رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأطراف المفترض أن تضمن حلا لم تعد مقتنعة بأن القذافي يمكن التعاقد معه
في توقعات العديد من العواصم وكذلك المعارضة الليبية، كان يفترض أن يكون هذا الأسبوع الأخير من عمر نظام معمر القذافي، صدرت إشارات كثيرة إلى أن الأزمة ستحسم قبل بدء شهر رمضان المبارك، المفاجآت واردة، لكن القذافي لا يزال يناور رغم علمه أنه لم يعد قادرا على تغيير مسار الأحداث، لديه قوات في جيوب مهمة، كما في البريقة مثلا، أو على تخوم مصراتة وفي بعض مناطق الغرب، إلا أنه أصبح مخترقا في هذا الغرب، ولم يعد يسيطر فعلياً إلا على العاصمة طرابلس.
إذا كان الحسم تأخر فلأن الثوار أو المعارضين يتعاملون مع حرب ومواجهة عسكرية فرضت عليهم، ولم يكونوا بأي حال مؤهلين لها رغم إدراكهم مسبقا أن النظام سيندفع إلى الإبادة والتقتيل ولن يعترف إطلاقا بأنه إزاء وضع ينبغي معالجته بالسياسة، ما فعلته حملة "الناتو"، هو حرمان النظام من فاعلية آلته الأمنية، ومن إمكان فرض أمر واقع لمصلحته، وفي الشهور الثلاثة الأخيرة طرأ تغيير جوهري على أداء مقاتلي المعارضة، فأصبحوا أكثر تنظيما وأفضل تسليحا، وبالتالي صاروا يأملون بأن يحسموا الأمر على الأرض، صحيح أن لديهم أسبابا واقعية للاعتقاد بأن هذا الخيار في متناولهم، لأن خريطة انتشارهم تحسنت، إلا أن دول "الناتو" تشكك في ذلك.
لذلك تولي مختلف العواصم اهتماما بأي محاولة لإيجاد حل سياسي وبات معروفا أن مفتاح هذا الحل هو "تنحي القذافي"، وهذه ورقة يملكها القذافي نفسه، ووحده، فيلوح بها تارة ثم يحجبها، ويضعها على الطاولة بشكل افتراضي ثم يسحبها، وإذ يتنقل مبعوثوه بين باريس وموسكو وبريتوريا، فإنهم يرمون أمام محاوريهم أفكارا متناقضة لا يفهم منها أن الزعيم الليبي يريد فعلا إنجاز حل.
بعد رفض مطلق للاعتراف بأن هناك معارضين، وبأنهم هزوا أركان النظام، لجأ القذافي قبل أسابيع إلى محاولة عقد صفقة سياسية من خلال القبائل، وبالفعل حصلت حوارات بين ممثلين قبليين، ما لبثت أن توسعت لتشمل تكنوقراطا، ممن يعملون في مؤسسات النظام، وتبين على إثرها أن المعارضة لا تريد إقصاء أحد وإنما ترفض بشدة مشاركة الحلقة الضيقة النظام في أي صيغة حكم مقبلة، خلال تلك الحوارات استخدم القذافي مبعوثيه للإيحاء بأنه "إيجابي" حيال أي حل تفاوضي، وعندما تيقن أن ممثلي القبائل لم يتمكنوا من تليين شروط المعارضة، عاد يلعب ورقة التنحي لكن بشرط أن يبقى في ليبيا ولا يغادرها، أما الشرط الآخر فهو أن يتقاسم المعارضون والموالون الحكم.
وطبعا هناك شرط سحب مذكرات التوقيف الدولية الصادرة بحقه إلى جانب نجله سيف الإسلام ورئيس الاستخبارات عبدالله السنوسي.
كان ممكناً تفادي إشكالية مذكرات التوقيف قبل صدورها، أما وأنها صدرت فأصبح من الصعب تجاهلها أو اعتبارها كأنها غير موجودة عمليا، خسر القذافي بموجبها احتمال الحصول على ضمانات بعدم الملاحقة في حال قرر انسحابا حقيقيا من الحكم أو الرحيل إلى منفى متفق عليه، وعندما طرحت فكرة بقاء القذافي مقيما في مكان ما في ليبيا، كان من السهل تصور انتقاله إلى ما يشبه الإقامة الجبرية، بإشراف وحراسة دوليتين، لكن من دون أي ضمانات بعدم الملاحقة، إذ لا يمكن منع المحكمة الجنائية الدولية من القيام بعملها، كما لا يمكن منع مواطنين ليبيين متضررين من النظام من مقاضاته، وأخيراً لا يمكن منع القضاء الليبي بعد استعادته اعتباره واستقلاليته من استجابة مطالب المواطنين.
واقعياً، لم يكن هناك حل سياسي في أي لحظة، وإنما كان ولا يزال هناك سعي من القذافي لبلورة صفقة تكون فرنسا وروسيا والاتحاد الإفريقي أطرافا فيها، بالإضافة إلى من يرغب من دول الغرب، على أن يكون نظامه قائدا للحل ومستعدا لإشراك المعارضة فيما يسمى "إصلاحات سياسية" وعلى أن يضمن النظام مصالح الأطراف الخارجية التي تسهل تسيير الحل، ووفقا لمثل هذه الصفقة فإن مسألة تنحي القذافي لا تشكل معضلة أو عقبة، فهو قال دائما إنه لا يملك سلطة وليس لديه منصب أو صلاحيات وطالما أنه لا يعتزم الرحيل فإنه يمكن أن يصوغ تنحيه عن طريق ترفيع نجله سيف الإسلام.. وهكذا تبدو هذه الصفقة ملغومة وغير قابلة للترويج أو التنفيذ، ثم إن الأطراف المفترض أن تضمن حلا كهذا لم تعد مقتنعة بأن القذافي يمكن التعاقد معه نظرا إلى أنه لا يكف عن المراوغة.
أخيراً أصبح للأمم المتحدة مبادرتها أيضا، وهي تتعامل مع المعطيات القائمة، أي أن هناك نظاما ومعارضة، وبالتالي لابد من دفعهما إلى التفاوض على حل يفترض أن يبدأ بوقف إطلاق النار وتحريك قوات الطرفين إلى مواقع تشكل نوعا من الهدنة تجري خلالها مفاوضات على صيغة الحكم، أما "التنحي" فيمكن أن يأتي بعد اتفاق الطرفين، لكن مجرد ذكر التنحي يعني أن النظام يرفض هذه المبادرة ومجرد ذكر التفاوض مع النظام يعني أن المعارضة سترفضها أيضا وهو ما حصل عمليا.
يراهن القذافي على التململ داخل "الناتو" وسيحاول الصمود إلى ما بعد إنتهاء فترة عمل الحملة الأطلسية بنهاية سبتمبر المقبل، ويعزى التململ أولا إلى أن "الناتو" يقر باستحالة حسم المعركة عسكريا، وثانيا إلى أن الدول المشاركة في الحملة لم تحصل كلها على المصالح التي تطلعت إليها، لذلك يعتبر القذافي أنه لا يزال أمامه مجال للعب على التناقضات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نظامه وعائلته وأجهزته، لكن المعارضة خاضت معركتها من أجل تفكيك هذا النظام، والأكيد أن الأطراف الدولية تريد أيضا التخلص منه.
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
54
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
87
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
51
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5868
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
3618
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2346
| 01 أغسطس 2026