رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصر وتونس خرجتا من سطوة الاستبدادالى صعوبة في رحابة الحريات
الصعوبات التي تمر بها المرحلة الانتقالية في مصر وتونس تلفت خصوصا إلى أن الفئات التي توحدت في صنع الثورتين ما لبثت أن تفرقت في سعيها إلى تحقيق الأهداف، فبعد الزمن الرديء تحت سطوة الاستبداد، بدأ الزمن الصعب في رحاب الحريات التي انبثقت من الشارع.
لم يكن الشعب هنا أو هناك، يجهل التعددية في صفوفه، ولا اعتبرها مشكلة يجب أو يمكن أن تحول دون التغيير، لكن يلزمه بلا شك الوقت والصبر ليعيد بلورة التوافقات التي ستشكل وئامه وتعايش مختلف مكوناته، الفارق أن النظام السابق عبث بتلك التعددية واستغل تناقضاتها ليوحي بأن الشدة التي استخدمها هي التي ذوبت التباينات وأدت إلى إشاعة الاستقرار، وها هي فلوله تشير إلى التخبط الحاصل في تحديد خيارات المستقبل لتقترح أن الشعب كان في نعمة لم يقدرها فاختار أن يبددها ليبحث عما يجهله.
حاول حكام ليبيا واليمن وسوريا ويحاولون الاستناد إلى تجربتي مصر وتونس لإقناع مواطنيهم بأن التغيير غير مريح وينطوي على مخاطر يجب أن تثنيهم عن المضي في الاحتجاج والمطالبة بإسقاط النظام، لكن الشعب بات يعرف مسبقا أن هناك مصاعب وهو يأمل بتخطيها، ثم انه لا يرى أولوية أخرى غير ضرورة التخلص من تجارب حكم صارت متكلسة ولم يعد قادرا على قبولها، خصوصا أنها راحت تبني لنفسها أسس ديمومة لا متناهية، عبر التوريث ومصادرة المؤسسات وقولبتها فضلا عن تركيز المال العام في قنوات تخدم أهداف النظام ولا تبقي سوى القليل للتنمية، وتنسى فلول الأنظمة السابقة، أو جماعات "الثورة المضادة" ان كل مشاكل المرحلة الانتقالية تعود عمليا إلى أن العقود السابقة أهدرت في قتل كل احتمالات تداول السلطة وتجديد الوجوه والدماء، وكذلك في تكريس حكم الفرد وإخضاع الدولة والشعب لإرادته.
يكفي أن تكون العلاقة السابقة بين الدولة والشعب قامت على انعدام الثقة، وانعدام الضوابط الدستورية والقانونية، وانعدام النقد والرقابة والإصلاح وتصويب المسارات لكي نتفهم بعض الصعوبات الراهنة في توضيح خريطة الطريق إلى المستقبل.
فالشعوب تحدس بأنها لا تستطيع، بل ليس متاحا ان تثور كل يوم أو كل شهر أو كل سنة، لذلك فهي تريد ضمان روادع فاعلة لعدم تكرار التجارب التي أضاعت عقودا ثمينة من عمر أجيالها المتعاقبة من هنا الإصرار أولا على مبدأ "الدولة المدنية" لأن النماذج الخمسة التي جرى ويجري إسقاطها ارتكزت على انقلابات وعلى صعود قادة عسكريين أو أمنيين إلى سدة الحكم ومكوثهم فيها من دون أي رغبة في المغادرة، فأي رئيس مدني منتخب لن يتمكن من تجنيد الجيش والأجهزة والتلاعب بل من أجل تثبيته حاكما بولاية مفتوحة ومديدة تتيح له إعادة صوغ القوانين لتغطية مشاريعه، كما أن الرئيس المدني مهما فعل لن يكتسب بعداً أمنياً وترهيباً يساعده في فرض الخوف والصمت والخضوع.
هذا المبدأ هو الذي جعل مهمة اختيار الصيغة المقبلة للنظام أشبه بعمل كيميائي وصيدلاني بالغ الدقة، ففي الوقت الذي يجب ضمان الهيبة والاحترام والفاعلية لرئيس الدولة، ينبغي أيضا إقفال كل المنافذ التي تمكنه من التسلط، لابد أن تحتل البرلمانات موقعا مفصليا في تركيب الأنظمة الجديدة، ولابد أن تكون للحكومات صلاحيات أوسع، وستكون الانتخابات الممر الذي يفترض أن يكون آمنا إلى الواقع السياسي الجديد والمرتجى.
ومعلوم أن هناك مواعيد أولية حددت للانتخابات في مصر وتونس، ثم أرجئت في الثانية ويحتمل أن تؤجل في الأولى، وسط استياء من بعض القوى وارتياح من قوى أخرى، إذ أن بروز الأحزاب الإسلامية كقوة جاهزة ومتماسكة ومتعطشة لقطف ثمار الثورة دق جرس الإنذار لسائر الأحزاب، وأيضاً لكل فئات المجتمع التي لا تعتبر أن خيارات وبرامج الإسلاميين مطابقة للرؤى التي أظهرتها الثورة، وبالتالي فإن استبدال الإسلاميين الإيديولوجيين بالعسكر ليس خيارا سليما، بل لعله لا يحقق تغييرا حقيقيا لأنه ينقل البلاد من تزمت إلى تزمت.
نأتي إلى الاستحقاق الأهم والأخطر، وهو حتمية القطع مع نهج الفساد الذي طالما عمل في "مأسسة" الاستبداد وتقوية جذوره وحتى في صنع نوع من "الشعبية" له، هذا الاستحقاق مطروح ليس فقط في سياق الأنظمة المأزومة التي فقدت شرعيتها، وإنما أيضا في سياق الإصلاحات الأساسية المطلوبة من الأنظمة التي نجت حتى من عواصف الاحتجاج الشعبي، والواقع أن الفساد بات مكشوفا وأصبحت هناك معايير دولية لتحديد أساليبه، وأكثر ما أذهل المصريين أن الحقائق التي تكشفت عن بعض الصفقات وعن التصرف بالأراضي والأملاك الحكومية تجاوزت تصوراتهم، كما أن اليمنيين مثلا عرفوا أن مبالغ كبيرة سحبت لتنظيم التظاهرات المؤيدة للنظام، وفي ليبيا لا أحد يعرف بالضبط أين يمكن فصل أموال الدولة وتمييزها عن أموال القذافي.
لا شك أن بناء أي نظام جديد هو مسؤولية جسيمة قبل كل شيء، وتحاول الحكومات الانتقالية أن ترسم قراراتها بنوع من "الشراكة"، ولو المعنوية مع قوى الثورة فنراها تنجح أحيانا وتخفق أحيانا أخرى وتضطر إلى تغيير توجهاتها، وحتى في الحال التي مثلها المغرب، حيث بادر الملك إلى إصلاح دستوري يبدو الواقع الجديد مفعما بالتحديات للدولة كما للمجتمع السياسي، فالنصوص يمكن أن تضيء الطريق لكنها لا تكفي وحدها لإنجاز التغيير، الذي يتحقق فقط بالممارسة.
أما الدول التي لا تزال تجهد لكتابة دساتيرها الجديدة فضلا عن تلك التي تشرع في كتابتها بعد، فيغمرها شعور مرير بأنها في صدد عمل كان يفترض أن ينجز قبل عقود، فالدساتير التي داسها الحكام الطغاة كانت في معظمها جديدة قبل أن يعمدوا إلى إفراغها من أي مضمون.
أبرز التطورات السياسية في تركيا لعام 2025
كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي الأخرى في عام 2025 أحداثًا بالغة الأهمية، حيث طرأت تطورات... اقرأ المزيد
57
| 05 يناير 2026
من بعد مادورو؟
بالنسبة لي وللعالم ككل فأنا أظن بأن الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة على مواقع داخل فنزويلا هزّت انفجاراتها... اقرأ المزيد
84
| 05 يناير 2026
ماذا كشف «الأسبوع السيبراني 2025» عن حروب المستقبل؟
بات الأمن السيبراني اليوم أحد المفاتيح المركزية لفهم تحوّلات الصراع الدولي وإعادة تشكيل مفاهيم القوة والردع في النظام... اقرأ المزيد
45
| 05 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1557
| 04 يناير 2026
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
855
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
729
| 31 ديسمبر 2025