رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إسرائيل إذ تعادي نفسها أولاً

حين أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على غزة، بعد عملية إيلات، لم تسع فقط إلى الانتقام بل إلى افتعال أزمة كبرى تبرر شن حرب جديدة على القطاع، والهدف غير المعلن من هذه الحرب دفن الخطة الفلسطينية – العربية بالتوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف دولي بـ "الدولة الفلسطينية" وحين تقصد الإسرائيليون قتل جنود مصريين في سيناء كان الهدف اختبار المجلس العسكري الحاكم في مصر وكذلك الرأي العام المصري في التوجهات الجديدة بعد الثورة. كان أيضا بين الأهداف إخماد الاحتجاجات الداخلية ذات الطابع المطلبي والاجتماعي، وهو ما تحقق إلى حد ما، من دون أن يتأكد لحكومة نتنياهو – ليبرمان أنها تجاوزت فعلاً ما سمي "الربيع الإسرائيلي" لكن الأهداف الأخرى الخارجية، شكلت خيبة أمل، إذ اضطر نتنياهو للتصريح بأن حرباً على غزة لا مجال حالياً لأن تستند إلى تفهم دولي أو غض نظر أمريكي، أما العلاقة مع مصر فكان خطأ أن تبادر إسرائيل إلى زعزعتها وفي هذا الوقت تحديداً، بل على العكس كشف الحدث ما كان معروفاً، وهو أن إسرائيل لا تحسن التعايش حتى مع الدول المجاورة التي تربطها بها معاهدات سلام. في غمرة "الربيع العربي" افتضحت إسرائيل بأنها لا تملك أي استراتيجية للتعامل مع المتغيرات، فهي حائرة بين خوفها من عرب ما بعد الثورات والانتفاضات، وبين سعيها إلى تحقيق مكاسب من هذه المرحلة العربية الغامضة، صحيفة "هاآرتس" نصحت في إحدى افتتاحياتها بأن أفضل ما يمكن أن تفعله إسرائيل الآن هو أن تخفض من استعراضات القوة التي تقوم بها، وأن تحاول رسم صورة جديدة لنفسها بأوضح ملامح سلمية ممكنة، أما صحيفة "نيويورك تايمز" فسلطت الضوء على البلبلة الاستراتيجية التي تمر بها إسرائيل التي تريد الشيء ونقيضه في آن، ذلك أن التغيير في مصر لم يعن بالضرورة أن إسرائيل باتت تواجه تجدد احتمالات الحرب، بل تواجه ما قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة إليها، أي تجدد احتمالات "السلام الحقيقي" بما يعنيه من تحجيم لإسرائيل وتقنين لجدوى قوتها العسكرية. في هذا السياق يأتي الفشل الذريع في الحفاظ على العلاقة مع تركيا، فهذه دولة كانت إسرائيل تعتبرها حليفاً ولم تكن تراها أبداً ذات سياسة عربية، بل فهمت "التحالف" معها على أنه عنوان قطيعة دائمة وأبدية بين تركيا والعرب، الواقع أن أنقرة لم تغير سياستها جذرياً في مقاربتها لجناحها الشرقي الذي تخاصمت معه على خلفية التاريخ العثماني والتوجه الأتاتوركي إلى الغرب الأمريكي والأوروبي. ثم أنها لم تر غضاضة في أن تحافظ على مصالحها مع الغرب فيما هي تتصالح مع العرب، والأهم أنها لم تجد تناقضاً بين أن تقيم علاقة كانت تتصف بالاستراتيجية مع إسرائيل، وأن تتعاطف في الوقت نفسه مع الحقوق الفلسطينية، فثمة خطيئة تاريخية ارتكبت في فلسطين ولابد أن الوقت حان لإصلاحها، هنا أيضا ليس وارداً أن ينزلق التغيير في السياسة التركية إلى حد تحوله تهديداً عسكرياً للدولة العبرية، لكن هذه رفضت الاعتراف بهذا التغيير، ولاتزال تنكر على أنقرة حقها في رسم السياسة العربية التي تحقق لها مصالح سياسية واقتصادية، وهذا في حد ذاته ينم عن عقلية مهترئة ومنفصلة عن واقع المنطقة وحركة شعوبها. لعل الفشل الأكبر لإسرائيل يكمن في عدم وجود مفهوم واضح لديها لمسألة "التعايش مع الجيران"، وفقاً لتوصيف كتبه أحد المحللين الإسرائيليين.. وإلا فكيف يمكن أن ينطلق المصريون والإسرائيليون في وقت واحد لمطاردة "المجموعة المتطرفة" ذاتها ثم يقدم الإسرائيليون على قتل جنود مصريين، هل هذا نقص في التنسيق، أم مجرد تهور وجنون إسرائيليين، في أي مرة قادمة لا يمكن استبعاد حصول اشتباك قابل للتطور والتصعيد، الأخطر أن ما حصل إثر عملية إيلات، خصوصاً من الجانب الإسرائيلي، دل على أن إسرائيل تتصرف أكثر فأكثر كعصابة لا كدولة، ليس فقط في ما تعتبره ساحة حرب دائمة ومفتوحة وإنما خصوصاً في مجلس الوزراء، لكن حتى العصابة استنتجت أخيراً أنها لاتستطيع أن تكرر الحرب التي خاضتها قبل سنتين ضد قطاع غزة، رغم أن مجرم الحرب ايهود باراك لايزال في منصبه ولايزال يعتقد أن جيشه هو "الأكثر أخلاقية" مع كل ما ارتكبه في تلك الحرب، غير أنه في اختبار الحدود مع مصر كان فاشلاً حتى وهو يقتل أكثر. أكثر ما يقلق إسرائيل أن يكون الشرق الأوسط في حدود التغير من دون أن يكون لها دور في هذا الحراك، ومن دون أن يسعفها تفوقها العسكري ولا انحياز أمريكا ولا التعامي الأوروبي لـ "قولبة" المنطقة وفقاً لمصلحتها، صحيح أن العداء لها ليس أولوية في مطالب الثورات، لكن التصالح معها وفقاً لشروطها وعلى أساس قبولها بجرائمها وعربدتها لا يمكن أن يكون بين أولويات الثورات أو ما بعد الثورات، إنها أمام وضع لا تستطيع فهمه بالعقلية التي أدارت بها شؤونها منذ نشأتها حتى الآن، لكنه وضع يحير الجميع بمن فيهم المنخرطون في الثورات ذاتها، والأفضل منحه الفرصة ليبلور مفاهيمه، فأهم ما فيه أنه يعد بتغيير في الاتجاه الصحيح، المبني على أنظمة مدنية منتخبة تطمح إلى بناء "دولة القانون" واحترام حقوق الإنسان، والتصالح مع العصر، كل ذلك ترى فيه إسرائيل تهديداً لا تستطيع شيئاً حياله. خلال الأسبوع الماضي نشرت "يديعوت أحرونوت" تحقيقاً لمراسلها من طرابلس يقول فيه إن الثوار الليبيين استقبلوه بحرارة، وأنهم رحبوا به بعد ختم جوازه، لم يقل إنهم رحبوا به لكونه إسرائيلياً، أو أنهم ختموا جوازه الإسرائيلي، فهو على الأرجح استخدم جوازاً آخر، كما هي عادة الصحفيين الإسرائيليين.. مع ذلك، وعلى افتراض أنهم عرفوا هويته الحقيقية فإن الترحيب به في هذه الأيام لا يمكن أن يعني أن سياسة جديدة ودائمة باتت معتمدة في ليبيا ما بعد القذافي. واستطراداً، بات معروفاً الآن مآل كل عمليات التطبيع التي حصدت فيها الحكومات العربية عداء مجتمعاتها من دون أن تتمكن من تحقيق أي من الأهداف التي قالت إنها تطبع من أجلها.. أكثر من ذلك، لا يمكن أن تعني شيئاً زيارة صحفي في ظروف كالتي تعيشها ليبيا الآن، طالما أن حكومة نتنياهو – ليبرمان تراكم فشلاً بعد فشل في التطبيع الرئيسي المطلوب منها.. مع الفلسطينيين.

325

| 29 أغسطس 2011

ليبيا في لحظتها التاريخية

لا يمكن تصور مصلحة لأي تيار سياسي في أن يكون مصدر خوف للناس كان اندلاع الثورة الليبية حلماً في حد ذاته، لكنه تحقق، وها هو حلم آخر في طريقه إلى إسقاط نظام معمر القذافي، ليرتسم الحلم الأكبر والأهم بإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة كل الليبيين بلا استثناء ولا إقصاء. كان الليبيون، عندما ثاروا تجاوزوا أنفسهم وفاجأوها، كسروا الحواجز والعقبات التي بناها النظام لخنق توقهم إلى الحرية، وها هي الشهور الستة مضت كأنها دهر تعمد خلاله شباب ليبيا بالدم والنار والعذاب في سبيلهم إلى التقاط هذه اللحظة التاريخية في حياة وطن. تشهد ليبيا، ويشهد العالم معها نهاية النظام المستبد الأرعن، وكأنها نهاية مكررة لاستعمار تنكر بلبوس الوطنية تارة والقومية تارة أخرى، لكنه في كل الأحوال كان استعماراً داخلياً كما هي مع أبشع ممارسات الاستعمار الأجنبي بل ذهب أبعد منها. في اللحظات الراهنة بات سقوط النظام هدفاً ثانوياً، الأهم دخول طرابلس دخول الأهل والإخوة إلى الدار، فالعاصمة عانت أكثر من سواها قبضة النظام الباغي وجلافة أزلامه ووعيد أجهزته وعسسه وانتهازييه.. الأهم أن يعي الثوار أن البلد أصبح في كنفهم وليس متاحاً لأي منهم أن يضيع هذه الفرصة. المخاوف كبيرة، كبيرة جداً، لدى القوى الغربية التي ساعدت الثوار، فهم أدهشوها بالقدرات التي أبدوها وأنجزوا، لكنهم أذهلوها أيضا بما انطووا عليه من انقسامات تعتقد أن ما ظهر منها إلى العلن كافٍ لتوقع الأسوأ، قدم الليبيون تضحيات هائلة، لم تعرف كلها بعد، لكنهم مدعوون إلى التضحيات الأكبر إذا كانوا يريدون أخيراً وطناً يتسع لهم جميعاً. لا يزال هناك توجس لدى المخططين الذين ينظرون إلى الخرائط على أنها رقعة شطرنج، يقولون إن اللعبة الحقيقية تبدأ عندما تبقى حفنة قليلة من الأحجار، وعندما يصبح "الملك" المحور المباشر لمختلف الحركات، قد ينطبق ذلك على القذافي الذي اختفى وراء الأحداث طوال الفترة السابقة، لكنه قد يختار الآن أن يطيل معركة النهاية ريثما يبلور النهاية التي يختارها لنفسه. الانطباع في طرابلس وخارجها أن القذافي لم يعد في المدينة منذ أسابيع، وأنه يبث خطبه الصوتية مسجلة أو عبر الهاتف والشائعات كثيرة، منها أنه تعرض لمحاولة قتل عن قرب لكنه نجا منها بعدما أصيب، ومنها أنه مريض جداً، أين يرجح أن يكون؟ يقال إنه في سبها، وأن معظم أفراد عائلته معه، ومن هناك يستطيع أن يغادر من دون أن يلفت الأنظار، لكن وجوده هناك ألا يلفت الأنظار الآن، هذه أيضا قد تكون إشاعة. لم يعد مهماً أين هو، المهم ألا يكون طبعه الشرير تحول إلى انتحارية شمشونية تسعى إلى أن تهدم المعبد عليه، وعلى خصومه، فمن المنطقي جداً أن يفكر بمشهد ختامي، هو الذي خطط طوال حكمه لتوليه البلاد والعباد في الشكل الذي تخيله، وفي النهاية تبين أن فشله كان عظيماً، الأهم أن يكون حراكه الأخير فشلاً آخر أكبر. أعداء الثورة عيروها باللجوء إلى الخارج، إلى الغرب، إلى أمريكا وحلف الأطلسي، لا داعي للعودة إلى الجدل العقيم إياه، الخيار الآخر لم يكن موجوداً في أي لحظة، القذافي قفز فوراً إلى تحقير مواطنيه، والنكتة الليبية تقول: بن علي قال للتونسيين فهمتكم، مبارك قال يا شعب مصر العظيم، والقذافي قال من أنتم؟. نعم سأل في إطلالته المتلفزة الأولى: من أنتم؟ بعدما كان نعتهم بأفظع الأوصاف، لعله عرف الآن من هم، وبالأخص ذلك الشاب الذي يظهر مراراً في الكليبات التليفزيونية قائلاً: جايينك في عقر دارك، قبل 17 فبراير لم يكن هذا الشاب يتصور أنه سيعيش ليرى نفسه مقاتلاً لاستعادة وطنه وحريته. شاء القدر الجغرافي والتاريخي لليبيا أن يكون مصيرها الوطني متداخلاً دائماً بلعبة المصالح الغربية، خصوصاً للدول القريبة منها والتي خاضت حروباً في ما بينها على أرضها، لكن الليبيين توصلوا دائماً إلى تغليب وحدة أرضهم ووطنهم، بل إلى انتزاعها من باطن منازعات القوى الخارجية، كانت الفترة القذافية فاصلة استثنائية لا لزوم لها في تاريخهم، ويخطئ من يظن أن القوى الخارجية كانت بعيدة عنها، بين الملكية الهادئة المستكينة والقذافية الصاخبة الدموية، حان الوقت لليبيا المدنية الديمقراطية التي تريد التصالح مع مستقبلها، أراد القذافي وأبناؤه أن يجعلوا من القبلية مطية للانقسامات التي تمكنهم من البقاء في الحكم، وأن يجعلوا من التدخل الخارجي فزاعة لتثبيط العزائم، لكن الطموح الوحيد الذي وحد حتى بين المختلفين هو ضرورة الخلوص من هذا النظام الذي بدد ثروة الشعب على كل شيء عدا التنمية. في هذه اللحظة الدقيقة أصبح ضرورياً أن تظهر الثورة قائداً وقيادة قادرين على إشاعة الثقة، فالأيام المقبلة هي الأحلى والأغلى لكنها الأصعب، ولا يمكن للثورة أن تنتصر وتثبت انتصارها من دون أن يكون لها وجه وصوت، شكل للمجلس الوطني الانتقالي خطوة ضرورية، ذكية ومتقدمة، لعبور المرحلة الماضية، وسيكون له دور حيوي وحاسم في استيعاب مختلف الأطياف إلى أن يسلم المقاليد للحكم المنتخب، ولأجل ذلك سيكون عليه أن يتهيأ لاحتضان طرابلس وأبنائها، وأن يلزم تياراته كافة بالانضباط وتغليب المصلحة الوطنية على غرائز الانتقام، ويفترض أن تكون محنة اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس وما بعده قد علمت الجميع كيف أن أخطاء الثوار يمكن أن تعرض ثورتهم لمخاطر أشد من خطر النظام عليها. المسألة الآن، في هذه اللحظة، ليست مسألة علمانيين ودينيين، قبليين أو مدنيين، وإنما مسألة ليبيا والليبيين ومن حق كل منهم أن يكون له طموحه ودوره، فلا مجال للتنافس إلا على بناء ليبيا الجديدة، هذا بلد لديه الإمكانات، وهذا شعب له طاقات، وحان الوقت لتسخيرها من أجل المستقبل، المسؤولية ملقاة على عاتق الجميع. لكن ثمة مسؤولية مميزة ينفرد بها التيار الديني الذي يفترض أن يعي جيداً دلالات النقاش الدائر في مصر وتونس، وكيف أن المجتمع يعيش هاجس انقضاض الدينيين على السلطة بأي شكل وبأي تحالفات يمكن أن تتاح لهم، لا يمكن تصور مصلحة لأي تيار سياسي في أن يكون مصدر خوف للناس، ولا يمكن التعايش بين تيارات ترى أن تفويضها مرجعيته إرادة الشعب وتيارات تعتبر أن لديها تفويضاً إلهياً، هذه الأشكال حلة عن الدينيين أنفسهم، فهم يمكن أن يكونوا حراس القيم أما أن يكونوا في الإدارة فهذه قصة أخرى.

472

| 22 أغسطس 2011

نحو أزمات مالية مفتوحة

الأزمة المالية توجب التفكير والتدبير خارج الأطر الحمائية والأنانية السائدة الأزمة المالية الجديدة ما تزال تعطي دول الاقتصادات الناشئة الحجة لترفع الصوت ضد دول الاقتصادات الكبيرة والراسخة باعتبارها متهورة ومستهترة في إدارة شؤونها، و"الناشئة" مثل الصين والهند والبرازيل، بذلت جهوداً جبارة للنهوض من صعوباتها وبناء اقتصادات ناشطة وناجحة، رغم ما تعانيه مجتمعاتها من شرائح فقيرة وما تحتاجه مناطق واسعة فيها من تنمية مستدامة، ولذلك فهي تقابل الانهيارات الحاصلة في الولايات المتحدة ودول الغرب بكثير من الغضب والتأنيب، وقد ذهبت رئيسة البرازيل ويلي روسيف إلى إدانة "الحماقة في إدارة الاقتصاد" لدى تلك الدول لأنها، بحماقتها هذه تتسبب بإبقاء الاقتصاد العالمي متقلباً وغير مستقر بل ملغوماً بأزمات قابلة للتفجر. إذا ذهب العالم إلى أزمة مالية جديدة، وريثة لأزمة 2008، فسيكون معصوماً هذه المرة أن مصدر الخطأ هو الحكومات وليس البنوك، وأن جشع المصرفيين ولد بلبلة المخططين، يعني أن كل أزمة ستخفي في طياتها أزمة بل أزمات أخرى، وبعد الأسبوع الأسود الذي عاشته الأسواق المالية، أصبح مؤكداً أن كل التطمينات التي ننافس رجالات الدولة هنا وهناك على إعلانها طوال الأعوام الثلاثة الماضية لم تكن سوى نسيج من أكاذيب وأوهام وتخمينات و "بالونات اختبار"، والواقع أن سوق النصائح والمعالجات أظهرت دائماً تفاقمات: فمن انتهج التقشف تعرض لانتقادات تدعوه إلى عدم خفض الإنفاق لئلا يقع في الركود، ومن اتبع معالجة هجومية بمزيد من الإنفاق أملاً في تحفيز الأسواق ما لبث أن وقع في العجز.. وهكذا، حتى لم يعد لرأي "الخبراء"، والمختصين ما يقولونه، تحديداً في ما يتعلق بالإستراتيجيات المفضلة سواء للتعامل مع الأزمات القائمة، أو لوضع الضوابط اللازمة لتفادي أزمات آتية. كانت أزمة 2008 جعلت كثيرين من حكوميين واقتصاديين ومصرفيين يقولون إن الاقتصاد العالمي بات في حاجة ماسة إلى "ثقافة" جديدة لترويض الاندفاع المنفلت إلى إبقاء الأسهم في ارتفاع ربحي مستمر، وليس معروفاً ماذا سيقال في تحليل أزمة 2011 وأي دروس ستستخلص منها، طالما أنها نتيجة لإخفاق الحكومات نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة ليس فقط بإدارتها الحالية وإنما إداراتها المتعاقبة، فهذه لا تحتاج فقط إلى ثقافة وإدارة أكثر إدراكاً لمسؤولية الدولة العظمى عن اقتصادها وماليتها، لكن أيضاً مسؤوليتها المباشرة عن الأوضاع الاقتصادية والمالية للدول الصديقة والحليفة، وقد تبين من خلال النقاش في مجلسي الكونغرس أن هؤلاء المنتخبين الأمريكيين لا يتورعون عن تغليب مصالحهم المحلية، السياسية والبزنسية، على احترام تلك "المسؤولية" لدولة يمكن أن تصادق أو تعادي دولاً تربط أو لا تربط عملتها بالدولار، ومع تعصبهم لإبقاء كل العملات مرتبطة بالدولار، لا يترددون في تهتيم كل حصانة أو ثبات يجب أن تتمتع بهما تلك الورقة الخضراء. لذلك يبدو انكشاف أمريكا وهبوط مستوى تصنيفها الائتماني كما لو أنه انكشاف للاقتصاد العالمي بمجمله، فكل الدول التي تودع أرصدتها السياسية في حماية الدولة العظمى ونظامها المصرفي واقتصادها الهائل، باتت اليوم أكثر إدراكاً بأن حاميتها مدينة وتقاوم الغرق وبدل أن تجد لديها الحماية أو تحقق أرباحاً وضمانات منها وصحة صارت تخشى أن تغرقها معها، ولذلك طرح السؤال: هل العالم لا يزال يأتمن أمريكا على أمواله؟ لا يبدو هنا أن بهلوانيي السياسة في الحزب الجمهوري مهتمون، كما لا يبدو مشاغبو "حزب الشاي" فضلاً عن بعض انتهازيي الحزب الديمقراطي مبالين بما تعنيه ألاعيبهم التشريعية للاقتصاد العالمي، في شأن الدول الأخرى – وشعوبها – إذا كان الجمهوريون والسابيدون يريدون مفاقمة العقبات والمصاعب أمام إعادة انتخاب باراك أوباما لولاية ثانية.. أليست "الأيديولوجية الأمريكية" هي التي دأبت على الإرشاد بضرورة فصل الاستقرار الحالي والاقتصادي عن دهاليز السياسة وقذاراتها. في أي حال، لم تتمكن "منطقة اليورو" بدورها من ترسيخ وضعها كملاذ آمن للرساميل، خلال العامين الماضيين قبل كم هائل من الكلام عن "الإصلاح" عقدت قمم ومؤتمرات ووضعت خطط وأعلنت تدابير، لكن كل ذلك لم يمنع إشعال الضوء الأحمر تلو الآخر، من اليونان إلى البرتغال، فإيطاليا وإسبانيا، والآن قبرص، مع احتمال خفض تصنيف فرنسا الائتماني، وصولاً إلى الشغب الاجتماعي في بريطانيا وقد ربطه بعض التحليلات بميزانية التقشف القاسية المعتمدة حالياً، ما الذي جعل الحكومات في هذه الحال المزرية من الإخفاق في إدارة الاقتصاد، وما الذي جعل دولاً منظمة وذات موارد ثابتة واقتصادات ومجتمعات حيوية تتأرجح عند حافة الإفلاس، وهل أن المخاطر تتعلق بإفلاسات رقمية أو جينية، وما الذي يفسر أو يبرر "حكمة" عدم المس بميزانيات التسلح مقابل الاقتطاع الموجع من ميزانيات الصحة والتعليم والتنمية الاجتماعية.. من الواضح أن الأزمة ليست مالية فحسب، وإنما هي أزمة مفاهيم تتعارك فيها تطبيقات الاقتصاد الحر بحثاً عن نقطة استقرار أصبح من الصعب تصور أنها ستبلغها قريباً. إذا كان "الربيع العربي" فرص الإصلاح أو إسقاط الأنظمة عنوانين لهذه السنة العربية، فإن الأزمة المتجددة أعادت طرح موضوع الإصلاح في الغرب، فمتى أوباما يستعد لجعله محور حملته الرئاسية السنة المقبلة، ذاك أن تجربة ولايته الأولى علمته أن "نظام واشنطن" "معطل" وبحاجة إلى "الإصلاح"، كما أن تجربة الكونغرس لوضع تشريع رفع سقف الاستدانة علمته أن الاقتصاد لن يشهد تحسناً ما لم يكن الطرفان التنفيذي والتشريعي موحدي الأهداف بمعزل عن التباينات السياسية، لكن هذا إصلاح لا يتعلق بكيفية عمل المؤسسات بمقدار ما أنه يرتبط بإصلاح "أيديولوجية" النظام وعقليته، وطالما أن هذه "الأيديولوجية" تجيز للمشرع وحتى المنفذ أن يتصرف وكأن اقتصادات العالم وأمواله ملزمة حكماً بخدمة الدولة العظمى، فهل من إصلاح يرتجى؟ هناك دول خرجت من الحقبة الاستعمارية واستغلالاتها لتواصل العيش بما يفوق مواردها، وهناك دول تحررت من الاستعمار واستغلالاته لكنها بقيت تعيش دون مواردها وطاقاتها، لا الوفرة والجشع والتقدم الإداري والتكنولوجي ودولة المؤسسات مكنت أصحابها من تفادي الأزمات، ولا سوء الإدارة واستشراء الفساد ومحدودية الموارد علمت أصحابها وضع بلدانهم على طريق الأمان الاقتصادي والاجتماعي، الأزمة المالية المستمرة منذ 2008 توجب التفكير، وكذلك التدبير، خارج الأطر الحمائية والأنانية السائدة.

439

| 15 أغسطس 2011

تماسك ثوار ليبيا.. وإلا انهيارهم !

الثورة الليبية تقترب من اللحظة الحاسمة ويجب الحذر من الاعيب النظام يكاد الأمر يصعب على التصديق، سيف الإسلام القذافي يمارس الحرب النفسية عبر "نيويورك تايمز" متطلعاً إلى أحداث فتنة دموية بين أطراف المعارضة في بنغازي، لم يحمل لقاؤه مع هذه الصحيفة خبراً قديماً وتجاوزه الزمن فحسب، وإنما تميز بمناورة بروباغندية مكشوفة، فهو قال بوضوح إن اتفاقاً حصل مع الإسلاميين للتخلص من العلمانيين والليبراليين في المعارضة، والأكيد أنه أراد استغلال لحظة التوتر التي طرأت بعد اغتيال اللواء عبدالفتاح يونس على أيدي إسلاميين يفترض أنهم منضوون في صفوف المعارضة. عندما تحدث سيف كان يعلم أن محاولة الاتفاق مع الإسلاميين لم تنجح، تحديداً بسبب شرط رحيل القذافي الأب وكل العائلة ليتمكن الليبيون بعدئذ من التوافق في ما بينهم بشأن النظام المقبل، أي أن سيف استخدم تلك المقابلة الصحفية ليطلق أكاذيب لن تعيش طويلاً، لكنه أمل بأن يبقى منها شيء في الأذهان، فلو كان هناك اتفاق فعلاً، لجاء كلامه عن شركائه فيه أكثر تهذيباً، ولو صح أن هناك اتفاقاً لما كان أعلن أن هدفه القضاء على العلمانيين "ليهربوا أو يقتلوا" بل لكان تحفظ أصلاً عن كشف ذاك الاتفاق لئلا يجهضه. للمرة الثانية، منذ حديثه المتلفز مساء 20 فبراير يظهر سيف الإسلام القذافي مزيجاً من الصبيانية والرعونة والإجرام، في الأولى بدد كل معالم الصورة الخادعة التي كان بناها طوال أعوام، وصدقها كثيرون، بأنه إصلاحي وتحديثي يريد أن ينقل ليبيا وشعبها من حكم مارسه والده وبات مرفوضاً إلى حكم يتسم ببعض المعقولية والشراكة وفي الثانية، من خلال الصحيفة الأمريكية، بدا وقد اكتسب فعلاً كل ملامح المطارد من جانب العدالة الدولية الذي صدرت فعلاً مذكرة توقيف بحقه، والعتب ليس عليه بل على من يحاوره أو يحاور أزلامه ظناً منه أن هذا رجل يمكن الأخذ بما يقوله رغم كل السوابق، سيف القذافي لا يستطيع أن يحيد قيد أنملة عن خط والده، وبالأخص في مثل هذه الظروف. كانت اللقاءات الثلاثة بين مبعوث النظام أبو زيد دوردة وعلي الصلابي تمت في القاهرة، وبرعاية المخابرات المصرية، سبق للصلابي أن حاور سيف واستحصل على اطلاق سراح معتقلين إسلاميين قبل بضعة شهور من اندلاع الثورة، كما سبق للصلابي أن تمنى علناً لو أن سيف يمسك بزمام السلطة، وكان ذلك طبعاً في وقت لم تكن الثورة واردة أو متصورة، وبمعزل عما حصل في المحادثات بين الرجلين، فإن هذا الاتصال بالنظام حصل من دون تنسيق مسبق مع المجلس الوطني الانتقالي، ما شجع سيف على الاعتقاد بأن اختراق المجلس ممكن بمجرد وجود طرف يقبل بالتحادث يعتبر بالنسبة إلى النظام كمكسب يمكن البناء عليه، حتى لو لم يفض التحادث إلى صفقة، بل حتى لو لم يحصل اختراق فإن نجل القذافي سيوحي بأنه حاصل. والمشكلة هنا أن النظام ليس لديه ما يقدمه، إذ يخلو تاريخه تماماً من أي مبادرات سياسية داخلية، كما أنه تصرف على الدوام كأنه الوريث المباشر للاستعمار، وقد ورث أيضا أساليبه في معاملة المواطنين والمجتمع، وبوسيلة وحيدة هي الاخضاع، نفذ قاعدة "فرق تسد" حتى استهلكها، ولايزال يداعب الأحلام بإمكان مواصلتها، ليس في تراثه مصطلحات "الدستور" و"التعددية" و"المشاركة"، لكنه برع في اختراع الشعارات الكاذبة ولم يكن يتوقع من الشعب سوى تصديقها، وحتى صباح السابع عشر من فبراير كان متيقناً بأن ليس هناك شعب في هذه البلاد، وبالتالي فليس له أن يخشى أو يقلق، وعندما ظهرت الحقيقة فقد صوابه، ولم يعد استمراره في وكره في طرابلس سوى أيام زائدة من حكم لم يعد يمارسه ومن سلطة لم تعد في قبضته. فكيف يمكن محاورة طاغية هدفه أن يجير الثورة لمصلحة استمرار نظامه، أرسل موفدين إلى دول "صديقة"، دول فيها ديمقراطية حية في أمريكا اللاتينية، ليقول إنه واقع تحت ظلم وإن "الناتو" يعاقبه لأنه طرح على الشعب تنظيم انتخابات وتطبيق "إصلاحات" سبق لنجله سيف بأن تحدث عنها، ولم يجد هؤلاء "الأصدقاء" سوى أن يباركوا نياته وأطروحاته – غير أن صدقاتهم معه تأسست على اعتقادهم أنه يشاركهم العداء لأمريكا، ولعلهم يعلمون أو لا يعلمون أنه كان ولا يزال يعتبر أن صعوده إلى السلطة واحتمال بقائه فيها يتوقفان على نجاحه في إرضاء أمريكا، فبعدما جال مبعوثوه مختلف العواصم سعياً إلى "حل سياسي" يتضمن بقاءه في السلطة أو تسليمها إلى أحد أنجاله، أدرك أن سعيه خائب ولذلك راح يرسل الدعوة تلو الدعوة إلى واشنطن كي تنخرط في تسوية معه، ويبدو أن مراقبته للتطورات في مصر وتونس جعلته يعتقد أن الولايات المتحدة باتت تحبذ ائتلافاً بين العسكر والإسلاميين، هؤلاء بصفتهم القوة الفعلية المنظمة على الأرض، وأولئك بصفتهم ورثة النظام السابق الذي كان يحظى برعاية أمريكية قبل أن يتهاوى رأسه هنا وهناك. لعل هذه الاستنتاجات غير خاطئة، لكنها لا تعني أن تطبيقها ممكن في كل الأماكن والحالات، فإذا كان النظام يسعى إلى إنقاذ نفسه كيفما تيسر له ذلك، فلا شك أنه مضطر إلى تقديم تنازلات مهمة وجوهرية، ولن يحقق غايته بمجرد استمالة الإسلاميين أو أحد وجوههم أو إحدى شراذمهم، وفي أي حال لم يكونوا مضطرين لتعريض أنفسهم وكأنهم بصدد بيع الثورة وأبنائها للقذافي وأبنائه، فحتى لو توصلوا إلى أفضل اتفاق ممكن مع النظام فإنه سيتمسكن إلى أن يتمكن من القضاء عليهم، لأن الليبيين سيفضلونه عندئذ عليهم، وكذلك العالم. يلزم عمل كثير الآن لتأمين تماسك الثورة ومجلسها الانتقالي، ومن الضروري أن يبرهن الإسلاميون قبل سواهم أنهم ملتزمون بالأهداف التي ينال المجلس على أساسها اعترافات الدول الكبرى به كما يتحصل على أساسها على الدعم اللازم لإسقاط النظام، وطالما أن التطورات الميدانية، خصوصاً في الغرب، تؤكد أن الثورة تقترب من اللحظة الحاسمة، فليس هذا الوقت لانفراد أي طرف أو جنوحه، وفي الحالة الليبية ينبغي الاستثناء، فلا تأكل الثورة أبناءها لأن النظام لايزال جاهزاً لالتهام الجميع.

373

| 08 أغسطس 2011

يمين أوروبي يستلهم تطرفه من الصهيونية

مذبحة النرويج كشفت الاختراق الاسرائيلي- الصهيوني لليمين في الثاني والعشرين من الشهر الماضي يوليو حصل تفجير في العاصمة النرويجية أوسلو أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه حادث نادر في بلد هادئ، لكن تبعته مذبحة في جزيرة أوثويا على بعد خمسة وأربعين كيلومترا واستهدفت مخيما صيفيا لشباب جاؤوا من الاحزاب التقدمية حول العالم بدعوة من الحزب الحاكم في النرويج، حتى الآن يبدو أن الحدثين من فعل شاب واحد اسمه اندرس بيرينغ بريفيك، سرعان ما كشف أنه من بيئة اليمين المتطرف التي تعتبر وريثة التيارات الفاشية والنازية في أوروبا. لم يستفق الاعلام الغربي بعد من الصفعة العاتية التي وجهها إلى نفسه عندما تعجل اتهام جماعات إرهابية إسلامية بارتكاب الجريمتين اللتين قضى ضحيتهما ستة وسبعون شخصاً، صحيح أن أي عمل بهذه المواصفات الإرهابية لابد أن يضع تنظيم "القاعدة" في طليعة المتهمين. لكن وسائل الإعلام تجاهلت تحفظ الأجهزة الرسمية عن اطلاق أي اتهام، وتبرعت بالاشتباه الذي رأته بديهياً حتى إنها استذكرت مشاركة النرويج في التحالف الدولي في أفغانستان والتهديدات الإعلامية التي كانت توجه إليها وإلى سواها من الدول. كان الوقت القصير الفاصل عن معرفة الجاني كافيا لدفع اشخاص في شوارع العاصمة إلى الاعتداء أو محاولة الاعتداء على مهاجرين مسلمين، وحتى بعد اتضاح الحقيقة بقي الإسلام والمسلمون في قلب الجدل، خصوصا بعدما تبين أن المجرم وضع المذبحة التي ارتكبها في اطار جدل أكبر يدور حول الهجرة والمهاجرين وضرورة "انقاذ أوروبا" من المد الإسلامي الذي بات يسمى "الإرهاب السكاني" ورغم أن لليمين المتطرف في أوروبا أحزابا وأدبيات وخطاباً متعصباً وميليشيات يمكن مشاهدتها في التظاهرات التي ينظمها، إلا أن الإعلام الغربي ظل مائلا إلى رفض وجود ظاهرة خطيرة ينبغي أن نسلط الأضواء عليها ومحاولة التعرف إلى حقيقتها، أقله على غرار ما فعل ويفعل بالنسبة إلى الإرهاب الإسلامي. لذلك كان مستغربا مثلا أن ينكب المحللون على شرح خلفيات المذبحة استناداً إلى الألف وخمسين صفحة التي نشرها القاتل على الانترنت قبيل ارتكابه الجريمة، لم يجر التكتم على هذا النص، بل نشرت مقتطفات وأفكار رئيسية منه، لكن كانت هناك مصلحة ما لعدم التركيز عليها لماذا؟ لأنها ببساطة يمكن أن تكون محرجة لإسرائيل ولاصدقائها حول العالم، كما انها يمكن أن تكشف نشاطا ايديولوجيا صهيونيا قد تكون "مذبحة اوسلو" أولى ثمراته الفاضحة، في حين أنه سبق ان حقق بعض الحملات والانجازات في امكنة وملفات اخرى من دون ان يشير إلى أي اشتباه مباشر بتورط يهودي صهيوني، والمعروف عن احزاب اليمين المتطرف الأوروبية انها عادة تعادي اليهود والعرب معاً وعلناً اليهود للدوافع نفسها التي جعلت النازيين يستهدفونهم بـ"المحرقة" والعرب بسبب هجرتهم الكثيفة التي حملت معهم إسلاما ليصبح بمظاهره وتقاليده بمثابة تهديد لهوية أوروبا المسيحية، لكن جديد الحدث النرويجي وبطله بريفيك، قائد فرسان الحق كما يسمي نفسه نسبة إلى الفرسان الصليبيين إن بعض اليمين المتطرف أجرى مراجعة لسياساته وفكره وبات يركز على العداء للإسلام والمسلمين، ولاجل ذلك باتت لديه مرجعيات أخرى ليستند اليها. من أين غرف القاتل النرويجي ايديولوجيته الخاصة، التي لم يعد مستبعدا أن كثيرين يشاركونه اياها؟ صحيفة اسرائيل اليوم تجيب بعبارة واضحة انه "صهيوني متحمس" تراوح مدائحه بين "الحالم بدولة اليهود" بنيامين زئيف هرتزل، وبين قطبي الائتلاف الحكومي الحالي في اسرائيل زعيم الليكود بنيامين نتنياهو وزعيم إسرائيل بيتنا افيغدور ليبرمان، فبالنسبة إلى هذا المجرم المؤدلج تبدو ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين مثالا يجب ان يحتذى، لذا فهو يحتقر الحكومات الاوروبية اولا لعدم تعاطفها مع اسرائيل، وثانيا لضعفها في مواجهة الهجرة والمهاجرين، يصعب الاعتقاد ان بريفيك شق طريقه الفكري بنفسه ومن دون توجيه، إذ فاجأ المطلعين على بيانه الطويل بعمق اطلاعه على مجريات السياسة الداخلية والخارجية لإسرائيل، وبما يوازيها من مواكبة ودعم في الولايات المتحدة، ولفتت خصوصا ملاحظة أوردها عن طبيعة الائتلاف اليميني الذي اقامه نتنياهو رغم يقينه بأنه "يغضب" الرئيس الامريكي ويمس بالعلاقات بين الدولتين، وبدا بريفيك متأثرا باعلام المستوطنين الاسرائيليين، منتهيا إلى خلاصات عدة ابرزها نقده منح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات جائزة نوبل للسلام، وكذلك دعوته الى "وقف الدعم الطبي للفلسطينيين والشروع في دعم ابناء عمومتنا الحضاريين في إسرائيل". في أي حال يشكل مانيفستو القاتل زيارة مفصلة إلى كل رموز اليمين المتعصب، من دانيال بايبس إلى روبرت سبنسر وباميلافيلر اللذين خاضا الحملة على مشروع بناء مسجد ومركز إسلاميين بالقرب من موقع "غراوند زيرو" في نيويورك إلى الهولندي كيرت فيلدرز والباحثة البريطانية السويسرية باث ياورو صاحبة كتاب "اورابيا: المحور الاوروبي- العربي" وصولا إلى فيلم "الهوس: حرب الإسلام الراديكالي ضد الغرب" وهو يقارن التهديد الإسلامي الراهن بخطر المانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد انتجت هذا الفيلم شركة مرتبطة بمجموعة "هاثوراه" اليمينية المتطرفة في إسرائيل. قد يكون الاستنكار القادم الذي تبع المذبحة هو ما حال دون اطلاق دعاية واسعة للنص الذي نشره القاتل، لكن بالنسبة إلى إسرائيل فان الرسالة وصلت وهي رسالة نقمة داخلية على تراجع التعاطف الاوروبي معها، ولكي تصل الرسالة بأقوى صيغة لم يستهدف القاتل تجمعا إسلاميا، بل تقصَّد مقر الحكومة وتجمعا نرويجياً، دولياً، بغية توجيه الجدل إلى السياق الذي يبتغيه أو يبتغيه مرشدوه. ليس معلوما إذا كان سينجح في هدفه الحقيقي، خصوصا انه اعترف بالقتل ولم يعترف بالذنب، والمؤكد انه سيحاول استخدام محاكمته لاطلاق محاكمة مضادة للتهاون الحكومي حيال "المد الإسلامي" الذي يجتاح البلاد، علما ان عدد المسلمين في النرويج، لا يتجاوز مائة الف من اصل خمسمائة وخمسين الف مهاجر معظمهم من أوروبا، لكن الظاهرة الابرز التي كشفتها المذبحة هي الاختراق الاسرائيلي- الصهيوني لصفوف اليمين المتطرف لاستخدامه في احراج الحكومات الاوروبية وارباكها، فهذه المذبحة يمكن ان تتكرر، ويمكن ان تستهدف عربا ومسلمين في المرات القادمة.

370

| 01 أغسطس 2011

دهاليز الحل السياسي في ليبيا

الأطراف المفترض أن تضمن حلا لم تعد مقتنعة بأن القذافي يمكن التعاقد معه في توقعات العديد من العواصم وكذلك المعارضة الليبية، كان يفترض أن يكون هذا الأسبوع الأخير من عمر نظام معمر القذافي، صدرت إشارات كثيرة إلى أن الأزمة ستحسم قبل بدء شهر رمضان المبارك، المفاجآت واردة، لكن القذافي لا يزال يناور رغم علمه أنه لم يعد قادرا على تغيير مسار الأحداث، لديه قوات في جيوب مهمة، كما في البريقة مثلا، أو على تخوم مصراتة وفي بعض مناطق الغرب، إلا أنه أصبح مخترقا في هذا الغرب، ولم يعد يسيطر فعلياً إلا على العاصمة طرابلس. إذا كان الحسم تأخر فلأن الثوار أو المعارضين يتعاملون مع حرب ومواجهة عسكرية فرضت عليهم، ولم يكونوا بأي حال مؤهلين لها رغم إدراكهم مسبقا أن النظام سيندفع إلى الإبادة والتقتيل ولن يعترف إطلاقا بأنه إزاء وضع ينبغي معالجته بالسياسة، ما فعلته حملة "الناتو"، هو حرمان النظام من فاعلية آلته الأمنية، ومن إمكان فرض أمر واقع لمصلحته، وفي الشهور الثلاثة الأخيرة طرأ تغيير جوهري على أداء مقاتلي المعارضة، فأصبحوا أكثر تنظيما وأفضل تسليحا، وبالتالي صاروا يأملون بأن يحسموا الأمر على الأرض، صحيح أن لديهم أسبابا واقعية للاعتقاد بأن هذا الخيار في متناولهم، لأن خريطة انتشارهم تحسنت، إلا أن دول "الناتو" تشكك في ذلك. لذلك تولي مختلف العواصم اهتماما بأي محاولة لإيجاد حل سياسي وبات معروفا أن مفتاح هذا الحل هو "تنحي القذافي"، وهذه ورقة يملكها القذافي نفسه، ووحده، فيلوح بها تارة ثم يحجبها، ويضعها على الطاولة بشكل افتراضي ثم يسحبها، وإذ يتنقل مبعوثوه بين باريس وموسكو وبريتوريا، فإنهم يرمون أمام محاوريهم أفكارا متناقضة لا يفهم منها أن الزعيم الليبي يريد فعلا إنجاز حل. بعد رفض مطلق للاعتراف بأن هناك معارضين، وبأنهم هزوا أركان النظام، لجأ القذافي قبل أسابيع إلى محاولة عقد صفقة سياسية من خلال القبائل، وبالفعل حصلت حوارات بين ممثلين قبليين، ما لبثت أن توسعت لتشمل تكنوقراطا، ممن يعملون في مؤسسات النظام، وتبين على إثرها أن المعارضة لا تريد إقصاء أحد وإنما ترفض بشدة مشاركة الحلقة الضيقة النظام في أي صيغة حكم مقبلة، خلال تلك الحوارات استخدم القذافي مبعوثيه للإيحاء بأنه "إيجابي" حيال أي حل تفاوضي، وعندما تيقن أن ممثلي القبائل لم يتمكنوا من تليين شروط المعارضة، عاد يلعب ورقة التنحي لكن بشرط أن يبقى في ليبيا ولا يغادرها، أما الشرط الآخر فهو أن يتقاسم المعارضون والموالون الحكم. وطبعا هناك شرط سحب مذكرات التوقيف الدولية الصادرة بحقه إلى جانب نجله سيف الإسلام ورئيس الاستخبارات عبدالله السنوسي. كان ممكناً تفادي إشكالية مذكرات التوقيف قبل صدورها، أما وأنها صدرت فأصبح من الصعب تجاهلها أو اعتبارها كأنها غير موجودة عمليا، خسر القذافي بموجبها احتمال الحصول على ضمانات بعدم الملاحقة في حال قرر انسحابا حقيقيا من الحكم أو الرحيل إلى منفى متفق عليه، وعندما طرحت فكرة بقاء القذافي مقيما في مكان ما في ليبيا، كان من السهل تصور انتقاله إلى ما يشبه الإقامة الجبرية، بإشراف وحراسة دوليتين، لكن من دون أي ضمانات بعدم الملاحقة، إذ لا يمكن منع المحكمة الجنائية الدولية من القيام بعملها، كما لا يمكن منع مواطنين ليبيين متضررين من النظام من مقاضاته، وأخيراً لا يمكن منع القضاء الليبي بعد استعادته اعتباره واستقلاليته من استجابة مطالب المواطنين. واقعياً، لم يكن هناك حل سياسي في أي لحظة، وإنما كان ولا يزال هناك سعي من القذافي لبلورة صفقة تكون فرنسا وروسيا والاتحاد الإفريقي أطرافا فيها، بالإضافة إلى من يرغب من دول الغرب، على أن يكون نظامه قائدا للحل ومستعدا لإشراك المعارضة فيما يسمى "إصلاحات سياسية" وعلى أن يضمن النظام مصالح الأطراف الخارجية التي تسهل تسيير الحل، ووفقا لمثل هذه الصفقة فإن مسألة تنحي القذافي لا تشكل معضلة أو عقبة، فهو قال دائما إنه لا يملك سلطة وليس لديه منصب أو صلاحيات وطالما أنه لا يعتزم الرحيل فإنه يمكن أن يصوغ تنحيه عن طريق ترفيع نجله سيف الإسلام.. وهكذا تبدو هذه الصفقة ملغومة وغير قابلة للترويج أو التنفيذ، ثم إن الأطراف المفترض أن تضمن حلا كهذا لم تعد مقتنعة بأن القذافي يمكن التعاقد معه نظرا إلى أنه لا يكف عن المراوغة. أخيراً أصبح للأمم المتحدة مبادرتها أيضا، وهي تتعامل مع المعطيات القائمة، أي أن هناك نظاما ومعارضة، وبالتالي لابد من دفعهما إلى التفاوض على حل يفترض أن يبدأ بوقف إطلاق النار وتحريك قوات الطرفين إلى مواقع تشكل نوعا من الهدنة تجري خلالها مفاوضات على صيغة الحكم، أما "التنحي" فيمكن أن يأتي بعد اتفاق الطرفين، لكن مجرد ذكر التنحي يعني أن النظام يرفض هذه المبادرة ومجرد ذكر التفاوض مع النظام يعني أن المعارضة سترفضها أيضا وهو ما حصل عمليا. يراهن القذافي على التململ داخل "الناتو" وسيحاول الصمود إلى ما بعد إنتهاء فترة عمل الحملة الأطلسية بنهاية سبتمبر المقبل، ويعزى التململ أولا إلى أن "الناتو" يقر باستحالة حسم المعركة عسكريا، وثانيا إلى أن الدول المشاركة في الحملة لم تحصل كلها على المصالح التي تطلعت إليها، لذلك يعتبر القذافي أنه لا يزال أمامه مجال للعب على التناقضات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نظامه وعائلته وأجهزته، لكن المعارضة خاضت معركتها من أجل تفكيك هذا النظام، والأكيد أن الأطراف الدولية تريد أيضا التخلص منه.

534

| 25 يوليو 2011

"الرباعية" بلا وظيفة ولا جدوى

الرباعية الدولية باتت هيئة عاجزة ولا جدوى منها وعديمة الفاعلية ليس عند الهيئة الرباعية الدولية ما تقوله في تطورات الملف الذي تعتبر هي مرجعيته الأولى والوحيدة، وخلال اجتماعها الأخير في واشنطن اتضح لأعضائها، أكثر من أي وقت مضى، أنها باتت هيئة عاجزة ولا جدوى منها بل عديمة الفاعلية، ورغم أنها تستمد قوتها من كونها تضم عمليا الدول الكبرى، باستثناء الصين، إلا أنها تعمل تحت السقف السياسي الأمريكي- الإسرائيلي، وبالتالي فإنها لا تستند إلى قوة القانون الدولي، لذلك تقتصر اجتهاداتها على كيفية الالتفاف على هذا القانون، أي أنها حتى يكون هناك اتفاق تام بين أطرافها لا تستطيع فرض الالتزام بتوصياتها، ورغم أنها تمثل بديلا من مجلس الأمن إلا أن المرونة المفترضة فيها لم تمكنها من تحريك المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية. لم تبرهن الرباعية منذ إنشائها أنها تعمل فعلا من أجل هدف هو السلام، أو بالأحرى إيجاد مناخ ملائم لسير المفاوضات، لكنها أدت وظيفتها في خدمة إسرائيل على أكمل وجه بدليل أنها هي التي أوجدت وساندت إسرائيل في فرض حصارها على قطاع غزة، قبل أن تعود تلك الرباعية نفسها إلى اعتبار ذلك الحصار غير شرعي، من دون أن تلزم إسرائيل برفعه، وكل ما استطاعه ممثل "الرباعية" توني بلير، المعروف بانحيازه لإسرائيل، أن يحصل على تعديل للائحة المواد المحظور دخولها إلى القطاع بما فيها بعض أنواع الخضار والفواكه والمواد الغذائية وقد اعتبر "إنجازه" هذا عظيماً استحقت عليه إسرائيل إشادة "الرباعية". كان على هذه الهيئة أن تبحث عن صيغة ما تسهل استئناف المفاوضات، بهدف استبعاد ذهاب الفلسطينيين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لطلب التصويت على اعتراف دولي بـ"الدولة الفلسطينية في حدود 1967"، ورغم أن المجتمع الدولي بغالبيته العظمى يتفهم الموقف الفلسطيني المشترط وقف الاستيطان للعودة إلى المفاوضات، ورغم أن الرباعية نفسها طلبت مرارا وقف الاستيطان وبموافقة أمريكية، إلا أن الموقف الأمريكي – الإسرائيلي الذي استطاع بنيامين نتنياهو فرضه على واشنطن يقضي بأن يرضخ الفلسطينيون للأمر الواقع فيعودون إلى التفاوض من دون أي شرط أو أي ضمانات أو أي جدول زمني أو أي التزام بالمرجعيات القانونية الدولية للمفاوضات، وقد سايرت "الرباعية" هذا الموقف في بيان سابق، ثم أدركت أنه لم يكن مجدياً. في الاجتماع الأخير، ومع اقتراب موعد سبتمبر، أي موعد المواجهة في الأمم المتحدة، كانت هناك محاولة للخداع والتذاكي، إذ طرح الأمريكيون فكرة تأييد "الرباعية" مطلب الفلسطينيين (الدولة في حدود 1967) مع إضافة عبارة "مع تبادل للأراضي" ومقايضته بتأييد من الرباعية لحصول الإسرائيليين على اعتراف يهودية دولتهم. كان واضحاً أن هذه الصيغة مكشوفة ومتهافتة، إذ أنها تضع شرطين مسبقين على الفلسطينيين لتشجيعهم على العودة إلى التفاوض من دون الحصول على وقف الاستيطان، فمن جهة لا داعي لاشتراط تبادل الأراضي الذي يتضمن تنازلات مسبقة، وإذا كان لهذه التنازلات أن تحصل ففي سياق التفاوض نفسه. ومن جهة أخرى لا يمكن بيع "يهودية الدولة" وترويجها على هذا النحو من الخفة والاستسهال، فهذه مسألة ينبغي طرحها بأبعادها القانونية والسياسية وانعكاساتها الديموغرافية، وينبغي توضيح كل هذه الأبعاد وعدم الاكتفاء بها كمجرد عنوان أو شعار تريده إسرائيل لتبرير سياسات خفية وأخرى باتت معروفة ولابد من وضعها في ميزان القانون الدولي. وحتى "الدولة في حدود 67"، لم تعد صيغة كافية وخاضعة للحقوق التي تفترضها، صحيح أن هناك الكثير من الوثائق التي تشرح هذه الحقوق، إلا أن حرص الجانب الأمريكي-الإسرائيلي على إثبات "تبادل الأراضي" في النص، بات يتطلب إصرار الجانب الفلسطيني على أن يثبت في النص أيضا أن حدود 1967 تعني تحديدا وبلا أي لبس أن كل نشاط استيطاني داخل هذه الحدود يخضع لإرادة الفلسطينيين أولاً وأخيراً، أي لسيادة الدولة الفلسطينية المرتقبة. ذلك أن تجارب المفاوضات أثبتت على الدوام أن العناوين الكبيرة، مهما كانت حمولتها القانونية واضحة، لا تعني شيئاً إذا لم تكن المرجعية القانونية هي المحك والمعيار، وإذا كان تفسير هذه العناوين خاضعا بالضرورة لمنطق التسويات والأمر الواقع ولإرادة الدول الكبرى ولاسيَّما الولايات المتحدة الملتزمة إضفاء "شرعية" ناجزة ونهائية على كل أرض سرقتها إسرائيل واستولت عليها بالقوة والإرهاب. للمرة الأولى يواجه المجتمع الدولي، ممثلا قسرياً بـ"الرباعية" وضعاً يحاول الفلسطينيون خلاله تحريك قضيتهم حتى في الفترات التي كانوا عادة يبددونها بالانتظار والدوران في الحلقات المفرغة، ففي غياب المفاوضات بذلوا جهودا مهمة لتحسين أداء مؤسساتهم وتأهيلها للعمل كأن "الدولة" ستعلن غداً، وعلى أساس هذه الجهود يريدون أن يدفعوا مشروع دولتهم إلى الواجهة، لذلك تواجه إسرائيل في حملتها المضادة أسئلة كثيرة تتناول خصوصا دوافعها وأسباب معارضتها لـ"الدولة في حدود 67" صيغة موجودة في القرارات الدولية، وأخيرا أسباب تجاهلها تأهل المؤسسات الفلسطينية رغم أن هذا كان من أبرز شروطها ومطالبها. هذه الأسئلة مطروحة أيضا على الرباعية وبالأخص على الولايات المتحدة التي تخطو باندفاع نحو فيتو مشين لن يشجع إسرائيل على اعتماد خط واقعي حيال السلام، بل سيزيدها تطرفا وتمسكا بنهج الإجرام والإرهاب، كما أن النتيجة المباشرة لهذا الفيتو ستكون نقمة واستياء عربيين ومزيدا من العداء لأمريكا، ولاشك أن التعنت الإسرائيلي الذي عطل المفاوضات، والذي دفع أيضاً الفلسطينيين إلى اللجوء للأمم المتحدة، يطرح بدوره علامات استفهام حول "الرباعية" نفسها والأسباب المشتبهة لاستمرارها طالما أنها غدت أيضاً مشلولة وغير قادرة حتى على إصدار بيان.

561

| 18 يوليو 2011

"صحيفة الفضائح" ضحية فضائحها

صحافة الاستقصاء عنوان الرقابة الشعبية على إهمال السلطة وحجبها للمعلومات حتى الحساسية التقليدية التي يبديها البريطانيون ضد كل ما يمكن أن يمس حرية الإعلام، لم تحل دون قبول المصير الذي نسجته صحيفة "نيوز أوف ذي وورلد" لنفسها. فبعد 168 عاماً على صدورها، تنقلت خلالها بين عدد من المالكين، لتستقر أخيراً في يد شركة "نيوز إنترناشول" التي يملكها روبرت ميردوخ، صدر أمس الأحد عددها الأخير تنفيذاً لقرار إغلاقها، صحيح أن هذا القرار لم يكن حكومياً، إلا أن حكومة ديفيد كاميرون قالت ما لديها، وكان على أصحاب الصحيفة أن يتصرفوا، ثم إن الخطوة الحاسمة لم تكن قضائية أو حتى سياسية، وإنما جاءت تلقائياً من شركات كبرى أعلنت تجميد أو إنهاء عقودها الإعلانية مع الصحيفة. أصبح معروفا السبب وراء هذه الفضيحة، وهو قرصنة الهواتف النقالة لمئات الأشخاص، بينهم المليارديريون والمشاهير والوزراء والساسة، لكن بينهم أيضا العديد من الأشخاص العاديين خصوصا أولئك الذين فقدوا أفرادا من عائلات أو كانوا هم أنفسهم ضحايا الهجمات الإرهابية في السابع من يوليو 2005م، فضلاً عن ضحايا لجرائم بشعة استقطبت اهتمام المجتمع البريطاني، ولتسهيل عملية التنصت كان لابد للصحيفة من التواطؤ مع خبراء كمبيوتر يعرفون البرامج الخاصة بهذا النشاط الذي يبقى حكراً على أجهزة الأمن، وبالتالي كان لابد من استدراج خدمات أفراد في تلك الأجهزة، وعندما كانت الأجزاء المكشوفة من الفضيحة تتعلق بالمشاهير والأغنياء والساسة، كان التعامل معها متروكاً للقضاء الذي حكم دائماً لمصلحة الضحايا، لكن عندما ظهر اتساع نطاق التنصت إلى المواطنين العاديين صعدت الحكومة احتجاجها وأرفقته بطلب تحقيق شامل، فأصبحت الفضيحة قضية داخلية متفجرة لا يمكن التستر عليها بذريعة أن إمبراطورية ميردوخ الإعلامية دعمت حزب المحافظين في انتخابات 2010م، مثلما كانت تدعم حكومات العمال أيام كان توني بلير على رأسها. كان رئيس الوزراء الحالي كاميرون اختار رئيس تحرير هذه الصحيفة اندي كولسون كأبرز مسؤول إعلامي لديه. لكن كولسون أحد مهندسي هذا النمط الصحفي الذي أدى أخيراً إلى هذه الكارثة، طبعاً اضطر كاميرون للتخلص سريعا من كولسون الذي أصبح الآن في السجن، ومع أن القضية تفجرت قبل نحو عامين إلا أن التنصت استمر حتى الأسابيع الأخيرة، كما أن الحل الجراحي الذي اختاره ميردوخ مضطراً وعلى مضض لن يشكل نهاية لمتاعبه، فالفضيحة قد تنعكس على إمبراطوريته الإعلامية، إذ أنه كان على وشك وضع يده على شركة "بي سكاي بي" وحظي لأجل ذلك بمساندة واضحة من الحكومة وسط استياء كبير في الأوساط السياسية والإعلامية والمالية، لكنه الآن يواجه احتمال إعادة النظر في مجمل هذا المشروع الذي يجعل منه وهو الأسترالي، سيداً للإعلام البريطاني الذي كانت الـ"بي.بي.سي" عنوانه الأول والأخير. فجأة، أصبحت الصحيفة الشعبية الأولى الصحيفة الأولى غير الشعبية، كانت "نيوز أوف ذي وورلد" تحلّق كل أحد بتوزيع ورواج يصلان إلى مليونين وستمائة وستين عدداً، تأتي بعدها "ميل أون صنداي" بـ"1.52" مليون، ثم "صنداي ميرور" بـ"1.09" مليون، أما أولى الصحف الجادة "صنداي تايمز" فتبلغ حصتها 1.05 مليون، ومع حصيلة إعلانية تبلغ 40 مليون جنيه إسترليني تحتل "نيوز أوف ذي وورلد" المرتبة الأولى أيضا بين الأسبوعيات، وما صنع هذه الشعبية هو شغف البريطانيين بالفضائح، حتى إن الصحف المتخصصة بأخبار المشاهير والأغنياء بالنسبة إليهم هي التي ورثت الصحافة المكتوبة بعد اجتياح المرئي والمسموع وحتى الإلكتروني للمشهد الإعلامي. وأصبح "ضحايا" هذه الصحف يعتبرون فضح شؤونهم الخاصة بمثابة "ضريبة شهرة" تأتيهم بمتاعب داخل أسرهم وأحيانا داخل أعمالهم لكنها تأتيهم أيضا بمزيد من الشهرة. هناك بينهم من أنهت "نيوز أوف ذي وورلد" حياته المهنية بسبب فضائحه الجنسية، لكن هناك مآسي اجتماعية متأنية من جرائم خطف وقتل أسهمت في التخفيف من حدتها. ما الذي دفع هذه الصحيفة إلى قرصنة هاتف صبية في الثالثة عشرة اختطفت وقتلت عام 2002م؟ ولماذا جرى التلاعب بالرسائل الصوتية الموجودة في ذاكرة الهاتف؟ ولماذا التنصت على عائلات جنود قتلوا في أفغانستان والعراق طالما أنها كانت تقول علناً كل ما تفكر فيه ضد الحكومة والمشاركة في هاتين الحربين؟ ولماذا التنصت على ضحايا الإرهاب أو الجرائم الأخرى؟ لا شك أنه اللهاث وراء الخبر وخلفياته، بل السعي إلى احتكار أي خبر، لكن الأكيد أن الجشع هو الذي جازف بأخلاقيات العمل الصحفي إلى حد رميه في الهاوية، لذلك بدت الفضيحة كأنها جرس إنذار لكل الصحف الشعبية، إذ طرحت التساؤلات حول وسائل التعاطي مع المصادر، علما بأنها يمكن أن تختصر عموما بالمال، إذ أن هذه الصحف كرّست تقليداً يشجع أياً كان على كشف ما يعرفه لقاء المبلغ الذي يحدده، وفي الأحداث الطارئة التي تتطلب تغطية سريعة واستثنائية يتزود الصحافي بمبالغ نقدية لشراء المعلومات مباشرة من الشهود العيان أو من الأشخاص الذين التقطوا صوراً أو يملكون خلفية لما حدث. بديهي أن الجمهور لا يريد موت هذا النوع من الصحافة في بريطانيا، فهو يجد فيها متنفساً لا توفره الصحافة الجادة المنمطة رغم تمتعها بحرية مشهود لها في تغطية القضايا الكبرى، من هنا إن قضية "نيوز أوف ذي وورلد" لم تكن لتأخذ هذا المنحى الانهياري لو لم تلجأ إلى أساليب متفلتة من أي ضوابط أخلاقية أو قانونية، بل لو لم تبالغ في توسيع دائرة المستهدفين بالتنصت، وفي كل الأحوال يبقى هذا الأسلوب مرفوضا حتى عندما تمارسه أجهزة الأمن، وهي لا تفعل إلا بطلب من السلطة القضائية المختصة أو وفقا لقوانين استثنائية كالتي تتعلق بالإرهاب، ولا شك أن مهنة الصحفي المخبر طالما شبهت بمهنة التحري المخبر لكن إزالة الفوارق بينهما لم تكن ولن تكون في مصلحة الصحافة تحديداً، والمؤكد أن الرأي العام يريد لصحافة الاستقصاء أن تنشط وتزدهر وتتجرأ لأنها باتت عنوان الرقابة الشعبية على إهمالات السلطة وحجبها الغريزي للمعلومات، لكن الذهاب بالاستقصاء إلى حد انتهاك الخصوصيات وتشجيع الابتزاز وترسل الرشى واللعب على دوافع الانتقام لدى الأشخاص المعنيين لا يقرب الصحفي إلى المخبر وإنما إلى رجالات المافيا.

394

| 11 يوليو 2011

بدايات الزمن العربي الصعب

مصر وتونس خرجتا من سطوة الاستبدادالى صعوبة في رحابة الحريات الصعوبات التي تمر بها المرحلة الانتقالية في مصر وتونس تلفت خصوصا إلى أن الفئات التي توحدت في صنع الثورتين ما لبثت أن تفرقت في سعيها إلى تحقيق الأهداف، فبعد الزمن الرديء تحت سطوة الاستبداد، بدأ الزمن الصعب في رحاب الحريات التي انبثقت من الشارع. لم يكن الشعب هنا أو هناك، يجهل التعددية في صفوفه، ولا اعتبرها مشكلة يجب أو يمكن أن تحول دون التغيير، لكن يلزمه بلا شك الوقت والصبر ليعيد بلورة التوافقات التي ستشكل وئامه وتعايش مختلف مكوناته، الفارق أن النظام السابق عبث بتلك التعددية واستغل تناقضاتها ليوحي بأن الشدة التي استخدمها هي التي ذوبت التباينات وأدت إلى إشاعة الاستقرار، وها هي فلوله تشير إلى التخبط الحاصل في تحديد خيارات المستقبل لتقترح أن الشعب كان في نعمة لم يقدرها فاختار أن يبددها ليبحث عما يجهله. حاول حكام ليبيا واليمن وسوريا ويحاولون الاستناد إلى تجربتي مصر وتونس لإقناع مواطنيهم بأن التغيير غير مريح وينطوي على مخاطر يجب أن تثنيهم عن المضي في الاحتجاج والمطالبة بإسقاط النظام، لكن الشعب بات يعرف مسبقا أن هناك مصاعب وهو يأمل بتخطيها، ثم انه لا يرى أولوية أخرى غير ضرورة التخلص من تجارب حكم صارت متكلسة ولم يعد قادرا على قبولها، خصوصا أنها راحت تبني لنفسها أسس ديمومة لا متناهية، عبر التوريث ومصادرة المؤسسات وقولبتها فضلا عن تركيز المال العام في قنوات تخدم أهداف النظام ولا تبقي سوى القليل للتنمية، وتنسى فلول الأنظمة السابقة، أو جماعات "الثورة المضادة" ان كل مشاكل المرحلة الانتقالية تعود عمليا إلى أن العقود السابقة أهدرت في قتل كل احتمالات تداول السلطة وتجديد الوجوه والدماء، وكذلك في تكريس حكم الفرد وإخضاع الدولة والشعب لإرادته. يكفي أن تكون العلاقة السابقة بين الدولة والشعب قامت على انعدام الثقة، وانعدام الضوابط الدستورية والقانونية، وانعدام النقد والرقابة والإصلاح وتصويب المسارات لكي نتفهم بعض الصعوبات الراهنة في توضيح خريطة الطريق إلى المستقبل. فالشعوب تحدس بأنها لا تستطيع، بل ليس متاحا ان تثور كل يوم أو كل شهر أو كل سنة، لذلك فهي تريد ضمان روادع فاعلة لعدم تكرار التجارب التي أضاعت عقودا ثمينة من عمر أجيالها المتعاقبة من هنا الإصرار أولا على مبدأ "الدولة المدنية" لأن النماذج الخمسة التي جرى ويجري إسقاطها ارتكزت على انقلابات وعلى صعود قادة عسكريين أو أمنيين إلى سدة الحكم ومكوثهم فيها من دون أي رغبة في المغادرة، فأي رئيس مدني منتخب لن يتمكن من تجنيد الجيش والأجهزة والتلاعب بل من أجل تثبيته حاكما بولاية مفتوحة ومديدة تتيح له إعادة صوغ القوانين لتغطية مشاريعه، كما أن الرئيس المدني مهما فعل لن يكتسب بعداً أمنياً وترهيباً يساعده في فرض الخوف والصمت والخضوع. هذا المبدأ هو الذي جعل مهمة اختيار الصيغة المقبلة للنظام أشبه بعمل كيميائي وصيدلاني بالغ الدقة، ففي الوقت الذي يجب ضمان الهيبة والاحترام والفاعلية لرئيس الدولة، ينبغي أيضا إقفال كل المنافذ التي تمكنه من التسلط، لابد أن تحتل البرلمانات موقعا مفصليا في تركيب الأنظمة الجديدة، ولابد أن تكون للحكومات صلاحيات أوسع، وستكون الانتخابات الممر الذي يفترض أن يكون آمنا إلى الواقع السياسي الجديد والمرتجى. ومعلوم أن هناك مواعيد أولية حددت للانتخابات في مصر وتونس، ثم أرجئت في الثانية ويحتمل أن تؤجل في الأولى، وسط استياء من بعض القوى وارتياح من قوى أخرى، إذ أن بروز الأحزاب الإسلامية كقوة جاهزة ومتماسكة ومتعطشة لقطف ثمار الثورة دق جرس الإنذار لسائر الأحزاب، وأيضاً لكل فئات المجتمع التي لا تعتبر أن خيارات وبرامج الإسلاميين مطابقة للرؤى التي أظهرتها الثورة، وبالتالي فإن استبدال الإسلاميين الإيديولوجيين بالعسكر ليس خيارا سليما، بل لعله لا يحقق تغييرا حقيقيا لأنه ينقل البلاد من تزمت إلى تزمت. نأتي إلى الاستحقاق الأهم والأخطر، وهو حتمية القطع مع نهج الفساد الذي طالما عمل في "مأسسة" الاستبداد وتقوية جذوره وحتى في صنع نوع من "الشعبية" له، هذا الاستحقاق مطروح ليس فقط في سياق الأنظمة المأزومة التي فقدت شرعيتها، وإنما أيضا في سياق الإصلاحات الأساسية المطلوبة من الأنظمة التي نجت حتى من عواصف الاحتجاج الشعبي، والواقع أن الفساد بات مكشوفا وأصبحت هناك معايير دولية لتحديد أساليبه، وأكثر ما أذهل المصريين أن الحقائق التي تكشفت عن بعض الصفقات وعن التصرف بالأراضي والأملاك الحكومية تجاوزت تصوراتهم، كما أن اليمنيين مثلا عرفوا أن مبالغ كبيرة سحبت لتنظيم التظاهرات المؤيدة للنظام، وفي ليبيا لا أحد يعرف بالضبط أين يمكن فصل أموال الدولة وتمييزها عن أموال القذافي. لا شك أن بناء أي نظام جديد هو مسؤولية جسيمة قبل كل شيء، وتحاول الحكومات الانتقالية أن ترسم قراراتها بنوع من "الشراكة"، ولو المعنوية مع قوى الثورة فنراها تنجح أحيانا وتخفق أحيانا أخرى وتضطر إلى تغيير توجهاتها، وحتى في الحال التي مثلها المغرب، حيث بادر الملك إلى إصلاح دستوري يبدو الواقع الجديد مفعما بالتحديات للدولة كما للمجتمع السياسي، فالنصوص يمكن أن تضيء الطريق لكنها لا تكفي وحدها لإنجاز التغيير، الذي يتحقق فقط بالممارسة. أما الدول التي لا تزال تجهد لكتابة دساتيرها الجديدة فضلا عن تلك التي تشرع في كتابتها بعد، فيغمرها شعور مرير بأنها في صدد عمل كان يفترض أن ينجز قبل عقود، فالدساتير التي داسها الحكام الطغاة كانت في معظمها جديدة قبل أن يعمدوا إلى إفراغها من أي مضمون.

508

| 04 يوليو 2011

خطاب الأسد و"توضيحات" المعلم

النظام السوري حصل على فرص كثيرة للإصلاح لكنه تمسك بطابعه العدواني قبل ساعات من خطاب الرئيس بشار الأسد يوم 20 يونيو كانت التوقعات عالية جداً، وهي لم تأت من فراغ، بل من اتصالات كثيرة علنية وسرية تركت عند العديد من المراقبين والمعنيين في الخارج انطباعاً بأن النظام السوري توصل بعد مائة يوم على الاحتجاجات، إلى قناعات جديدة وإلى خريطة طريق للخروج من الأزمة، واقعياً، لا يزال الاعتماد عليه رغم كل الكلام عن فقده الشرعية أو المصداقية، فالبدائل لم تنضج أو تتبلور، بمعزل عما إذا كانت تثير المخاوف أو توحي بالثقة، إذ ليس سراً أن أهم نقطة ضعف لدى المعارضة أنها غير منظمة وغير موحدة وبالتالي غير جاهزة لاستلام الدفة. كما ليس سراً أيضا أن النظام نفسه اهتز وفقد الكثير من قوته التي كانت معتمدة فقط على التخويف والترهيب، ثم إنه لا ينفك يعمق مأزقه، باستخدامه المفرط للعنف وعدم اعترافه بحقيقة الأزمة. كان اللواء حسن توركماني قد زار أنقرة قبل أيام من خطاب الأسد، وسمع وتبلغ مباشرة من كبار المسؤولين الخارجين لتوهم من انتخابات منحتهم تفويضا جديدا أنهم لا يستطيعون السكوت عما يجري في سوريا، وأنهم مستعدون لمساعدة النظام إذا كان يريد مساعدة نفسه، ولأجل ذلك ينبغي أن يوضح علنا ما هو برنامجه للإصلاح وكيف يخطط لتنفيذه وما هي الخطوات التي ينويها لبناء الثقة مع شعبه أولاً ومع الأطراف الخارجية ثانيا، وكان الأتراك قد قدموا أكثر من ورقة اقتراحات نوقشت مسبقا مع الأمريكيين لكنهم فوجئوا بأن "الشريك الإستراتيجي" السوري لم يعطها أي أهمية بل أبلغهم أنه يعرف بلاده وشعبه أكثر منهم وأنه يعد خططه لمعالجة الأزمة وسيعلنها، ما لم يتمكن اللواء توركماني من تحقيقه هو إقناع الأتراك بالتعاون مع السلطات السورية لإعادة النازحين من جسر الشعور وجوارها، علما بأن هؤلاء لم يكونوا قد اجتازوا خط الحدود بعد وإنما في المنطقة الواقعة بين الحدود. إذ سأل الأتراك عن الضمانات لعدم التعرض لهم وطلبوا تعهدات ثم إنهم لفتوا المسؤول السوري إلى أن تركيا لا تحتجز النازحين بل تستقبلهم ولا تمنعهم من العودة سوى الأسباب التي دعتهم إلى القرار. كان بإمكان خطاب الأسد أن يعيد هؤلاء النازحين، خصوصا أن دمشق أرادت تجنب استخدام قضيتهم كثغرة ينفذ منها التدخل الخارجي أو تدويل الأزمة، لكن التصنيف الذي تبرع به الرئيس لمواطنيه المحتجين (أصحاب مطالب، أو مرتكبو مخالفات قانونية، أدارها بيون)، كسر أي أمل في بناء الثقة، أي أن الرئيس لم يعترف بوجود مشكلة بين الشعب والنظام وإنما بين النظام و "المخربين" ورغم أنه انتهى إلى استنتاج بوجوب الإصلاح، مشيراً إلى قانوني الأحزاب والإعلام وإلى الحوار كـ"شعار للمرحلة المقبلة" وحتى إلى إمكان تعديل الدستور أو الحاجة إلى دستور جديد، إلا أن الفهم العام لفحوى خطابه أنه لم يتزحزح عن منطلقات خطابه الكارثي السابق في مجلس الشعب وإنما أجرى عليه بعض التنقيح دون أن يظهر أنه أخذ علما بمطالب الشعب أو أنه سمع شيئا عن الحرية والكرامة والعدالة فضلا عن الديموقراطية. لذلك لم يفهم أحد ما الذي قدمه، فحتى "العفو العام" الذي كان أهدره وأعاد إصداره لم يبد أنه خفض عدد المعتقلين بسبب الاحتجاجات، فبعد ساعات على الخطاب سجلت اعتقالات جديدة، أما إشارته إلى ضرورة الوصول إلى فصل بين الأجهزة الأمنية ومجريات السياسة فبدت أشبه بالحديث عن "أحلام" قد تتحقق وقد لا تتحقق، لأن الحديث هنا عن منظومة بنيت على التسلط والاستخفاف بكرامة الناس واعتبار المواطن عدواً ومضى عليها زمن وهي تمارس الانتهاكات دون أن تكون هناك قوانين تحاسبها أو تضع لها ضوابط، ويدرك النظام جيدا أن جانبا كبيرا من غضب المواطنين وثورتهم يعزى إلى ممارسات الأجهزة الأمنية، ولطالما اعتمد النظام عليها للحفاظ على سطوته وضمان استمراره. ورغم أن الأسد قال بالعربية الفصحى إنه يريد حلا سياسيا إلا أن أحدا لم يسمع منه أن "الحل الأمني" استنفد أو أنه في صدد التخلي عنه، تحدث مداورة عن التغيير إلا أن فحوى الخطاب كانت بالغة الوضوح في تأكيد أن النظام باق وأنه سيعطي الدروس للآخرين ولا يتلقاها منهم، وبذلك كان يقصد تركيا بطبيعة الحال، لكن من غير المعروف أي دروس سيعطيها طالما أنه لم يعد قادرا على التفاهم مع شعبه، وليس مستغربا أن يكون كلامه عن "الجراثيم" وضرورة القضاء عليها لتأمين مناعة الجسم قد ظهر في اللافتات التي رفعها المتظاهرون في "جمعة سقوط الشرعية" فالمواطنون شاءوا تسجيل الإهانة التي وجهها إليهم. ما لم يقله الرئيس تولاه وزير الخارجية، وعدا أن وليد المعلم اعتبر أن أوروبا "بسبب عقوباتها للنظام" لم تعد على الخريطة مؤكداً أن "الكلاب تنبح والقافلة تسير" إلا أنه تمكن من الكلام بوضوح: فالمطلوب وقف التظاهر والاحتجاج، والذهاب إلى الحوار "لاختبار جدية" النظام، المطلوب هدنة حوار. لاشك أن الوزير يعرف أن الحوار يتطلب تكافؤا وحدا أدنى من الثقة، وأي حوار برعاية النظام أو تحت سقفه لابد أن يكون محكوما بالمحرمات وأهمها البحث في تصويب أوضاع المؤسستين العسكرية والأمنية، وأي هدنة من شأنها إعادة أجواء الخوف والصمت، بل وستكون فرصة تنتهزها الأجهزة لاستكمال اعتداءاتها، تنكيلاً واعتقالات، بعيداً عن ضغوط التظاهرات لا يستطيع الشعب أن يغامر بالتضحيات الجسيمة التي قدمتها من أجل "حوار" يدار من الفرق الخلفية ويهدف في نهاية المطاف إلى "تسوية" تديم النظام بشكل أو بآخر، هذه اللعبة ليست مكشوفة فحسب وإنما ترمي فقط إلى تمرير المرحلة عن طريق التذاكي. واقع الأمر أن النظام طرح خياراً صائباً هو الحوار، لكنه نسي أن عليه قبل كل شيء إثبات تصميمه على أن يكون التغيير سلمياً، بل نسي خصوصاً أن الحوار يحتاج إلى مقدمات ينبغي توفيرها وقد نبه إليها الأتراك مراراً لكنه يرفض تلقي الدروس، وكان عليه أن يتعلم مما شهده في مصر وتونس، وحتى في اليمن وليبيا، بدل أن يتمترس وراء فكرة أنه نظام مختلف أو يتمتع بـ"استثناء" يحصنه. وأهم تلك المقدمات أن يفصح في الوقت المبكر المناسب عن نياته بالنسبة إلى التغيير والإصلاح، ولكي ينجح ذلك وتكون له مصداقية ينبغي الإحجام عن سفك الدماء واحتقار الناس. عملياً في هذا الوقت المناسب منذ اليوم الأول عندما ارتكبت الأعمال الوحشية المريعة ضد أطفال درعا.. ورغم أن النظام أعطي الفرصة تلو الأخرى إلا أن طبعه العدواني تغلب على تطبعه مع تغير الأحوال.

490

| 27 يونيو 2011

الظواهري زعيماً لـ"القاعدة".. من يهتم؟

اسألوا الشباب في ساحات التغيير، في تظاهرات الاحتجاج والمطالبة بإسقاط النظام: هل يعنيكم بشيء تعيين أيمن الظواهري زعيماً لتنظيم "القاعدة"؟ المؤكد أن السؤال يتعلق حاليا برجل وتنظيم خارج السياق، ولكن هل كان يوما في السياق العربي الطبيعي؟ نظرياً: نعم، عملياً: لا.. كيف؟ لعل الطرح السياسي الذي قدمه الظواهري، وكذلك أسامة بن لادن، ينطوي على العديد من الأحكام الصائبة، والمآخذ المحقة فيما يتعلق بنقد الأنظمة العربية وسياسات الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. أما النهج الذي اتبع للتخلص من المظالم والهيمنة والتسلط والاحتلالات فظل هامشياً حتى مع تسببه بنتائج كارثية للبلدان العربية وشعوبها. كان بن لادن، قبيل قتله، قد أذاع رسالة صوتية تفيد باستحسانه الانتفاضات العربية. وقبل أسبوعين عاد الظواهري، الرجل الثاني الذي سيصبح الأول، إلى الموضوع نفسه وكأنه يعتبر تلك الانتفاضات نتيجة للحوافز والتحريضات التي وفرتها "القاعدة" خلال العقد الماضي. ورغم أن التنظيم برهن دائما عدم اكتراثه بصورته أو شعبيته العربية والإسلامية، إلا أن زعيميه استشعرا على الأرجح أن الحراك الحاصل يمثل شكلا ومضمونا، تهديدا للحيز الذي صنعه التنظيم وشغله في حياة الشعوب العربية والمسلمة. فاللافت في الشكل أنه ركز على الطابع السلمي ونبذ العنف، أما المضمون فيميل إلى دول وحكومات مدنية، منتخبة، وملتزمة إقامة القضاء العادل ومحترمة حقوق الإنسان بمعاييرها الدولية، وقد استتبع ذلك أن تعمد أكثر الجماعات قرباً ومشاركة للنهج الديني، الذي تدافع عنه "القاعدة"، إلى الانتظام في أحزاب والاستعداد للاحتكام إلى صناديق الاقتراع. والواقع أن النهج الديني لا يشكل هنا معيارا صارما لمسائلة "القاعدة" فهي اتخذته على أي حال غطاء ومصيدة للترويج والتجنيد، أما أساليب العمل فاستمدتها من هنا وهناك بحسب الظروف والتسهيلات، وغني عن البيان أن الدين الإسلامي تعرض للكثير من الإساءات بسبب القاعدة، ولم يكسب شيئا بفعل تجربتها المستمرة، إذ تحولت نموذجا لعصابات مسلحة تستسهل القتل، وتقدم عليه أحيانا بدم بارد لا يمكن أن يكون وراؤه أي وازع أو دافع له علاقة بأي دين على الإطلاق. كان لافتا في شريط الظواهري الذي سبق إعلان اختياره للزعامة، أنه طلب من القاعديين تجنب إيذاء المدنيين أو القيام بعمليات في أماكن عامة يحتمل تعرض الناس العاديين فيها للموت أو للإصابة. فالقراءة الأولى لهذه التوصية أنها قد تكون متأثرة بأجواء الحراكات الشعبية ومحاولة للتفاعل مع "السلمية" التي تنادي بها. ولكن تنظيم "القاعدة" لا يستطيع، مهما بذل من جهد، أن يكون جزءا من تلك الحراكات أو مواكبا لها يسعى إلى إنجاحها، وحتى لو وضع نفسه في خط مواز لخطّها، إلا أنهما لن يلتقيا أبدا، والسبب الأول والأهم لذلك أن "القاعدة" ظاهرة نقيضة لفكرة الدولة، في حين أن ساحات التغيير العربية تتوق إلى تأسيس سياق حقيقي لـ"دولة القانون" وللحكم المدني الذي لا يستقيم مع النموذج الذي أنشأته حركة "طالبان" في أفغانستان واعتبرته "القاعدة" مناسباً لتطلعاتها. صحيح أن أجواء الانتفاضات والثورات أقرت بشكل تلقائي إلى خفوت وهج "القاعدة" وانتفاء المنطق الهش الذي كانت تستند إليه، إلا أن التحديات التي يواجهها، "الربيع العربي" أعادت إليها بعض الأمل بأن استمرارها مبرر أو سيتحصل على مبررات جديدة، فـ"القاعدة" أو ما يشبهها صديقة للدول أو البيئات المائلة إلى الغرق في الفشل أو في الفوضى، لأن هذه تفتح الأبواب لإنشاء "إمارات إسلامية" وفقاً للمعايير القاعدية كما طبقت في الصومال مثلا، أو كما تجرى المحاولات لتطبيقها في العراق وأخيراً في اليمن، أما الفرع المسمى "المغرب الإسلامي" فاقتصرت "جهاديته" في الأعوام الأخيرة على التفاوض لانتزاع أكبر الفدى لقاء إطلاق رهائنه. يمكن التعرف إلى تلك المبررات الجديدة في ثنايا البيان الذي أعلن فيه تنظيم "القاعدة" تولي الظواهري قيادته، فعدا استعادته مقولة "الجهاد حتى يوم القيامة" ضد "الكفار الغزاة المحتلين لديار المسلمين" وضد "الحكام المرتدين المبدلين لشرائع الإسلام"، يحدد البيان المواصفات التي يريدها لانتصار الثورات الشعبية. إذ يقول إنه "حتى يأتي التغيير الحقيقي الكامل المنشود، الذي لن يأتي إلا بعودة الأمة المسلمة إلى شريعة ربها بعدما نحتها قوى الاحتلال عن الحكم لابد أن تعود شريعة الإسلام خالصة تحكم أمة الإسلام لا تزاحمها شريعة ولا تشاركها مرجعية. بل إن التغيير لن يتحقق إلا بتخلص الأمة من كل أشكال الاحتلال والهيمنة والسيطرة العسكرية والاقتصادية والثقافية والقضائية التي يفرضها الغرب علينا، وهكذا فإن البرنامج "القاعدي" يعيد إنتاج ثوابته نفسه من خلال التموضع في سياق الثورات الشعبية. هذا ما يجعله في مواجهة متجددة مع قوى الغرب التي تحاول استقطاب "الربيع العربي" وتضع برامج ومساعدات لدعم تطلعاته الديمقراطية، ولا شك أن الدور الذي يضطلع به حلف الأطلسي في ليبيا يشكل بالنسبة إلى "القاعدة" نموذجاً مرفوضاً، إلا أن التنظيم الذي أبدى مآخذه على هذا الدور، وبلسان الظواهري حتى قبل غياب بن لادن، ربما سلّم مؤقتاً بأن الأولوية هي لإزاحة معمر القذافي بمعزل عمن يسهلها، ليكون له رأي أو فعل في مرحلة ما بعد القذافي، لكنه سيفاجأ على الأرجح بأن البيئة التي ستنشأ لن تتيح له التدخل، وحيثما لا تكون هناك بيئة حاضنة لا يمكن "القاعدة" أن تشكل حالة للعمل من خلالها. والواقع أن الاهتمام الإعلامي والسياسي بإعلان الظواهري خلفا لابن لادن كان في معظمه غربي، فالمعنيون من خبراء أمنيين اعتبروا أن تنظيم "القاعدة" يخاطبهم لإبلاغهم أن شيئا لم يتغير وأن المخاوف والمخاطر بل لعلها ستزيد، فالزعيم الجديد يريد أن يضع بصمته، وربما من خلال الثأر لقتل سلفه، وبعملية مدوية يعتقد أنها ستجدد إقبال المتطوعين للجهاد، والمشكلة أن مشاريع الحروب الأهلية التي تستبطنها ردود فعل الأنظمة على الثورات الشعبية تبدو كأنها ستفتح لـ"القاعدة" احتمالات غير متوقعة لإطالة عمرها.

971

| 20 يونيو 2011

مسلسل الضغوط على طريق "سبتمبر"

الفلسطينيون لا يحضرون لحرب وإنما لخطوة في اتجاه "خيارهم الاستراتيجي" من المفارقات المستهجنة لدى باراك أوباما أنه قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2010 إن الدولة الفلسطينية ستكون حاضرة هنا السنة المقبلة، أي في 2011 كان آنذاك متشجعا بالمفاوضات التي تمكن من إعادة إحيائها في احتفال في البيت الأبيض، لكنها كانت محكومة بقدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي على مواصلة "تجميد" الأنشطة الاستيطانية، وكان الرئيس الأمريكي ولا يزال يعارض – مبدئيا ونظريا – وقف الاستيطان بل إن إدارته أشارت مرارا إلى أنه عمل "غير شرعي" ورغم ذلك اختارت واشنطن أن تقف إلى جانب بنيامين نتنياهو الذي يريد التفاوض مترافقا مع الاستيطان، ما يعني عمليا مواصلة سرقة الأراضي والتفاوض على رد هذه الأرض إلى أصحابها. الآن، وقبل مضي السنة، ولأن الفلسطينيين يريدون مطالبة الجمعية العامة بالاعتراف بدولة فلسطينية ضمن حدود 1967 فإن أوباما يلح عليه بتجنب ذلك، رغم أنه في خطابه الشرق أوسطي الأخير أقر بدولة في حدود 1967 وأزعج الإسرائيليين وأعضاء الكونجرس الذين وقفوا مصفقين لنتنياهو حين أعلن رفضه لهذه الحدود، ولم يعد معلوما ما الذي يريده أوباما فعلا، أما ما الذي يستطيعه فلم يعد يثير أي أوهام، وما الفائدة من مواقف لفظية مصاغة لإرضاء جميع الأطراف، لكنها لا تقترن بمبادرات. قيل إن أوباما اقتنع حتى قبل أن ينتخب رئيسا بأن عقدة العقد في المفاوضات الفلسطينية –الإسرائيلية هي الحدود، وأن الاستيطان يعني التلاعب المستمر بهذه الحدود بذريعة أن إسرائيل تريد حدودا تستطيع "الدفاع عنها"، وقيل للفلسطينيين أن عليهم دعم أوباما وتسهيل مهمته: أولا لأنه تبنى لهجة وموقفا لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن اتبعهما حيال إسرائيل، وبالأخص في موضوع الاستيطان كما أنه رفض ضغوط "اللوبي الصهيوني" ليعيد التزام ما التزمه جورج بوش لآرييل شارون في أبريل 2004، بالنسبة إلى المستوطنات والحدود.. وثانيا لأنه ينوي الضغط على إسرائيل لكنه لا يستطيع أن يمارس أي ضغط إذا لم تكن هناك مفاوضات جارية بين الجانبين. واقع الأمر أن الفلسطينيين كانوا مستعدين للمضي في دعم أوباما لولا أنهم لمسوا بوضوح أن تصميمه المعلن بالنسبة إلى الاستيطان لا يرقى إلى سياسة تريد الولايات المتحدة تطبيقها، كما أن توتر العلاقات بينه وبين نتنياهو لم يحرم الأخير من نيل الكثير مما طلبه من مساعدات عسكرية فاقت ما قدمه رؤساء أمريكيون سابقون إلى إسرائيل. أكثر من ذلك، كان الفشل في إقناع الإسرائيلي يرتد على الدوام ضغوطا على الفلسطينيين لمزيد من التنازلات. ما الذي تعنيه دعوة أوباما الفلسطينيين إلى تجنب طلب تصويت الجمعية العامة على "الدولة"؟ إنها تعني أن الرئيس الأمريكي غير القادر على تحريك ملف المفاوضات يطالب الفلسطينيين بالركون للتجميد الذي فرضه نتنياهو عبر تنشيط الاستيطان. لا يمكن لهذا أن يكون سياسة لدولة عظمى معنية مباشرة، ومتورطة جدا، ومسؤولة قانونيا، في هذا الملف، إما أن يكون هناك توافق على "تجميد" تلتزمه الأطراف جميعا، ويكون هدفه التحضير لإطلاق المفاوضات، أو يترك لكل طرف تحريك الملف وفقا لما يحقق له مصلحة ما. وما فعله الفلسطينيون أنهم بذلوا جهدا خلال العامين المنصرمين لتأمين "جهوزية" بحد أقصى لإعلان "الدولة" في سبتمبر 2011، وقد توصلوا إلى هذا الهدف بشهادة المؤسسات الدولية، ومنها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وفي أي حال كانت هذه الجهوزية من المطالب الأمريكية والأوروبية، باعتبار أن إسرائيل كانت تستخدم خلل الوضع الإداري للسلطة الفلسطينية للقول بأنه لا يصلح لأن يتحول إلى "دولة". لاشك في أن التصويت على "الدولة" في سبتمبر لا يكفي، إلا أنه سيشكل ضغطا معنويا لن تستطيع إدارة أوباما تبرير رفضها لها، كما أنه سيزيد من عزلة تستشعرها إسرائيل وتتحدث عنها كل يوم. ومنذ الآن يبدو هذا التصويت كأنه سيقسم العالم بين دول العالم الغربي المناصرة تقليديا لإسرائيل، وبقية دول العالم، هناك دول غربية عديدة لا ترى في هذا الانقسام مصلحة على المدى الطويل، بل هناك دول تعتبر أنه لا مبرر للتصويب ضد الدولة طالما أن الأمر لن يحسم إلا في مجلس الأمن. لكن إسرائيل ترى أن الأمر يتعلق بمنازلة يجب أن تبذل فيها كل ما لديها من نفوذ لخفض عدد الدول المؤيدة. لا تزال واشنطن تراهن على إقناع الفلسطينيين، بالعدول عن هذه الخطوة، لكنها لا تملك خطة بديلة لإنصافهم.. ويبدو أنها حثت ألمانيا على القيام بمحاولة أولى، لكن ألمانيا أنجيلا ميركل ووزير خارجيتها لا يمكنهما الاعتماد على ليكوديتهما المكشوفة وإنما سيسعيان للتلويح بمزيد من المساعدات أو بحجب ما تقدمه ألمانيا حاليا للمؤسسات الفلسطينية، ليس مستبعدا أن تتبع دول أوروبية أخرى ألمانيا في مسعاها، لكن إذا اقتصر الأمر على التهديد بتقليص المساعدات من دون أن يكون هناك بديل سياسي للجمود الراهن، فإنه لن يفلح في تغيير الموقف الفلسطيني. هنا يفترض أن يتضح الدعم العربي أكثر فأكثر، فالفلسطينيون لا يحضرون لحرب وإنما لخطوة في الاتجاه الذي اختاره العرب عندما اعتبروا السلام "خيارهم الاستراتيجي" والمسألة لم تطرح لمجرد وضع الولايات المتحدة أمام تحد أو إحراج متعمد، وإنما لأن العرب استجابوا أساسا لـ"عملية سلام"، طرحتها أمريكا ثم تركت إسرائيل تتلاعب بها، وأخيراً فما دامت واشنطن عاجزة عن إقناع حليفها الإسرائيلي أو الضغط عليه فالأولى أن تتيح للآخرين تحريك الملف لإشعار إسرائيل بأن سياستها مرفوضة وأنها لا تستطيع على الدوام فرض الأمر الواقع في الشرق الأوسط.

433

| 13 يونيو 2011

مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق

أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...

2814

| 31 مايو 2026

حين يقودنا الوعي بدل العاطفة
حين يقودنا الوعي بدل العاطفة

في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف...

2718

| 02 يونيو 2026

لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟
لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟

قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير...

2562

| 02 يونيو 2026

الكورة في ملعبك
الكورة في ملعبك

لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر...

2031

| 02 يونيو 2026

نظرة سوداوية أو مستقبلية؟
نظرة سوداوية أو مستقبلية؟

دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة...

1524

| 01 يونيو 2026

إحياء مبدأ مونرو.. تخلٍّ عن الهيمنة أم حفاظ عليها ؟
إحياء مبدأ مونرو.. تخلٍّ عن الهيمنة أم حفاظ عليها ؟

في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن...

1506

| 04 يونيو 2026

الحج بين روح العبادة وضجيج المظاهر!
الحج بين روح العبادة وضجيج المظاهر!

• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة...

1278

| 03 يونيو 2026

«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية

.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال...

1134

| 04 يونيو 2026

كيف نتعامل مع حوادث الانتحار
كيف نتعامل مع حوادث الانتحار

مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت...

906

| 31 مايو 2026

هل خدعتنا كتب التنمية البشرية؟
هل خدعتنا كتب التنمية البشرية؟

اجتاحت المكتبات العربية في بداية الألفية الجديدة موجة...

897

| 02 يونيو 2026

من استبد برأيه هلك
من استبد برأيه هلك

ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل...

849

| 04 يونيو 2026

الموظف "العومة"
الموظف "العومة"

الموظف الحكومي من أكثر الأشخاص الذي مهما فعل...

831

| 31 مايو 2026

أخبار محلية