رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحافة الاستقصاء عنوان الرقابة الشعبية على إهمال السلطة وحجبها للمعلومات
حتى الحساسية التقليدية التي يبديها البريطانيون ضد كل ما يمكن أن يمس حرية الإعلام، لم تحل دون قبول المصير الذي نسجته صحيفة "نيوز أوف ذي وورلد" لنفسها. فبعد 168 عاماً على صدورها، تنقلت خلالها بين عدد من المالكين، لتستقر أخيراً في يد شركة "نيوز إنترناشول" التي يملكها روبرت ميردوخ، صدر أمس الأحد عددها الأخير تنفيذاً لقرار إغلاقها، صحيح أن هذا القرار لم يكن حكومياً، إلا أن حكومة ديفيد كاميرون قالت ما لديها، وكان على أصحاب الصحيفة أن يتصرفوا، ثم إن الخطوة الحاسمة لم تكن قضائية أو حتى سياسية، وإنما جاءت تلقائياً من شركات كبرى أعلنت تجميد أو إنهاء عقودها الإعلانية مع الصحيفة.
أصبح معروفا السبب وراء هذه الفضيحة، وهو قرصنة الهواتف النقالة لمئات الأشخاص، بينهم المليارديريون والمشاهير والوزراء والساسة، لكن بينهم أيضا العديد من الأشخاص العاديين خصوصا أولئك الذين فقدوا أفرادا من عائلات أو كانوا هم أنفسهم ضحايا الهجمات الإرهابية في السابع من يوليو 2005م، فضلاً عن ضحايا لجرائم بشعة استقطبت اهتمام المجتمع البريطاني، ولتسهيل عملية التنصت كان لابد للصحيفة من التواطؤ مع خبراء كمبيوتر يعرفون البرامج الخاصة بهذا النشاط الذي يبقى حكراً على أجهزة الأمن، وبالتالي كان لابد من استدراج خدمات أفراد في تلك الأجهزة، وعندما كانت الأجزاء المكشوفة من الفضيحة تتعلق بالمشاهير والأغنياء والساسة، كان التعامل معها متروكاً للقضاء الذي حكم دائماً لمصلحة الضحايا، لكن عندما ظهر اتساع نطاق التنصت إلى المواطنين العاديين صعدت الحكومة احتجاجها وأرفقته بطلب تحقيق شامل، فأصبحت الفضيحة قضية داخلية متفجرة لا يمكن التستر عليها بذريعة أن إمبراطورية ميردوخ الإعلامية دعمت حزب المحافظين في انتخابات 2010م، مثلما كانت تدعم حكومات العمال أيام كان توني بلير على رأسها.
كان رئيس الوزراء الحالي كاميرون اختار رئيس تحرير هذه الصحيفة اندي كولسون كأبرز مسؤول إعلامي لديه. لكن كولسون أحد مهندسي هذا النمط الصحفي الذي أدى أخيراً إلى هذه الكارثة، طبعاً اضطر كاميرون للتخلص سريعا من كولسون الذي أصبح الآن في السجن، ومع أن القضية تفجرت قبل نحو عامين إلا أن التنصت استمر حتى الأسابيع الأخيرة، كما أن الحل الجراحي الذي اختاره ميردوخ مضطراً وعلى مضض لن يشكل نهاية لمتاعبه، فالفضيحة قد تنعكس على إمبراطوريته الإعلامية، إذ أنه كان على وشك وضع يده على شركة "بي سكاي بي" وحظي لأجل ذلك بمساندة واضحة من الحكومة وسط استياء كبير في الأوساط السياسية والإعلامية والمالية، لكنه الآن يواجه احتمال إعادة النظر في مجمل هذا المشروع الذي يجعل منه وهو الأسترالي، سيداً للإعلام البريطاني الذي كانت الـ"بي.بي.سي" عنوانه الأول والأخير.
فجأة، أصبحت الصحيفة الشعبية الأولى الصحيفة الأولى غير الشعبية، كانت "نيوز أوف ذي وورلد" تحلّق كل أحد بتوزيع ورواج يصلان إلى مليونين وستمائة وستين عدداً، تأتي بعدها "ميل أون صنداي" بـ"1.52" مليون، ثم "صنداي ميرور" بـ"1.09" مليون، أما أولى الصحف الجادة "صنداي تايمز" فتبلغ حصتها 1.05 مليون، ومع حصيلة إعلانية تبلغ 40 مليون جنيه إسترليني تحتل "نيوز أوف ذي وورلد" المرتبة الأولى أيضا بين الأسبوعيات، وما صنع هذه الشعبية هو شغف البريطانيين بالفضائح، حتى إن الصحف المتخصصة بأخبار المشاهير والأغنياء بالنسبة إليهم هي التي ورثت الصحافة المكتوبة بعد اجتياح المرئي والمسموع وحتى الإلكتروني للمشهد الإعلامي.
وأصبح "ضحايا" هذه الصحف يعتبرون فضح شؤونهم الخاصة بمثابة "ضريبة شهرة" تأتيهم بمتاعب داخل أسرهم وأحيانا داخل أعمالهم لكنها تأتيهم أيضا بمزيد من الشهرة. هناك بينهم من أنهت "نيوز أوف ذي وورلد" حياته المهنية بسبب فضائحه الجنسية، لكن هناك مآسي اجتماعية متأنية من جرائم خطف وقتل أسهمت في التخفيف من حدتها.
ما الذي دفع هذه الصحيفة إلى قرصنة هاتف صبية في الثالثة عشرة اختطفت وقتلت عام 2002م؟ ولماذا جرى التلاعب بالرسائل الصوتية الموجودة في ذاكرة الهاتف؟ ولماذا التنصت على عائلات جنود قتلوا في أفغانستان والعراق طالما أنها كانت تقول علناً كل ما تفكر فيه ضد الحكومة والمشاركة في هاتين الحربين؟ ولماذا التنصت على ضحايا الإرهاب أو الجرائم الأخرى؟ لا شك أنه اللهاث وراء الخبر وخلفياته، بل السعي إلى احتكار أي خبر، لكن الأكيد أن الجشع هو الذي جازف بأخلاقيات العمل الصحفي إلى حد رميه في الهاوية، لذلك بدت الفضيحة كأنها جرس إنذار لكل الصحف الشعبية، إذ طرحت التساؤلات حول وسائل التعاطي مع المصادر، علما بأنها يمكن أن تختصر عموما بالمال، إذ أن هذه الصحف كرّست تقليداً يشجع أياً كان على كشف ما يعرفه لقاء المبلغ الذي يحدده، وفي الأحداث الطارئة التي تتطلب تغطية سريعة واستثنائية يتزود الصحافي بمبالغ نقدية لشراء المعلومات مباشرة من الشهود العيان أو من الأشخاص الذين التقطوا صوراً أو يملكون خلفية لما حدث.
بديهي أن الجمهور لا يريد موت هذا النوع من الصحافة في بريطانيا، فهو يجد فيها متنفساً لا توفره الصحافة الجادة المنمطة رغم تمتعها بحرية مشهود لها في تغطية القضايا الكبرى، من هنا إن قضية "نيوز أوف ذي وورلد" لم تكن لتأخذ هذا المنحى الانهياري لو لم تلجأ إلى أساليب متفلتة من أي ضوابط أخلاقية أو قانونية، بل لو لم تبالغ في توسيع دائرة المستهدفين بالتنصت، وفي كل الأحوال يبقى هذا الأسلوب مرفوضا حتى عندما تمارسه أجهزة الأمن، وهي لا تفعل إلا بطلب من السلطة القضائية المختصة أو وفقا لقوانين استثنائية كالتي تتعلق بالإرهاب، ولا شك أن مهنة الصحفي المخبر طالما شبهت بمهنة التحري المخبر لكن إزالة الفوارق بينهما لم تكن ولن تكون في مصلحة الصحافة تحديداً، والمؤكد أن الرأي العام يريد لصحافة الاستقصاء أن تنشط وتزدهر وتتجرأ لأنها باتت عنوان الرقابة الشعبية على إهمالات السلطة وحجبها الغريزي للمعلومات، لكن الذهاب بالاستقصاء إلى حد انتهاك الخصوصيات وتشجيع الابتزاز وترسل الرشى واللعب على دوافع الانتقام لدى الأشخاص المعنيين لا يقرب الصحفي إلى المخبر وإنما إلى رجالات المافيا.
عبدالوهاب بدرخان
يستطيع الفلسطينيون أن يدهشوا أنفسهم، وأن يقدموا أحياناً على ما لا يتوقع منهم، لكن الآخرين ولا سيما العرب... اقرأ المزيد
1054
| 07 يناير 2013
المالكي ومخاطر التلاعب بالسلطة
آخر حجة يريد العراقيون سماعها من رئيس الوزراء نوري المالكي أن استهدافه وزير المال رافع العيساوي، وقبله نائب... اقرأ المزيد
647
| 31 ديسمبر 2012
سقوط "الممانعة" في مخيم اليرموك
كانت صدمة مروّعة لفلسطينيي مخيم اليرموك أن تُقصف "عاصمة الشتات" – كما كرّسوا مخيمهم – بطائرات "نظام الممانعة"،... اقرأ المزيد
559
| 24 ديسمبر 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11613
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8493
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026