، وبطاقة تتراوح من 50 إلى 100 بئر في السنة، حسب عمق الآبار.. ثمة فرصة للمحسنين المقتدرين لتمويله كاملا وثمة فرصة لغيرهم للإسهام بقيمة سهم فيه، والتفكير بمثل هذا المشروع الاستراتيجي ربما يكون أكثر جدوى ونفعا وتأثيرا من حفر بئر هنا وهناك مع تأكيد أهمية أي جهد ومساهمة لتخفيف وطأة القحط وعدم التقليل من أثره. الماء العذب أفضل شراب، وأعظم صدقة، فلنحرص على شكر هذه النعمة بما تستحقه، لأن بوجودها تكون الحياة وبانحباسها وغيابها تموت الحياة.

2251

| 17 أغسطس 2011

الكوارث.. واستثمارها في غرس القيم لدى الأطفال

غرس قيم العمل التطوعي في نفوس الأطفال والناشئة ضرورة لمواجهة الكوارث مع كل كارثة تحلّ بديار المسلمين تستحضر الذاكرة أهمية غرس قيم العمل التطوعي في نفوس الأطفال والناشئة، والتي تمنحهم من نعومة الأظفار الاهتمام ببيئتهم ومجتمعهم والتفاعل مع قضايا أمتهم، والمساهمة في التخفيف من معاناتها الإنسانية. السبب في ذلك أن نسبة كبيرة من المتضررين من الكوارث والنكبات يكونون في العادة من الأطفال، مما يجعل التعاطف معهم أكبر من جهة أقرانهم بحكم السن الواحدة أو التقارب العمري، كما أن هذه الكارثة تشكّل ميدانا للانخراط العملي والالتصاق الفعلي بها فورا بحكم الحاجة التي تستدعي ذلك والتأثر المرتبط بحجم تسليط الضوء عليها إعلاميا. أعجبتني مبادرة قام بها طلاب مدرسة مريخ الابتدائية المستقلة قبل عدة أشهر من خلال نادي ( المتطوعون الصغار) وتمثلت بالتبرع لترميم مدرسة في باكستان تعرضت للفيضانات التي وقعت في نفس هذا الشهر من السنة الفائتة بالتعاون مع جمعية قطر الخيرية، حيث لم يكتف الأطفال بتقديم التبرع المادي الذي بلغت قيمته 84.000 ريال فقط، بل كتبوا رسائل إلى أصدقائهم في باكستان وألفوا قصصا رائعة تحكي المأساة التي عاشها الطلاب الباكستانيون إثر السيول والفيضانات، كما رسموا مدرسة أصدقائهم في باكستان وكيف ستكون بعد مساعدتهم وتقديمهم يد العون لهم، بالإضافة إلى تقديمهم لمحاضرات مختلفة على مستوى المدارس والمؤسسات والجهات الرسمية والخاصة لحث أقرانهم على القيام بمبادرات مماثلة، وبالتالي فقد كانت أبرز مخرجات المبادرة إعادة ترميم مدرسة في باكستان على يد أطفال تسلحوا بالقيم الإنسانية و التربوية العالية. في كارثة المجاعة الحالية التي وضعت حوالي 4 ملايين صومالي وأكثر من 12 مليون شخص من القرن الإفريقي في دائرة الخطر، يبدو أن الموت يضع الأطفال في صدارة الضحايا، إذ يهدد عشرة بالمائة منهم في الصومال، وتشير الإحصاءات إلى أن (29000 ) طفل صومالي ماتوا فعليا بسبب الجوع خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وهو ما يصلح أن يكون مدخلا مناسبا للتربية القيمية في المجال التطوعي من زوايا مختلفة. يمكن أن نلج الموضوع من بوابة الماء على سبيل المثال لا الحصر.. لنبين أنه عندما انحبس قطر السماء أدى ذلك إلى القضاء على المحاصيل الزراعية، وموت الماشية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، بحيث لم يعد بمقدور الناس هناك خصوصا الفقراء منهم شراؤها، وأن النعمة التي حبانا الله بها حيث يكون الماء في متناول يدنا للشرب وللغسيل والاستحمام تستوجب الشكر، والشكر يكون بالمحافظة عليها وعدم الإسراف أثناء استخدامنا لها، كما يكون أيضا بالتصدق بالماء.. وذلك بتوفير عبوات الماء وتنكات المياه لمن حرموا خصوصا عند وقوع الكوارث، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ( أفضل الصدقة سقي الماء). كما يمكن التصدق بحفر الآبار وتوفير الخزانات اللازمة لتجميع مياهها وشبكات توزيعها، لكي يشرب منها البشر والدواب، وتُسقى المحاصيل الزراعية منها، وكذلك التصدق ببرادات الماء للأماكن الحارة. وكم هو جميل أن يتاح للأطفال التفكير بإقامة مشاريع لزملائهم في الصومال كبناء بئر في قرية تهدى باسم مدرسة ما ويتم جمع التبرعات لها مع بداية الفصل الدراسي القادم بالتعاون مع إدارات مدارسهم وأولياء أمورهم. ويمكن أن يدعم المدخل التطبيقي بالمدخل النظري من خلال القصص المؤثرة سواء التراثية أو المعاصرة، وتقديم نماذج من الذين وفقهم الله لعمل الخير والإسهام في المشي في حاجات الناس حتى خلّد التاريخ أسماءهم، ويمكن أن تكون هذه القصص مطبوعة أو تحول إلى أعمال درامية أو أفلام كرتونية مؤثرة. ونحن في مجال الماء ومشاريع الخير المرتبطة به فلا بأس أن نذكّر ببعض هذه القصص والنماذج الفريدة التي يكون في ذكرها حفز للأطفال للتأسي، ومن ذلك قصة الرجل الذي سقى كلبا عطشانا بعد أن نزل البئر خصيصا له وتجشم عناء حمل الماء له في خفّه، فشكر الله صنيعه فغفر له، لأنه " في كل ذات كبد رطبة أجر" كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم، فما بالكم بأجر سقيا الإنسان وإنقاذ حياته من الموت كما في الصومال وغيرها؟ فلاشك أن الأجر أعظم وأكبر. ومن النماذج التي كان لها بصمة في هذا المجال هي زبيدة زوجة هارون الرشيد التي أنشأت مشروعا عرف باسمها " عيون زبيدة" لتخفف على المسافرين للحج من بغداد لمكة عناء ندرة الماء فقامت بحفر عشرين عينا (بئرا)، وعند التنفيذ اكتشف القائمون على المشروع مشكلة تواجههم، إذ كيف سيربط العيون بعضها ببعض، فقاموا بعمل المجاري حتى يجري الماء من عين إلى أخرى، وكل عين لها مجرى من الماء على اليمين واليسار، وبذلك اتصلت كل العيون، بمجرى مائي من بغداد إلى مكة المكرمة، وكانت بذلك صاحبة أول مشروع مائي في التاريخ ولا تزال آثاره باقية.

400

| 10 أغسطس 2011

متى يكون التدخل الإنساني فاعلا لمواجهة مجاعة الصومال ؟

يثير تواصل الحديث عن المجاعة في القرن الإفريقي بعامة والصومال بخاصة قضية مهمة للغاية ألا وهي التدخل الإنساني الذي لا يتم إلا عندما تزكم رائحة الموت الأنوف لكثرة الضحايا من البشر والماشية، وتملأ صور الأطفال الذين أنهكت أجسادهم الهزيلة شاشات التلفزة بسبب سوء التغذية، وتصدر بعض المؤسسات الإنسانية شارات الإنذار لوجود الملايين من الناس في دائرة الخطر، بينما كان المفترض أن يكون هذا التدخل قبل ذلك حيث تقلّ أثمانه، ويمكن بواسطته تفادي كارثة إنسانية كبيرة أو التخفيف من آثارها بصورة كبيرة. فالجفاف وما ينجم عنه من ندرة في الغذاء الأساسي وارتفاع في قيمته بالتالي مسألة مزمنة في الصومال والقرن الإفريقي منذ عقود خلت بسبب انحباس المطر والظروف المناخية.. وكان بالإمكان في ضوء الاستفادة من الدروس السابقة لمثل هذه المجاعة التي تكرر وقوعها وعرفت مسبباتها الاستثمار في الوقاية منها كما يقول الخبراء، ومساعدة الناس كي يصبحوا أكثر قدرة على مواجهة الدورات المتكررة من الجفاف قبل تكرار وقوعها، ويضربون على ذلك أمثلة منها: " مساعدة المزارعين على إيجاد خيارات بديلة لكسب العيش، أو تعليمهم زراعة محاصيل مقاومة للجفاف "، لأنه " يعتبر أكثر فعالية بكثير من تقديم المعونة الغذائية بعد فشل الحصاد ". ولمعرفة الفارق في التكلفة بين الوقاية التي تسبق عمليات وقع الكارثة (المجاعة في وضع القرن الإفريقي حاليا) وبين مرحلة التدخل الإغاثي العاجل بعد وقوعها ينقل تقرير لشبكة الأنباء الإنسانية عن محمد مخير، الذي يرأس وحدة الحد من مخاطر الكوارث في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر قوله: " لدينا أدلة دامغة، من بينها أدلة من إفريقيا، على أننا لا نحتاج سوى لـ [6.2 دولار] للفرد سنويا من أجل بناء القدرة على المجابهة... فإذا نظرت إلى الاستجابة للطوارئ وعمليات الطوارئ، ستجد أنك قد تحتاج إلى [250 دولارا] لكل فرد من أجل تقديم مساعدات الإغاثة لفترات تتراوح بين ثلاثة أو أربعة أشهر فقط ". وفي الاتجاه نفسه قال الباحث في معهد التنمية البريطاني سيمون ليفين: إن " التدابير التي كان بإمكانها إبقاء الحيوانات على قيد الحياة - لتوفير الحليب والدخل لشراء المواد الغذائية - كانت ستصبح أرخص بكثير من إطعام الأطفال المصابين بسوء التغذية. ولكن الوقت المناسب لذلك قد مر والاستثمارات في هذا المجال (قبل التحذير من الكارثة) كانت ضئيلة للغاية ". وإذا كانت الدول (كجهات مانحة) أو المنظمات الدولية الغربية تقصرّ في هذا جانب الوقاية من المخاطر بسبب أن التركيز الإعلامي لا يكون بنفس الدرجة التي يكون عليها الحال عند الاستجابة للكوارث، أو لرغبتها في إثبات تأثير استجابتها بصورة جلية والذي يكون أكثر وضوحا عند وقوع الكوارث، فإنه يفترض ألا يكون ثمة عذر للمنظمات الإنسانية العربية والإسلامية في ذلك لأن الدوافع الأخوية والعقدية وعلاقات الجوار هي الناظم لتحركها الإنساني وتقديم مساعدتها لدولة مثل الصومال. ولأننا نعيش في قلب المأساة الآن فإنه ينبغي على هذه المؤسسات الخيرية والإغاثية الإسلامية التي تطلق حملاتها الإغاثية، وتوفد مبعوثيها لمنطقة الحدث خلال الفترة الراهنة أن تسير في خطين متوازيين الأول: تقديم المعونات الغذائية وغير الغذائية العاجلة والآخر: تنفيذ مشاريع الاستدامة طويلة الأجل كإنتاج المحاصيل بطرق ذكية تتناسب مع ظروف المناخ وتربية الماشية والأسماك والحفاظ على الغابات التي تمكن جميع الأشخاص من الحصول على التغذية التي يحتاجون إليها على مدار العام، كما جاء في تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة، لأن الحكمة ضالة المؤمن. ومثلما انتقل العمل الإنساني من مربع الرعاية إلى مربع التنمية في السنوات الأخيرة وصار يعمل على الارتقاء بقدرات الأفراد القادرين على العمل ليتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم معيشيا من خلال تمويل المشاريع الصغيرة المدرّة للدخل، وإقامة المشاريع لصالح المجتمعات الفقيرة التي من شأنها إحداث أثر تنموي فيها لصالح سكانها أيضا فإن على العمل الإغاثي المستنير التركيز على بناء القدرة على تفادي حدوث أزمات مماثلة في المستقبل، لأن الوقاية خير من العلاج دائما. ربما يقول البعض إن هذا الكلام ليس وقته أو ليس في محله الآن بسبب حجم الضحايا وضرورة أن تنصبّ الجهود بسرعة وفاعلية على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح تتخطفها يد المجاعة من كل حدب وصوب، لكن ردّي هو على النقيض من ذلك تماما لأننا تعودنا أن نكون منفعلين لا فاعلين، وألا نتحرك إلا عندما (تقع الفاس بالراس) وتتفاقم المشاكل ـ كما يقال ـ، لنكتفي بتقديم الحلول الإسعافية بعيدا عن التخطيط المستقبلي والعلاج الذي يستأصل المشكلة من جذورها، أو الإفادة من التجارب السابقة، مع التأكيد على أن دعوتي لا تعني بحال من الأحوال أن نغفل عن واجب الإغاثة العاجلة بالطبع. أعاننا الله وإياكم على عمل الخير وخير العمل وكل عام وأنتم بخير وعافية.

428

| 03 أغسطس 2011

رمضان.. بأية حال عدت !

ونحن قاب قوسين أو أدنى من شهر رمضان المبارك تبدو الحال مختلفة هذا العام، فثمة روح تسري في جسم هذه الأمة تعبر عن لهفة شوقها للتغيير، وتقترن بحراك جماهيري عارم يترجم رغبتها إلى فعل حقيقي على الأرض من خلال المظاهرات والأشكال السلمية الأخرى، ويشدد على محورية دورها باعتبارها مصدر السلطات، وأخذ زمام المبادرة في رفضها للظلم بكافة أشكاله وأصنافه، واستعادة كرامتها وحقوقها المشروعة، والمساهمة في النهوض الحضاري المطلوب على المستوى الدولي. كانت البداية في تونس ثم مصر، ثم ما لبثت رياح التغيير أن امتدت وانتقلت إلى كل من ليبيا واليمن وسوريا التي يتواصل فيها الغليان ويتعاظم. ولأن رمضان شهر الصبر والمصابرة ، والجهاد والمجاهدة ، والرباط والمرابطة ، والتكافل والمرحمة بين أبناء الأمة، شهر الانتصار على شهوات النفس وما حرمه الله، وشهر الانتصارات المهمة عبر تاريخ الأمة بدءا من غزوة بدر ( يوم الفرقان ) التي كانت فرقانا بين الحق والباطل، فإنه وفقا لهذه المعاني يشكّل الموسم القادم رافعة مهمة للحراك الشعبي العربي الراهن، ويمنحه مزيدا من العون والتثبيت والدعم والمدد والتأييد، ويفتح له آفاقا مهمة من الأمل والثقة بوعد الله في حتمية الانتصار على الظلم ، وانبلاج فجر جديد تتحقق فيه أمانية الخيّرة، و" ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا" وبناء على ما سبق؛ فإنه لم يكن مستغربا أن تتحدث أبواق بعض الأنظمة التي تشهد دولها ثورات شعبية منذ عدة شهور عن عزم سلطاتها الحاكمة خلال الأيام القليلة الماضية تحقيق حسم ـ ولو كان في مخيلتها ـ على هذه الثورات يسبق الشهر الفضيل، وقد جاء ذلك متزامنا بالفعل مع تشديد قبضتها الأمنية وزيادة عملياتها العسكرية ضدها، وسعيها لافتعال وقائع يُشتمّ منها رغبتها في حرف بوصلتها السلمية، والإيحاء بوجود مخططات لافتعال فتن طائفية، لعلم هذه الأنظمة أن رمضان سيمنح الجماهير الثائرة طاقة إضافية ويجعل كل يوم من أيامها يوم جمعة، لتحشيد قواها الاحتجاجية صباح مساء ، والإشارة هنا إلى صلاة التراويح ، كما سيعزز وشائج التكاتف والتعاون والتكافل الاجتماعي، ليتجسد هذا في مزيد من مساعدة الجرحى والمصابين وأهالي الشهداء والمعتقلين، واللاجئين التي اضطرتهم الظروف للانتقال إلى دول مجاورة والعيش في حياة الخيام والمخيمات بعيدا عن الوطن أو مرابع الأهل والأحبة . ويضاف إلى ما سبق؛ أن رمضان بحكم نفحاته الروحية وأجوائه الإيمانية سيزيد من اقتراب الناس من ربهم وتمتين صلتهم بخالقهم، والتعرض لمزيد من أوقات إجابة الدعاء وهو سلاح أمضى من أي سلاح خصوصا قبيل الإفطار وفي ساعات السحر، ومعلوم أن للصائم دعوة لا ترد ، كما أن دعوة المظلوم "ليس بينها وبين الله حجاب"، وما أكثر من ظلموا وأهينوا وعذبوا وشردوا بسبب آرائهم وموافقهم ، فضلا عن أن الشهر الكريم سيكون بمثابة فرصة للتذكير بمصدر القوة الحقيقي، ألا وهي معية الله للضعفاء والمساكين ممن لا حول ولاقوة لهم، في مواجهة سطوة وجبروت السلطان وقوة بأسه، ورفع الروح المعنوية للمنتفضين وتوية عزائمهم. وللصومال وأخواتها كلمة أخرى. صورة أخرى لابد أن نستحضرها مع قرب إطلالة رمضان .. شهر تفطير الصائمين، والإحساس بالجوع وبالجياع والمحرومين مع صيام النهار الذي يمتنع فيه المسلم عن تناول الطعام. وكأن الصومال لا يكفيه ما يعانيه من اقتتال أهلي وانعدام في الأمن ولجوء للسكان فجاءت المجاعة التي سببها الجفاف والقحط لتزيد الطين بلّة ، وأدرجت مناطق منه ضمن دائرة المجاعة فعليا بحسب تقديرات منظمات أممية ومنظمة التعاون الإسلامي، وهناك أكثر من ثلاثة ملايين في دائرة الخطر، وأطفال في عمر الزهور يموتون تحت نظر أهليهم وذويهم . وللذين يوافيهم رمضان وهم ينعمون بالأمن والأمان والسكينة والاطمئنان ويجدون بحبوحة فيما ينفقون على موائدهم الرمضانية نقول تذكروا أهل الصومال وتذكروا الدول الأخرى التي نزلت بها الكوارث وحلت بدارها النكبات والدول التي تعيش ظروفا استثنائية بسبب الثورات أو الاحتلال كفلسطين واليمن وغيرها تذكروهم وأنتم على موائد الأفطار والسحور وكونوا عونا لهم ، فكثير منهم بحاجة إلى شربة ماء أو وجبة غذاء ليقاوم حتف المجاعات، ورداءة الأحوال. تذكروا أن رمضان شهر الخير والجود والعطاء تبرعوا لإفطار الصائمين وعون المحتاجين ، وأنقذوا الجياع والمحرومين، وأدخلوا السرور على قلوب الأطفال المنكوبين. وقد علمنا رسول الله في حديثه أنه لا يؤمن به صلى الله عليه وسلم : "من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به " والعرب والمسلمون كلهم أهلنا وجيراننا وعزوتنا ، فالله الله فيهم . تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وسائر الطاعات وكل عام وأنتم بخير .

506

| 27 يوليو 2011

قصة حليمة الصومالية.. هل من مدّكر؟!

التحرك الإنساني البطيء لا يوازي حجم الكارثة المحدقة بالصومال "لقد فقدتُ أربعة من ستة أطفال بسبب الجوع، شعرتُ بالعجز، فليس هناك ما هو أسوأ في العالم من مشاهدة ابنك يموت أمام عينيك لأنك لا تستطيع أن تطعمه". هذه الفقرة المؤثرة ليست جزءا من قصة نسجها خيال كاتب، أو جرت فصولها في زمن غابر، أو وقعت أحداثها على أرض يفصلنا عنا ـ أعني العرب والمسلمين ـ بون شاسع. إن هذه القصة الإنسانية التي تدمي القلب بكل تفاصيلها المؤلمة حقيقية واقعية حدثت في الصومال قبل أقل من شهر، هذا البلد العربي المسلم الذي يعاني حاليا من الجفاف الذي أهلك الحرث والنسل، بسبب انحباس المطر وندرته لموسمين متتالين، وهو ما رفع من أسعار الغذاء فوق طاقة الناس، وجعل حوالي 2.5 مليون شخص في دائرة خطر المجاعة، إلى جانب 8 ملايين شخص من أبناء القرن الإفريقي الذين يشاركونه هذه المأساة الإنسانية المزمنة. بطلة القصة هي السيدة والأم "حليمة عمر " التي كانت تعدّ أسرتها الصغيرة من الأسر الريفية الميسورة بالصومال، إذ كانت تمتلك 100 رأس من الماشية، ولكن بعد ثلاث سنوات متتالية من الجفاف، لم يتبق من القطيع شيء واضطرت الأسرة إلى النزوح. وقد دفنت حليمة، البالغة من العمر 30 عاما، أربعة من أطفالها الذين ماتوا جوعا، وأصبحت الآن واحدة من آلاف النازحين بسبب الجفاف، وهي تسكن في ملجأ مؤقت في مخيم للنازحين يضم أكثر من 3.000 أسرة (18.000 شخص) بالقرب من منطقة كورتونواري، التي تقع على بعد 140 كيلومتراً جنوب العاصمة مقديشو. وعندما تتكتل المصائب على الناس وتجتمع عليهم من كل حدب وصوب تكون وطأة الكوارث أكبر عليهم دونما شك، لذا فلا غرو أن يكون أهل الصومال أكثر المتأثرين بالمجاعة في القرن الإفريقي، بسبب الحروب الأهلية الداخلية وانعدام الأمن وكثرة اللاجئين والنازحين من أبنائه. القصة تقرع أكثر من ناقوس خطر، وتنبّه إلى أكثر من أمر، لعل من أهمها: * التحرك الإنساني البطيء والمخجل الذي لا يوازي حجم الكارثة المحدقة، رغم أن أحد عشر مليون شخص مهددون بالموت جوعا وعطشا بينهم مليونا طفل.. قتل الإنسان ما أكفره.. كيف يسلم أخاه لموت محقق رغم أن شربة ماء أو وجبة طعام قد تكون كفيلة بإنقاذه. وللعرب والمسلمين هل تنتظرون لتتحركوا بفاعلية قصص أكثر تأثيرا من قصة حليمة، ونداء استغاثة أبلغ من الذي وجهه الصومالي جمال عبده غيدي إلى هيئات الإغاثة الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي قائلا: "أدركونا قبل فوات الأوان، أطفالنا يموتون جوعا، وبالأمراض، لا ماء، ولا دواء، ولا طعام". من الواجب أن نذكّر بحديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به" أليس أبناء الصومال والقرن الإفريقي هم جوارنا وجيراننا؟! نذكّر به خصوصا ونحن قاب قوسين أو أدنى من شهر رمضان المبارك، شهر الإنفاق والمسارعة في الخيرات والإيثار وتفطير الصائمين وإطعام الطعام والإحساس بجوع الجائعين ومعاناة أصحاب العوز والفاقة من المحتاجين. ورغم مسارعة جمعيات خيرية كقطر الخيرية وجمعية عيد الخيرية لتقديم المعونات هناك إلا أن الأمر يستوجب حملات إغاثية أظنها لا تغيب عن ذهن مؤسساتنا الإنسانية إن شاء الله. * أن تستحضر شعوب الأمة شكر نِعَم الله عليها، إذ أطمعها من جوع وآمنها من خوف بمنّه وكرمه، وبخاصة تلك التي حباها بوفرة الرزق وبحبوحة العيش، والتنوع الواسع في المأكل والمشرب من كافة الأصناف والأشكال. والشكر يكون: ـ بالحفاظ على هذه النعم وعدم الإسراف فيها سواء من حيث إنفاقنا الزائد على المأكل والمشرب بما في ذلك كماليات الكماليات، وعدم التخطيط لمصروفنا والمخصصات التي نحتاجها لاحتياجاتنا المعيشية العائلية، والموازنة بين الأساسية والكمالية منها، أو عدم توفر إدارة أسرية رشيدة وتدبير منزلي واع لدينا، وبحيث لا نأبه لفوائض الطعام الكبيرة التي تؤول إلى مكبّات القمامة وبخاصة ولائم الأعراس والمناسبات، وغير ذلك. ـ أن نربّي أبناءنا على تقدير هذه النعم منذ الصغر، وتذكيرهم بأن ملايين من البشر محرومون من الاحتياجات الغذائية الرئيسية الضرورية للحياة ـ وليس الكماليات ـ وضرب الأمثال بقصص الفقراء والمعوزين، والمنكوبين بسبب المجاعات المرتبطة بالقحط والجفاف ليعرفوا مقدار النعمة وما هم به من خير، ويحافظوا من ثَمَّ عليها ويصونوها، ويتحسسوا آلام غيرهم ويمدوا يد العون لهم. ـ وبالدعاء: فقد علمنا الإسلام أن نثني بدعائنا اليومي صباح مساء على الله سبحانه وعلى نعمه التي لا تحصى وآلائه التي لا تعدّ: " اللهم إني أصبحت/ أمسيت منك في نعمة وعافية وستر فأتمم نعمتك علي وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة" و" اللهم ما أصبح / أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر" وكذلك: "يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك".

1649

| 20 يوليو 2011

أطفالنا.. والضيف القادم

علينا أن نستعد لاستقبال الشهر الكريم بما يليق به احتفاء واهتماما الضيف هو رمضان الكريم الذي بتنا قاب قوسين أو أدنى من بلوغه، وأما الأطفال المعنيون فهم الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة وحتى ما دون سن البلوغ، والموضوع مهم لأطفالنا لأنه يرتبط بجانب قيمي، كما هو غاية في الأهمية لأسرهم لأنه يتعلق بمسؤولياتهم المناطة في أعناقهم وهي المسؤولية التربوية. ولأن الأطفال هم أمانة في أعناق والديهم يحبون لهم من الخير ما يحبونه لأنفسهم وزيادة.. كان من أوجب واجباتهم تحبيبهم بالعبادات وتعويدهم عليها منذ الصغر حتى يكون أداؤها مستقرا ومنتظما وسهلا عليهم عندما وصولهم إلى سن التكليف. وقد يكون للصيام خصوصيته المتمثلة في صعوبة ترك الطعام والشراب اللذين تعود الأطفال عليهما طيلة أحد عشر شهرا في السنة، وهو ما يحتاج من الأسرة معرفة السن الأمثل لتعويد الطفل على الصيام، وأهم الوسائل المعينة على ذلك، على اعتبار أن البيت مدرسة الطفل الكبرى التي فيها يرى ويسمع ويقلّد. ولأن شهر رمضان عظيم بمكانته وبركته وأجره فإن على الأسرة بدايةً أن تظهر حفاوة خاصة به، بحيث يرى الطفل سعادة من حوله بقدوم هذا الموسم السنوي المبارك، واهتماما خاصا منهم به، على مستوى الطاعات كتلاوة القرآن وصلاة التراويح والتقرب إلى الله بالصدقات وتفطير الصائمين وغيرها. هل توجد سن محددة لبدء تعويد الطفل على الصيام؟ لا يجب الصيام على الطفل إلا عند بلوغه، ولكن ينبغي تعويده عليه، ويكون بدء التعويد عند إطاقة الطفل للصيام، وعادة ما يكون ذلك في السابعة أو في العاشرة من عمره، وقد يكون أحيانا قبل السابعة بحسب بنية الطفل وعزيمته. قال هشام بن عروة: كان أبي يأمر الصبيان بالصلاة إذا عقلوها، وبالصوم إذا أطاقوا. ومن الطرق والوسائل التي تعين الأسرة على تعويد طفلها على الصيام ما يلي: ـ توضيح مكانة شهر رمضان في ديننا بأسلوب يناسب عمره وتفكيره ووعيه. ـ الترغيب: وهو أن يعرف الطفل الحكمة من الصيام والأجر المترتب عليه، وعقاب من يترك الصيام بدون عذر، وبما يناسب سنّه. ـ التدريب بالمشاركة: عندما يصوم الطفل في بعض أيام الشهر أو كلها فيجب يكون محل مصاحبة ومتابعة أبوبه وأسرته، فعن الصحابية الربيع بنت معوذ قالت: " كنا نَصُومُ ونُصوِّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن - أي الصوف - فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار". ـ التدرج في الصيام، كأن يصوم حتى الظهر، ثم حتى العصر.. وهكذا، ويكون بإمكانه الفطور متى أحس بالجوع. ـ التشجيع والمكافأة: وهناك صور كثيرة للتشجيع ومنها إعطاء الطفل هدية أو جائزة عن كل يوم يصومه، أو زيادة مصروفه اليومي وبخاصة اليوم الأول، ومدحه أما إخوته وأقرانه، وتقريب الطفل الصائم من مجلس أبويه حتى يشعر بقيمة ما عمل، مع ضرورة لفت انتباهه أن الأجر الأكبر على عمله هو ما سيناله من حسنات ومغفرة من الله ربّ العالمين. ـ استخدام أسلوب التنافس، لإثارة حماس الأطفال في مجال الصيام، كأن تخصص الأسرة لوحة في غرفة الطعام أو الجلوس تظهر عدد أيام صيام كل طفل واختيار فارس للأسبوع وفارس للشهر، ويدوّن فيها اسمه، ثم يقدم له جائزة تحفيزية مناسبة. ـ تلهية الطّفل عن الأكل والشّرب، وشغله بأمور محببة إليه كاللعب، على أن لا يبذل فيه الطّفل مجهودا كبيرا وقد جاء في الحديث الصّحيح أن الصّحابة - رضي الله عنهم- كانوا يصنعون لأطفالهم ألعابا يلهونهم بها عندما يبكون طلبًا للطّعام حتى يحين وقت الإفطار، وكذلك يمكن أن يجمع الأب الأطفال قبل الإفطار لسرد القصص المفيدة. ولكن ما سبق لا يعني عدم إطعام الطّفل إذا اشتدت حاجته للطّعام. حريّ بنا ونحن نستعد لاستقبال الوافد الكريم أن نخطط له بما لا يليق به احتفاء واحتفالا واهتماما، وأن نجعل منه مدرسة تربوية وإيمانية لنا ولأولانا وأهلينا. وحتى يكون شهر الصوم مدرسة نتطلع إلى ما هو أكبر من ذلك.. كأن يكون للأسرة برامج خاصة مع أطفالها تدربهم على أشياء كثيرة: كمصاحبة كتاب الله وقراءة شطر منه كل يوم، وصلاة التراويح، وعمل يومي تفاعلي.. كالتصدق على فقير أو تفطير صائم، أو كفالة يتيم، وأن نكون قدوة لهم بألا نتأفف من الصيام أو تضيق صدورنا ونغضب في تعاملاتنا مع الآخرين خلاله. نسأل الله أن يجعل أبناءكم قرة أعين لكم، وأن يوفقهم لمرضاته وأن يعينهم على طاعته.. والله من وراء القصد.

1505

| 13 يوليو 2011

مأزق النظام السوري في تعاطيه مع الحوار الوطني والمعارضة

رهان النظام السوري على الزمن لحل مشكلته أو التغيير الشكلي خاسر الحادثة التي وقعت في مؤتمر المعارضة المقرّبة من السلطات السورية الأحد الماضي بدمشق والتي تمثلت في انقضاض عدد من المشاركين على شخص لمجرد أن غردّ خارج سربهم، وانحاز إلى خيار الشعب وما يطالب به حراكه السلمي بضرورة إسقاط النظام، والقيام بضربه ثم الهتاف بالشعار " الله.. سوريا.. وبشار وبس".. الحادثة مثلت تعبيرا عفويا عن المعارضة التي يمكن أن تقبل بها السلطة، وما يمكن أن يفضي إليه الحوار الوطني الذي من المتوقع إجراؤه في العاشر من الشهر الحالي بإدارة نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، بخلاف الوعود المعسولة المسبقة التي تحاول أن تروج لها مسبقا. لا يبدو أن المظاهرات السلمية التي وصل عدد محتجيها الجمعة الماضية ما يفوق مليون شخص والذين هتفت حناجرهم بسقوط النظام ورحيل الرئيس السوري قد أقنعت حتى الآن السلطات السورية للتعامل بطريقة مختلفة وجدية وصادقة مع المعارضة، بغض النظر عن التأخر الكبير الذي قد يعني أن الوقت قد فات على ذلك، مع افتراض وجود النية الصادقة. ورغم كل النداءات الموجّهة من داخل وخارج سوريا للنظام بضرورة إجراء إصلاحات حقيقية لا صورية تضمن تحولا ديمقراطيا تطلق فيه الحريات وتكون للشعب فيه كلمته، وتصان فيه حقوقه كحرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي والتظاهر، إلا أن الملاحظ أن التغيير لا يتجاوز لدى النظام أشياء شكلية تشبه المكياج الذي يراد منه تجميل وجهه، وبخاصة أمام الخارج، واستهلاك الوقت في وعود مستقبلية ينظر إليها بكثير من الشك والريبة، وهو مايعيد إلى الأذهان المعارضة الشكلية التي اصطنعها حزبه الحاكم (البعث) لنفسه منذ عام 1972 ونقصد بها أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. وبسبب ذلك فإن النظام بات يعاني من مأزق حقيقي، في تعامله مع المعارضة بكافة أطيافها وتوجهاتها بسبب رفضها في المجمل التعاطي معه: ـ فالمعارضة التي تقود الشارع ترفض أي حوار مع النظام، وتطالب فورا برحيله، بل إن " تنسيقيات الثورة" ترفض أي مؤتمر للمعارضة يعقد تحت مظلته. ـ تتجه كثير من الأحزاب والفعاليات السياسية داخل البلاد وضمنها شخصيات وطنية مقدّرة لعقد فعاليات تقدم من خلالها تصوراتها لحل الأزمة السورية وتنأى بنفسها عن الحوار الوطني المزمع عقده الأحد القادم، ومن هذه اللقاءات الملتقى التشاوري لشخصيات المعارضة الذي انعقد يوم 27/ يونيو الماضي، ومؤتمر الإنقاذ الوطني الذي ينتظر عقده بعد أقل من أسبوعين. ـ معارضة الخارج تكاد تقترب مواقفها من مواقف الشارع المحتج وتنسيقياته سواء من خلال مؤتمرها الأول في تركيا أو الآخر في بروكسيل. والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الشارع المستمر في حراكه الثائر، وغالبية الأحزاب والتكوينات الحزبية التقليدية والسواد الأعظم من الشخصيات السياسية المعارضة داخل وخارج سوريا ترفض أي لقاء مع السلطة وتطلق مبادرات خاصة بها؛ فعن أي حوار تتحدث السلطة إذن؟! وعن أية معارضة تبحث أو تريد؟ حديث السلطة عن الحوار الوطني لا ينبغي أن يكون مع ذاتها أو قوى تفصّلها على مقاسها ووفق مزاجها وإلا فإنها ستظل تدور في حلقة مفرغة.. والمعارضة والحوار ليسا غاية بل هما وسيلتان من وسائل التغيير وعلامتان عليه، وإذا أصبحا ديكورا لمجرد الاستهلاك المحلي والخارجي فلا معنى لهما على الإطلاق. إن المعارضة عندما تنفضّ من حول السلطة ولا تريد الحوار معها في هذا المنعطف التاريخي المهم فإنما يعود ذلك لسياسات النظام وسلوكه، والذي يتمثل في تغليب الحل الأمني على السياسي حتى الآن في التعامل مع الحراك الشعبي السلمي والاستمرار بعقليته القديمة، وعدم الاعتراف بوجود أزمة في البلاد، أو إبداء حسن نوايا عملية لتمهيد أرضية للحوار، وبطء إجراءات الإصلاح وتأخرها وعدم اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة في هذا الصدد (الصدمة كما نصح الأتراك بذلك). حتى أحزاب المعارضة داخل وخارج سوريا اضطرت للاعتراف بتقصيرها في عملية التغيير، وبتقدم الشارع عليها في هذا المجال، واستلامه لزمام المبادرة، وضرورة أخذ مطالبه بعين الاعتبار والتحرك في سقفها في كل مبادراتها التي تطرحها للمخرج من الأزمة الراهنة. من الخطأ الفادح أن يراهن النظام السوري على الزمن لحل مشكلته أو على التغيير الشكلي، كما أن من الخطأ المراهنة على ضعف المعارضة بالنظر إلى تعدد أطيافها وتوجهاتها، أو العمل على إضعافها أو اجتذاب بعضها إليه أو محاولة تشتيتها أو تقسيمها، لأنها هذا التحول الحاصل يمر في مرحلة مخاض بعد حوالي نصف قرن من الدكتاتورية وتغييب العمل الحزبي الرسمي في سوريا، ورغم عدم قوة المعارضة التقليدية بالشكل الذي يسمح لها حاليا بإحداث التغيير الحاسم في البلاد، وتعدد المبادرات التي تطلقها إلا أن من المؤكد أن أغلبها يلتقي على كلمة سواء فيما يتعلق باليأس من إمكانية إصلاح النظام الراهن، وضرورة تغييره، وتجد نفسها مدعومة بقوة مدّ شعبي تجاوز حاجز الخوف وحراك احتجاجي جماهيري واسع يزادد توسعا في الاتجاهين الأفقي والعمودي، ما يجعل الزمن لصالحها ـ على الأرجح ـ لا لصالح النظام.

418

| 06 يوليو 2011

لمدعيي الممانعة وللمتباكين على دعمها زيفا وظلما!

خطاب نصرالله يقدم مصلحة سوريا النظام على الوطن جاء ربيع الثورات العربية ليسقط كثيرا من الأقنعة المزيفة، ويميط اللثام عن كثير من الحقائق المزورة والمغيبة وفي مقدمتها ما تدّعيه بعض الأنظمة من دورها الممانع والداعم للمقاومة ضد الاحتلال، ومواقف بعض الجهات المرتبطة بها والمتحالفة معها، كحزب الله والتضليل الذي تقوم به الأخيرة حتى يومنا هذا، في محاولة منها لمنع سقوط هذه الأنظمة بسبب ما يربطها بها من مصالح مشتركة. حتى وإن صدّقنا حكاية الدور الممانع أو الداعم للمقاومة التي تدّعيه بعض الأنظمة كالنظام السوري على اعتبار أنه موقف مبدئي لها وليس دورا مصلحيا فإن ما يمكن قوله في هذا الصدد: ـ إن قوة أي نظام من قوة شعبه وتماسك قواه الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية والعكس صحيح، ومن ثم فإن حرية الشعوب داعمة للدور المقاوم المزعوم لهذه الأنظمة، والديكتاتورية التي تورث إذلال الشعوب منافية لهذا الدور ونقيض له. ومما يروى أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة فيهم فقال له أبوه: كرّ يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكرّ إنما يحسن الحلب والضرّ، فقال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وأبلى بلاء حسنا يومئذ، فدعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه، وقد بلغ الأمر بهذا الفارس الذي نال حريته بشجاعته أنه دوّخ أعداء عبس في حرب داحس والغبراء.. لذا فإن" كل من يعتقد أنه يستطيع أن يحارب الأعداء بشعب من العبيد فهو مخطئ تماما، فلا يقاتل ببسالة إلا الأحرار". ـ كيف يستقيم أن تدعم هذه الأنظمة حقّ المقاومة حتى تُسترَد الأرض المغتصبة والحقوق المسلوبة للشعوب العربية وغير العربية، وتقوم بمنع شعوبها من حقوقهم التي أوجبتها لها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، وتسومهم القتل والاعتقال لمجرد أنهم خرجوا باحتجاجات سلمية منادين بالحرية والكرامة وغيرها من الحقوق المشروعة لهم. الأصل أن يغضب حكام هذه الأنظمة لحرية شعوبهم ويسهروا على حماية حقوقهم، لا أن يمنعوا الحقوق عن أصحابها تحت مبررات مزعومة كـ " المؤمرات الخارجية".. لقد بلغ من الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أن يطلب من غلام قبطي أن يقوم بالقصاص من ابن والي مصر عمرو بن العاص لأن الأخير ضرب الأول اعتمادا على سلطان أبيه، وأطلق كلمته المشهورة موجها إياها لعمرو بن العاص: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتم أمهاتهم أحرارا". عندما اندلعت ثورتا مصر وتونس أشار الرئيس السوري في حوار مع صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن رياح التغيير لن تهبّ على بلاده، معتبرا أن الأوضاع مستقرة فيها، وبرر ذلك بما اعتبره قربا من معتقدات شعبه، في إشارة إلى توافق الشعب معه حول القضايا القومية ودعم المقاومة ضد الاحتلال، وأكد فيها أن لديه "وقتا أكثر من الرئيس حسني مبارك لإجراء إصلاحات، لأن معارضته لإسرائيل وأمريكا جعلت موقعه أفضل في بلاده". وكان واضحا أن تقديرات الرئيس كانت خاطئة تماما، فالشعب انتفض في حراك سلمي عريض، عدّ الخامس عربيا، كما اتضح أن مدة أربعين أو خمسين عاما من الدعاية الكاذبة لحكم الحزب الواحد والأسرة والواحدة لم تكن مقنعة له بأن النظام داعم للمقاومة، كما ادعى، أو كما يحاول زعيم حزب الله أن يقنع الشعب السوري والشعوب العربية به الآن، وحتى لو كان الأمر كذلك فإن حرية الشعوب وكرامتها ليست نقيضا للمقاومة ومواجهة الاحتلال بل تسهم في دعمها وتعضيدها. موقف النظام السوري من المقاومة امتحن في أمور كثيرة ففشل، ولعل تصريحات رامي مخلوف لصحيفة "نيورك تايمز" قد فضحت جوهر وحقيقة المقاومة التي يتبناها حينما قال ":إذا انعدم الاستقرار هنا ـ بسوريا ـ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوجد استقرار في إسرائيل"، مخوفا الغرب بأن بديل النظام هم " السلفيون"، ثم اتضحت الأمور بشكل أكثر جلاء عندما ترجمت رسالة رامي مخلوف مباشرة من خلال سماح النظام السوري لفلسطينيين وسوريين بدخول الأراضي المحتلة عبر هضبة الجولان مؤخرا، وتساءل الشارع السوري حينها: لماذا لم تطلق طلقة واحدة من هذه الجبهة طيلة أكثر من أربعين عاما ولم يسمح لأحد الوصول للكيان الصهيوني عبرها إلا الآن؟ لقد أخطأ سيد حزب الله مرتين عندما وجه نصائح في غير محلها لدعم ما يدعيه النظام الممانع الوحيد في المنطقة، الأولى لأنه يريد أن يثبط من إرادة الشعوب العربية المصرة على انتزاع حريتها وكرامتها من بوابة النصيح والادعاء بالحرص على مصالح الأمة بينما يحرص في الحقيقة على المصالح المشتركة مع النظام الذي يدعمه وحلفاءه في المنطقة، والأخرى لأنه سيفقد البقية الباقية من شعبيته في الشارع العربي بعد ارتفعت أسهمها لاسيَّما بعد حرب عام 2006. كان حريا بأن يوجه نصائحه للنظام في سوريا ـ كما فعلت الحكومة التركية ـ لدفعه نحو الإسراع في الإصلاحات منذ الأيام الأولى للاحتجاجات والوقوف إلى جانب الضحية والمظلومين لا إلى جانب الجلاد، وأن يوجه النصائح لنفسه ولنظام طهران ليكفا عن دعم النظام السوري سياسيا وأمنيا بعد أن طفت على السطح صور كثيرة لهذا الدعم، وهو ما حمل المتظاهرين في شوارع سوريا للهتاف ضدهما وضد تدخلاتهما المزعجة المؤلمة. إنه بنصائحه يعين الظالم على الظلم وقد يعينه على الإمعان في خطه الاستئصالي الذي يمضي به حتى الآن قدما نحو الأمام، وهو ما قد يفضي إلى نتائج لا تحمد عقباها بالنسبة لسوريا الوطن والدولة، أي أنّه بدلا من أن يقدم مصلحة سوريا النظام والأشخاص، عليه أن يقدّم عليها مصلحة سوريا الدولة والوطن.

381

| 29 يونيو 2011

الرواية الرسمية للنظام السوري.. لماذا لا يصدقها أحد؟

النظام السوري يعتمد سياسة "الأرض المحروقة" ومبدأ "أنا أو الطوفان" رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء حركة الاحتجاجات الشعبية في سوريا والنظام السوري لا يزال يصرّ على رواية رسمية يقوم الإعلاميون القريبون منه بتكرارها وإعادة استنساخها صباحا مساء على القنوات الفضائية بقوالب مملة دون أن يستطيعوا إقناع الجماهير المنتفضة في الشوارع أو دول الجوار أو المنظمات الحقوقية والإنسانية العالمية أو المجتمع الدولي بها. الرواية الرسمية للأحداث الآخذة بالازدياد كميا والاتساع جغرافيا تتلخص بما يلي: ـ الاعتراف الخجول بحركة الاحتجاجات المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والتعتيم ما أمكن عليها، والتقليل من شأنها كميّا ونوعيّا، وحصرها بمطالب خدمية. ـ الإصرار على صبغ هذه الحركة الجماهيرية بالإرهاب والأعمال المسلحة، في محاولة لتشويه وجهها السلمي الجميل وتبرير قمع السلطة المسلح لها. ـ تبرئة ما تقوم به قوات الأمن و"الشبيحة" التي تدور في فلكها من مواجهات عنيفة للمتظاهرين وامتهان كرامتهم، وما يترافق مع ذلك من قتل وتدمير واعتقالات وتهجير وتشريد، فمن يقتله الجيش هو قطعا من العصابات المسلحة، ومن يقتل من المدنيين فإنما يقتل على يد هذه العصابات، ومن يضطر للجوء إلى تركيا أو لبنان فهو من هذه العصابات المتورطة وأتباعها أيضا. ـ هناك حركة إصلاحات شرعت بها الحكومة والنظام وعلى المعارضة والمحتجين إعطاء الفرصة لها، وقبول الانخراط فيها، كمخرج وحيد للأزمة. ـ الإصرار على ربط الأحداث بمؤامرة خارجية تستهدف سوريا. والسؤال الذي ينبغي أن يتبادر إلى ذهن النظام ويفترض أن يجيب عنه بصدق: لماذا لا أحد يصدق روايته، داخليا وخارجيا؟ وما أسباب ركوب رأسه وإصراره عليها، وما المخاطر التي تترتب عليه وعلى الشعب السوري بسبب الانسياق وراءها؟ لقد سقطت الرواية الرسمية للنظام منذ الوهلة الأولى لأكثر من سبب: ـ فرض طوق أمني وإعلامي على الأحداث الدائرة هناك، والمعلومات المرتبطة بها، حيث لا ينقل النظام في وسائل إعلامه إلا ما يريده هو فقط، وعلى هذا الأساس يحظر على وسائل الإعلام العربية الكبيرة أو العالمية حتى الآن الوصول إلى مناطق الأحداث وتغطية ما يجري فيها، كما يمنع على المنظمات الحقوقية والإنسانية من داخل البلاد من الوصول إليها، ولا تلبّي طلبات المنظمات الدولية والأممية المماثلة لزيارة سوريا لرصد ما يجري على الأرض، وتقديم المساعدات الإنسانية والإسعافية عند اللزوم. ـ ظهور ما يناقض الرواية الرسمية إعلاميا، فالصورة التي تنقل وتوثّق ما يجري في مناطق الأحداث عبر النشطاء بشكل مباشر عبر الإنترنت أو بشكل غير مباشر عبر اليوتيوب وغيره من تقنيات الإعلام الجديد ومنها للفضائيات. وكثير من هذه اللقطات كانت محرجة للنظام، سواء في امتهان كرامة المحتجين وإهانتهم، أو الكشف عن عناصر من قوات الأمن والشبيحة تطلق النار على المحتجين، أو استخدام الدبابات والطائرات لحصار المدن الثائرة واقتحامها، أو عرض بعض المشاهد المؤلمة للشهداء والجرحى ومن تعرضوا للتعذيب. ـ ظهور شهادات حقيقية تناقض ما يدعيه النظام، ومن هؤلاء شهود عيان من المواطنين من أرض الميدان التي كشفت عن سقوط وقتل المدنيين على يد قوات الأمن أو الجيش، وشهادات الصحفيين العرب والأجانب الذين تم اعتقالهم أو توقيفهم عن التعذيب في المعتقلات، والأقوال الموثقة للاجئين الذين فروا من سوريا إلى لبنان وتركيا والأردن عمّا تعرضوا له أو شاهدوه، وشهادات من قرروا ترك عملهم في الجيش من الضباط وصف الضباط بسبب ممارسات الجيش في مواجهة المحتجين السلميين. ـ ظهور تقارير لمنظمات حقوقية وإنسانية دولية، تكشف عن حجم انتهاكات النظام لحقوق الإنسان في سوريا، والممارسات اللا إنسانية ضد المحتجين وتصريحات شخصيات دبلوماسية وسياسية (خصوصا تركيا) تكذّب علنا الرواية الرسمية للنظام. إن إصرار النظام في سوريا على الإمعان في روايته الرسمية، وتكذيب كل ماسواها، ما هو إلا محاولة بائسة يائسة للتغطية على تعامله الأمني مع الأزمة القائمة وتبرير استخدامه المفرط للقوة تجاه المحتجين السلميين في الساحات، ومحاولة منه لاستدرار العطف والتأييد الدوليين باعتباره يكافح الإرهاب، رغم أن هذا لن يجديه نفعا، لأن هذه الرواية منذ البداية لم تقنع أحدا من أبناء الشعب الذين يعيشون الواقع على الأرض، أو أحدا في الخارج، وقد صارت لعبة مكشوفة بعد أن سبقه إلى استخدامها النظامان المصري واليمني. وخطورة هذا المسلك أنه لا يقدم حلاّ لمشكلة، بقدر ما يؤجج نارها ويقود إلى مضاعفات خطيرة بسببها، ولا يتوقف ضرره على النظام بل يمتد للوطن والشعب. ولا شك أن النظام الذي يعتمد سياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي في التعامل مع شعبه الثائر على الظلم والاستبداد، ويجد نفسه عاجزا عن إجراء إصلاحات وبخاصة بعد أن ولغ في الدماء، سيعمد إلى المضي قدما في هذه السياسات وهذا الأداء الإعلامي المصاحب لها حتى آخر المشوار على طريقة "أنا أو الطوفان".. ولكنّ ذلك لن ينقذه من ورطته الكبيرة بقدر ما يضاعف كلفة التغيير على الشعب والوطن. قال تعالى " والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"

457

| 22 يونيو 2011

ماذا يعني أن يصبح المواطن السوري لاجئا ؟!

الشعب السوري تحول من حاضن لإخوانه إلى لاجئ لدى الغير بسبب القمع كتب صديقي السوري المقيم في تركيا على صفحة الفيسبوك الخاصة به مع بداية حركة لجوء السوريين: "لا أعرف لماذا دمعت عيناي وأنا أستمع إلى مراسل إحدى القنوات التلفزيونية وهو يقول: أحدثكم الآن من أمام مخيم اللاجئين السوريين في تركيا". والحقيقة التي أذهلته وأجرت دمع عينيه ربما تتلخص في المأساة التي تجتاح بلاده طولا وعرضا وما يصاحبها من معاناة إنسانية بالغة تضطر المدنيين اليوم وبخاصة النساء والأطفال والشيوخ لدفع ضريبتها الباهظة.. فبدلا من أن يكون المواطنون السوريون أعزّة مكرمين في بلادهم يتحولون بين عشية وضحاها إلى لاجئين لتركيا وقبلها الأردن ولبنان بحثا عن ملاذ آمن، بسبب السياسات الكاذبة الخاطئة للنظام السوري وتعامله اللاإنساني مع شعبه، وهربا من قسوة عنفه الأمني، وخشية من لظى حربه التي يصطلي بها، ردا وعقابا على احتجاجاته السلمية ومطالباته بكرامته الإنسانية وحقوقه المشروعة التي افتقدوا جزءا كبيرا منها، منذ حوالي نصف قرن، أو أربعة عقود على أقل تقدير. لقد كشفت أحداث جسر الشغور عن حجم الأزمة الإنسانية التي ارتبطت بحراك الشعب السوري الذي بدأه قبل ما يزيد على ثلاثة شهور، وبالوقت نفسه عن حجم مأزق النظام الحاكم في دمشق.. ولكي يتضح ذلك بصورة أكثر جلاء ووضوحا نشير إلى ما يلي: ـ لقد تحولت مدينة جسر الشغور إلى مدينة أشباح منذ أن بدأ يتردد إلى مسامعها عزم السلطات السورية تسيير حملة عسكرية لقمع مظاهراتها، حيث لم يبق من سكانها الذين يعدون خمسين ألفا سوى ألف شخص أو أقل، فيما توزع الباقون بين نازحين (في مدن سورية أخرى) أو لاجئين إلى تركيا (حيث تشير الأرقام إلى وجود أكثر من 5000 لاجئ و10.000 شخص ينتظرون على الحدود والأرقام مرشحة للتزايد)، ولن نتحدث عن قرى وبلدات محيطة بجسر الشغور التي عانت هي الأخرى من حركة فرار مماثلة لنفس الأسباب. ولعل حركة اللجوء والنزوح الاستباقية التي اتسمت بهذا الحجم من الكثافة البشرية تكشف عن إجراء وقائي قام بها السكان المدنيون بعد أن سمعوا ـ ورأوا عبر مقاطع الفيديو تيوب ـ عن فظائع ما تم في محاصرة واقتحام محافظات وبلدات أخرى كدرعا وتلكلخ وحمص وبانياس، والعقاب الجماعي الذي طال أهلها ـ ومازال ـ وما عاينه الناس قبل ذلك بأم أعينهم عن كثب من قمع للمظاهرات وقتل وجرح المئات من المحتجين واعتقال الآلاف بسببها. ـ كشف اللاجئون من خلال شهاداتهم عن حجم الانتهاكات اللاإنسانية التي ترتكبها قوات الأمن و"شبيحة" النظام وتؤكد على ممارسات لا تقل فظاعة عما واجهته براءة الأطفال متمثلة في حمزة الخطيب وثامر الشرعي، أو ما تعرض له الناس في مدينة البيضا قرب بانياس أو باب عمرو بحمص من إهانات وإذلال تجرد من قام بها من أبسط معاني الإنسانية والرحمة كالدوس على الرؤوس بالأحذية وتعذيب كبار السن، وتحدثوا عن حملات الترهيب للآمنين وحرق المحاصيل والقتل الذي طال البهائم، وهو ما يجعل الجناة مكشوفين بالأسماء والألقاب، وبحيث يصعب عليهم أن ينجوا من يد العدالة في سوريا مستقبلا، أو لدى المحاكم الدولية طال الزمن أو قصر كما ذاقها غيرهم من الطغاة. ـ كشف اللاجئون أيضا عن زيف الرواية الرسمية للأحداث والتي يصر إعلام النظام وأبواقه عليها مثل: السكان هم من يطلبون من الجيش التدخل العسكري في مدنهم وقراهم لتخليصهم من العصابات، وهنا نتساءل على سبيل المثال لا الحصر: كيف يستقيم أن يطلب السكان ذلك بينما لم يبق في جسر الشغور عندما وصلها الجيش سوى 10 بالمائة منها في أحسن الأحوال فيما فر الباقون نجاة بأرواحهم؟! ـ أكدت أحداث جسر الشغور عن عدم وجود عصابات مسلحة ـ كما دأب على ذلك النظام منذ اليوم الأول للاحتجاجات، وأظهرت أن ضحايا الجيش والأمن الذين يحاول النظام أن يبرر بهم عنفه ضد المدنيين من المحتجين سلميا في طول البلاد وعرضها هم في الأغلب أحد صنفين إما عناصر رفضت الانصياع للأوامر بقتل المدنيين من أبناء الشعب فقتلت بسبب ذلك فورا، أو عناصر انشقت عن الجيش وقوات الأمن بعد أن ضاقت ذرعا بما قاموا به في درعا وغيرها، وبخاصة أن جزءا منهم هم من أبناء جسر الشغور وما حولها فقرروا الانشقاق وحماية المدنيين من أهليهم وذويهم وأرحامهم وتأمين خروج آمن لهم، كما صرح بذلك المقدم المنشق حسين هرموش. إن حركة نزوح ولجوء السكان السوريين مؤخرا بعشرات الآلاف ما هي إلا إحدى الإفرازات السيئة لممارسات النظام في مواجهة الاحتجاجات الشعبية الآخذة في التوسع والانتشار، وهي بقدر ما تترك من مضاعفات إنسانية على المدنيين الذين يضطرون لمغادرة بيوتهم وقراهم ومصادر رزقهم فإنها تزيد من فضائح النظام وتعري أكاذيب دعايته على رؤوس الأشهاد أمام شعبه والعالم. يعزّ على الشعب السوري الذي كان حاضنا للاجئين من إخوانه العرب طيلة عقود وبخاصة الفلسطينيين والعراقيين بسبب سياسات وتأثيرات استعمارية بغيضة، أن يصبح الآن لاجئا لدى غيره، ليس بسبب محتل اقتلعه وهجّره من أرضه، وإنما بسبب السياسات القمعية لمن يحكمه وعدم قبوله الإصغاء لأشواقه في الحرية والعدالة.

682

| 15 يونيو 2011

سوريا.. حصيلة ثلاثة أشهر من التظاهرات الشعبية

النظام السورى كرر أخطاء القذافى وصالح فى استخدام العنف ضد الشعب حوالي ثلاثة أشهر على اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا , ومازال الشعب في جهة والنظام في جهة أخرى. كان بإمكان السلطات في دمشق أن تعي الدرس مبكرا وتستخلصه مما حدث في تونس ومصر، وما كان يحدث ـ وما يزال ـ في اليمن وليبيا.. وتقوم بإصلاحات جدية وملموسة وسريعة لتنتزع فتيل الأزمة.. و لكنها لم تفعل، مكررة نفس أخطاء غيرها خصوصا التعامل الأمني المفرط في القسوة. واقع الحال يشير إلى استمرار المظاهرات واتساع نطاقاتها سواء من حيث ضخامة أعداد المنتظمين فيها، أو الوصول إلى مدن ومناطق وقرى أخرى، أو تحولها من أسبوعية إلى يومية، رغم القمع الشديد وموجة الاعتقالات، وشلالات الدماء، وحصار واقتحام المحافظات بالدبابات والفرق العسكرية والعقاب الجماعي لسكانها. كما أن هذه الثورة الشعبية تتجه لتنظيم صفوفها على امتداد الوطن، وكسب مزيد من التأييد والالتفاف الداخلي والخارجي يوما بعد يوم... فثمة أطر لتنسيق حراكها النضالي الداخلي بين الساحات المختلفة بدأت بالتشكل مؤخرا، وثمة تحرك لمعارضة الخارج المحرومة من دخول بلادها منذ عقود لتنسيق جهودها وحشد واستيعاب كافة التيارات والطاقات خارج الوطن لدعم الثورة سياسيا وإعلاميا وحقوقيا، ومساندتها أمام الهيئات والمحافل الدولية كافة، وتنظيم التظاهرات الاحتجاجية..وهو ما ظهر جليا في مؤتمري أنطاليا وبروكسل. وإلى جانب ما سبق تتصاعد يوما بعد يوم إدانات المنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني العربية والإسلامية والدولية لتغول النظام على حقوق الإنسان بسوريا، وتلوح في الأفق نذر تحريك شكاوى ضده، فيما تتسع الإجراءات الدبلوماسية وتشتد من قبل دول غربية بما في ذلك فرض عقوبات على رموزه، وتتحول مواقف بعض حلفاء النظام كتركيا والتي أعلنت أنها لن تسمح بتكرار مجازر جديدة كمجزرة حماة التي وقعت عام 1982، وتطالبه بإصلاحات فورية تحدث فعل (الصدمة)، فيما طالبت روسيا دمشق بأن يقترن حديثها عن الإصلاحات بالأفعال. وعلى الصعيد الشعبي هناك استنكار من جهات برلمانية عربية كما حصل في الكويت، والتي دعت لطرد السفير السوري، وشجب من جهات حزبية ونقابية ومن مثقفين وإعلاميين، ومن اللافت صحفيا ألا تخلو وسيلة إعلام من مقال يعالج تطورات القضية السورية، وينتقد بعض ما يجري ضد المواطن السوري من قتل وتدمير، وإصرار على الاستجابة لمطالبه المشروعة، وقد خسر النظام بذلك كثيرا ممن كانوا يدافعون عنه كنظام مساند للمقاومة ويغطون الطرف عن سجله السلبي في مجال حقوق الإنسان. لقد أعطى المواطن السوري في الأيام الأولى لاحتجاجاته السلمية فرصة للنظام كي يجنح للإصلاح , لكن حصاد ثلاثة شهور كانت مخيبة للآمال على النحو التالي: ـ وعود شكلية وخلّبية بالإصلاح ومعالجة التجاوزات لكنها بقيت مجرد أقوال لم يبرهن على أي منها عمليا، بل وأكثر من ذلك فقد كانت كثيرا من الممارسات الفعلية لأجهزة النظام على النقيض من تلك الوعود، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن التحقيقات التي قيل إنها ستجرى بشأن أحداث درعا والتجاوزات التي وقعت فيها باعتبارها الشرارة التي أشعلت وهج الثورة لم يتم بشأنها شيء حتى الآن، ورغم الحديث عن رفع حالة الطوارئ في البلاد إلا أن الاعتقالات بعد الرفع زادت بمرات عديدة عما كان عليه الحال قبلها، وفيما يخص الحوار الوطني مع المعارضة والذي أعلن النظام عنه فإنه لم توجّه دعوات للشخصيات الحزبية الفاعلة في الداخل والخارج، ولم يتم مثل ذلك بغض النظر عن إعلان المعارضة رفضها له مؤخرا لأسباب كثيرة. ومقابل حديث النظام عن إفراجات وإطلاق سراح معتقلين سياسيين في إطار عفو رئاسي ـ أو من دونه ـ بالعشرات أو المئات فإن حملات الاعتقال متواصلة بوتيرة تفوق أضعاف ما يتم الإفراج عنهم، وإزاء حديثه عن قانون وشيك للتعددية الحزبية يصر على إبقاء المادة الثامنة في الدستور دونما تغيير، وهي التي تكرس وصاية حزب البعث (الحزب القائد للدولة). ـ التعامل الأمني العنيف مع المتظاهرين والذي طال حتى الشيوخ والأطفال والنساء وأوقع أكثر من 1300 مدني على الأقل (ارتفاع عدد الشهداء في الآونة الأخيرة مثلما حدث في الرستن وحماة وجسر الشغور)، وإهانة الكرامة الإنسانية وهو ما كشفت عنه لغة الشتم وصور الدوس على الرقاب والرؤوس بالبساطير، والإصرار على رواية رسمية تبرر هذا العنف بسبب وجود " عصابات مسلحة" و " مندسين" بخلاف شهود العيان وتقديرات المنظمات الإنسانية والحقوقية. مجمل ما سبق جعل فرصة التفاهم بين النظام في سورية من جهة، والحشود الجماهيرية الثائرة سلميا في الشوارع والساحات والجهات المعارضة داخل وخارج البلاد من جهة أخرى شبه معدومة وهو ما يبرر إصرار هذه الجهات على رفع مطلب واحد وهو إسقاط النظام، ووصم دعواته للإصلاح وإطلاق دعوات الحوار الوطني بالتأخر والمراوغة والشكلية، والتناقض الكلي مع ممارساته القمعية، ومحاولته كسب الوقت لتجاوز مأزق اللحظة الراهنة... وهذا الواقع بكل مسبباته وتداعياته التي يتحمل النظام وزرها قد تجعل منه الخاسر الأكبر، وتكلفة التغيير السلمي أضخم.

476

| 08 يونيو 2011

سقطات إعلام رسمي يعيش أشد لحظاته بؤسا

يبدو أن الإعلام السوري يعيش أشد لحظاته بؤسا.. والسبب بمنتهى البساطة أنه يحاول قلب الحقائق الواضحة، بأسلوب دعائي فج يصل حد الوقاحة، مشوها صورة انتفاضة شعب خرج في الشوارع والساحات والأزقة يهتف لحريته المسلوبة ويطالب بكرامته المفقودة، فيدافع الإعلام عن الجلاد الذي يواجه المحتجين السلميين بالرصاص الحي، ويحاصر المدن الثائرة بالدبابات ويمنع عنها الماء والغذاء، ويعتقل ويمارس أقسى صنوف التعذيب بحق معارضيه الذين ضاقت بهم السجون والمعتقلات. إعلام ما زال يعيش بعقلية " لا أريكم إلا ما أرى " ويريد من العالم بأسره ـ وليس السوريين فقط ـ أن يصدق روايته فقط ـ بغض النظر عن فبركاتها ـ، ويكذّب الصور الحيّة في عهد الاتصال المباشر والإنترنت والإعلام الجديد والذي صار بمقدور أي شخص فيه ـ وليس الصحافي ـ وبمنتهى السهولة أن ينقل الوقائع التي تحدث على الأرض للعالم فورا، ويحرز سبقا في ذلك. سقط إعلام النظام من اللحظة الأولى لاندلاع الاحتجاجات لأنه منعَ ـ وما يزال ـ مراسلي الفضائيات ووكالات الأنباء العربية والدولية من الوصول لميادين الاحتجاج ومقابلة المتظاهرين، وحجبَ عدساتهم التي يمكنها تصوير المشاهد العنيفة لأجهزة أمنه وهي تتصدى للجماهير المنتفضة، وبالتالي نقل الرواية الأمينة للأحداث إلى العالم. كما سقط منذ بدء المظاهرات عندما عزل شخصيات إعلامية تمثل جهازه الرسمي لمجرد أنها قالت جملة خارج سياق نص مطبخه الدعائي كرئيسة تحرير صحيفة تشرين سميرة المسالمة التي كانت كل جريرتها أنها طالبت أجهزة الأمن بالقبض على "العصابات السلفية المسلحة" التي ادعت الأجهزة أنها هي من تتسبب بمقتل المدنيين. في لحظات الأزمات يفترض بإعلام المؤسسات والأنظمة أن يكون أكثر صدقا وشفافية، لأن أي خطأ أو كذب أو التفات على الحقائق والوقائع الصحيحة أو دعاية تأتي بمفعول عكسي، لكن مشكلة الناطقين الإعلاميين المكلفين من النظام السوري بالظهور على الفضائيات العربية والدولية والذين لا يزالون يعيشون بعقلية إعلام الحزب الواحد، خارج حدود الزمان الذين هم فيه، يعتقدون أن بإمكان إجادتهم لفن الفبركات والبلاغة الدعائية وسلاطة اللسان إقناع الناس، بينما هم في حقيقة الأمر يزيدون من قتامة صورة النظام وعزلته وانفضاض الناس من حوله. سقطات الإعلام الرسمي والناطقين والمدافعين عنه من الكتاب والباحثين كثيرة.. نكتفي بالإشارة إلى بعضها للتدليل، ليس إلا: ـ عندما عزلت سميرة المسالمة ظهر من يتحدث منهم بأن: (إقالة المسالمة يثبت أن قطار الإصلاح قد بدأ في سوريا فعلا)، بينما هي صرحت بعظمة لسانها أنها عزلت بمكالمة من مسؤول أمني وليس من وزارة الإعلام. ـ تكذيب الصور ومنها قيام جنود بإهانة محتجين ببساطيرهم العسكرية بالبيضا، وقد قال أحدهم: إن الجيش والأمن لايمكن أن يهينا شعبه، وهو مستعد للاعتذار إذا ثبت غير ذلك، وأكد أن هذه الصورة جاءت من العراق وأن أولئك المجرمين هم من رجال البشمركة. وما هي إلا ساعات حتى ثبت قطعيا أن الصور صحيحة ومن البيضا التابعة لمدينة بانياس بالفعل، وحينما ظهرت صور أخرى لجنود مسلحين يضربون مدنيين ويطلقون الرصاص عليهم لم يتورع أحدهم عن الحديث بإمكانية فبركة مثل هذه الصور، فيما اكتفى آخر بمطالبة لجان التحقيق بفتح تحقيق بشأنها، إن ثبت أنها صحيحة، في محاولة منه للهروب نحو الأمام. ـ التأكيد على أن رقعة المظاهرات والاحتجاجات ستتقلص أو تقلصت مع تدخل الجيش، وعندما تواصلت هذه الاحتجاجات وازدادت كمّا واتسعت امتدادا جغرافيا، لجأ هذا الإعلام إلى التهوين من أعدادها، في مقارنة سقيمة بالعدد الكلي للمواطنين السوريين، منوها بأن هناك " أغلبية صامتة" لا تتظاهر، بينما حقيقة الأمر أن هذه الأغلبية والتي لم تتظاهر بعد يمكن إدراجها ضمن مصطلح " الأغلبية الخائفة" بسبب بطش النظام بحسب الكاتب الأردني ياسر الزعاترة. ـ الادعاء بأن الجيش دخل المدن كدرعا وبانياس بناء على طلب مواطنيها لتخليصهم من متطرفي هذه المناطق، بينما كان رد أهلها ببيانات تكذّب ذلك وتنفي وجود التطرف وتطلب من الجيش بدلا من ذلك التوجّه إلى الجولان. ـ نعت المتظاهرين بمحدودي الثقافة والتعليم للتهوين من شرعية الثورة الشبابية، بينما الحقيقة أن هذا الكلام ليس سوى مزاعم غير صحيحة، لأن كثيرا من التظاهرات انطلقت من الجامعات كجامعتي حلب ودمشق، ومثل هذه الشرائح تشارك في تظاهرات المدن أيضا. ـ اتهام الفضائيات التي تنقل ما يحدث في سوريا كالجزيرة بالتحريض وإثارة الفتن والاشتراك في المؤامرات الغربية ضد سوريا كدولة ممانعة بينما تقوم هذه الفضائيات بواجبها المهني والأخلاقي تجاه كل الثورات العربية ـ وما تزال ـ بدءا من تونس. ويضاف إلى مآزق هذا الإعلام التعامل الأمني السيئ من المراسلين العرب والأجانب الذين تم توقيف واعتقال عدد منهم بسبب تغطياتهم الخبرية، وشهاداتهم على تعذيبهم أو التضييق عليهم، فضلا عن سرد فظائع ما يلاقيه المحتجون السلميون في السجون السورية.

489

| 01 يونيو 2011

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8643

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4485

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1380

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1248

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1056

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

957

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

846

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

729

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

654

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

648

| 13 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

636

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان...

531

| 10 مارس 2026

أخبار محلية